«الذكاء الاصطناعي لكل البشرية»... مبادرة لمواجهة مليارديرات التكنولوجيا

كبريات المؤسسات الخيرية الأميركية تتوحد استعداداً للمجابهة

«الذكاء الاصطناعي لكل البشرية»... مبادرة لمواجهة مليارديرات التكنولوجيا
TT

«الذكاء الاصطناعي لكل البشرية»... مبادرة لمواجهة مليارديرات التكنولوجيا

«الذكاء الاصطناعي لكل البشرية»... مبادرة لمواجهة مليارديرات التكنولوجيا

تُوحد 10 مؤسسات خيرية كبرى جهودها لضمان أن يكون للأميركيين العاديين، وليس مجرد مجموعة صغيرة من مليارديرات التكنولوجيا، رأي في كيفية تشكيل الذكاء الاصطناعي للمجتمع، ومَن سيستفيد منه.

مبادرة الذكاء الاصطناعي لكل البشرية

أعلنت المؤسسات يوم الثلاثاء عن تأسيس مبادرة «هيومانيتي إيه آي»، (Humanity AI) (الذكاء الاصطناعي لكل البشرية)، وهي مبادرة بقيمة 500 مليون دولار، مدتها 5 سنوات، تهدف إلى ضمان خدمة الذكاء الاصطناعي للأفراد والمجتمعات بدلاً من استبدالهم أو تقليص تأثيرهم عليه.

ويضم هذا التحالف مؤسسات «دوريس ديوك»، و«فورد»، و«جون دي وكاثرين تي ماك آرثر»، و«ميلون»، و«موزيلا»، و«شبكة أوميديار»، ومؤسسات خيرية أخرى. وستُقدم المجموعة الأساسية، التي من المتوقع أن تتوسع لتشمل مؤسسات خيرية أخرى، المنح بشكل مستقل (بمساهمة من المجموعة) ومجتمعة من صندوق تمويل مشترك.

تعزيز المجتمعات والإبداع الفردي

يعتقد الكثيرون الآن أن أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدية على وشك إحداث ثورة في طريقة عمل الشركات، من المحاسبة إلى الهندسة إلى العمليات. وتُراهن منظمة «الذكاء الاصطناعي لكل البشرية» على مستقبل يلعب فيه الذكاء الاصطناعي دوراً داعماً؛ حيث «يُعزز المجتمعات، ويُعزز الإبداع البشري».

توازن الحوار بين مصالح الناس وممولي التكنولوجيا

تسعى هذه المجموعات إلى إعادة توازن حوار السياسات العامة حول الذكاء الاصطناعي ليشمل مصالح الناس العاديين، وليس فقط كبار اللاعبين في مجال التكنولوجيا والممولين الذين يراهنون بشدة على الإمكانات التحويلية لهذه التكنولوجيا.

وصرح جون بالفري، رئيس مؤسسة «ماك آرثر»، في مقابلة مع «فاست كومباني»: «هناك الكثير من الاستثمارات الموجهة إلى الذكاء الاصطناعي حالياً بهدف جني الأموال، وهو نظام رأس المال لدينا، وهذا أمر جيد... إلا أن ما نسعى إلى القيام به هو استثمار أموال المصلحة العامة لضمان أن يخدم تطوير التكنولوجيا البشر، ويضع البشرية في قلب هذا التطور».

ويدرك التحالف أنه لن يكون قادراً على مضاهاة أموال صناعة الذكاء الاصطناعي؛ فـ500 مليون دولار أميركي لا تُشكل سوى ربع جولة التمويل التأسيسية التي قدمتها ميرا موراتي لمختبر «Thinking Machines Lab»، مثلاً.

ويقول بالفري إنه حتى لو ضخّت منظمته كامل أصولها البالغة 9 مليارات دولار في هذه القضية، فلن تُضاهي الأموال التي تستثمرها شركات التكنولوجيا ومستثمروها، لكنه يُضيف أن تعاون المنظمات الـ10 في مجال الذكاء الاصطناعي البشري قد يُحدث تأثيراً حقيقياً.

قلق العاملين وتساؤلات المبدعين

يتزايد قلق العاملين من أن «القيمة» الحقيقية التي تأمل شركات الذكاء الاصطناعي ومستثمروها في تقديمها للشركات الكبرى تتمثل في القدرة على إلغاء بعض الوظائف وخفض الرواتب. وترد شركات الذكاء الاصطناعي وداعموها بالقول إنه سيُجرى إلغاء بعض الوظائف، ولكن سيتم إيجاد أنواع عديدة من الوظائف.

ويتساءل المبدعون والفنانون عمّا إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُعزز أداءهم أم سيحل محلهم، ويتساءل الكثيرون عن كيفية حماية ملكيتهم الفكرية الأصيلة في عالم من المحتوى المُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي.

دعم الخصوصية وحق المشاركة في تطبيق الذكاء الاصطناعي

تُركّز بعض الاستثمارات التي تعتزم مبادرة «هيومانيتي أيه آي» تنفيذها على تمكين الفئات المهمَّشة من التأثير في مسار تطوير الذكاء الاصطناعي. كما تُخطط المبادرة لتخصيص تمويل لمركز معلومات الخصوصية الإلكترونية (EPIC)، الذي يعمل على حماية حق الأفراد في خصوصية بياناتهم، في ظل سعي شركات التكنولوجيا والحكومات لتجاوز الأعراف السائدة في مجال حماية الخصوصية.

وتُخطط المجموعة أيضاً لتمويل عمل مركز «بيركلي» للعمل، الذي يطور تقنيات لقياس الآثار الحقيقية للذكاء الاصطناعي على القوى العاملة. بالإضافة إلى ذلك، تُدرّب المجموعة منظمي النقابات والمدافعين عن حقوق العمال والمنظمات الأخرى التي تدعمهم، حتى يتمكن العمال من اتخاذ القرارات بشأن كيفية تطبيق الذكاء الاصطناعي، وليس مجرد مشاركين سلبيين (أو ضحايا) في كيفية استخدامه في مكان العمل.

كما تُركز بعض أهداف تمويل المجموعة على البُعد السياسي؛ حيث تعمل على دعم أصوات الأشخاص الذين سيتأثرون بالذكاء الاصطناعي لكنهم يفتقرون إلى قوة الضغط التي تتمتع بها شركات التكنولوجيا الكبرى. على سبيل المثال، تسعى مجموعة المناصرة العامة «AI Now» إلى غرس فكرة أن الشركات التي تُطوِّر الذكاء الاصطناعي يجب أن تكون مسؤولة أمام الجمهور في نقاش السياسات. وتُقدم المجموعة الخبرة الفنية للمشرعين (الذين غالباً ما يعتمدون على مصادر من صناعة الذكاء الاصطناعي)، وتُجري أبحاثاً وتُطوّر إطاراً فكرياً يُشرّع التدخل العام في تطوير الذكاء الاصطناعي.

الحفاظ على حقوق المبدعين

يُركّز بعض أعضاء مبادرة «Humanity AI» على دعم الصناعات الإبداعية. ويقول جاواندو من «أوميديار» إن أحد المشاريع التي تسعى منظمة «الذكاء الاصطناعي لكل البشرية» إلى تمويلها يهدف إلى حماية الملكية الفكرية للمبدعين، وتزويد فئات مثل الممثلين بأدوات تكنولوجية تُمكّنهم من التحكم في صورتهم وأعمالهم، في وقتٍ تُسهِّل فيه أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية عمليات النسخ وإعادة المزج والنشر عبر منصات التواصل الاجتماعي.

استخدامات أفضل لمعالجة مشكلات الصحة والسكن

أخبرني جاواندو أن من الأفضل استخدام الذكاء الاصطناعي لمعالجة مشكلات مثل إمكانية الوصول إلى الرعاية الصحية أو توافر السكن، بدلاً من ضمان حصولنا جميعاً على وصول أفضل إلى تطبيق «كانفا» مثلاً. ويقول: «أعتقد أن هذا هو الوقت المناسب لإجراء نقاش حول ازدهار الإنسان؛ أعتقد أن الأمر يتلخص في ذلك المستوى من التفصيل والتفكير العميق».

رؤية عالمية واجتذاب الأكاديميين والخبراء للنقاش

وتسعى مبادرة «الذكاء الاصطناعي لكل البشرية» إلى اكتشاف ودعم الأشخاص الذين يتبنون هذه الرؤية العالمية ويتحدثون لغتها المشتركة. نريد تكوين مجموعة متكاملة من العلماء والأكاديميين والباحثين والمدافعين والشباب الذين سيطرحون هذه القضايا، كما تقول، «حتى نتمكن بعد ذلك من تمكين صانعي السياسات من تحفيز العاملين في القطاع الخاص على اتخاذ القرارات الصائبة».

سيبدأ شركاء «الذكاء الاصطناعي لكل البشرية» بتقديم المنح خريف هذا العام (2025). وسيتولى مستشارو «روكفلر» للأعمال الخيرية دور الراعي المالي وإدارة صندوق تمويل مشترك، على أن تُقدم المنح من هذا الصندوق في عام 2026.

* مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي في الطب

علوم بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية

الذكاء الاصطناعي في الطب

نحو 64 % من الدول الأوروبية باتت تعتمد الذكاء الاصطناعي في مجالات التشخيص.

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
خاص مراكز البيانات المدارية قد تكون مفيدة عندما تكون البيانات مولودة في الفضاء أو متسامحة مع التأخير (شاترستوك)

خاص مراكز البيانات المدارية... هل تخفف اختناق الذكاء الاصطناعي أم تبقى حلاً متخصصاً؟

تبرز مراكز البيانات المدارية كخيار ناشئ لتخفيف اختناقات طاقة الذكاء الاصطناعي، لكنها تبدو أقرب إلى حل متخصص، لا بديل شامل.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
الاقتصاد يظهر شعار شركة «إس كيه هاينكس» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

استثمار ملياريّ لـ«إس كيه هاينكس» لتعزيز ريادتها في رقائق الذكاء الاصطناعي

أعلنت شركة «إس كيه هاينكس»، يوم الأربعاء، أنها تخطط لاستثمار 19 تريليون وون (12.85 مليار دولار) في إنشاء مصنع جديد بكوريا الجنوبية.

«الشرق الأوسط» (سيول)
تكنولوجيا إطلاق «إيمجز 2.0»: صور أدق ودعم أفضل للعربية (أ.ب)

«أوبن إيه آي» تطلق نموذجها الجديد لتوليد الصور «Images 2.0»

أعلنت شركة «أوبن إيه آي» (OpenAI) عن إطلاق نموذجها الجديد لتوليد الصور تحت اسم «Images 2.0».

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
الولايات المتحدة​ شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)

فلوريدا تحقق في دور «تشات جي بي تي» في إطلاق نار جماعي في إحدى جامعاتها

أعلنت فلوريدا أنها فتحت تحقيقا جنائيا لمعرفة ما إذا كان الذكاء الاصطناعي أدى دورا في إطلاق نار جماعي في إحدى جامعات الولاية الأميركية.

«الشرق الأوسط» (ميامي)

الذكاء الاصطناعي في الطب

بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
TT

الذكاء الاصطناعي في الطب

بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية

في الطب، لا تبدأ الحقيقة دائماً بما نراه... بل كثيراً بما لا يُعرض علينا أصلاً، فالأرقام، مهما بدت دقيقة، لا تحكي القصة كاملة، والخوارزميات، مهما بلغت من ذكاء، لا تُفصح عن حدودها بصراحة.

حين تعتمد أوروبا على الذكاء الاصطناعي

تقرير أوروبي

في هذا السياق، صدر تقرير حديث عن منظمة الصحة العالمية - المكتب الإقليمي لأوروبا، ونُشر رسمياً في 20 أبريل (نيسان) 2026، ليُقدّم أول صورة شاملة عن واقع استخدام الذكاء الاصطناعي في الأنظمة الصحية داخل دول الاتحاد الأوروبي. لا بوصفه وعداً تقنياً، بل محاولة لقياس ما أصبح بالفعل جزءاً من الممارسة الطبية اليومية: مَن يستخدم هذه الأنظمة؟ كيف تُدمج في القرار السريري؟ وإلى أي حد يمكن الوثوق بها؟

ما الذي نقيسه... وما الذي يغيب عنا؟

لكن ما يلفت الانتباه في هذا التقرير، ليس فقط ما كشفه من أرقام بل ما تركه خارج القياس. فبينما يشير إلى أن نحو 64 في المائة من الدول الأوروبية باتت تعتمد الذكاء الاصطناعي في مجالات التشخيص، خصوصاً في تحليل الصور الطبية، يظل السؤال الأعمق معلقاً: هل تكفي هذه المؤشرات لفهم ما يحدث فعلاً داخل غرفة القرار الطبي؟

في مقالات سابقة، كان السؤال: مَن يقرر؟ أما اليوم، فقد تغيّر السؤال: ماذا لا نرى؟

بين الانتشار والفهم... فجوة لا تُرى

لم يعد إدخال أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى المستشفيات تحدياً تقنياً يُذكر؛ فالنماذج قادرة اليوم على تحليل آلاف الصور الطبية في لحظات، واقتراح مسارات تشخيصية بدقة لافتة. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في القدرة على الاستخدام، بل في القدرة على الفهم: ماذا تفعل هذه الأنظمة حين تعمل؟ وأين تتوقف حدودها؟

تفاوت الجاهزية البشرية والتنظيمية

يكشف تقرير منظمة الصحة العالمية عن تفاوت واضح بين الدول، لا في توفر التكنولوجيا، بل في جاهزيتها البشرية والتنظيمية؛خصوصاً في مجالات الحوكمة الأخلاقية، وتأهيل الأطباء، وإدارة البيانات. لكن هذا التفاوت الظاهر يخفي وراءه فجوة أعمق، لا تُقاس بسهولة.

إنها فجوة معرفية قبل أن تكون تقنية، فالذكاء الاصطناعي لا يعمل بمنطق الشك الذي اعتاد عليه الطبيب، ولا يعلن عن مناطق ضعفه كما يفعل العقل البشري حين يتردد. إنه يولد إجابات، لكنه لا يكشف عمّا استُبعد من الحساب، ولا عمّا لم يُمثَّل في البيانات أصلاً.

هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ«الصمت الخوارزمي»؛ ليس بوصفه خللاً في الأداء، بل خاصية بنيوية في هذه الأنظمة: فراغ غير مرئي داخل القرار؛ حيث لا يكون الخطأ في ما قِيل، بل فيما لم يُطرح أصلاً.

هل يُقاس الطب بالخوارزميات وحدها؟

في بيئة طبية تتسارع فيها الأنظمة الذكية، يسهل اختزال جودة الرعاية الصحية في مؤشرات الأداء: دقة أعلى، وقت أقل، وقرارات أسرع. غير أن هذا القياس، على أهميته، يظل عاجزاً عن التقاط جوهر القرار الطبي. فالطب لا يقوم فقط على ما يُكتشف، بل على كيفية التعامل مع ما يظل غير محسوم.

الطبيب لا يعمل داخل معادلة مغلقة، بل داخل مساحة مفتوحة من الاحتمالات؛ حيث تُعاد صياغة القرار مع كل معلومة جديدة، ومع كل شك يظهر في الطريق. وهذا ما لا تعكسه المؤشرات الرقمية، ولا تُترجمه النماذج الحسابية بسهولة.

تفاعل الطبيب

التقرير الأوروبي يقيس مدى انتشار الذكاء الاصطناعي، لكنه لا يقيس كيفية تفاعل الطبيب مع مخرجاته: متى يقبلها؟ ومتى يعيد تفسيرها؟ ومتى يختار أن يتجاوزها؟ هذه اللحظات -التي لا تُسجل في البيانات- هي التي تُشكّل جوهر الممارسة السريرية.

وهنا تتجلى المفارقة بوضوح: كلما أصبحت الأنظمة أكثر دقة في الإجابة، ازدادت الحاجة إلى عقل قادر على إعادة طرح السؤال.

من يكتب القواعد... الإنسان أم الآلة؟

يُظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن الدول الأوروبية لا تتحرك بإيقاع واحد في تنظيم الذكاء الاصطناعي الطبي؛ فبعضها صاغ استراتيجيات وطنية واضحة، في حين لا يزال بعضها الآخر في طور البحث عن إطار ينظم ما يتسارع قبل أن يُفهم بالكامل.

غير أن المسألة لا تتعلق فقط بوجود القوانين، بل بطبيعة ما نحاول تنظيمه. فالذكاء الاصطناعي لم يعد أداة ثابتة يمكن إخضاعها لقواعد جامدة، بل نظام يتعلم ويتغير، وتتشكل مخرجاته من تفاعل معقد بين البيانات والسياق وطريقة الاستخدام.

وهنا تظهر مفارقة تنظيمية عميقة: نحن نكتب قواعد لأنظمة لا تتوقف عن إعادة تشكيل نفسها. فالقانون يفترض ثبات السلوك، في حين تقوم هذه الأنظمة على التحول المستمر.

لهذا، لم تعد مساءلة الذكاء الاصطناعي مساءلة تحديد «من أخطأ»، بل فهم كيف تُشكّل القرار أصلاً، ومن أين بدأ مساره. إنها مساءلة لا تبحث فقط في النتيجة، بل في البنية التي أنتجتها، وهذا ما يجعلها أقرب إلى سؤال فلسفي منه إلى إجراء تنظيمي تقليدي.

أوروبا تتقدم... فماذا عن العالم العربي؟

ما يلفت النظر في تقرير منظمة الصحة العالمية ليس فقط ما حققته أوروبا، بل ما يكشفه ضمنياً عن موقعنا نحن في هذه الخريطة المتحركة. ففي العالم العربي، تبدو الصورة غير متجانسة، بل أقرب إلى تفاوت حاد بين دول تقود التجربة، وأخرى لا تزال في بداياتها الأولى.

المملكة تقود التحول حيث يلتقي الطب بالذكاء

في المقدمة، تبرز المملكة العربية السعودية نموذجاً يقود التحول في الذكاء الاصطناعي الطبي، ضمن رؤية استراتيجية واضحة ترتبط بـ«رؤية السعودية 2030»؛ حيث لم يعد الاستخدام مقصوراً على التجريب، بل أصبح جزءاً من البنية التشغيلية في المستشفيات، ومنصات الرعاية الافتراضية، وتحليل البيانات الصحية على نطاق واسع.

تلي السعودية كل من قطر والإمارات العربية المتحدة بخطوات متفاوتة؛ حيث تتشكل منظومات واعدة، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى التكامل الشامل الذي نشهده في التجربة السعودية.

أما بقية العالم العربي، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الدول، فتتراوح بين مراحل وضع الأسس الأولية للذكاء الاصطناعي الطبي، أو غيابه شبه الكامل عن الممارسة السريرية المنظمة. وهنا لا تكون الفجوة تقنية فحسب، بل فجوة في الرؤية والتخطيط والجاهزية البشرية.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في تسريع التبني فقط، بل في كيفية توجيهه. فالسؤال لم يعد: كم نظاماً نملك؟ بل: كيف نستخدمه؟ ومن يفسر نتائجه؟ وهل الطبيب العربي اليوم مُهيأ ليكون شريكاً في القرار، لا مجرد متلقٍ لمخرجاته؟

ما الذي لا يظهر في التقارير؟

ربما يكون أهم ما كشفه تقرير منظمة الصحة العالمية... هو ما لم يقله صراحة. فبين الأرقام، تختفي تفاصيل لا تُقاس: قلق طبيب شاب أمام توصية لا يفهم آليتها، أو مريض يبدأ موازنة ثقته بين الإنسان والنظام.

هذه المساحات غير المرئية ليست هامشية، بل هي التي تُشكّل جوهر القرار الطبي؛ حيث تتقاطع الدقة مع الشك، والتوصية مع المسؤولية.

الخلاصة: السؤال الذي تغيّر

في نهاية المطاف، لا يكمن السؤال فيما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُستخدم في الطب، بل في مَن يقود القرار حين يلتقي الإنسان بالخوارزمية.

في هذا العصر، لم تعد الأخطاء تختبئ فقط في القرارات الخاطئة، بل في القرارات التي لم تُتخذ، وفيما لم يُعرض أصلاً على طاولة التفكير السريري. ولهذا، لم يعد السؤال: هل أخطأ النظام؟ بل أصبح:

ما الذي لم نره... وكان ينبغي أن يكون جزءاً من القرار؟


«ناسا» تكشف عن تلسكوب سيوفر «أطلساً جديداً للكون»

صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
TT

«ناسا» تكشف عن تلسكوب سيوفر «أطلساً جديداً للكون»

صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)

كشفت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) عن تلسكوبها الفضائي الجديد «رومان» القادر على مسح أجزاء شاسعة من الكون بحثاً عن كواكب خارجية، وكذلك عن إجابات لأكبر الألغاز الفيزيائية المتمثلة في المادة والطاقة المظلمتين.

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مدير «ناسا» جاريد آيزاكمان قوله أمس (الثلاثاء) من مركز غودارد التابع للوكالة في ولاية ماريلاند (شرق الولايات المتحدة)، إن هذا التلسكوب من الجيل الأحدث «سيوفِّر لكوكب الأرض أطلساً جديداً للكون».

وسيُنقل التلسكوب الذي يتجاوز طوله 12 متراً والمزوَّد ألواحاً شمسية ضخمة إلى فلوريدا، تمهيداً لإرساله إلى الفضاء في أقرب وقت مطلع سبتمبر (أيلول)، بواسطة صاروخ تابع لشركة «سبيس إكس».

وأُطلقت تسمية «رومان» على هذا التلسكوب الذي فاقت تكلفته 4 مليارات دولار، تيمناً بنانسي غريس رومان، إحدى أهم عالمات الفلك الأميركيات، والملقبة بـ«أم هابل»، نسبة إلى تلسكوب «هابل» الشهير التابع لـ«ناسا».

ومن نقطة مراقبة تبعد 1.5 مليون كيلومتر عن كوكب الأرض، سيمسح «رومان» مناطق شاسعة من السماء، بفضل مجال رؤيته الواسع الذي يفوق مجال رؤية «هابل» بأكثر من مائة مرة.

وقال مهندس الأنظمة في مهمة «رومان» مارك ميلتون، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن التلسكوب الجديد سيُرسِل إلى الأرض «11 تيرابايت من البيانات يوميّاً، ما يعني أن كمَّ البيانات التي سيوفِّرها في السنة الأولى وحدها يفوق ما جمعه تلسكوب هابل طوال فترة عمله» منذ دخوله الخدمة قبل 35 عاماً.

وتوقَّعت المسؤولة عن الأنشطة العلمية في «ناسا» نيكي فوكس، أن يتيح «رومان» بفضل عدسته الواسعة الزاوية «اكتشاف عشرات الآلاف من الكواكب الجديدة»، فضلاً عن «آلاف المستعرات العظمى» أي النجوم الضخمة التي شارفت دورة حياتها نهايتها.

لكنَّ «رومان» يهدف أيضاً إلى دراسة ما هو غير مرئي، أي دراسة المادة والطاقة المظلمتين اللتين يُعتقد أنهما تمثِّلان 95 في المائة من الكون.

وبفضل الأشعة تحت الحمراء، سيتمكَّن «رومان» من رصد الضوء المنبعث من أجرام سماوية قبل مليارات السنين، والعودة بذلك إلى الماضي، لفهم هاتين الظاهرتين الغامضتين بصورة أفضل.


دراسة: دخان حرائق الغابات قد يرفع خطر الإصابة بأنواع من السرطان

جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
TT

دراسة: دخان حرائق الغابات قد يرفع خطر الإصابة بأنواع من السرطان

جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)

خلصت دراسة قدمت في اجتماع الجمعية الأميركية لأبحاث السرطان في سان دييغو إلى أن التعرض للدخان الناتج عن حرائق الغابات يرتبط بارتفاع كبير في مخاطر الإصابة بعدة أنواع من السرطان.

وحلل الباحثون بيانات عن انتشار الإصابة بالسرطان من تجربة فحص سرطان البروستاتا والرئة والقولون والمستقيم والمبيض، والتي تتعقب حالات التشخيص الجديدة بالسرطان لدى بالغين في أنحاء الولايات المتحدة ليس لديهم تاريخ سابق من الإصابة بالأورام الخبيثة.

ولتحديد مقدار التعرض لدخان حرائق الغابات، أجرى الباحثون تقييما للجسيمات الدقيقة والكربون الأسود في الجو باستخدام بيانات تلوث الهواء على مستوى سطح الأرض من الأحياء التي يعيش فيها المشاركون، إلى جانب صور الأقمار الصناعية التي ساعدت في حساب عدد الأيام التي تعرضت فيها مناطق إقامتهم للدخان.

ومن بين 91460 مشاركا تم تسجيل بياناتهم بين عامي 2006 و2018، ارتبط التعرض لدخان حرائق الغابات بشكل كبير بزيادة خطر الإصابة بسرطان الرئة والقولون والمستقيم والثدي والمثانة والدم، ولكن ليس بسرطان المبيض أو الجلد.

ووجد الباحثون أيضا أن خطر الإصابة بهذه الأنواع من السرطان يزداد مع ارتفاع مستوى تلوث الهواء الناتج عن الحرائق.

وقال رئيس الدراسة تشي تشن وو من مركز السرطان الشامل بجامعة نيو مكسيكو في بيان «الرسالة الرئيسية هي أن دخان حرائق الغابات ليس مجرد مشكلة قصيرة الأمد تتعلق بالجهاز التنفسي أو القلب والأوعية الدموية. فقد ينطوي التعرض المزمن له أيضا على مخاطر الإصابة بالسرطان على المدى الطويل».

وأضاف «من الملحوظ أن زيادة خطر الإصابة بالسرطان قد تحدث حتى عند مستويات منخفضة نسبيا من دخان حرائق الغابات (الجسيمات الدقيقة) التي يتعرض لها السكان عادة».

وأشار وو أيضا إلى أن مصدر ومكونات دخان حرائق الغابات تختلف باختلاف المناطق الجغرافية، وقد تتأثر الصحة أيضا بالمركبات والتحولات الكيميائية التي تحدث للدخان أثناء انتشاره.