الدواء الأخضر… باحثة سعودية تقود مشروعاً بحثياً دولياً

الذكاء الاصطناعي… يذيب الحواجز بين الكيمياء والرحمة

الدواء الأخضر… باحثة سعودية تقود مشروعاً بحثياً دولياً
TT

الدواء الأخضر… باحثة سعودية تقود مشروعاً بحثياً دولياً

الدواء الأخضر… باحثة سعودية تقود مشروعاً بحثياً دولياً

في زحمة الابتكارات الصيدلانية المتسارعة، هناك معضلة قد تبدو «تقنية» لكنها تمس جوهر العلاج: أن تكتشف دواءً فعالاً في المختبر، لكنه يفشل في جسد المريض لأنه لا يذوب بما يكفي. إنها مشكلة قديمة–جديدة تُعرف باسم ضعف الذوبانية الحيوية (Low Bioavailability)، أي عدم قدرة الدواء على الذوبان والوصول إلى مجرى الدم بالكفاءة المطلوبة.

هذا التحدي الصامت يقف وراء فشل كثير من الأدوية الحديثة، فالمركب الكيميائي قد يكون مثالياً من حيث الصيغة، لكنه يبقى عاجزاً إن لم يتجاوز الحاجز الأول: الذوبان.

تخيّل أن تمتلك تذكرة سفر إلى الشفاء... لكنها غير قابلة للقراءة. ولهذا السبب، أصبحت الذوبانية الحيوية في صميم تفكير شركات الأدوية الكبرى، من لحظة تصميم الجزيء إلى لحظة تعبئته. واليوم، تُطرح الأسئلة نفسها بصياغة مختلفة:

- هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدنا في فهم كيف تذوب الجزيئات؟

- هل يستطيع أن يطوّع قوانين الفيزياء والكيمياء ليصنع دواءً أكثر فاعلية... وأكثر خضرة؟

دراسة سعودية تقود التغيير

من هنا تبدأ القصة مع فريق سعودي قاد واحدة من أهم الدراسات العالمية في هذا المجال.

في سبتمبر (أيلول) 2025، أضاءت دراسة سعودية–دولية آفاقاً جديدة أمام صناعة الدواء، حين نُشرت في مجلة (Scientific Reports) التابعة لمجموعة «نيتشر»، كاشفة عن نقلة نوعية في التعامل مع أدوية منخفضة الذوبانية.

جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن الرائدة

هذه الدراسة تمثل لحظة مفصلية، حيث قادت السعودية، عبر جامعتها الوطنية النسائية الرائدة، جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن، مشروعاً بحثياً عالمياً متعدد الجنسيات والتخصصات، يجعل من الذكاء الاصطناعي لاعباً أساسياً في تصنيع الدواء المستدام.

ترأست المشروع الدكتورة هديل بنت فارس العتيبي، الباحثة السعودية المتخصصة في علوم الدواء الأخضر، وشاركت فيه نخبة من العلماء من أبرز المؤسسات البحثية والطبية حول العالم، من بينها:

-جامعة ولاية أريزونا (Thunderbird School of Global Management–Arizona State University)–الولايات المتحدة.

-جامعة جلا (GLA University)-الهند.

- جامعة جاين (JAIN University)-بنغالور، الهند.

- مستشفى IMS & SUM-ولاية أوديشا، الهند.

- جامعة تشيتكارا (Chitkara University)-البنجاب، الهند.

- جامعة مامون (Mamun University)-خيفا، أوزبكستان.

- جامعة أورغينتش الحكومية (Urgench State University)-أوزبكستان.

- جامعة أوتارانشال (Uttaranchal University)-الهند.

ركز الفريق على دواء يعرفه الجميع: الباراسيتامول (Paracetamol)، (وفي أميركا يسمونه تايلينول Tylenol) أحد أكثر الأدوية استخداماً في العالم، لكن رغم ذلك، يواجه تحديات في الذوبان تحت ظروف معينة.

لكن المذهل في الدراسة لم تكن فقط التركيبة الدوائية، بل الوسيلة: فقد استخدم الفريق تقنية ثاني أكسيد الكربون فوق الحرج (Supercritical CO₂)، وهي تقنية خضراء متقدمة تسمح بإذابة المواد في حالة وسطية بين السائل والغاز، ما يُتيح الوصول إلى أشكال دوائية نانوية عالية الذوبانية... ومن دون مذيبات سامة.

بهذا المشروع، لم تكن المملكة مجرّد مساهم... بل كانت قائدة لفريق عالمي أعاد تعريف الحدود الممكنة بين البيئة، والتقنية، والدواء.

خوارزميات تتعلّم... لتذيب

لم يكن هذا البحث مجرّد تمرين في الكيمياء الفيزيائية، بل كان درساً في كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتصرّف على أنه كيميائي افتراضي بارع لا يعمل في مختبر زجاجي، بل في فضاء من المعادلات، والنماذج، والاحتمالات.

فبدلاً من الاعتماد على التجريب اليدوي المتكرّر، اعتمد الفريق على خوارزميات تعلم آلي (Machine Learning Algorithms) قادرة على التنبؤ بذوبان جزيئات الباراسيتامول في بيئة ثاني أكسيد الكربون فوق الحرج، وتحت ظروف متنوعة من الضغط والحرارة.

وقد شملت هذه الخوارزميات أربعة نماذج متقدمة تُعد من أقوى أدوات الذكاء الاصطناعي في التنبؤ ومعالجة البيانات المعقدة:

-خوارزمية الغابة العشوائية (Random Forest).

- خوارزمية الأشجار الفائقة (Extra Trees).

- خوارزمية التعزيز التدريجي (Gradient Boosting).

- خوارزمية التعزيز الكمي للتدرج (Quantile Gradient Boosting)، وهي خوارزمية متقدمة تتميز بقدرتها على التنبؤ بدقة، مع تقديم تقديرات لمستوى عدم اليقين، وهي سمة بالغة الأهمية في التجارب الدوائية.

ولم يكتف الفريق بذلك، بل استخدم أيضاً أداة ضبط ذكية تُعرف بـخوارزمية الحوت (Whale Optimization Algorithm) المستوحاة من أسلوب الصيد الدائري لدى الحيتان الحدباء، حيث تُحاصر فريستها بفقاعات دقيقة في نمط حلقي يشبه التعلّم التكيفي.

هكذا لم تعد الخوارزميات أدوات لحساب البيانات فقط، بل أدوات للتأمل والتجريب... وكأن الحاسوب بدأ يتعلّم كيف يذيب، ويفهم، ويتوقع، لا بل ويبتكر، في رحلة تشبه الفن أكثر من المعادلات.

نتائج دقيقة... من بيانات قليلة

النتائج لم تكن فقط مبشّرة، بل مدهشة بمقاييس البحث العلمي. فباستخدام خوارزمية التعزيز الكمي للتدرج تمكن النموذج من التنبؤ بذوبان الباراسيتامول بدقة بلغت 0.985 (R²)، وهي نتيجة تكاد تلامس الكمال في التجارب الحاسوبية.

أما نموذج الأشجار الفائقة فقد تفوّق في التنبؤ بكثافة المذيب، محققاً دقة غير مسبوقة وصلت إلى 0.997 (R²).

لكن المفارقة الأجمل أن هذه الدقة العالية لم تعتمد على آلاف العينات، بل على 40 نقطة بيانات فقط، ما يكشف عن قوة الذكاء الاصطناعي في استنباط الأنماط الخفية حتى من داخل مجموعات بيانات صغيرة ومحدودة.

وهنا تبرز قيمة الذكاء الاصطناعي ليس فقط بوصفه أداة حاسبة، بل على أنه بوصلة تقودنا نحو الحقيقة حين تعجز الأدوات التقليدية عن رؤيتها.

نحو تصنيع مستمر وصديق للبيئة

تكمن أهمية هذا البحث في أنه لا يكتفي بتحسين ذوبان دواء واحد، بل يفتح الباب أمام ثورة في طريقة تصنيع الأدوية نفسها. فبدلاً من الأسلوب التقليدي المعتمد على «الدفعات» (Batch Processing)، يطرح الباحثون بديلاً أكثر مرونة واستدامة: التصنيع المستمر (Continuous Manufacturing) باستخدام تقنيات فوق حرجة.

هذا التحول لا يعني فقط تحديث خطوط الإنتاج، بل إعادة تعريفها بالكامل. فالتصنيع المستمر يُمكّن من التحكم الدقيق في ظروف التفاعل، ويُتيح مراقبة لحظية للجودة، ويقلّل بشكل كبير من الفاقدين الزمني والمادي.

أما استخدام ثاني أكسيد الكربون فوق الحرج بوصف أنه مذيب صديق للبيئة، فيوفّر بديلاً حقيقياً للمذيبات العضوية السامة التي طالما شكّلت عبئاً بيئياً وصحياً على مصانع الأدوية.

إننا أمام ثلاثية واعدة في آنٍ واحد:

-زمن تصنيع أقصر.

- تكلفة إنتاج أقل.

- دواء أنظف، وأكثر أماناً للبيئة.

وبهذا لا يتحوّل الذكاء الاصطناعي إلى أداة تحسين، بل إلى محفّز لإعادة هيكلة فلسفة التصنيع الدوائي من الجذور.

جسيمات نانوية لفعالية أكبر

ولعلّ الأهم من الذوبان نفسه، هو كيف نُعيد تصميم الجزيء الدوائي ليذوب بشكل أفضل. وهنا تظهر تقنية تحويل الدواء إلى جسيمات نانوية (Nanoparticles) باعتبارها واحدة من أكثر الحلول فعالية في التغلب على مشكلة انخفاض الذوبانية.

حين يتحوّل المركّب إلى جسيمات نانوية، وتزداد مساحته السطحية بشكل كبير، ما يُعزز ذوبانه في سوائل الجسم، ويرفع من امتصاصه الحيوي (Bioavailability) عبر الأمعاء، أو الجلد، أو حتى الأغشية المخاطية.

هذا التحسين ليس ترفاً تقنياً، بل ضرورة عملية، لأن ما يقارب 40 في المائة من الأدوية الحديثة تعاني من ضعف في الذوبانية، وهو ما يؤدي إلى تقليل تأثيرها العلاجي رغم فعالية مكوناتها الكيميائية.

في هذا السياق، يقدّم الذكاء الاصطناعي دوراً مزدوجاً:

-في التنبؤ بأفضل الطرق لتحويل الدواء إلى شكل نانوي.

-وفي اختيار الظروف المثالية (ضغط، حرارة، زمن) لإنتاج جسيمات مستقرة وفعالة.

وهكذا يتحول الابتكار إلى فعالية، وتتحوّل الخوارزمية إلى جسيم نانوي... يذوب أسرع، يعمل أفضل، ويخدم الإنسان بصمت ودقة.

الذكاء الاصطناعي... بين الطبيعة والعقل

قد يبدو الأمر للوهلة الأولى مسألة ضغط وحرارة ومذيب وجزيئات، لكن جوهر الابتكار يتجاوز هذه التفاصيل التقنية: نحن أمام مثال حي على كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفتح أبواباً لم تكن مرئية من قبل، لا في الطبيعة وحدها، ولا في الرياضيات وحدها، بل في لحظة التقاء العقل بالتجريب.

هذه الخوارزميات لا تذيب فقط جزيئات «الباراسيتامول»، بل تذيب الحواجز بين الإنسان والعلاج، بين التقنية والرحمة، وتفتح الطريق نحو دواءٍ أكثر كفاءة... وأكثر خضرة.

وكما قال جابر بن حيان منذ قرون بعيدة: «علينا أن نعلم أن العلم يُؤخذ من التجربة، والعقل هو الدليل عليها». واليوم نرى كيف يتحالف العقل الإنساني مع الخوارزمية، ليفتحا معاً فصلاً جديداً من الكيمياء... أكثر إنسانية، وأكثر استدامة.


مقالات ذات صلة

لأول مرة... اتصال ليزري عالي السرعة بين طائرة وقمر اصطناعي في المدار الثابت

تكنولوجيا وصل معدل نقل البيانات في التجربة إلى نحو 2.6 غيغابت في الثانية مع اتصال مستقر خلال تحرك الطائرة (إيرباص للدفاع والفضاء)

لأول مرة... اتصال ليزري عالي السرعة بين طائرة وقمر اصطناعي في المدار الثابت

نجاح تجربة أول اتصال ليزري عالي السرعة بين طائرة وقمر اصطناعي في المدار الثابت، يمهِّد لتطوير شبكات اتصالات فضائية أسرع.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا روبوت «شخصي»... لاستكشاف نشاطات روبوتات الدردشة في منصة «مولتبوك»

روبوت «شخصي»... لاستكشاف نشاطات روبوتات الدردشة في منصة «مولتبوك»

تستطيع روبوتات الدردشة التحدث معك... ولكن ماذا لو استطاعت التحدث فيما بينها، تتساءل إيف واشنطن(*)؟ شبكة تواصل اجتماعي لروبوتات الدردشة هذه هي الفكرة وراء …

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد جناح «إم آي إس» في معرض «بلاك هات 2024» بالرياض (موقع الشركة الإلكتروني)

اتفاقية بين «إم آي إس» و«هيوماين» لبناء مركز بيانات للذكاء الاصطناعي

أعلنت شركة «المعمر لأنظمة المعلومات» توقيع عقد مع «هيوماين» المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة بقيمة تتجاوز 155 في المائة من إجمالي إيراداتها لعام 2024.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد شرائح أشباه الموصلات على لوحة كمبيوتر في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

«شريان الرقائق» في خطر: الحرب في الشرق الأوسط تُهدد بشلل الصناعة العالمية

حذَّر نائب في الحزب الحاكم بكوريا الجنوبية يوم الخميس من أن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران قد تعرقل إمدادات المواد الأساسية اللازمة لتصنيع أشباه الموصلات.

«الشرق الأوسط» (سيول )

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل
TT

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

يُخفي الشخص العادي 9 أنواع من الأسرار، تتراوح بين الكذب والرغبات العاطفية الخفيّة، وقد يُشكل هذا عبئاً ثقيلاً؛ لأن للأسرار عادةً مُقلقةً؛ تتمثل في تبادرها إلى الذهن دون سابق إنذار. وقد يُخفف الاعتراف بها من وطأة الأمر، لكن بعض الأسرار حساس للغاية؛ فلا يُمكن مشاركته، كما كتبت أليس كلاين في مجلة «نيو ساينتست» البريطانية.

العبء النفسي لإخفاء الأسرار

تقول فال بيانكي، من جامعة ملبورن في أستراليا: «قد تُفكر في الأسرار خلال الاستحمام، أو عند غسل الأطباق، أو حتى في طريقك إلى العمل».

وأمضت بيانكي سنوات في دراسة العبء النفسي لإخفاء الأسرار وسبل تخفيفه، وقد مُوِّل أحدث أبحاثها من قِبَل «مكتب الاستخبارات الوطنية الأسترالي». وتضيف أن على عملاء الاستخبارات الحفاظ على أسرار بالغة الحساسية لحماية الأمن القومي، لذا؛ فهم بحاجة إلى استراتيجيات لتحمل هذه المسؤولية.

دراسة 38 فئة من الأسرار

لفهم تأثير الأسرار على رفاهية الأفراد بشكل أفضل، استقطبت بيانكي وزملاؤها 240 شخصاً عبر الإنترنت، وطلبوا منهم ملء استبيان عن أسرارهم. أشار المشاركون إلى ما إذا كانوا يخفون أي أسرار من 38 فئة، بما في ذلك: الكذب، والخيانة الزوجية، والسرقة، والإدمان.

الكذب والعيوب الجسدية والسلوكيات الجنسية

في المتوسط، احتفظ المشاركون بـ9 أنواع من الأسرار، وكان أوسعها شيوعاً الكذب (78 في المائة من المشاركين)، والشعور بعدم الرضا عن جانب جسدي شخصي (71 في المائة). وشملت الأسرار الشائعة الأخرى الأمور المالية (70 في المائة)، والرغبات العاطفية (63 في المائة)، والسلوكيات الجنسية (57 في المائة).

أهم الأسرار... مقلق

بعد ذلك، طُلب من المشاركين تحديد أهم سر لديهم وكتابة يوميات لمدة أسبوعين بشأن شعورهم تجاهه. أفاد المشاركون عموماً بأن أهم أسرارهم سلبية، وعند التفكير فيها، تتشتت أفكارهم نحو مخاوف أو قلق يساورهم بشأنها، كما جاء في الدراسة المنشورة في دورية «PsyArXiv, doi.org/qs6j»

تسلل الأسرار إلى الذهن

خلصت أبحاث بيانكي السابقة إلى أن الأسرار المهمة تميل إلى التسلل إلى أفكار الناس مرة كل نحو ساعتين. وتقول: «غالباً ما تخطر هذه الأسرار على البال خلال فعل شيء لا يتطلب كامل انتباهك... لأن ذهنك يجد متسعاً للتفكير في السر والتأمل فيه».

البوح بالأسرار

وتضيف بيانكي أن البوح بالأسرار قد يوفر بعض الراحة في بعض الحالات، لا سيما عند إخبار أشخاص غير متأثرين بشكل مباشر بمحتواها، ويتسمون بالتعاطف، مثل رجال الدين أو المعالجين النفسيين.

من جهة أخرى، لا يمكن البوح ببعض الأسرار لأي شخص؛ بما في ذلك المعلومات السرية للغاية التي يحتفظ بها ضباط المخابرات. وفي هذه الحالات، قد يكون من المفيد لحامل السر التحدث مع شخص ما عن مشاعره تجاه السر، دون الكشف عن محتواه الفعلي، كما تقول بيانكي.

تدوين المذكرات اليومية... علاج نافع

يقول جيمس بينيباكر، من جامعة تكساس في أوستن بالولايات المتحدة، الذي أثبت أن تدوين المشاعر في مذكرات يومية غالباً ما يكون علاجياً، إن خياراً آخر قد يكون متاحاً للأشخاص الذين لا يعملون في مجال الاستخبارات، هو الكتابة سراً عن مشاعرهم وكيف تؤثر عليهم. ويضيف: «بدأ بحثي بملاحظة أن الأشخاص الذين مروا بأي نوع من الاضطرابات الكبيرة كانوا أكبر عرضة لمشكلات صحية إذا لم يتحدثوا عن هذه الأحداث مقارنةً بمن تحدثوا عنها».


الطبيب… مهندس القرار في عصر الذكاء الاصطناعي

مهندس القرار في عصر الخوارزميات
مهندس القرار في عصر الخوارزميات
TT

الطبيب… مهندس القرار في عصر الذكاء الاصطناعي

مهندس القرار في عصر الخوارزميات
مهندس القرار في عصر الخوارزميات

لم يكن دور الطبيب عبر التاريخ مجرد قراءة الأعراض ووصف العلاج، فالممارسة الطبية كانت دائماً عملية معقدة تجمع بين المعرفة العلمية والخبرة السريرية والحكم الأخلاقي.

التكامل بين الذكاء الاصطناعي وخبرة الطبيب

تحولات عميقة

لكن الطب يشهد اليوم تحولاً عميقاً مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى العيادات والمستشفيات. فقد أصبحت خوارزميات التعلم العميق قادرة على تحليل صور الأشعة بدقة عالية، والتنبؤ ببعض الأمراض قبل ظهور أعراضها، بل واقتراح خطط علاجية محتملة.

هذا التحول لا يطرح سؤالاً تقنياً فحسب، بل سؤالاً مهنياً أعمق: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على تحليل البيانات الطبية، فما هو الدور الجديد للطبيب؟

ماذا تقول الأبحاث الحديثة؟

في دراسة علمية حديثة نُشرت في 16 فبراير (شباط) 2026 بعنوان «العوامل المؤثرة في الثقة بالذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار الصحي» (Determinants of Trust in Artificial Intelligence for Health-Related Decision-Making)، حاول الباحثون فهم موقف المرضى من استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية. وقد نُشرت الدراسة في مجلة «جورنال أوف ميديكال إنترنت ريسيرش» (Journal of Medical Internet Research) المتخصصة في الصحة الرقمية، وأُجريت في مراكز الرعاية الصحية الأولية في المملكة العربية السعودية لتحليل مدى قبول المرضى لاستخدام الأنظمة الذكية في دعم التشخيص والقرار الطبي.

ثقة المرضى أولاً

أظهرت نتائج الدراسة أن المرضى لا يعارضون استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية، بل إن كثيراً منهم يرون في هذه التقنيات فرصة لتحسين دقة التشخيص وتسريع الوصول إلى العلاج. لكن القبول بهذه الأنظمة يبقى مشروطاً بعامل أساسي: أن يظل الطبيب هو صاحب القرار النهائي في العملية العلاجية.

كما كشفت الدراسة أن ثقة المرضى بالذكاء الاصطناعي ترتبط بدرجة كبيرة بثقتهم بالطبيب نفسه. فكلما كانت العلاقة بين الطبيب والمريض قائمة على الثقة والوضوح، ازداد استعداد المرضى لقبول استخدام الأنظمة الذكية في دعم التشخيص أو اتخاذ القرار الطبي.

وبعبارة أخرى، لا ينظر المرضى إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه بديلاً للطبيب، بل كأداة علمية يمكن أن تعزز خبرته وتساعده على اتخاذ قرار أكثر دقة.

ثلاثة أدوار للذكاء الاصطناعي في القرار الطبي

3 حالات للذكاء الاصطناعي في العيادة

عند استخدام الذكاء الاصطناعي في الممارسة الطبية يمكن للطبيب أن يواجه ثلاث حالات مختلفة.

* الحالة الأولى: عندما يقدم النظام توصية تشخيصية أو علاجية واضحة بدرجة ثقة عالية اعتماداً على تحليل كميات كبيرة من البيانات الطبية.

* الحالة الثانية: عندما يقدم الذكاء الاصطناعي تقديرات احتمالية أو سيناريوهات تشخيصية متعددة تحتاج إلى تفسير سريري دقيق من الطبيب، لأن الخوارزمية هنا تعرض الاحتمالات لكنها لا تحسم القرار.

* الحالة الثالثة: ما يسميه بعض الباحثين «صمت الخوارزمية»، وهي الحالة التي يعجز فيها النظام عن إعطاء توصية واضحة بسبب نقص البيانات أو تعقيد الحالة الطبية. وفي مثل هذه الحالات يعود القرار بالكامل إلى خبرة الطبيب وحكمه السريري

لماذا يبقى الطبيب محور القرار؟

الذكاء الاصطناعي بارع في تحليل البيانات واكتشاف الأنماط الطبية المعقدة، لكنه لا يستطيع فهم جميع أبعاد الحالة الإنسانية للمريض. فالقرار الطبي لا يعتمد فقط على نتائج التحاليل أو الصور الشعاعية، بل يشمل أيضاً التاريخ الصحي للمريض، وحالته النفسية، وظروفه الاجتماعية، وحتى تفضيلاته الشخصية في العلاج.

وهذه عوامل لا تستطيع الخوارزميات تقييمها بصورة كاملة، لأنها تتجاوز حدود البيانات الرقمية إلى مساحة الخبرة الإنسانية والتقدير السريري. ولهذا يبقى دور الطبيب حاسماً في ترجمة نتائج الذكاء الاصطناعي إلى قرار طبي متوازن يجمع بين العلم والحكمة.

حكمة قديمة في زمن جديد

قبل أكثر من ألف عام كتب ابن سينا في كتابه «القانون في الطب» أن الطبيب الجيد هو الذي يجمع بين العلم والحكمة. واليوم، في عصر الذكاء الاصطناعي، تبدو هذه الحكمة أكثر أهمية من أي وقت مضى.

إن الخوارزميات قادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات الطبية في ثوانٍ، لكنها لا تستطيع أن تفهم الإنسان بكل تعقيداته. ولهذا يبقى التحدي الحقيقي في الطب الحديث ليس في قوة التكنولوجيا وحدها، بل في قدرة الطبيب على توظيفها بحكمة لخدمة المريض.

ولهذا يمكن القول إن الطبيب في عصر الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد مُشخِّص للمرض، بل أصبح مهندس القرار الطبي الذي يوازن بين البيانات والخبرة والبعد الإنساني في العلاج.

الطبيب مهندس القرار

ولهذا قد يكون أدق وصف لدور الطبيب في الطب الحديث أن الطبيب لم يعد مجرد مشخِّص للمرض، بل أصبح مهندس القرار الطبي في عصر الخوارزميات. فبين البيانات التي تقدمها الأنظمة الذكية والخبرة السريرية التي يمتلكها الطبيب، يتشكل القرار الطبي الذي يجمع بين دقة العلم وفهم الإنسان.


التفوق لا يرتبط بالذكاء ولا بالموهبة... علم النفس يوضح

العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
TT

التفوق لا يرتبط بالذكاء ولا بالموهبة... علم النفس يوضح

العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)

يشيع الاعتقاد بأن النجاح في الحياة يرتبط أساساً بالذكاء الفائق أو الموهبة الفطرية، غير أن كثيراً من الدراسات الحديثة تشير إلى أن التفوق لا يقوم على هذه العوامل وحدها. فالأشخاص الذين يحققون إنجازات كبيرة في مجالات مختلفة لا يكونون دائماً الأكثر ذكاءً أو موهبة؛ بل غالباً ما يتميزون بقدرتهم على الاستمرار والعمل لفترات طويلة رغم الصعوبات.

وفي هذا السياق، تقدِّم عالمة النفس الأميركية أنجيلا دوكوورث (Angela Duckworth) تفسيراً مختلفاً لمعنى التفوق، في كتابها الشهير «العزيمة: قوة الشغف والمثابرة» (Grit: The Power of Passion and Perseverance)؛ حيث ترى أن العامل الحاسم في النجاح هو ما تسميه «العزيمة».

ما «العزيمة»؟

تعرِّف دوكوورث العزيمة بأنها مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد، والمثابرة في مواجهة العقبات. أي أن الشخص الذي يمتلك هذه الصفة لا يكتفي بوضع أهداف كبيرة؛ بل يواصل العمل لتحقيقها رغم الفشل أو الإحباط. فالعزيمة تعني الاستمرار وعدم الاستسلام عند التعثر، مع الحفاظ على التركيز على هدف واضح دون تشتت، وفق ما نقله موقع العالمة دوكوورث الإلكتروني.

وقد أظهرت بحوث دوكوورث التي شملت مجالات مثل التعليم والرياضة والمؤسسات العسكرية والأعمال، أن العزيمة تمثل القاسم المشترك بين المتفوقين. فالأشخاص الذين يحققون نتائج استثنائية ليسوا بالضرورة الأكثر موهبة؛ بل هم غالباً الأكثر قدرة على الصبر والعمل المتواصل.

الإنسان الذي يحدد هدفاً واضحاً ويستمر في السعي إليه ويتعلم من أخطائه ويواصل العمل رغم الإحباط يطوّر تدريجياً مستوى أعلى من العزيمة (بيكسلز)

تجربة شخصية تعكس الفكرة

توضح دوكوورث هذه الفكرة من خلال تجربة شخصية وردت في مقدمة كتابها. فقد نشأت وهي تسمع والدها يكرر لها باستمرار: «أنتِ لستِ عبقرية». كان والدها شديد الاهتمام بفكرة الذكاء والعبقرية، ويقارن أبناءه بالعلماء الكبار، مثل ألبرت أينشتاين، معتقداً أن غياب العبقرية قد يحد من فرصهم في النجاح.

ولكن المفارقة أن دوكوورث نفسها حصلت لاحقاً على «منحة ماك آرثر» الشهيرة التي تُعرف أحياناً باسم «منحة العبقرية». وقد أثار هذا الأمر لديها تأملاً عميقاً؛ فهي لم تحصل على الجائزة لأنها الأذكى بين زملائها؛ بل لأنها درست العامل الحقيقي وراء النجاح. وقد خلصت بحوثها إلى أن الشغف والمثابرة قد يكونان أكثر تأثيراً من الذكاء أو الموهبة الفطرية.

هل يمكن تنمية العزيمة؟

تؤكد دوكوورث أن العزيمة ليست صفة ثابتة يولد بها الإنسان ثم تبقى على حالها. صحيح أن العوامل الوراثية والبيئة قد تلعب دوراً في تشكيلها، ولكن البحوث تشير إلى أنه يمكن تنميتها بالممارسة والعمل الجاد والمرونة.

فالإنسان الذي يحدد هدفاً واضحاً ويستمر في السعي إليه، ويتعلم من أخطائه، ويواصل العمل رغم الإحباط، يطوّر تدريجياً مستوى أعلى من العزيمة. ومع مرور الوقت، تصبح هذه الصفة عاملاً أساسياً في تحقيق النجاح.

التفوق الحقيقي

في النهاية، تقدم فكرة العزيمة فهماً مختلفاً للتفوق. فالنجاح لا يعتمد فقط على الذكاء أو الحظ؛ بل على القدرة على العمل المستمر والسعي طويل الأمد نحو هدف واضح. وقد لا يكون الإنسان الأذكى في المكان، ولكنه قد يكون الأكثر عزيمة، وهذا غالباً ما يصنع الفارق الحقيقي في تحقيق الإنجازات.