كيف يخدعنا الذكاء الاصطناعي الوهمي... وكيف نحمي أنفسنا؟

من دواءٍ ملوَّن في الأسواق إلى تطبيقٍ لامع في الهاتف... الوهم نفسه بثوبٍ رقمي جديد

بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي تقدم نفسها كمستشار طبي أو قانوني أو حسابي أو حتى كـ«لرفيق عاطفي»
بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي تقدم نفسها كمستشار طبي أو قانوني أو حسابي أو حتى كـ«لرفيق عاطفي»
TT

كيف يخدعنا الذكاء الاصطناعي الوهمي... وكيف نحمي أنفسنا؟

بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي تقدم نفسها كمستشار طبي أو قانوني أو حسابي أو حتى كـ«لرفيق عاطفي»
بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي تقدم نفسها كمستشار طبي أو قانوني أو حسابي أو حتى كـ«لرفيق عاطفي»

في سوقٍ شعبية قديمة، كنت ترى بائعاً جوَّالاً يرفع قارورة صغيرة ويصيح بثقة: «هذا الدواء يشفي كل داء!». ويتجمّع الناس حوله بدافع الأمل، يدفعون نقودهم، ويعودون إلى بيوتهم وهم يعلّقون رجاءهم على ماءٍ ملوّن ووعودٍ جوفاء.

بائع القناني الملونة في الأسواق القديمة كدواء مزيف ضد الأمراض

حيلة قديمة... ترتدي ثوباً رقمياً

تلك الحيلة القديمة لم تَمُت، بل ارتدت ثوباً رقمياً جديداً. فاليوم، لا تحتاج إلى الوقوف في السوق لتُخدع؛ يكفي أن تفتح هاتفك لتجد بائعاً رقمياً يعرض «ذكاءً اصطناعياً خارقاً» في قنينة تطبيق... أسماء براقة مثل «الطبيب الذكي» و«الرفيق العاطفي» و«المستشار القانوني الآلي» تتنافس على كسب ثقتك، مستخدمة كلماتٍ تشبه السحر، لكنها تخفي وراء لمعانها خوارزميات سطحية تكرّر ما تعلّمته دون فهم، وأحياناً بنوايا خبيثة تسعى لسرقة بياناتك أو التلاعب بك نفسياً.

لماذا ينجح هذا الخداع؟

الذكاء الاصطناعي الحقيقي أشبه بمختبر ضخم يعمل فيه علماء بيانات ومهندسون على خوارزميات تتطلب سنوات من التطوير وكمّاً هائلاً من البيانات والتجارب. إنه مجال معقّد ومكلف لا يُبنى في ليلة. لكن باعة الوهم الجدد اكتشفوا طريقاً أسهل: يكفي أن يضيفوا حرفين لامعين - «AI» - إلى اسم أي تطبيق عادي، ليغمرهم المستخدمون بالاهتمام والتحميلات والثقة. (ـ«A» و«I» هما حرفان فقط من الأبجدية اللاتينية، اختصاراً لـArtificial Intelligence الذكاء الاصطناعي).

إنهم يستغلون نقطتين إنسانيتين فينا: الفضول والرغبة في الحل السريع. فمن منا لا يريد طبيباً يجيب فوراً عن ألمه؟ أو محامياً يحسم قضيته دون انتظار؟ أو مستشاراً مالياً يضاعف أرباحه دون جهد؟ لكن النتيجة كثيراً ما تكون خسارة مزدوجة: للمال وللخصوصية، وأحياناً للعقل الذي ينخدع بوهم الذكاء فيتّخذ قرارات خاطئة قد تضر بصحته أو استقراره المالي.

والمشكلة لا تقتصر على الطب أو القانون، بل تمتد إلى كل زاوية من حياتنا الرقمية. فهناك «المستشار التسويقي الذكي» الذي يعدك بحملة مثالية، و«المحاسب الافتراضي» الذي يدّعي إدارة ميزانيتك بلا أخطاء، بل حتى «الرفيق العاطفي» الذي يتظاهر بفهمك أكثر من البشر. غير أن أغلب هذه التطبيقات لا تقدّم سوى ردودٍ آلية أو تحليلاتٍ سطحية تُخفي خلفها غاية واحدة: جمع بياناتك، وتغذية خوارزمياتهم التجارية، لا تحسين حياتك.

طفرة الذكاء... وطفرة الادعاء

في عام 2024، شهد العالم انفجاراً غير مسبوق في عدد التطبيقات التي ترفع شعار «الذكاء الاصطناعي». ووفقاً لتقارير منصة تحليل السوق الرقمية «سنسور تاور» (Sensor Tower) ومنصة البيانات «ستارت دوت آي أو» (Start.io)، بلغ عدد مرات تحميل التطبيقات التي تتضمن كلمة «الذكاء الاصطناعي» (AI) في اسمها أو وصفها أكثر من 17 مليار تحميل خلال عام واحد فقط، بينما أضاف أكثر من 3 آلاف تطبيق جديد هذا المصطلح إلى أسمائها أو حملاتها التسويقية لأول مرة.

وتشير البيانات إلى أن عائدات هذه التطبيقات تجاوزت 3.3 مليار دولار، وهو رقم يعكس ليس فقط الإقبال على الذكاء الاصطناعي الحقيقي، بل أيضاً الإغراء التجاري لاستخدام المصطلح نفسه كأداة جذب وتسويق.

كما أظهرت دراسة أكاديمية نُشرت في موقع الأبحاث العلمية «أركايف» (arXiv) أنه خلال خمسة أشهر فقط من عام 2024، تم رصد أكثر من 786 ألف تطبيق يُصنَّف ضمن فئة «تطبيقات النماذج اللغوية الكبيرة» (LLM Apps)، مما يكشف حجم الزخم العالمي حول هذا المجال. لكن المقلق أن نسبة غير قليلة من هذه التطبيقات لا تعتمد على ذكاء حقيقي بقدر ما تستغل الاسم لتحقيق الانتشار أو جمع البيانات. إنها طفرة مزدوجة: ازدهار للابتكار... وازدهار للوهم.

ينبغي تمييز التطبيقات الحقيقية عن الزائفة

كيف تميّز الزائف من الأصيل؟

لست بحاجة إلى أن تكون خبيراً في البرمجة لتكشف الخداع؛ فالتطبيقات الزائفة تترك دائماً آثاراً تدلّ عليها، كما يترك البائع المتجول آثار ألوانه على يديه.

وإليك أبرز العلامات التي ينبغي أن تثير شكّك قبل أن تضغط على «تحميل»:

* المطوّر المجهول: اسأل نفسك: من يقف وراء التطبيق؟ هل هو مشروع تابع لجامعة أو معهد بحثي أو شركة تقنية معروفة؟ أم حساب غامض بلا موقع رسمي أو معلومات تواصل؟ الشفافية أول اختبار للثقة.

* الوعود المطلقة والمبالغ بها: حين تقرأ عبارات مثل «تشخيص طبي دقيق 100 في المائة»، أو «نجاح مضمون»، أو «تحليل شخصيتك في دقيقة»، فاعلم أنك أمام بائع وهم لا مطوّر علم. الذكاء الاصطناعي الحقيقي متواضع بطبعه، يعترف بحدوده، ويقدّم نسب نجاح قابلة للقياس.

* غياب التفاصيل التقنية: التطبيقات الأصيلة تشرح، ولو بأسلوب مبسط، كيف تعمل خوارزمياتها أو من أين تتعلم بياناتها. أما الزائفة فتعتمد على العبارات الغامضة مثل «مدعوم بأحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي»، دون أي توضيح.

* الخصوصية المفقودة: احذر من التطبيقات التي تطلب الوصول إلى الكاميرا أو الميكروفون أو الموقع أو ملفاتك المالية دون سبب واضح. فالنية الخفية غالباً ليست تقديم خدمة، بل جمع بيانات لتسويقها أو استغلالها.

* غياب التقييمات الحقيقية: افحص المراجعات في متاجر التطبيقات. هل التعليقات حقيقية ومتنوعة؟ أم متكررة ومكتوبة بنفس الأسلوب؟ التقييمات المزيفة تُصاغ أحياناً تلقائياً لإيهام المستخدمين بالمصداقية.

* الإعلانات المبالغ بها: إن رأيت وعوداً لامعة من مؤثرين أو حملات تسويقية تروّج «لذكاء خارق»، بينما لا تجد أثراً علمياً واحداً يثبت ذلك - فأنت أمام فخ تسويقي لا أكثر.

* غياب أي إشراف أو ترخيص: التطبيقات الأصيلة، خصوصاً الطبية أو القانونية، تخضع لمراجعات أو تراخيص من هيئات مختصة. أما «باعة الذكاء» فلا يذكرون جهة إشراف واحدة.

* علامة الكلفة المنخفضة: حين يُعرض تطبيق يدّعي قدرات خارقة بسعر زهيد أو اشتراك مجاني بالكامل، فاسأل نفسك: إذا لم تكن أنت الزبون... فربما تكون أنت المنتج.

تقييمات مشبوهة: تعليقات متكررة بنفس الأسلوب، أو تقييمات خمس نجوم من دون تفاصيل حقيقية، غالباً ما تكون مزيفة أو مدفوعة الأجر.

كيف تحمي نفسك وتختار الأدوات الموثوقة؟

الحماية الرقمية ليست معقدة إذا كنت واعياً. كل ما تحتاجه هو قليل من الحذر وكثير من الأسئلة قبل أن تضغط على «تحميل». إليك دليلاً عملياً لتجنّب الوقوع في فخ «باعة الذكاء» الجدد:

* ابحث عن المطوّر: تحقق من هوية الجهة المنتجة للتطبيق. هل لديها موقع رسمي، فريق معروف، أو شراكة مع جامعة أو مؤسسة بحثية موثوقة؟ كلما زادت الشفافية، زادت الموثوقية.

* اقرأ المراجعات بعناية: لا تكتفِ بعدد النجوم، بل اقرأ التعليقات الفعلية. ابحث عن تجارب مفصّلة توضّح المزايا والعيوب. المراجعات المتشابهة أو المبالغ فيها قد تكون آلية ومزيّفة.

* التحميل من المتاجر الرسمية فقط: التزم بـGoogle Play أو App Store، وابتعد عن الروابط العشوائية أو الإعلانات المغرية على وسائل التواصل. فالبرامج الوهمية كثيراً ما تختبئ وراء واجهات براقة ومواقع مزيفة.

* راقب الأذونات: افحص ما يطلبه التطبيق من صلاحيات. إذا طلب مثلاً الوصول إلى الميكروفون لتطبيق كتابة، أو إلى الصور لتطبيق حاسبة، فهذه إشارة خطر. لا تمنح إذناً بلا داعٍ.

* استخدم بريداً إلكترونياً ثانوياً: عند تجربة تطبيق جديد وغير موثوق، استعمل بريداً تجريبياً منفصلاً عن حساباتك الرسمية أو البنكية لحماية خصوصيتك من التسريب.

* احذف التطبيقات الراكدة: كل تطبيق مهجور على هاتفك قد يكون باباً خلفياً لجمع البيانات أو للاختراق. نظّف جهازك دورياً مما لا تحتاجه.

* ابحث عن التوثيق العلمي: التطبيق الجاد يذكر مصادره أو نتائج اختباراته. قد يشير إلى دراسة منشورة أو تعاون مع جهة أكاديمية. غياب هذه الأدلة يعني غالباً غياب المصداقية.

* احذر من «الذكاء المجاني»: إذا كان التطبيق يعدك بخدمات خارقة دون مقابل، فتذكّر القاعدة الذهبية: حين لا تدفع بالمال، فربما تدفع ببياناتك.

* استعن بالعقل لا بالعاطفة: لا تنخدع بالإبهار البصري أو اللغة التسويقية. اسأل دائماً: هل هذا التطبيق يحل مشكلة حقيقية... أم يخلقها ليبيعني الحل؟

الخسارة تلاحق الواقعين في الفخاخ الرقمية

الذكاء الاصطناعي: أداة أم خدعة؟

الذكاء الاصطناعي ليس خيراً أو شراً بذاته؛ إنه مرآة تعكس نوايا من يستخدمه. فإذا صُمم بمسؤولية، يمكن أن يكون أداة ثورية تُسهم في تحسين حياة الإنسان: من مساعدة الأطباء في تشخيص الأمراض بدقة أكبر، إلى تطوير التعليم، وإدارة الموارد بكفاءة، وتقليل الفاقد في قطاعات الطاقة والزراعة. لكن حين يُستخدم بلا ضمير أو يُسوّق بوهم، يتحول إلى قنينة رقمية جديدة تُباع على الشاشات، تعد بالكمال ولا تقدم سوى الخداع.

في منطقتنا العربية، حيث تنتشر التكنولوجيا بسرعة تفوق أحياناً قدرتنا على استيعابها، يتضاعف خطر الوقوع في هذه الفخاخ الرقمية، خصوصاً مع محدودية الوعي التقني لدى بعض المستخدمين.

هنا يبرز دورنا الجماعي: الإعلام العربي، والمدارس، والجامعات، ومراكز البحث، كلّها تتحمل مسؤولية بناء «المناعة الرقمية» للمجتمع. لقد أصبحت المعرفة التكنولوجية شكلاً جديداً من الحصانة ضد التضليل. علينا أن نُعلّم أبناءنا كيف يسألون قبل أن يصدقوا، وكيف يتحققون قبل أن يشاركوا، وكيف يميزون بين الأداة الحقيقية والخدعة المغلفة بشعار «الذكاء الاصطناعي». ويمكن أن تبدأ هذه الجهود بورش عمل في المدارس أو حملات توعية إعلامية تشرح للناس بلغة مبسطة كيفية قراءة سياسات الخصوصية، أو التحقق من موثوقية التطبيقات قبل استخدامها.

الذكاء الحقيقي في السؤال

الذكاء الاصطناعي يشبه نهراً جارفاً: لا يمكن إيقافه، لكن يمكن توجيهه. إما أن يروي عطشنا للمعرفة... أو أن يُغرقنا في طوفان من التضليل. الفرق لا يصنعه النهر، بل الوعي الذي يختار مجراه. وكما قال الفيلسوف ابن رشد: «من اتخذ التقليد عادة في فكره، أغلق على نفسه باب النظر». فلا تدع الـ«AI» يصبح تقليداً جديداً نمارسه دون تفكير.

إن الذكاء الحقيقي ليس في قدرة الخوارزميات على الإجابة، بل في قدرتنا نحن على طرح الأسئلة الصحيحة - الأسئلة التي تفتح باب الفهم لا باب التكرار، والتي تجعل التقنية خادمة للعقل لا بديلة عنه. فالخطر ليس في أن تُخدع بخوارزمية، بل في أن تتوقف عن السؤال أمامها.

شاركنا رأيك وتجربتك: هل واجهت تطبيقاً ادّعى أنه يعمل بالذكاء الاصطناعي وتبيّن أنه وهم؟ كيف اكتشفت الخداع؟ دعونا نبني معاً مجتمعاً رقمياً أكثر وعياً، يرى في التكنولوجيا وسيلة للارتقاء لا مرآة للوهم، ويجعل من السؤال أول أشكال الذكاء... لا آخرها.

حقائق

3.3

مليار دولار عائدات التطبيقات الذكية عام 2024

حقائق

786

ألف تطبيق يُصنَّف ضمن فئة “تطبيقات النماذج اللغوية الكبيرة” رصد خلال خمسة أشهر فقط من عام 2024


مقالات ذات صلة

السعودية تحقق أعلى نمو عالمي في كفاءات الذكاء الاصطناعي

تكنولوجيا يؤكد تصدر السعودية لمراكز متقدمة عالمياً نجاح توجهات البلاد في بناء منظومة وطنية تنافسية (واس)

السعودية تحقق أعلى نمو عالمي في كفاءات الذكاء الاصطناعي

حققت السعودية، المرتبة الأولى عالمياً في الأمن والخصوصية والتشفير في الذكاء الاصطناعي وفقاً لـ«مؤشر ستانفورد 2026».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد جناح «أرامكو الرقمية» في ملتقى الحكومة الرقمية (موقع الشركة الإلكتروني)

شراكة بين «أرامكو الرقمية» و«كومولوسيتي» لتقديم حلول الذكاء الصناعي في الخليج

أعلنت شركة «أرامكو الرقمية» السعودية توقيع اتفاقية شراكة استراتيجية مع «كومولوسيتي» العالمية الرائدة في مجال الذكاء الصناعي للأشياء في القطاع الصناعي.

«الشرق الأوسط» (الظهران)
الاقتصاد لافتة مقر بنك “جي بي مورغان تشيس آند كو” في نيويورك (رويترز)

أرباح «جي بي مورغان» تقفز 13 % في الربع الأول بدعم من التداول والصفقات

أعلن بنك «جي بي مورغان تشيس» يوم الثلاثاء، عن ارتفاع أرباحه في الربع الأول بنسبة 13 في المائة، مدعوماً بمكاسب قياسية في أنشطة التداول نتيجة تقلبات الأسواق.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
خاص موظفو «مينزيز» في أحد المطارات (الشركة)

خاص رئيس «مينزيز» العالمية: قطاع خدمات الطيران يمتلك قدرة فائقة على التعافي من الصدمات

في خضم التوترات الجيوسياسية، يرى رئيس مجلس إدارة شركة «مينزيز» حسن الحوري، أن التداعيات الميدانية لحالات إغلاق المجال الجوي اختبار لقطاع يمتلك مرونة عالية.

زينب علي (الرياض)
علوم بين الشاشة والطبيب

حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

النماذج التنبؤية تظل محدودة في قدرتها على تمثيل التعقيد الإنساني.

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)

حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب
TT

حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب

في الطب، لم يكن القرار يوماً مجرد اختيار بين خيارات متاحة، بل لحظة مسؤولية معقدة، يقف فيها الطبيب بين ما تقوله البيانات وما يعيشه الإنسان. فالتشخيص قد يكون علماً، لكن القرار ظل دائماً فعلاً إنسانياً يقوم على مزيج من الخبرة والحدس والقدرة على قراءة ما بين السطور.

عندما يصبح القرار احتمالاً

وفي الطب النفسي تحديداً، يزداد هذا التعقيد. فالمريض ليس رقماً ولا عضواً يمكن قياسه، بل تجربة إنسانية كاملة: مشاعر، ذاكرة، وعلاقات. لذلك؛ كان اختيار الدواء أقرب إلى محاولة فهم... لا إلى تطبيق معادلة.

لكن هذا التوازن بدأ يتغير مع دخول الذكاء الاصطناعي التنبؤي، حيث لم يعد القرار يبدأ من الفهم فقط، بل من الاحتمال.

الدواء تحت مجهر الخوارزمية

من«أي دواء أختار؟» إلى «ما احتمال النجاح؟»

في دراسة حديثة نُشرت في أبريل (نيسان) 2026 في مجلة «جاما للطب النفسي» (JAMA Psychiatry)، حلّل باحثون بيانات أكثر من 300 ألف مريض لتقدير احتمالية الاستجابة لمضادات الاكتئاب من نوع مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، وأظهرت النتائج أن النماذج التنبؤية بلغت دقة تقارب 74 في المائة، مقارنة بما يقابل نحو 48 في المائة في الممارسة التقليدية.

لكن الأهم من الأرقام هو ما تعكسه من تحول في طريقة التفكير الطبي. فبدلاً من أن يبدأ الطبيب من خبرته ليختار الدواء، يبدأ الآن من تقدير احتمالي مسبق يوجه القرار منذ البداية... وهنا لا تتغير الإجابة فقط... بل يتغير السؤال نفسه.

مثال من العيادة... حيث يبدأ التردد

في عيادة نفسية، يحضر مريض يعاني اكتئاباً متوسطاً. في النموذج التقليدي، يختار الطبيب الدواء بناءً على خبرته، ثم يراقب الاستجابة ويعدّل العلاج عند الحاجة.

أما مع الذكاء الاصطناعي، فيمكن إدخال بيانات المريض للحصول على تقدير لاحتمال نجاح كل خيار. قد يشير النظام إلى أن دواءً معيناً يملك فرصة نجاح أعلى بنسبة 68 في المائة. في هذه اللحظة، لا يختفي دور الطبيب... لكنه يتغير.

ويظهر سؤال جديد: هل يتبع خبرته... أم الاحتمال؟

هل أصبح القرار حسابياً؟

رغم دقة هذه النماذج، فإنها لا «تفهم» المريض كإنسان، بل تحلل أنماطاً إحصائية مستخلصة من بيانات واسعة. فهي لا تدرك التاريخ النفسي أو السياق الاجتماعي أو التعقيد الشخصي للحالة. وما تقدمه هذه الأنظمة ليس قراراً، بل هو احتمال مبني على تشابه الحالات. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يكفي أن يكون الخيار أكثر احتمالاً للنجاح... ليكون الخيار الأنسب؟

تعاون طبي بعقل واحد

بين الدقة والإقناع

كلما ازدادت دقة الخوارزميات، ازدادت قدرتها على إقناع الطبيب بنتائجها. لكن هذا الإقناع قد لا يعكس الحقيقة دائماً، بل قوة العرض الرقمي. ففي بيئة تعتمد على السرعة والكفاءة، قد يميل الطبيب إلى الوثوق بالنتيجة، لا لأنه تحقق من دقتها، بل لأنها تبدو منظمة وواثقة.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس في أن تخطئ الأنظمة... بل في أن تُقنعنا بأنها لا تخطئ.

الطب النفسي الشخصي... إلى أي مدى؟

تقود هذه التطورات إلى ما يُعرف بـ«الطب النفسي الشخصي»، الذي يسعى لتخصيص العلاج وفق خصائص كل مريض. لكن الاكتئاب ليس مجرد خلل كيميائي، بل حالة معقدة تتداخل فيها عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية، مثل التجارب الحياتية والعلاقات والضغوط اليومية - وهي عناصر يصعب قياسها بالكامل. لذلك؛ تظل النماذج التنبؤية محدودة بقدرتها على تمثيل هذا التعقيد الإنساني.

ما الذي يتغير فعلاً؟

التغيير الأهم ليس في دقة اختيار الدواء، بل في دور الطبيب. فلم يعد الطبيب المصدر الوحيد للقرار، بل أصبح مفسراً لتوصيات خوارزمية، ومقيّماً لمدى توافقها مع واقع المريض. وهذا يعيد تعريف دوره: من صانع قرار مباشر... إلى حارس للمعنى الإنساني داخل القرار. لكن هذا التحول يطرح سؤالاً أخلاقياً عميقاً: من يتحمل المسؤولية؟ الطبيب... أم النظام؟

الخلاصة: القرار ليس رقماً

قد تساعد الخوارزميات في توجيه القرار، لكنها لا تتحمل مسؤوليته. فالطب لم يكن يوماً مجرد اختيار الخيار الأكثر احتمالاً، بل كان دائماً تحملاً لنتائج هذا الاختيار في سياق إنساني معقد. ولهذا؛ قد لا يكون السؤال:

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي اختيار الدواء؟ بل: هل يمكن اختزال القرار الطبي... في رقم؟


مرض وهمي ابتدعه العلماء... ينشر الذكاء الاصطناعي دراساته

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
TT

مرض وهمي ابتدعه العلماء... ينشر الذكاء الاصطناعي دراساته

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي

ابتكر العلماء مرضاً وهمياً زعموا أنه ينتج من تأثيرات الضوء الأزرق – وهم يرصدون اليوم مدى انتشار الأخبار عنه في الأبحاث الطبية، كما كتبت لوسيا أورباخ (*).

حيلة علمية

انطلت حيلة مرض غير موجود على نظم الذكاء الاصطناعي، وانتشرت أخباره على أنه حقيقة طبية. ويشرح الباحثون الذين ابتدعوه كيف حدث ذلك، ولماذا يكشف فعلاً عن ثغرة خطيرة في النماذج الذكية الحالية.

مرض «بيكسونيمانيا»

سميت الحالة المبتدعة بمصطلح «بيكسونيمانيا» bixonimania، ووصفت بأنها حالة شائعة، ربما تعانيها إذا كنت تعاني احمراراً وتهيجاً في العينين نتيجة التعرض المفرط للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات. لكن إليك معلومة طريفة: «بيكسونيمانيا» ليست مرضاً حقيقياً.

اختبار تفسيرات الذكاء الاصطناعي

ابتداءً من مطلع عام 2024، بدأ العلماء بنشر دراسات زائفة على الإنترنت حول هذا المرض الوهمي، بهدف اختبار كيفية تفسير الذكاء الاصطناعي لهذه المعلومات المضللة، وما إذا كان سينشرها على أنها نصائح صحية موثوقة.

قادت ألميرا عثمانوفيتش ثونستروم، الباحثة الطبية في جامعة غوتنبرغ بالسويد، هذه التجربة، إذ قامت هي وفريقها بابتكار حالة جلدية وهمية، ثم قام الفريق بتحميل دراستين وهميتين عنها إلى خادم ما قبل النشر في أوائل عام 2024.

وقالت أوسمانوفيتش ثونستروم: «أردتُ أن أرى ما إذا كان بإمكاني ابتكار حالة طبية غير موجودة في قاعدة البيانات».

وقد نجحت التجربة، ففي غضون أسابيع، بدأت كبرى شركات الأدوية في تقديم هذه الحالة بصفته تشخيصاً لمن يبحثون عن أعراضهم.

* نموذج «مايكروسوفت كوبايلوت» ذكر أن «هوس الانعكاسات» ليس تشخيصاً طبياً معترفاً به على نطاق واسع حتى الآن، ولكن الكثير من الأبحاث والتقارير الحديثة تناقشه بوصفه حالة حميدة يتم تشخيصها بشكل خاطئ، وترتبط بالتعرض المطول لمصادر الضوء الأزرق مثل الشاشات.

* نموذج «تشات جي بي تي» ذكر أن «هوس الانعكاسات» هو نوع فرعي جديد مقترح من التصبغ حول العينين (الهالات السوداء حول العينين) يُعتقد أنه مرتبط بالتعرض للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات الرقمية.

أخبار مقلقة

ونشر الكاتب كريس ستوكل-ووكر تقريراً عن هذا التزييف في مجلة «نتشر». وفي مقابلة له علل متحدث باسم «أوبن إيه آي» هذا بالقول إن «النماذج التي تُشغّل الإصدار الحالي من (تشات جي بي تي) مثل (جي بي تي-5) أفضل الآن بكثير من النماذج السابقة، في توفير معلومات طبية آمنة ودقيقة».

والمشكلة الأكثر إثارة للقلق هي أن هذه الأبحاث المزيفة قد استُشهد بها الآن في أدبيات علمية مُحكّمة. وقد أخبرت أوسمانوفيتش ثونستروم ستوكل-ووكر أن هذا يُشير إلى أن الباحثين كانوا «يعتمدون على مراجع مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي دون قراءة الأبحاث الأصلية».

كيف نجحت هذه الخدعة؟

أطلقت أوسمانوفيتش ثونستروم على الحالة اسم «بيكسونيمانيا»، وقالت إن الاسم «يبدو سخيفاً... لأني أردت أن أوضح تماماً لأي طبيب أو أي فرد من الطاقم الطبي أن هذه حالة مُختلقة؛ لأنه لا يُمكن تسمية أي حالة عين، بالهوس mania - فهذا مصطلح نفسي».

إشارات خفية وصريحة لجمهور القراء

كما وُضعت عشرات الإشارات الخفية التي تُشير إلى أن الحالة مُختلقة، مثل أن الباحث الرئيسي، لازليف إزغوبليينوفيتش- وهو اسم مستعار- يعمل في جامعة وهمية تُدعى جامعة أستيريا هورايزون، في مدينة وهمية تُدعى نوفا سيتي، في كاليفورنيا.

وتوجهت الدراسة بالشكر، وهمياً، إلى «الأستاذة ماريا بوم من أكاديمية ستار فليت على لطفها وكرمها في المساهمة بمعرفتها ومختبرها على متن سفينة (يو إس إس إنتربرايز)». وذكرت أن التمويل جاء من «مؤسسة البروفسور سايدشو بوب لعملها في مجال الخدع المتقدمة».

لكن، حتى ولو لم يصل القراء إلى هذه الفقرة، فإنهم كانوا سيكتشفون زيف كل الحالة من خلال التصريحات الصريحة في المقدمة، مثل «هذه الدراسة بأكملها من نسج الخيال» و«تم اختيار خمسين شخصاً وهمياً تتراوح أعمارهم بين 20 و50 عاماً لمجموعة الدراسة».

ما هي تداعيات مشروع بيكسونيمانيا؟

منذ نشر مقال ستوكل-ووكر في 7 أبريل (نيسان) 2026، بدأت الكثير من أنظمة الذكاء الاصطناعي في إنتاج مخرجات مصححة. سابقاً، كانت مختبرات التعلم الآلي تعتمد على أربعة مصادر رئيسية للمعلومات: منشوران على مدونة Medium بتاريخ 15 مارس (آذار) 2024، وورقتان بحثيتان منشورتان مسبقاً على SciProfiles بتاريخ 26 أبريل و6 مايو (أيار) من العام نفسه.

تأثير متواصل

لكن تأثير التجربة لا يزال قائماً. إذ لم تُجرَ هذه الدراسة لمجرد المزاح. كان هدف عثمانوفيتش ثونستروم هو تحديد مشكلة جوهرية خطيرة في اعتماد المجتمع المتزايد على الذكاء الاصطناعي.

يقول أليكس رواني، باحث دكتوراه في المعلومات الصحية المضللة في «يونيفرسيتي كوليدج لندن»: «إذا كانت العملية العلمية نفسها والأنظمة الداعمة لها ماهرة، ولا تستطيع رصد وتصفية أجزاء كهذه، فنحن محكوم علينا بالفشل. هذه دورة متقدمة في كيفية عمل المعلومات المضللة والمغلوطة».

ذكاء اصطناعي بوتيرة سريعة

تتطور تقنية الذكاء الاصطناعي بوتيرة سريعة للغاية؛ ما يُعجِز الباحثين عن وضع ضمانات وبروتوكولات اختبار فعّالة. يقول محمود عمر، الطبيب والباحث المتخصص في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية بكلية الطب بجامعة هارفارد في بوسطن، ماساتشوستس، إن سرعة طرح النماذج الجديدة في السوق تجعل من الصعب التوصل إلى «إجماع أو منهجية لاختبار كل نموذج تلقائياً». عثمانوفيتش ثونستروم ليست أول من أشار إلى ذلك.

معلومات علمية مزيفة

لم تكن عثمانوفيتش ثونستروم أول من اختبر ما يمكن أن ينتجه الذكاء الاصطناعي من تغذية معلومات أكاديمية زائفة. فقد صرّحت إليزابيث بيك، عالمة الأحياء الدقيقة الهولندية ومستشارة النزاهة العلمية، بأن باحثين قاموا حتى بتأليف كتب وأوراق بحثية مزيفة لزيادة عدد الاستشهادات بها على «غوغل سكولار». ويكمن القلق الأكبر في تغذية نماذج الذكاء الاصطناعي بهذه المعلومات الزائفة، التي بدورها تعيد إنتاج هذه المعلومات المغلوطة، ما يُبعد المستخدمين أكثر فأكثر عن الواقع.

ويعمل العلماء وخبراء الأخلاقيات حالياً على قدم وساق لإيجاد حلول عملية لهذه النتائج. ومن المقلق أن تمر ادعاءات علمية ذات مصادر مشكوك فيها عبر منصات التعلم الإلكتروني دون أي رقابة. وقال رواني: «علينا حماية ثقتنا كما نحمي الذهب. الوضع فوضوي للغاية الآن».

* «إنك» - خدمات «تريبيون ميديا»


اختراق علمي: تحديد السبب الجيني لربع مرضى العصبون الحركي

العصبون الحركي هو مرض عصبي خطير
العصبون الحركي هو مرض عصبي خطير
TT

اختراق علمي: تحديد السبب الجيني لربع مرضى العصبون الحركي

العصبون الحركي هو مرض عصبي خطير
العصبون الحركي هو مرض عصبي خطير

في تطور علمي بارز كشف باحثون دوليون عن دور أكبر مما كان يُعتقد سابقاً للعوامل الجينية في الإصابة بمرض العصبون الحركي، وهو مرض عصبي خطير يسبب ضعفاً تدريجياً في العضلات، ويؤدي في النهاية إلى الشلل.

وتُعد الدراسة التي نُشرت في مجلة «Nature Genetics» في 31 مارس (آذار) 2026 هي الأكبر من نوعها حتى الآن، حيث أظهرت أن سبباً جينياً يمكن تحديده لدى نحو واحد من كل أربعة مرضى. وهذه النسبة تمثل ارتفاعاً ملحوظاً مقارنة بالتقديرات السابقة التي كانت تشير إلى حالة واحدة فقط من كل خمسة.

تعاون دولي واسع

أُجريت الدراسة ضمن مشروع Project MinE، وهو تحالف بحثي عالمي يهدف إلى فهم الأساس الجيني لمرض العصبون الحركي. وشارك في قيادة هذا الجهد باحثون من جامعة كينغز كوليدج لندن King's College London وإشراف مشترك من كيفن كينا ويان فيلدينك من قسم علم الأعصاب الانتقالي مركز الدماغ المركز الطبي الجامعي جامعة أوتريخت الهولندية.

قام الفريق بتحليل الحمض النووي «دي إن إيه» لأكثر من 18 ألف مريض، من بينهم نحو 2000 عينة من بنك الحمض النووي البريطاني الخاص بالمرض UK MND DNA Bank الذي يُدار بالتعاون مع مستشفى كينغز كوليدج التابع لهيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية.

مرض سريع التقدم

يُعد مرض العصبون الحركي المعروف اختصاراً بـMND motor neuron disease من الأمراض التنكسية التي تصيب الخلايا العصبية المسؤولة عن التحكم في الحركة. ومع مرور الوقت يفقد المرضى القدرة على الحركة، والكلام، والتنفس، وغالباً ما يؤدي المرض إلى الوفاة خلال نحو عامين من التشخيص.

ورغم أن نحو 10 في المائه فقط من الحالات لديها تاريخ عائلي واضح، فإن النتائج الجديدة تشير إلى أن العوامل الجينية قد تكون أكثر انتشاراً مما كان يُعتقد.

اكتشاف طفرات نادرة

ما يميز هذه الدراسة هو حجمها الكبير الذي أتاح للباحثين اكتشاف طفرات جينية نادرة لم تكن معروفة سابقاً. ففي حين ركزت الدراسات السابقة على الطفرات الشائعة، أو الموروثة داخل العائلات، سمح هذا التحليل الواسع برصد تغيرات جينية نادرة عبر مجموعة كبيرة من المرضى.

وتُظهر النتائج أن 25 في المائه من المرضى يحملون تغيرات جينية مرتبطة بالمرض، سواء كان لديهم تاريخ عائلي أم لا، ما يعزز فكرة أن الجينات تلعب دوراً محورياً في تطور الحالة.

تأثير مباشر على العلاج

ولا تقتصر أهمية هذه الاكتشافات على الفهم العلمي فقط، بل تمتد إلى الممارسة الطبية، إذ إن معرفة الطفرات الجينية لدى المريض يمكن أن تساعد الأطباء في تحديد مسار المرض، والتنبؤ بتطوره، بل وقد تؤثر في اختيار العلاج. كما أن بعض هذه الطفرات قد تكون موروثة، ما يجعلها ذات أهمية لأفراد العائلة، إذ يمكن أن تساعد الفحوصات الجينية في الكشف المبكر عن خطر الإصابة.

وفي هذا السياق قال أحد المشاركين في الدراسة الدكتور عمار الجلبي من قسم العلوم العصبية الأساسية والسريرية معهد موريس وول للعلوم العصبية السريرية في كينغز كوليدج إن هذه الدراسة توسّع بشكل كبير فهمنا لأسباب المرض، وتُظهر أن للعوامل الجينية دوراً مهماً لدى نحو ربع المرضى، بغض النظر عن وجود تاريخ عائلي. وهذا يعني أنه ينبغي عرض الفحص الجيني على جميع المرضى.

أمل لعلاجات موجهة

ولا يزال علاج مرض العصبون الحركي حتى الآن محدوداً للغاية. ومع ذلك شهد عام 2022 تطوراً مهماً مع ظهور دواء يستهدف طفرة محددة في جين يُعرف باسم SOD1، وهو ما يُعد أول علاج موجه لسبب جيني محدد للمرض. لكن هذا العلاج لا يفيد سوى نسبة صغيرة من المرضى تُقدّر بنحو 2 في المائه في المملكة المتحدة.

وقد تغيّر الاكتشافات الجديدة هذا الواقع، إذ توفر أهدافاً جينية جديدة يمكن تطوير علاجات موجهة لها في المستقبل على غرار ما حدث مع جين SOD1.

أهمية الفحص الجيني

تعكس هذه النتائج تحولاً متزايداً نحو الطب الشخصي، حيث يتم تصميم العلاج بناءً على الخصائص الجينية لكل مريض. ومع تقدم الأبحاث قد يصبح من الممكن في المستقبل تطوير علاجات تستهدف الطفرات الجينية المحددة لكل حالة، ما يزيد من فعالية العلاج، ويحسن جودة الحياة.

وتشير الدراسة إلى أن توسيع نطاق الفحوصات الجينية قد يكون خطوة ضرورية في إدارة المرض. فمع توفر معلومات أكثر دقة عن الأسباب الجينية يمكن تحسين التشخيص، وتقديم استشارات وراثية للعائلات، وربما الوقاية في بعض الحالات.

وفي ظل غياب علاج شافٍ حتى الآن، تمثل هذه الدراسة خطوة مهمة نحو فهم أعمق لمرض العصبون الحركي. وبينما لا يزال الطريق طويلاً، فإن تحديد المزيد من الأسباب الجينية يفتح آفاقاً جديدة للأمل، لا للمرضى فحسب، بل أيضاً لعائلاتهم، وللعلماء الساعين إلى تحويل هذه الاكتشافات إلى علاجات تنقذ الأرواح.