كيف يخدعنا الذكاء الاصطناعي الوهمي... وكيف نحمي أنفسنا؟

من دواءٍ ملوَّن في الأسواق إلى تطبيقٍ لامع في الهاتف... الوهم نفسه بثوبٍ رقمي جديد

بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي تقدم نفسها كمستشار طبي أو قانوني أو حسابي أو حتى كـ«لرفيق عاطفي»
بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي تقدم نفسها كمستشار طبي أو قانوني أو حسابي أو حتى كـ«لرفيق عاطفي»
TT

كيف يخدعنا الذكاء الاصطناعي الوهمي... وكيف نحمي أنفسنا؟

بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي تقدم نفسها كمستشار طبي أو قانوني أو حسابي أو حتى كـ«لرفيق عاطفي»
بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي تقدم نفسها كمستشار طبي أو قانوني أو حسابي أو حتى كـ«لرفيق عاطفي»

في سوقٍ شعبية قديمة، كنت ترى بائعاً جوَّالاً يرفع قارورة صغيرة ويصيح بثقة: «هذا الدواء يشفي كل داء!». ويتجمّع الناس حوله بدافع الأمل، يدفعون نقودهم، ويعودون إلى بيوتهم وهم يعلّقون رجاءهم على ماءٍ ملوّن ووعودٍ جوفاء.

بائع القناني الملونة في الأسواق القديمة كدواء مزيف ضد الأمراض

حيلة قديمة... ترتدي ثوباً رقمياً

تلك الحيلة القديمة لم تَمُت، بل ارتدت ثوباً رقمياً جديداً. فاليوم، لا تحتاج إلى الوقوف في السوق لتُخدع؛ يكفي أن تفتح هاتفك لتجد بائعاً رقمياً يعرض «ذكاءً اصطناعياً خارقاً» في قنينة تطبيق... أسماء براقة مثل «الطبيب الذكي» و«الرفيق العاطفي» و«المستشار القانوني الآلي» تتنافس على كسب ثقتك، مستخدمة كلماتٍ تشبه السحر، لكنها تخفي وراء لمعانها خوارزميات سطحية تكرّر ما تعلّمته دون فهم، وأحياناً بنوايا خبيثة تسعى لسرقة بياناتك أو التلاعب بك نفسياً.

لماذا ينجح هذا الخداع؟

الذكاء الاصطناعي الحقيقي أشبه بمختبر ضخم يعمل فيه علماء بيانات ومهندسون على خوارزميات تتطلب سنوات من التطوير وكمّاً هائلاً من البيانات والتجارب. إنه مجال معقّد ومكلف لا يُبنى في ليلة. لكن باعة الوهم الجدد اكتشفوا طريقاً أسهل: يكفي أن يضيفوا حرفين لامعين - «AI» - إلى اسم أي تطبيق عادي، ليغمرهم المستخدمون بالاهتمام والتحميلات والثقة. (ـ«A» و«I» هما حرفان فقط من الأبجدية اللاتينية، اختصاراً لـArtificial Intelligence الذكاء الاصطناعي).

إنهم يستغلون نقطتين إنسانيتين فينا: الفضول والرغبة في الحل السريع. فمن منا لا يريد طبيباً يجيب فوراً عن ألمه؟ أو محامياً يحسم قضيته دون انتظار؟ أو مستشاراً مالياً يضاعف أرباحه دون جهد؟ لكن النتيجة كثيراً ما تكون خسارة مزدوجة: للمال وللخصوصية، وأحياناً للعقل الذي ينخدع بوهم الذكاء فيتّخذ قرارات خاطئة قد تضر بصحته أو استقراره المالي.

والمشكلة لا تقتصر على الطب أو القانون، بل تمتد إلى كل زاوية من حياتنا الرقمية. فهناك «المستشار التسويقي الذكي» الذي يعدك بحملة مثالية، و«المحاسب الافتراضي» الذي يدّعي إدارة ميزانيتك بلا أخطاء، بل حتى «الرفيق العاطفي» الذي يتظاهر بفهمك أكثر من البشر. غير أن أغلب هذه التطبيقات لا تقدّم سوى ردودٍ آلية أو تحليلاتٍ سطحية تُخفي خلفها غاية واحدة: جمع بياناتك، وتغذية خوارزمياتهم التجارية، لا تحسين حياتك.

طفرة الذكاء... وطفرة الادعاء

في عام 2024، شهد العالم انفجاراً غير مسبوق في عدد التطبيقات التي ترفع شعار «الذكاء الاصطناعي». ووفقاً لتقارير منصة تحليل السوق الرقمية «سنسور تاور» (Sensor Tower) ومنصة البيانات «ستارت دوت آي أو» (Start.io)، بلغ عدد مرات تحميل التطبيقات التي تتضمن كلمة «الذكاء الاصطناعي» (AI) في اسمها أو وصفها أكثر من 17 مليار تحميل خلال عام واحد فقط، بينما أضاف أكثر من 3 آلاف تطبيق جديد هذا المصطلح إلى أسمائها أو حملاتها التسويقية لأول مرة.

وتشير البيانات إلى أن عائدات هذه التطبيقات تجاوزت 3.3 مليار دولار، وهو رقم يعكس ليس فقط الإقبال على الذكاء الاصطناعي الحقيقي، بل أيضاً الإغراء التجاري لاستخدام المصطلح نفسه كأداة جذب وتسويق.

كما أظهرت دراسة أكاديمية نُشرت في موقع الأبحاث العلمية «أركايف» (arXiv) أنه خلال خمسة أشهر فقط من عام 2024، تم رصد أكثر من 786 ألف تطبيق يُصنَّف ضمن فئة «تطبيقات النماذج اللغوية الكبيرة» (LLM Apps)، مما يكشف حجم الزخم العالمي حول هذا المجال. لكن المقلق أن نسبة غير قليلة من هذه التطبيقات لا تعتمد على ذكاء حقيقي بقدر ما تستغل الاسم لتحقيق الانتشار أو جمع البيانات. إنها طفرة مزدوجة: ازدهار للابتكار... وازدهار للوهم.

ينبغي تمييز التطبيقات الحقيقية عن الزائفة

كيف تميّز الزائف من الأصيل؟

لست بحاجة إلى أن تكون خبيراً في البرمجة لتكشف الخداع؛ فالتطبيقات الزائفة تترك دائماً آثاراً تدلّ عليها، كما يترك البائع المتجول آثار ألوانه على يديه.

وإليك أبرز العلامات التي ينبغي أن تثير شكّك قبل أن تضغط على «تحميل»:

* المطوّر المجهول: اسأل نفسك: من يقف وراء التطبيق؟ هل هو مشروع تابع لجامعة أو معهد بحثي أو شركة تقنية معروفة؟ أم حساب غامض بلا موقع رسمي أو معلومات تواصل؟ الشفافية أول اختبار للثقة.

* الوعود المطلقة والمبالغ بها: حين تقرأ عبارات مثل «تشخيص طبي دقيق 100 في المائة»، أو «نجاح مضمون»، أو «تحليل شخصيتك في دقيقة»، فاعلم أنك أمام بائع وهم لا مطوّر علم. الذكاء الاصطناعي الحقيقي متواضع بطبعه، يعترف بحدوده، ويقدّم نسب نجاح قابلة للقياس.

* غياب التفاصيل التقنية: التطبيقات الأصيلة تشرح، ولو بأسلوب مبسط، كيف تعمل خوارزمياتها أو من أين تتعلم بياناتها. أما الزائفة فتعتمد على العبارات الغامضة مثل «مدعوم بأحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي»، دون أي توضيح.

* الخصوصية المفقودة: احذر من التطبيقات التي تطلب الوصول إلى الكاميرا أو الميكروفون أو الموقع أو ملفاتك المالية دون سبب واضح. فالنية الخفية غالباً ليست تقديم خدمة، بل جمع بيانات لتسويقها أو استغلالها.

* غياب التقييمات الحقيقية: افحص المراجعات في متاجر التطبيقات. هل التعليقات حقيقية ومتنوعة؟ أم متكررة ومكتوبة بنفس الأسلوب؟ التقييمات المزيفة تُصاغ أحياناً تلقائياً لإيهام المستخدمين بالمصداقية.

* الإعلانات المبالغ بها: إن رأيت وعوداً لامعة من مؤثرين أو حملات تسويقية تروّج «لذكاء خارق»، بينما لا تجد أثراً علمياً واحداً يثبت ذلك - فأنت أمام فخ تسويقي لا أكثر.

* غياب أي إشراف أو ترخيص: التطبيقات الأصيلة، خصوصاً الطبية أو القانونية، تخضع لمراجعات أو تراخيص من هيئات مختصة. أما «باعة الذكاء» فلا يذكرون جهة إشراف واحدة.

* علامة الكلفة المنخفضة: حين يُعرض تطبيق يدّعي قدرات خارقة بسعر زهيد أو اشتراك مجاني بالكامل، فاسأل نفسك: إذا لم تكن أنت الزبون... فربما تكون أنت المنتج.

تقييمات مشبوهة: تعليقات متكررة بنفس الأسلوب، أو تقييمات خمس نجوم من دون تفاصيل حقيقية، غالباً ما تكون مزيفة أو مدفوعة الأجر.

كيف تحمي نفسك وتختار الأدوات الموثوقة؟

الحماية الرقمية ليست معقدة إذا كنت واعياً. كل ما تحتاجه هو قليل من الحذر وكثير من الأسئلة قبل أن تضغط على «تحميل». إليك دليلاً عملياً لتجنّب الوقوع في فخ «باعة الذكاء» الجدد:

* ابحث عن المطوّر: تحقق من هوية الجهة المنتجة للتطبيق. هل لديها موقع رسمي، فريق معروف، أو شراكة مع جامعة أو مؤسسة بحثية موثوقة؟ كلما زادت الشفافية، زادت الموثوقية.

* اقرأ المراجعات بعناية: لا تكتفِ بعدد النجوم، بل اقرأ التعليقات الفعلية. ابحث عن تجارب مفصّلة توضّح المزايا والعيوب. المراجعات المتشابهة أو المبالغ فيها قد تكون آلية ومزيّفة.

* التحميل من المتاجر الرسمية فقط: التزم بـGoogle Play أو App Store، وابتعد عن الروابط العشوائية أو الإعلانات المغرية على وسائل التواصل. فالبرامج الوهمية كثيراً ما تختبئ وراء واجهات براقة ومواقع مزيفة.

* راقب الأذونات: افحص ما يطلبه التطبيق من صلاحيات. إذا طلب مثلاً الوصول إلى الميكروفون لتطبيق كتابة، أو إلى الصور لتطبيق حاسبة، فهذه إشارة خطر. لا تمنح إذناً بلا داعٍ.

* استخدم بريداً إلكترونياً ثانوياً: عند تجربة تطبيق جديد وغير موثوق، استعمل بريداً تجريبياً منفصلاً عن حساباتك الرسمية أو البنكية لحماية خصوصيتك من التسريب.

* احذف التطبيقات الراكدة: كل تطبيق مهجور على هاتفك قد يكون باباً خلفياً لجمع البيانات أو للاختراق. نظّف جهازك دورياً مما لا تحتاجه.

* ابحث عن التوثيق العلمي: التطبيق الجاد يذكر مصادره أو نتائج اختباراته. قد يشير إلى دراسة منشورة أو تعاون مع جهة أكاديمية. غياب هذه الأدلة يعني غالباً غياب المصداقية.

* احذر من «الذكاء المجاني»: إذا كان التطبيق يعدك بخدمات خارقة دون مقابل، فتذكّر القاعدة الذهبية: حين لا تدفع بالمال، فربما تدفع ببياناتك.

* استعن بالعقل لا بالعاطفة: لا تنخدع بالإبهار البصري أو اللغة التسويقية. اسأل دائماً: هل هذا التطبيق يحل مشكلة حقيقية... أم يخلقها ليبيعني الحل؟

الخسارة تلاحق الواقعين في الفخاخ الرقمية

الذكاء الاصطناعي: أداة أم خدعة؟

الذكاء الاصطناعي ليس خيراً أو شراً بذاته؛ إنه مرآة تعكس نوايا من يستخدمه. فإذا صُمم بمسؤولية، يمكن أن يكون أداة ثورية تُسهم في تحسين حياة الإنسان: من مساعدة الأطباء في تشخيص الأمراض بدقة أكبر، إلى تطوير التعليم، وإدارة الموارد بكفاءة، وتقليل الفاقد في قطاعات الطاقة والزراعة. لكن حين يُستخدم بلا ضمير أو يُسوّق بوهم، يتحول إلى قنينة رقمية جديدة تُباع على الشاشات، تعد بالكمال ولا تقدم سوى الخداع.

في منطقتنا العربية، حيث تنتشر التكنولوجيا بسرعة تفوق أحياناً قدرتنا على استيعابها، يتضاعف خطر الوقوع في هذه الفخاخ الرقمية، خصوصاً مع محدودية الوعي التقني لدى بعض المستخدمين.

هنا يبرز دورنا الجماعي: الإعلام العربي، والمدارس، والجامعات، ومراكز البحث، كلّها تتحمل مسؤولية بناء «المناعة الرقمية» للمجتمع. لقد أصبحت المعرفة التكنولوجية شكلاً جديداً من الحصانة ضد التضليل. علينا أن نُعلّم أبناءنا كيف يسألون قبل أن يصدقوا، وكيف يتحققون قبل أن يشاركوا، وكيف يميزون بين الأداة الحقيقية والخدعة المغلفة بشعار «الذكاء الاصطناعي». ويمكن أن تبدأ هذه الجهود بورش عمل في المدارس أو حملات توعية إعلامية تشرح للناس بلغة مبسطة كيفية قراءة سياسات الخصوصية، أو التحقق من موثوقية التطبيقات قبل استخدامها.

الذكاء الحقيقي في السؤال

الذكاء الاصطناعي يشبه نهراً جارفاً: لا يمكن إيقافه، لكن يمكن توجيهه. إما أن يروي عطشنا للمعرفة... أو أن يُغرقنا في طوفان من التضليل. الفرق لا يصنعه النهر، بل الوعي الذي يختار مجراه. وكما قال الفيلسوف ابن رشد: «من اتخذ التقليد عادة في فكره، أغلق على نفسه باب النظر». فلا تدع الـ«AI» يصبح تقليداً جديداً نمارسه دون تفكير.

إن الذكاء الحقيقي ليس في قدرة الخوارزميات على الإجابة، بل في قدرتنا نحن على طرح الأسئلة الصحيحة - الأسئلة التي تفتح باب الفهم لا باب التكرار، والتي تجعل التقنية خادمة للعقل لا بديلة عنه. فالخطر ليس في أن تُخدع بخوارزمية، بل في أن تتوقف عن السؤال أمامها.

شاركنا رأيك وتجربتك: هل واجهت تطبيقاً ادّعى أنه يعمل بالذكاء الاصطناعي وتبيّن أنه وهم؟ كيف اكتشفت الخداع؟ دعونا نبني معاً مجتمعاً رقمياً أكثر وعياً، يرى في التكنولوجيا وسيلة للارتقاء لا مرآة للوهم، ويجعل من السؤال أول أشكال الذكاء... لا آخرها.

حقائق

3.3

مليار دولار عائدات التطبيقات الذكية عام 2024

حقائق

786

ألف تطبيق يُصنَّف ضمن فئة “تطبيقات النماذج اللغوية الكبيرة” رصد خلال خمسة أشهر فقط من عام 2024


مقالات ذات صلة

«أوبن إيه آي» توسع إعلانات «ChatGPT» إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

تكنولوجيا أطلقت الشركة منصة ذاتية تتيح للشركات والوكالات إدارة الحملات الإعلانية مباشرة داخل «ChatGPT» (رويترز)

«أوبن إيه آي» توسع إعلانات «ChatGPT» إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

توسع «أوبن إيه آي» إعلانات «ChatGPT» إلى المنطقة مع منصة ذاتية للمعلنين وفصل واضح بين المحتوى المدفوع وإجابات النموذج.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يضع تعاون الشركة مع «هيوماين» كفاءة استهلاك الطاقة والتكلفة لكل عملية استدلال موضع التطبيق على نطاق واسع

آفاق الحوسبة الجديدة: قيادة مستقبل الذكاء الاصطناعي والجيل السادس للاتصالات و«الحوسبة المتصلة»

شبكات الجيل السادس يتم تصميمها من الألف إلى الياء لتكون نظاماً قائماً على الذكاء الاصطناعي.

خلدون غسان سعيد (جدة)
تكنولوجيا يعكس إطلاق الخدمة توجهاً نحو فصل أوضح بين التجربة المجانية والمزايا المتقدمة المدفوعة مع اختلاف التوافر بحسب التطبيق والمنطقة ونوع الحساب (ميتا)

«ميتا» توسع نموذج الاشتراكات المدفوعة عبر تطبيقاتها وتضيف مزايا أوسع للذكاء الاصطناعي

توسع «ميتا» نموذج الاشتراكات المدفوعة عبر تطبيقاتها مع أدوات ذكاء اصطناعي ومزايا إضافية للأفراد وصناع المحتوى والشركات، مع بقاء الأساس مجانياً.

نسيم رمضان (لندن)
أوروبا رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تتفاعل مع التصفيق عقب إلقائها خطاب حالة الاتحاد الأوروبي أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ بفرنسا 16 سبتمبر 2026 (رويترز)

أوروبا تتحرّك بعد صيف ملتهب... خطة لمواجهة موجات الحر

قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، الأربعاء، إن بروكسل ستطرح «خطة لمواجهة موجات الحر»، بهدف تحسين الاستجابة للأحوال الجوية المتطرفة.

«الشرق الأوسط» (ستراسبورغ)
علوم «انتفاضة الباحثين» السبب الحقيقي وراء دعوات إبطاء بحوث الذكاء الاصطناعي

«انتفاضة الباحثين» السبب الحقيقي وراء دعوات إبطاء بحوث الذكاء الاصطناعي

تخلُّف تطوير تقنيات السلامة كثيراً عن تطويرات قدراته

مارك سوليفان (واشنطن)

«انتفاضة الباحثين» السبب الحقيقي وراء دعوات إبطاء بحوث الذكاء الاصطناعي

«انتفاضة الباحثين» السبب الحقيقي وراء دعوات إبطاء بحوث الذكاء الاصطناعي
TT

«انتفاضة الباحثين» السبب الحقيقي وراء دعوات إبطاء بحوث الذكاء الاصطناعي

«انتفاضة الباحثين» السبب الحقيقي وراء دعوات إبطاء بحوث الذكاء الاصطناعي

لسنوات متتالية، حذَّرت منظمات سلامة الذكاء الاصطناعي من أن المختبرات الكبرى تتسابق لتطوير أنظمة أكثر ذكاءً واستقلالية، دون استراتيجية واضحة وواقعية لإدارة المخاطر. وأكد باحثون مستقلون أن الاستثمارات في السلامة والتوافق تتخلف كثيراً عن الاستثمارات في القدرات. وقد استقال موظفون، وتوقع بعض الخبراء وقوع كارثة، ولم يُسهم أي من ذلك في إبطاء هذا السباق.

تحذيرات قوية من الباحثين

لكن خلال الأسابيع القليلة الماضية، بدأت التحذيرات تتخذ منحى مختلفاً؛ إذ باتت تصدر بشكل متزايد من العاملين داخل المختبرات. في الأسبوع الماضي، أعلن باحث الذكاء الاصطناعي جاكوب كوكسون استقالته من شركة «أنثروبيك» في منشور حصد أكثر من 171 مليون مشاهدة على منصة «إكس». وبعد ذلك بوقت قصير، أيَّد إيفان هوبينغر، رئيس قسم علوم التوافق في «أنثروبيك» كوكسون علناً، وكذلك فعل إيثان بيريز، باحث التوافق في «أنثروبيك»، وسامويل ماركس، باحث الإشراف القابل للتوسع. كما أيَّدته جولي ستيل وجاسمين وانغ، باحثتا السلامة في شركة «أوبن إيه آي».

«الذكاء الخارق»... مقامرة بحياة البشر

لماذا الآن؟ يُشير كوكسون في تغريدته إلى جزءٍ واضح من الإجابة: «إنهم يتسابقون نحو الذكاء الخارق المُتطور ذاتياً، ويُقامرون بحياتنا». ويُشير كوكسون هنا إلى مفهوم تقني يُسمى «التحسين الذاتي المُتكرر» (recursive self-improvement)، أو استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي الحالية لبناء نماذج جديدة وتحسينها.

الذكاء الاصطناعي بدأ يتحكم

ويُمكن للباحثين الآن استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي في مراحل كثيرة من عملية تطوير النماذج. يُمكنهم استخدامها لتصميم بنية تحتية حاسوبية جديدة تُوفر قوة حاسوبية وكفاءة وسرعة معالجة أكبر. كما يُمكن استخدامها لإنشاء بيانات تدريب أكثر وأفضل، أو لإدارة وتحسين إطار البرمجيات الذي يُنظم تدريب النموذج. أو يُمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لكتابة وتحسين الشفرة البرمجية التي تُحدد النموذج وتُنفذه.

بعبارة أخرى، لا تكتفي نماذج الذكاء الاصطناعي بالتحسن فحسب؛ بل بدأت تتولى زمام العمل اللازم لتطوير الجيل القادم من الذكاء الاصطناعي.

مضاعفة إنتاجية البحث

على سبيل المثال، صرَّحت شركة «أوبن إيه آي» أخيراً بأن برامجها تُساهم بالفعل في «تسريع وتيرة البحث العلمي» داخل الشركة. وبحلول منتصف أغسطس (آب) كانت مؤسستها البحثية تستخدم 3.1 يوم عمل للوكلاء الأذكياء لكل يوم عمل بشري، وقالت الشركة إنها وصلت إلى ما تسميه «متدربَ بحث آلياً».

وأكدت شركة «أنثروبيك» بالمثل أن نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة تُسهم الآن في تطوير النماذج اللاحقة لها.

نماذج تولِّد نماذج أذكى

يُعدُّ ابتكار نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على تولي هذه المهام أحد الأسباب التي دفعت «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي»، و«غوغل» إلى التركيز على تطوير مساعدي برمجة الذكاء الاصطناعي، مثل «كلود كود»، و«كوديكس»، و«أنتيغرافيتي». وقد استغلت أقسام الهندسة في مختلف المؤسسات هذه الأدوات لتسريع تطوير برامجها، ما وفَّر مصدر دخل بالغ الأهمية لمختبرات الذكاء الاصطناعي. ولكن داخل هذه المختبرات، يُمكن استخدام الأنظمة نفسها لتسريع تطوير نماذج ذكاء اصطناعي جديدة.

ومع ازدياد قدرة الذكاء الاصطناعي على أداء مهامه، تتراكم التحسينات والكفاءات، ما يُؤدي في النهاية إلى نموذج أكثر ذكاءً. ويمكن استخدام هذا النموذج، أو وكلاء الذكاء الاصطناعي التي يُشغّلها، لتطوير البنية التحتية وكتابة الشيفرة المستخدمة في الجيل التالي من النماذج.

التوصل إلى «ذكاء خارق»

وقد تبدأ هذه الحلقة المتكررة بالعمل بوتيرة أسرع فأسرع، مع تولي الذكاء الاصطناعي مزيداً من مراحل عملية التطوير. وبذلك، يُمكن أن يُصبح تطوير النماذج مع التحسين الذاتي المتكرر عملية مستمرة. قد تتحقق المكاسب في مجال الذكاء بشكل أسرع وأوسع، ما يمهد الطريق نحو ذكاء اصطناعي فائق.

انفلات الذكاء الاصطناعي خارج الإشراف البشري

وقد أثارت الحادثة التي وقعت لـشركة «هاغنغ فيس» هذا الصيف مخاوف كبيرة، ومهدت الطريق لإعلان كوكسون الذي انتشر كالنار في الهشيم. فقد خرجت أسراب من وكلاء «أوبن أيه آي» عن السيطرة، وخرجت من بيئة التدريب، ووصلت إلى الإنترنت، واخترقت خوادم الشركة؛ بل واخترقت خوادم «أوبن إيه آي» نفسها. وقد نبهت هذه الحادثة الناس إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي قد تطورت إلى درجة يمكنها معها العمل خارج الإشراف البشري؛ بل وضد مصالح البشر.

بعد 4 أيام من استقالة كوكسون، نشر داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، مقالاً جديداً بعنوان «يجب علينا ضبط وتيرة التقدم في التقنيات الرائدة» We Must Pace the Frontier)) دعا فيه إلى إبطاء وتيرة تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً.

ومن جانبها، صرَّحت شركة «أوبن إيه آي» بأنها ستقوم «بإبطاء أو إيقاف» عمليات التطوير أو النشر، في حال كانت مخاطر السلامة غير مقبولة. كما أعرب كبير العلماء في الشركة، جاكوب باتشوك، عن أمله في أن يصبح التباطؤ الطوعي ممارسة شائعة.

وقد دعت «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» الحكومات إلى التدخل وضبط «وتيرة» تطوير الذكاء الاصطناعي.

انعدام الالتزام

ومع ذلك، لم تلتزم أي من الشركتين بإبطاء تطوير ونشر النماذج الجديدة بشكل مستمر. فبالنسبة لهذه المختبرات، لا تُعد عملية الإبطاء أمراً بسيطاً؛ إذ يبرز تساؤل مفاده: ماذا لو أبطأت المختبرات «أ» وتيرتها بينما واصلت المختبرات «ب» السباق نحو الأمام؟

وفي هذا السياق، يدعو ديفيد ساكس -الذي شغل سابقاً منصب مسؤول ملف الذكاء الاصطناعي في إدارة ترمب- مختبرات الذكاء الاصطناعي إلى ضبط وتيرة عملها ذاتياً. وفي المقابل، يرى الرئيس دونالد ترمب أنه لا مجال لإبطاء وتيرة الذكاء الاصطناعي، نظراً للمنافسة القائمة مع الصين؛ حيث كتب على منصة «تروث سوشيال» يقول: «من يفوز في سباق الذكاء الاصطناعي، يفوز بكل شيء!».

وفي مقاله، دعا أمودي أيضاً إلى «دمج» جهات تقييم مستقلة -مثل مؤسسات: «METR» و«Apollo Research» و«Redwood Research»- داخل هذه المختبرات. وقد أيد سام ألتمان -الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»- هذه الفكرة، وأكد أن شركته ستشارك فيها. وفي الوقت نفسه، يعكف المشرعون -ومعظمهم من الديمقراطيين- على اقتراح تشريعات من شأنها تعزيز دور الحكومة في الإشراف على تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة.

كفاءة تقنية أعلى... وإشراف أدنى

إن فهم توقيت هذه التحركات ليس بالأمر الصعب؛ فأنظمة الذكاء الاصطناعي تزداد كفاءة في العمل بأقل قدر من الإشراف البشري، وفي الوقت ذاته، باتت تتولى جزءاً متزايداً من المهام المتعلقة بتطوير الجيل القادم من تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ولا تكمن المخاوف ببساطة في استمرار ازدياد ذكاء نماذج الذكاء الاصطناعي؛ بل في أن عملية جعلها أكثر ذكاءً قد تتسارع لدرجة تفقد معها البشرية قدرتها -أكثر فأكثر- على مراقبة ما يحدث، أو إبطاء وتيرته، أو فرض معايير السلامة والمواءمة.

* مجلة «فاست كومباني».


كراسي متحركة للأطفال الصغار... بالطباعة التجسيمية

كراسي متحركة للأطفال الصغار... بالطباعة التجسيمية
TT

كراسي متحركة للأطفال الصغار... بالطباعة التجسيمية

كراسي متحركة للأطفال الصغار... بالطباعة التجسيمية

لعقود طويلة كان استخدام أجهزة التنقل للأطفال محدوداً بسبب ارتفاع التكاليف، وعوائق التأمين، والحاجة إلى تصنيع متخصص. أما الآن، فمؤسسة «مَيْكْ غود» MakeGood غير الربحية في نيو أورليانز -الحائزة على جائزة الابتكار في التصميم لعام 2026 في مجال التصميم المُيسّر- تستخدم الطباعة ثلاثية الأبعاد (التجسيمية) لتوسيع نطاق الوصول إلى هذه الأجهزة للأطفال الذين يعانون من حالات تجعل الحركة المستقلة صعبة، كما كتبت مارغريت أندرسن(*).

كرسي متحرك بلاستيكي ملون

بدلاً من إنتاج كرسي متحرك يدوي تقليدي، ابتكرت المؤسسة كرسياً متحركاً بلاستيكياً ملوناً سمته «الجهاز التدريبي wheelchair-like mobility trainer» يُشبه الكرسي المتحرك، ومُصمماً للأطفال من عمر سنة إلى ثماني سنوات، الذين يعانون من حالات مثل الشلل الدماغي أو تشقق العمود الفقري (السِّنْسِنَة المشقوقة)، أو الذين قضوا فترات طويلة في العناية المركزة لحديثي الولادة.

تصنيع منزلي

ويمكن تصنيع الكرسي «التدريبي» محلياً ببضع مئات من الدولارات باستخدام طابعات ثلاثية الأبعاد منزلية. وهو مُجمّع من عشرات المكونات الصغيرة باستخدام تقنيات النجارة المستوحاة من النجارة اليابانية، والهياكل الهندسية المتشابكة لإنشاء إطار متين من مطبوعات بحجم سطح المكتب.

وتدير المؤسسة منصة إلكترونية تُسمى 3D-mobility.org تربط أكثر من 1000 متطوع من صانعي الأجهزة حول العالم بالعائلات التي تطلبها. وتقوم المدارس، ومساحات العمل الإبداعية، والمستشفيات، وحتى الأجداد الذين اشتروا طابعات ثلاثية الأبعاد حديثاً، بتجميع هذه الأجهزة التدريبية بالقرب من أماكن سكن الأطفال.

تلبية الاحتياجات الفردية

يقول نعوم بلات، مؤسس «مَيْكْ غود»: «التصميم الجيد المقترن بالطباعة ثلاثية الأبعاد يمنحنا القدرة على تلبية احتياجاتنا دون الحاجة إلى القلق بشأن شركات التأمين. إذا احتجنا إلى جهاز مساعد على الحركة، يُمكننا ببساطة صنعه بأنفسنا».

وتُوسّع المنظمة حالياً مراكز الإنتاج المحلية عالمياً، لا سيما في مناطق أميركا اللاتينية، حيث يرتفع الطلب، بينما يبقى الوصول إلى الطابعات ثلاثية الأبعاد والمواد محدوداً.

* مجلة «فاست كومباني»


جين غامض يكشف عن سبب اضطرابات نادرة لدى الأطفال

جين غامض يكشف عن سبب اضطرابات نادرة لدى الأطفال
TT

جين غامض يكشف عن سبب اضطرابات نادرة لدى الأطفال

جين غامض يكشف عن سبب اضطرابات نادرة لدى الأطفال

كشفت دراسة دولية جديدة عن سبب وراثي لم يكن معروفاً من قبل وراء مجموعة نادرة من الاضطرابات النمائية، بعد أن توصل الباحثون إلى أن الطفرات التي تصيب جيناً يُعرف باسم NPTN تعطل الوظيفة الطبيعية للخلايا العصبية؛ ما قد يؤدي إلى تأخر النمو واضطراب طيف التوحد وفي بعض الحالات الإصابة بالصرع.

اضطرابات عصبية بلا تشخيص محدد

ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Genome Medicine في 1 يوليو (تموز) الماضي. وتشير النتائج إلى أن هذا الاكتشاف قد يفتح الباب أمام تشخيص حالات مشابهة ظلت لسنوات من دون تفسير واضح. وبالنسبة إلى كثير من العائلات قد يعني ذلك نهاية رحلة طويلة من البحث عن سبب تأخر نمو الطفل أو معاناته من اضطرابات عصبية من دون الوصول إلى تشخيص محدد.

ورغم ندرة هذه الحالة؛ يرى الباحثون أن تحديد العلاقة بين جين NPTN وهذه الاضطرابات قد يساعد الأطباء على التعرف إلى مرضى آخرين يحملون طفرات مشابهة، ويوفر أساساً لفهم أفضل لكيفية تأثير هذه التغيرات الجينية في نمو الدماغ ووظائف الخلايا العصبية.

8 أطفال... وجين واحد

بدأت القصة مع ثمانية أطفال من دول مختلفة كانوا جميعاً يعانون اضطرابات نمائية لم يتمكن الأطباء من تفسيرها رغم خضوعهم لفحوص وراثية وطبية مكثفة.

وعند تحليل الحمض النووي (دي إن إيه) لهؤلاء الأطفال وجد الباحثون أن جميعهم يحملون تغيرات ضارة في جين NPTN، والأهم من ذلك أن هذه الطفرات لم تُورَّث من الوالدين، بل ظهرت تلقائياً خلال المراحل المبكرة من النمو الجنيني.

وعانى جميع الأطفال تأخراً في النمو أو إعاقات ذهنية، في حين شُخّص سبعة منهم باضطراب طيف التوحد. كما أصيب بعضهم بالصرع أو فقدوا مهارات لغوية سبق أن اكتسبوها، إضافة إلى اضطرابات في الحركة والنوم.

وكان جين NPTN صُنّف سابقاً على أنه «جين مرشح» قد تكون له علاقة باضطرابات النمو، إلا أن هذه الدراسة تقدم أول دليل قوي على أن الطفرات فيه يمكن أن تكون سبباً مباشراً لاضطرابات النمو العصبي والتوحد.

ويقول الدكتور ديرك مونتاغ، من معهد لايبنتس لعلم الأعصاب في ألمانيا وأحد المؤلفين الرئيسيين للدراسة، تُظهر نتائجنا أن بروتين نيوروبلاستين Neuroplastin يؤدي دوراً أساسياً في عمل الدماغ. فإذا تغير هذا البروتين أو انخفضت كميته تصبح الخلايا العصبية أقل قدرة على معالجة الإشارات بصورة طبيعية.

بروتين يحافظ على تواصل الخلايا العصبية

يحمل جين NPTN التعليمات اللازمة لإنتاج بروتين يُعرف باسم نيوروبلاستين، وهو بروتين يساعد الخلايا العصبية على تنظيم مستويات الكالسيوم داخلها. ويُعد الكالسيوم عنصراً أساسياً لانتقال الإشارات بين الخلايا العصبية، لكن نجاح هذه العملية يعتمد على الحفاظ على مستوياته ضمن حدود دقيقة.

وكشفت الدراسة عن أن الطفرات في بروتين نيوروبلاستين تُضعف عمل مضخات متخصصة تُعرف باسم PMCA، وهي المسؤولة عن التخلص من الكميات الزائدة من الكالسيوم داخل الخلايا. وعندما تصبح هذه المضخات أقل كفاءة يبقى الكالسيوم داخل الخلية لفترة أطول من اللازم؛ ما يؤدي إلى اضطراب نقل الإشارات العصبية وإعاقة تكوين الشبكات العصبية الطبيعية أثناء نمو الدماغ.

ويقدم هذا الاكتشاف تفسيراً بيولوجياً لكيفية تسبب طفرة جينية واحدة في التأثير على التعلم والسلوك والتطور العصبي.

التجارب تؤكد النتائج

وللتأكد من تأثير هذه الطفرات؛ جمع الباحثون بين التحليلات الوراثية وتجارب أُجريت على خلايا عصبية بشرية وفئران وذباب الفاكهة. وأظهرت التجارب اضطراباً واضحاً في إشارات الكالسيوم داخل الخلايا العصبية. كما أدى خفض مستوى بروتين نيوروبلاستين إلى النصف في الفئران إلى انخفاض يقارب 50 في المائة في مستويات مضخات PMCA داخل الدماغ.

ولاحظ الباحثون أيضاً أن الفئران أصبحت أقل ميلاً للتفاعل الاجتماعي، وهو سلوك يشبه بعض السمات المرتبطة باضطراب طيف التوحد. كما أكدت تجارب ذباب الفاكهة أن الطفرات في جين NPTN تؤدي إلى إضعاف وظيفة بروتين نيوروبلاستين؛ ما عزز صحة النتائج.

وقال مونتاغ، تكمن قوة هذه الدراسة في أنها تربط بصورة مباشرة بين الأعراض السريرية لدى الأطفال والآليات الجزيئية التي تحدث داخل الخلايا العصبية.

خطوة نحو تشخيص أدق

ورغم أن الباحثين لم يوثّقوا حتى الآن سوى ثمانية أطفال مصابين بهذه الطفرات، فإنهم يرجحون وجود حالات أخرى حول العالم لم تُشخَّص بعد.

وبالنسبة للعائلات، فإن معرفة السبب الوراثي تمثل خطوة بالغة الأهمية نحو الحصول على تشخيص نهائي وتقديم استشارات وراثية أكثر دقة وفهم أفضل لكيفية تطور الحالة مستقبلاً. كما يضيف الاكتشاف جين NPTN إلى قائمة الجينات المرتبطة باضطرابات النمو العصبي والتوحد؛ ما يعزز أهمية الفحوص الجينية الشاملة للأطفال الذين يعانون تأخر النمو أو اضطرابات عصبية مجهولة السبب.

آفاق مستقبلية

ويعمل الباحثون حالياً على دراسة ما إذا كان بالإمكان استهداف اضطراب إشارات الكالسيوم علاجياً ومعرفة المرحلة التي قد يكون فيها التدخل أكثر فاعلية.

ورغم أن تطوير علاجات جديدة لا يزال يحتاج إلى مزيد من الدراسات، فإن هذا الاكتشاف يمثل خطوة مهمة نحو فهم الأسباب الجزيئية للاضطرابات النمائية النادرة. فبدلاً من مجرد إضافة جين جديد إلى قائمة الجينات المرتبطة بالأمراض، تكشف الدراسة عن مسار بيولوجي جديد يربط بين اضطراب تنظيم الكالسيوم داخل الخلايا العصبية ونمو الدماغ؛ وهو ما قد يمهد مستقبلاً لتطوير علاجات تستهدف السبب الأساسي للمرض وليس أعراضه فقط.