كيف يخدعنا الذكاء الاصطناعي الوهمي... وكيف نحمي أنفسنا؟

من دواءٍ ملوَّن في الأسواق إلى تطبيقٍ لامع في الهاتف... الوهم نفسه بثوبٍ رقمي جديد

بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي تقدم نفسها كمستشار طبي أو قانوني أو حسابي أو حتى كـ«لرفيق عاطفي»
بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي تقدم نفسها كمستشار طبي أو قانوني أو حسابي أو حتى كـ«لرفيق عاطفي»
TT

كيف يخدعنا الذكاء الاصطناعي الوهمي... وكيف نحمي أنفسنا؟

بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي تقدم نفسها كمستشار طبي أو قانوني أو حسابي أو حتى كـ«لرفيق عاطفي»
بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي تقدم نفسها كمستشار طبي أو قانوني أو حسابي أو حتى كـ«لرفيق عاطفي»

في سوقٍ شعبية قديمة، كنت ترى بائعاً جوَّالاً يرفع قارورة صغيرة ويصيح بثقة: «هذا الدواء يشفي كل داء!». ويتجمّع الناس حوله بدافع الأمل، يدفعون نقودهم، ويعودون إلى بيوتهم وهم يعلّقون رجاءهم على ماءٍ ملوّن ووعودٍ جوفاء.

بائع القناني الملونة في الأسواق القديمة كدواء مزيف ضد الأمراض

حيلة قديمة... ترتدي ثوباً رقمياً

تلك الحيلة القديمة لم تَمُت، بل ارتدت ثوباً رقمياً جديداً. فاليوم، لا تحتاج إلى الوقوف في السوق لتُخدع؛ يكفي أن تفتح هاتفك لتجد بائعاً رقمياً يعرض «ذكاءً اصطناعياً خارقاً» في قنينة تطبيق... أسماء براقة مثل «الطبيب الذكي» و«الرفيق العاطفي» و«المستشار القانوني الآلي» تتنافس على كسب ثقتك، مستخدمة كلماتٍ تشبه السحر، لكنها تخفي وراء لمعانها خوارزميات سطحية تكرّر ما تعلّمته دون فهم، وأحياناً بنوايا خبيثة تسعى لسرقة بياناتك أو التلاعب بك نفسياً.

لماذا ينجح هذا الخداع؟

الذكاء الاصطناعي الحقيقي أشبه بمختبر ضخم يعمل فيه علماء بيانات ومهندسون على خوارزميات تتطلب سنوات من التطوير وكمّاً هائلاً من البيانات والتجارب. إنه مجال معقّد ومكلف لا يُبنى في ليلة. لكن باعة الوهم الجدد اكتشفوا طريقاً أسهل: يكفي أن يضيفوا حرفين لامعين - «AI» - إلى اسم أي تطبيق عادي، ليغمرهم المستخدمون بالاهتمام والتحميلات والثقة. (ـ«A» و«I» هما حرفان فقط من الأبجدية اللاتينية، اختصاراً لـArtificial Intelligence الذكاء الاصطناعي).

إنهم يستغلون نقطتين إنسانيتين فينا: الفضول والرغبة في الحل السريع. فمن منا لا يريد طبيباً يجيب فوراً عن ألمه؟ أو محامياً يحسم قضيته دون انتظار؟ أو مستشاراً مالياً يضاعف أرباحه دون جهد؟ لكن النتيجة كثيراً ما تكون خسارة مزدوجة: للمال وللخصوصية، وأحياناً للعقل الذي ينخدع بوهم الذكاء فيتّخذ قرارات خاطئة قد تضر بصحته أو استقراره المالي.

والمشكلة لا تقتصر على الطب أو القانون، بل تمتد إلى كل زاوية من حياتنا الرقمية. فهناك «المستشار التسويقي الذكي» الذي يعدك بحملة مثالية، و«المحاسب الافتراضي» الذي يدّعي إدارة ميزانيتك بلا أخطاء، بل حتى «الرفيق العاطفي» الذي يتظاهر بفهمك أكثر من البشر. غير أن أغلب هذه التطبيقات لا تقدّم سوى ردودٍ آلية أو تحليلاتٍ سطحية تُخفي خلفها غاية واحدة: جمع بياناتك، وتغذية خوارزمياتهم التجارية، لا تحسين حياتك.

طفرة الذكاء... وطفرة الادعاء

في عام 2024، شهد العالم انفجاراً غير مسبوق في عدد التطبيقات التي ترفع شعار «الذكاء الاصطناعي». ووفقاً لتقارير منصة تحليل السوق الرقمية «سنسور تاور» (Sensor Tower) ومنصة البيانات «ستارت دوت آي أو» (Start.io)، بلغ عدد مرات تحميل التطبيقات التي تتضمن كلمة «الذكاء الاصطناعي» (AI) في اسمها أو وصفها أكثر من 17 مليار تحميل خلال عام واحد فقط، بينما أضاف أكثر من 3 آلاف تطبيق جديد هذا المصطلح إلى أسمائها أو حملاتها التسويقية لأول مرة.

وتشير البيانات إلى أن عائدات هذه التطبيقات تجاوزت 3.3 مليار دولار، وهو رقم يعكس ليس فقط الإقبال على الذكاء الاصطناعي الحقيقي، بل أيضاً الإغراء التجاري لاستخدام المصطلح نفسه كأداة جذب وتسويق.

كما أظهرت دراسة أكاديمية نُشرت في موقع الأبحاث العلمية «أركايف» (arXiv) أنه خلال خمسة أشهر فقط من عام 2024، تم رصد أكثر من 786 ألف تطبيق يُصنَّف ضمن فئة «تطبيقات النماذج اللغوية الكبيرة» (LLM Apps)، مما يكشف حجم الزخم العالمي حول هذا المجال. لكن المقلق أن نسبة غير قليلة من هذه التطبيقات لا تعتمد على ذكاء حقيقي بقدر ما تستغل الاسم لتحقيق الانتشار أو جمع البيانات. إنها طفرة مزدوجة: ازدهار للابتكار... وازدهار للوهم.

ينبغي تمييز التطبيقات الحقيقية عن الزائفة

كيف تميّز الزائف من الأصيل؟

لست بحاجة إلى أن تكون خبيراً في البرمجة لتكشف الخداع؛ فالتطبيقات الزائفة تترك دائماً آثاراً تدلّ عليها، كما يترك البائع المتجول آثار ألوانه على يديه.

وإليك أبرز العلامات التي ينبغي أن تثير شكّك قبل أن تضغط على «تحميل»:

* المطوّر المجهول: اسأل نفسك: من يقف وراء التطبيق؟ هل هو مشروع تابع لجامعة أو معهد بحثي أو شركة تقنية معروفة؟ أم حساب غامض بلا موقع رسمي أو معلومات تواصل؟ الشفافية أول اختبار للثقة.

* الوعود المطلقة والمبالغ بها: حين تقرأ عبارات مثل «تشخيص طبي دقيق 100 في المائة»، أو «نجاح مضمون»، أو «تحليل شخصيتك في دقيقة»، فاعلم أنك أمام بائع وهم لا مطوّر علم. الذكاء الاصطناعي الحقيقي متواضع بطبعه، يعترف بحدوده، ويقدّم نسب نجاح قابلة للقياس.

* غياب التفاصيل التقنية: التطبيقات الأصيلة تشرح، ولو بأسلوب مبسط، كيف تعمل خوارزمياتها أو من أين تتعلم بياناتها. أما الزائفة فتعتمد على العبارات الغامضة مثل «مدعوم بأحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي»، دون أي توضيح.

* الخصوصية المفقودة: احذر من التطبيقات التي تطلب الوصول إلى الكاميرا أو الميكروفون أو الموقع أو ملفاتك المالية دون سبب واضح. فالنية الخفية غالباً ليست تقديم خدمة، بل جمع بيانات لتسويقها أو استغلالها.

* غياب التقييمات الحقيقية: افحص المراجعات في متاجر التطبيقات. هل التعليقات حقيقية ومتنوعة؟ أم متكررة ومكتوبة بنفس الأسلوب؟ التقييمات المزيفة تُصاغ أحياناً تلقائياً لإيهام المستخدمين بالمصداقية.

* الإعلانات المبالغ بها: إن رأيت وعوداً لامعة من مؤثرين أو حملات تسويقية تروّج «لذكاء خارق»، بينما لا تجد أثراً علمياً واحداً يثبت ذلك - فأنت أمام فخ تسويقي لا أكثر.

* غياب أي إشراف أو ترخيص: التطبيقات الأصيلة، خصوصاً الطبية أو القانونية، تخضع لمراجعات أو تراخيص من هيئات مختصة. أما «باعة الذكاء» فلا يذكرون جهة إشراف واحدة.

* علامة الكلفة المنخفضة: حين يُعرض تطبيق يدّعي قدرات خارقة بسعر زهيد أو اشتراك مجاني بالكامل، فاسأل نفسك: إذا لم تكن أنت الزبون... فربما تكون أنت المنتج.

تقييمات مشبوهة: تعليقات متكررة بنفس الأسلوب، أو تقييمات خمس نجوم من دون تفاصيل حقيقية، غالباً ما تكون مزيفة أو مدفوعة الأجر.

كيف تحمي نفسك وتختار الأدوات الموثوقة؟

الحماية الرقمية ليست معقدة إذا كنت واعياً. كل ما تحتاجه هو قليل من الحذر وكثير من الأسئلة قبل أن تضغط على «تحميل». إليك دليلاً عملياً لتجنّب الوقوع في فخ «باعة الذكاء» الجدد:

* ابحث عن المطوّر: تحقق من هوية الجهة المنتجة للتطبيق. هل لديها موقع رسمي، فريق معروف، أو شراكة مع جامعة أو مؤسسة بحثية موثوقة؟ كلما زادت الشفافية، زادت الموثوقية.

* اقرأ المراجعات بعناية: لا تكتفِ بعدد النجوم، بل اقرأ التعليقات الفعلية. ابحث عن تجارب مفصّلة توضّح المزايا والعيوب. المراجعات المتشابهة أو المبالغ فيها قد تكون آلية ومزيّفة.

* التحميل من المتاجر الرسمية فقط: التزم بـGoogle Play أو App Store، وابتعد عن الروابط العشوائية أو الإعلانات المغرية على وسائل التواصل. فالبرامج الوهمية كثيراً ما تختبئ وراء واجهات براقة ومواقع مزيفة.

* راقب الأذونات: افحص ما يطلبه التطبيق من صلاحيات. إذا طلب مثلاً الوصول إلى الميكروفون لتطبيق كتابة، أو إلى الصور لتطبيق حاسبة، فهذه إشارة خطر. لا تمنح إذناً بلا داعٍ.

* استخدم بريداً إلكترونياً ثانوياً: عند تجربة تطبيق جديد وغير موثوق، استعمل بريداً تجريبياً منفصلاً عن حساباتك الرسمية أو البنكية لحماية خصوصيتك من التسريب.

* احذف التطبيقات الراكدة: كل تطبيق مهجور على هاتفك قد يكون باباً خلفياً لجمع البيانات أو للاختراق. نظّف جهازك دورياً مما لا تحتاجه.

* ابحث عن التوثيق العلمي: التطبيق الجاد يذكر مصادره أو نتائج اختباراته. قد يشير إلى دراسة منشورة أو تعاون مع جهة أكاديمية. غياب هذه الأدلة يعني غالباً غياب المصداقية.

* احذر من «الذكاء المجاني»: إذا كان التطبيق يعدك بخدمات خارقة دون مقابل، فتذكّر القاعدة الذهبية: حين لا تدفع بالمال، فربما تدفع ببياناتك.

* استعن بالعقل لا بالعاطفة: لا تنخدع بالإبهار البصري أو اللغة التسويقية. اسأل دائماً: هل هذا التطبيق يحل مشكلة حقيقية... أم يخلقها ليبيعني الحل؟

الخسارة تلاحق الواقعين في الفخاخ الرقمية

الذكاء الاصطناعي: أداة أم خدعة؟

الذكاء الاصطناعي ليس خيراً أو شراً بذاته؛ إنه مرآة تعكس نوايا من يستخدمه. فإذا صُمم بمسؤولية، يمكن أن يكون أداة ثورية تُسهم في تحسين حياة الإنسان: من مساعدة الأطباء في تشخيص الأمراض بدقة أكبر، إلى تطوير التعليم، وإدارة الموارد بكفاءة، وتقليل الفاقد في قطاعات الطاقة والزراعة. لكن حين يُستخدم بلا ضمير أو يُسوّق بوهم، يتحول إلى قنينة رقمية جديدة تُباع على الشاشات، تعد بالكمال ولا تقدم سوى الخداع.

في منطقتنا العربية، حيث تنتشر التكنولوجيا بسرعة تفوق أحياناً قدرتنا على استيعابها، يتضاعف خطر الوقوع في هذه الفخاخ الرقمية، خصوصاً مع محدودية الوعي التقني لدى بعض المستخدمين.

هنا يبرز دورنا الجماعي: الإعلام العربي، والمدارس، والجامعات، ومراكز البحث، كلّها تتحمل مسؤولية بناء «المناعة الرقمية» للمجتمع. لقد أصبحت المعرفة التكنولوجية شكلاً جديداً من الحصانة ضد التضليل. علينا أن نُعلّم أبناءنا كيف يسألون قبل أن يصدقوا، وكيف يتحققون قبل أن يشاركوا، وكيف يميزون بين الأداة الحقيقية والخدعة المغلفة بشعار «الذكاء الاصطناعي». ويمكن أن تبدأ هذه الجهود بورش عمل في المدارس أو حملات توعية إعلامية تشرح للناس بلغة مبسطة كيفية قراءة سياسات الخصوصية، أو التحقق من موثوقية التطبيقات قبل استخدامها.

الذكاء الحقيقي في السؤال

الذكاء الاصطناعي يشبه نهراً جارفاً: لا يمكن إيقافه، لكن يمكن توجيهه. إما أن يروي عطشنا للمعرفة... أو أن يُغرقنا في طوفان من التضليل. الفرق لا يصنعه النهر، بل الوعي الذي يختار مجراه. وكما قال الفيلسوف ابن رشد: «من اتخذ التقليد عادة في فكره، أغلق على نفسه باب النظر». فلا تدع الـ«AI» يصبح تقليداً جديداً نمارسه دون تفكير.

إن الذكاء الحقيقي ليس في قدرة الخوارزميات على الإجابة، بل في قدرتنا نحن على طرح الأسئلة الصحيحة - الأسئلة التي تفتح باب الفهم لا باب التكرار، والتي تجعل التقنية خادمة للعقل لا بديلة عنه. فالخطر ليس في أن تُخدع بخوارزمية، بل في أن تتوقف عن السؤال أمامها.

شاركنا رأيك وتجربتك: هل واجهت تطبيقاً ادّعى أنه يعمل بالذكاء الاصطناعي وتبيّن أنه وهم؟ كيف اكتشفت الخداع؟ دعونا نبني معاً مجتمعاً رقمياً أكثر وعياً، يرى في التكنولوجيا وسيلة للارتقاء لا مرآة للوهم، ويجعل من السؤال أول أشكال الذكاء... لا آخرها.

حقائق

3.3

مليار دولار عائدات التطبيقات الذكية عام 2024

حقائق

786

ألف تطبيق يُصنَّف ضمن فئة “تطبيقات النماذج اللغوية الكبيرة” رصد خلال خمسة أشهر فقط من عام 2024


مقالات ذات صلة

«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

تكنولوجيا رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)

«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

مسيرة «أبل» خلال 50 عاماً تعكس قدرة استثنائية على الابتكار وإعادة الابتكار، من مرآب صغير إلى شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية.

نسيم رمضان (لندن)
علوم نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

«قمم خبراء» تتحدث عن الأخلاقيات... لكن المعاناة تبقى خارج النقاش

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
الاقتصاد شعار شركة «سيمنز» في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)

«سيمنز» الألمانية: الحرب تفرمل رغبة العملاء في الاستثمار بمشاريع جديدة

قالت شركة «سيمنز» الألمانية يوم الاثنين إن الحرب الإيرانية أدَّت إلى إحجام العملاء عن الاستثمار في مشروعات جديدة نتيجة ارتفاع أسعار المواد الخام والطاقة.

«الشرق الأوسط» (بكين )
تكنولوجيا صورة للرئيس التنفيذي لشركة «ميتا» مارك زوكربيرغ وشعار الشركة (أرشيفية - أ.ف.ب)

زوكربيرغ يعمل على تطوير وكيل ذكي لمساعدته في مهامه

يعمل مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا» على تطوير مساعد مدعوم بالذكاء الاصطناعي لمساعدته في أداء مهامه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد سيدة تمر أمام متجر لمجموعة «سوفت بنك» في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

«سوفت بنك» تستثمر 33 مليار دولار لبناء أكبر محطة طاقة في أميركا

أعلنت مجموعة «سوفت بنك» اليابانية، يوم السبت، عن خططها لبناء محطة طاقة جديدة ضخمة تعمل بالغاز الطبيعي في ولاية أوهايو الأميركية.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟


أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
TT

أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر

سترسل وكالة الطيران والفضاء الاميركية ناسا، أربعة رواد فضاء في مهمة أرتميس 2 في رحلة تستغرق 10 أيام حول القمر للتمهيد لهبوط على سطحه في المستقبل وإقامة قواعد دائمة عليه.


اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف

اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف
TT

اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف

اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف

في تطورين علميين لافتين، أعلن باحثون اكتشافين يسلطان الضوء على أسرار الحياة من جانبين متناقضين. ففي حين نجح فريق علمي في بناء واحدة من أكثر المحاكاة الرقمية اكتمالاً لخلية حيّة، تمكَّن فريق آخر من تحديد المفتاح الجزيئي الذي يحدد متى تتوقف الخلايا البشرية عن الانقسام، والتكاثر.

ورغم اختلاف المسارين يجتمع هذان الإنجازان ليقدما صورة أوضح للحياة سواء في أبسط صورها أو أعقدها، هي أنها تعمل وفق نظام دقيق ومترابط يفوق ما كان يُعتقد سابقاً.

خلية «حيّة» على شاشة الكمبيوتر

لأول مرة تمكن الباحثون بقيادة زين ثورنبورغ، من معهد «بيكمان للعلوم والتكنولوجيا المتقدمة» في جامعة «إلينوي» بالولايات المتحدة الأميركية، من إنشاء نموذج حاسوبي يتتبع كل جزيء داخل خلية بكتيرية بسيطة في أثناء عملية نسخ حمضها النووي «دي ان ايه DNA» وانقسامها إلى خليتين، في دراسة نُشرت في مجلة «سيل Cell» في 9 مارس (آذار) 2026. وقد تم تقليص المادة الجينية لهذه الخلية إلى 493 جيناً فقط مما جعلها نموذجاً مثالياً لفهم كيفية نشوء الحياة من مكوّناتها الأساسية.

وأعادت المحاكاة الرقمية بناء جميع العمليات الحيوية بما فيها تضاعف الحمض النووي (دي إن إيه)، وتصنيع البروتينات ونشاط الريبوسومات وتغيرات الغشاء الخلوي. ومع تحرّك الجزيئات واصطدامها داخل «الخلية الافتراضية virtual cell» فإنها اتبعت نفس السلوك الذي تفعله الخلايا الحقيقية. وبعد محاولات عديدة لتحسين النموذج، استطاعت الخلية الافتراضية إكمال دورة خلوية كاملة. واستغرقت 105 دقائق، وهو وقت مطابق تقريباً لوقت الخلية الحقيقية.

ولم تكن هذه العملية مجرد رسوم متحركة بل خريطة تفصيلية لما يجعل الخلية حيّة. ويفتح ذلك الباب أمام ابتكار مضادات حيوية جديدة وفهم تطور الحياة المبكرة وتصميم كائنات دقيقة مبرمجة لأغراض طبية أو بيئية. لكن فهم كيفية بدء الحياة لا يقل أهمية عن فهم كيفية توقفها.

بروتين واحد يتحكم بساعة الشيخوخة داخل خلايانا

كانت دراسة منفصلة نُشرت في مجلة «Molecular Cell» بتاريخ 18 ديسمبر (كانون الأول) 2025 قد اكتشفت أن بروتيناً واحداً يسمّى «ATM»، هو المسؤول عن اتخاذ القرار المصيري الذي يُجبر الخلايا البشرية على التوقف عن الانقسام في عملية تُعرف بـ«الشيخوخة التكاثرية أو التشيّخ replicative senescence». وقاد الدراسة تيتيا دي لانغ، رئيسة مختبر بيولوجيا الخلية وعلم الوراثة في جامعة «روكفلر» في نيويورك.

ولفترة طويلة اعتقد الباحثون أن بروتينَي «ATM» و«ATR» يعملان معاً لاستشعار قِصَر التيلوميرات، وهي الأغطية الواقية في نهايات الكروموسومات التي تقصر مع كل انقسام خلوي. لكن الدراسة الجديدة نقضت هذه الفكرة تماماً. وأكدت أن بروتين «ATM» هو وحده المسيطر على عملية التوقف.

وعندما عطّل العلماء هذا البروتين واصلت الخلايا الانقسام حتى عندما أصبحت تيلوميراتها قصيرة جداً. والأدهى من ذلك أن تعطيل بروتين «ATM» في خلايا «مسنّة» أعاد قدرتها على الانقسام، مما يعني أن الشيخوخة الخلوية ليست نهاية حتمية بل مفتاح يمكن تشغيله ووقفه.

نقطة التقاطع: البيئة المحيطة تغيّر مصير الخلية

ما يجمع بين الاكتشافين هو عنصر واحد مهم وهو الأكسجين، حيث أظهرت الخلية الافتراضية أن التغيرات البسيطة في بيئة الخلية تؤثر بعمق على سلوك مكوّناتها الجزيئية. وينطبق الأمر نفسه على الخلايا البشرية.

وتعيش معظم الأنسجة في جسم الإنسان في بيئة تحتوي على 3 في المائة فقط من الأكسجين. لكن في المختبر تُزرع الخلايا عادةً في 20 في المائة منه وهو مستوى الهواء المحيط. ولطالما حيّر العلماء سبب «شيخوخة» الخلايا في المختبر بسرعة أكبر مما يحدث داخل الجسم.

وقدّمت الدراسة الجديدة الإجابة، حيث إن نسبة الأكسجين العالية تجعل بروتين «ATM» حساساً بشكل زائد، فيدفع الخلايا إلى التوقف عن الانقسام أسرع من الطبيعي. ولكن عند مستويات الأكسجين الهادئة داخل الجسم يصبح البروتين «ATM» أقل نشاطاً وتتمكن الخلايا من الانقسام لفترات أطول.

رسالة موحّدة: الحياة تعمل وفق شبكة دقيقة من القواعد

وعند جمع النتائج معاً تتضح صورة مذهلة هي أن الحياة، من أبسط الخلايا إلى أعقدها، محكومة بدوائر جزيئية دقيقة تتأثر بكل ما يحيط بها. فالخلية الافتراضية تكشف عن كيف تنشأ الحياة من مجموعة صغيرة من الجينات. واكتشاف بروتين «ATM يوضح كيف يمكن لجزيء واحد أن يتحكم بالحدّ الفاصل بين الشباب والشيخوخة. وكلاهما يُظهر أن سلوك الخلايا ليس قدراً ثابتاً بل استجابة مرنة للبيئة.

تمهيد لعصر جديد في علم الأحياء

تُبشّر هذه الاكتشافات بمرحلة متطورة تتيح لنا اختبار الخلايا افتراضياً قبل إجراء التجارب الفعلية عليها. والنظر إلى الشيخوخة بوصفها حالة قابلة للتعديل وليس كمصير محتوم. ومن ثم تصميم علاجات أكثر دقة للأمراض كالسرطان والأمراض التنكسية والعدوى.

سواء من خلال محاكاة خلية بكتيرية كاملة أو فك أسرار الساعة البيولوجية للشيخوخة، تُؤكّد لنا هذه الإنجازات حقيقة واحدة هي أن قوانين الحياة لم تعد طيَّ الكتمان بل تُفكَّك طلاسمها خطوة بعد خطوه وبوتيرة أسرع من أي وقت مضى.