«إحياء خلايا الإنسولين الخامدة»... بوادر ثورة علاجية تقلب معادلة السكري

دراسة دولية حديثة تكشف إمكانية «إعادة برمجة» خلايا «بيتا» لاستعادة وظيفتها في النوع الثاني من المرض

«إحياء خلايا الإنسولين الخامدة»... بوادر ثورة علاجية تقلب معادلة السكري
TT

«إحياء خلايا الإنسولين الخامدة»... بوادر ثورة علاجية تقلب معادلة السكري

«إحياء خلايا الإنسولين الخامدة»... بوادر ثورة علاجية تقلب معادلة السكري

قال الطبيب والفيلسوف أبو بكر الرازي، قبل أكثر من ألف عام: «لا ينبغي للطبيب أن ييأس من شفاء مريض، فربما كان في الجسم قوى خفية لم تُستنهَض بعد».

إحياء خلايا الإنسولين الخامدة

واليوم، تُثبت البحوث الحديثة أن في الجسد أسراراً لم نكشفها بعد. ففي خطوة علمية فارقة قد تعيد الأمل لملايين المصابين حول العالم، تمكن فريق دولي من إحياء خلايا الإنسولين البشرية (Beta cells) التي خمدت في داء السكري من النوع الثاني، لتستعيد قدرتها المذهلة على إنتاج الإنسولين من جديد؛ وكأنها استيقظت من سبات طويل.

الدراسة التي نُشرت في مجلة «ساينس أدفانسز» (Science Advances) بتاريخ 4 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، بعنوان «الاستعادة الوظيفية لخلايا (بيتا) الجزرية في داء السكري من النوع الثاني»، قدَّمت برهاناً علمياً قوياً على أن الضرر الذي يصيب هذه الخلايا ليس دائماً؛ بل يمكن عكسه جزئياً إذا أعيدت تهيئة البيئة المحيطة بها.

إنه تحوُّل جذري في نظرتنا للمرض: من محاولة السيطرة على الأعراض، إلى إمكانية عكس مساره من جذوره.

تحالف علمي أوروبي

جاء هذا الاكتشاف اللافت ثمرة تعاون علمي بين ثلاث مؤسسات أوروبية مرموقة، هي «جامعة بيزا» (University of Pisa) في إيطاليا، و«جامعة بروكسل الحرة» (Université Libre de Bruxelles) في بلجيكا، و«المعهد السويسري للمعلوماتية البيولوجية» (Swiss Institute of Bioinformatics) في سويسرا. وضم الفريق البحثي نخبة من العلماء المرموقين، من بينهم البروفسورة مارا سليمان (Prof. Mara Suleiman) المتخصصة في بيولوجيا خلايا البنكرياس، والبروفسورة ميريام كنوب (Prof. Miriam Cnop) من «جامعة بروكسل الحرة»، وهي من أبرز الأسماء في بحوث داء السكري على المستوى الأوروبي، والبروفسور بييرو ماركيتي (Prof. Piero Marchetti) من «جامعة بيزا»، وهو من رواد بحوث جزر البنكرياس البشرية، والبروفسور فريدريك بوردِه (Prof. Frédéric Burdet) من «المعهد السويسري للمعلوماتية البيولوجية»، إلى جانب مساهمات من باحثين آخرين من دول أوروبية عدة. ويعكس هذا التحالف العلمي النهج المتصاعد نحو بحوث متعددة التخصصات، تجمع بين الطب الإكلينيكي، والبيولوجيا الجزيئية، وتحليل البيانات الحيوية، من أجل التصدي للأمراض المزمنة المعقدة بطرق مبتكرة، تتجاوز حدود التخصص الواحد.

خلايا مرهَقة... لا ميتة

لطالما ارتبط النوع الثاني من داء السكري بفكرة الانحدار البطيء والنهائي لوظيفة خلايا «بيتا» المنتجة للإنسولين في البنكرياس. ففي هذا النوع من السكري، لا يختفي الإنسولين من الجسم كما يحدث في النوع الأول؛ بل تبدأ هذه الخلايا بالدخول في دوامة من الإرهاق المزمن نتيجة الارتفاع المستمر في مستويات السكر والدهون، إضافة إلى التأثيرات الخفية للالتهابات المتكررة على الأنسجة الدقيقة للبنكرياس. إنها ليست لحظة انهيار مفاجئ؛ بل هو مسار طويل من الإنهاك الصامت، تُستنزف فيه الخلايا يوماً بعد يوم، حتى تفقد قدرتها على مجاراة احتياجات الجسم المتزايدة من الإنسولين.

ومع مرور الوقت، يتراجع إنتاج الإنسولين تدريجياً، ويختل التوازن الدقيق بين العرض والطلب داخل الجسم. وتصبح الخلايا أشبه بعمَّال مصنع يعملون ليل نهار دون راحة؛ في البداية يواصلون الإنتاج رغم الإرهاق، ثم يبدأ الأداء في التراجع شيئاً فشيئاً، حتى يخفت النشاط ويعمَّ الصمت، ويبدو للوهلة الأولى وكأن المصنع قد أغلق أبوابه إلى الأبد.

كيان في حالة سكون بيولوجي

لكن الدراسة الأخيرة جاءت لتقلب هذه الصورة التقليدية رأساً على عقب. فهي لم تتعامل مع خلايا «بيتا» بوصفها خلايا «ميتة» فقدت وظيفتها نهائياً؛ بل نظرت إليها ككيان حي دخل في حالة سكون بيولوجي قابلة للعكس. هذا التحول في الفهم يشبه الانتقال من مشهد «نهاية» إلى مشهد «سبات عميق» يمكن أن يعقبه استيقاظ.

هذه الفرضية البسيطة في ظاهرها عميقة في دلالتها؛ فهي تفتح الباب أمام تصور علاجات لا تكتفي بكبح المرض أو الحد من مضاعفاته؛ بل تستهدف إحياء الخلايا من الداخل، وإعادة تفعيل طاقتها الكامنة. لم يعد الهدف -فقط- السيطرة على مستويات السكر بالأدوية؛ بل استعادة «النبض البيولوجي» الذي خبا داخل البنكرياس، ليعود الجسم إلى توازنه الطبيعي كما كان قبل المرض.

صحوة في المختبر

في خطوة علمية أشبه بمشهد سينمائي داخل أنبوب اختبار، قرر الفريق البحثي أن يضع فرضيته موضع التجربة الفعلية. فقد جمع العلماء جزر بنكرياس بشرية من 19 متبرعاً مصابين بالنوع الثاني من السكري، وهي العينات التي تمثل بيئة خلوية مثقلة بسنوات من الإجهاد الأيضي (كلمة «أيضي» تعني العمليات الحيوية التي تقوم بها خلايا الجسم لتحويل الطعام إلى طاقة والحفاظ على وظائفه الأساسية) وارتفاع مستويات السكر والدهون. ثم جرى نقل هذه الخلايا بعناية إلى بيئة مخبرية نقية، خالية من الضغوط الالتهابية والتمثيلية التي كانت تُنهكها داخل الجسم، ليمنحوها فرصة للتنفس من جديد.

خلال ساعات وأيام قليلة، بدأت الخلايا تُظهر إشارات غير متوقعة؛ فقد بدت وكأنها تستيقظ ببطء من سبات طويل. استعاد عدد كبير منها قدرته على الاستجابة للغلوكوز وإفراز الإنسولين بصورة أقرب إلى الخلايا السليمة، وهو ما لم يكن متوقعاً لخلايا كانت تبدو خامدة تماماً. وهذا المشهد أشبه بمصنع قديم توقفت آلاته عن الدوران، ثم ما إن أُزيل عنها الغبار وزُوِّدت بالطاقة حتى عادت تنبض بالحياة شيئاً فشيئاً.

هذه النتيجة لم تكن مجرد تفصيل تجريبي عابر؛ بل رسالة قوية مفادها أن خلايا «بيتا» ليست ضحية نهائية للمرض؛ بل يمكن أن تُمنح فرصة ثانية إذا وُضعت في الظروف المناسبة. لقد كشف المختبر عن وجه آخر للمرض؛ وجه لا يقوم على الانهيار الكامل؛ بل على السكون القابل للإحياء.

دواء قديم بدور جديد

من بين أكثر النتائج إثارة للاهتمام في هذه الدراسة، أن الباحثين لجأوا إلى «الميتفورمين» (Metformin)، ذلك الدواء الكلاسيكي الذي يُوصف منذ أكثر من ستين عاماً لمرضى السكري، والذي طالما ارتبط في أذهان الأطباء والمرضى بدور «مساعد» في خفض السكر، وتحسين حساسية الخلايا للإنسولين. ولكن الفريق البحثي قرر أن يضع هذا الدواء تحت المجهر من زاوية مختلفة تماماً.

تمت معالجة جزر البنكرياس البشرية المستخرجة من المرضى بهذا الدواء، لمدة تراوحت بين 24 و48 ساعة داخل بيئة مختبرية دقيقة، بعيداً عن فوضى الجسم وضغوطه الداخلية. وكانت المفاجأة أن خلايا «بيتا» بدأت تُظهر تحسناً ملحوظاً في استجابتها للغلوكوز، وكأن هذا الدواء العريق أيقظ فيها طاقات كانت غافية.

ويحمل هذا الاكتشاف دلالة عميقة: فالأدوية التي نعرفها جيداً قد تخفي في طياتها قدرات غير مستكشفة إذا ما استُخدمت بطرق مبتكرة أو في ظروف مختلفة؛ إذ لم يعد «الميتفورمين» مجرد عقار يضبط السكر في الدم؛ بل قد يكون أيضاً أداة لإعادة تنشيط خلايا «بيتا» نفسها، في تحول يربط الماضي بالحاضر، ويمنح العلاج التقليدي دوراً جديداً في الطب المستقبلي.

بصمة جينية تكشف السر

لم يكتفِ الفريق البحثي بمراقبة مظاهر التحسن الوظيفي لخلايا «بيتا»؛ بل قرر أن يغوص أعمق داخل عالمها الخفي، ليعرف كيف ولماذا استيقظت من سباتها. فالتغيرات الظاهرة في سلوك الخلايا ما هي إلا انعكاس لتحولات دقيقة تجري في عمقها الجيني. لذلك لجأ العلماء إلى تقنيات متقدمة لتحليل البصمة الجزيئية، وهي أشبه بخريطة وراثية دقيقة، تكشف أنماط التعبير الجيني داخل الخلية لحظة بلحظة.

من خلال هذا التحليل، تمكَّن الفريق من تحديد مجموعات محددة من الجينات التي تغيِّر نشاطها بشكل واضح في أثناء مرحلة استعادة الخلايا عافيتها. وارتبط بعض هذه الجينات بمسارات الطاقة الأيضية، وأخرى بتنظيم استجابة الخلية للغلوكوز، بينما ظهرت مجموعات إضافية تتحكم في عمليات الإصلاح الذاتي وإعادة البناء الداخلي. إنها أشبه بمفاتيح كانت مغلقة لفترة طويلة، ثم فُتحت واحدة تلو الأخرى عندما وُضعت الخلايا في البيئة المناسبة.

تكمن أهمية هذه الاكتشافات في أنها لا تكتفي بشرح ما حدث؛ بل تمهد الطريق لعلاجات جديدة تستهدف هذه الجينات مباشرة. فبدلاً من الاعتماد -فقط- على تحفيز الإنسولين من الخارج، يمكن مستقبلاً تنشيط هذه المسارات الجينية من الداخل؛ سواء عبر تقنيات العلاج الجيني، أو من خلال تطوير أدوية دقيقة تُحفِّز الخلايا على التجدد الذاتي. وهي خطوة نحو الانتقال من العلاج الدوائي التقليدي إلى الطب الموجه جينياً؛ حيث يصبح فهم الجينات هو مفتاح إعادة التوازن المفقود في مرضى السكري.

أمل حقيقي وتحديات قائمة

رغم وهج النتائج التي حملتها هذه الدراسة، فإن الطريق إلى تحويلها إلى علاج فعلي لا يزال طويلاً، ويحتاج إلى مراحل متعددة من البحث والتجريب. فما تحقق حتى الآن هو إثبات لمبدأ علمي مهم، مفاده أن خلايا «بيتا» يمكن أن تستعيد جزءاً من نشاطها الأصلي إذا أُزيلت عنها العوامل الضاغطة التي كبَّلتها سنوات، وأن ما كان يُعتقد أنه تلف نهائي قد يكون في الحقيقة مجرد «تراجع مؤقت» قابل للإصلاح.

هذه الفكرة تمثل تحولاً جوهرياً في النظرة الطبية إلى داء السكري من النوع الثاني. فبدلاً من التركيز على ضبط مستويات السكر فحسب، يفتح هذا النهج الباب أمام مفهوم علاجي جديد يهدف إلى «إصلاح مصدر الخلل من الداخل»، أي إعادة الحيوية إلى خلايا «بيتا» نفسها، وهو ما قد يغيِّر مستقبل التعامل مع المرض جذرياً.

ومع ذلك، يظل التحدي الأكبر في نقل هذه النتائج من المختبر إلى جسم الإنسان؛ حيث البيئة أكثر تعقيداً وامتلاءً بعوامل الالتهاب والضغوط الأيضية التي قد تدفع الخلايا مجدداً إلى السكون. كما أن استدامة هذه «الصحوة الخلوية» على المدى الطويل لم تُختبَر بعد سريرياً، وهو ما يتطلب سنوات من العمل التجريبي والدراسات السريرية الدقيقة.

إنه أمل حقيقي، ولكنه مشروط بقدرتنا على مواجهة هذه العقبات العلمية والسريرية، وبناء جسر متين بين الفكرة والممارسة. فإذا نجح هذا الجسر، فقد نكون أمام عصر جديد من علاجات السكري، لا يقوم على إدارة المرض فحسب؛ بل على السعي الجاد لعكس مساره من جذوره.

غير أن الطريق لا يزال طويلاً؛ فالتحدي الأكبر هو تحقيق هذه الظروف داخل الجسم الحي، في بيئة مليئة بالالتهابات والضغوط الأيضية التي قد تدفع الخلايا إلى السكون من جديد.

من السكون إلى الربيع

في عمق الجسد، قد تختبئ طاقات الحياة في أماكن لا نتوقعها، تنتظر لحظة مناسبة لتستيقظ. وهكذا، تكشف هذه الدراسة أن خلايا «بيتا» التي ظنناها فقدت قدرتها إلى الأبد، لم تكن ميتة؛ بل ساكنة، تترقب بيئة أكثر رحمة لتعود إلى نبضها الأول. إنها تذكير بأن الطب ليس علم الأرقام فقط؛ بل علم الحياة وإمكاناتها الكامنة.

وكما قال جبران خليل جبران: «في قلب كل شتاء ربيع نابض، ووراء كل ليل فجر باسم». هذه الكلمات تتجسد اليوم في مختبرات العلماء؛ حيث تتحول الخلايا الخاملة إلى نوافذ مفتوحة على مستقبل علاجي جديد.

وربما يكون هذا الربيع القادم من جزر البنكرياس هو بداية فصل مختلف تماماً في رحلة الإنسان مع داء السكري، فصل يُكتب بحروف العلم ويُقرأ بلغة الأمل؛ حيث لا يُنظر إلى المرض كمصير حتمي؛ بل كقصة يمكن إعادة كتابتها من جديد.


مقالات ذات صلة

ماذا يحدث لجسمك عند التوقف عن السكر لمدة أسبوع؟

صحتك سيدة تتناول قطعة من الحلوى (بيكسلز)

ماذا يحدث لجسمك عند التوقف عن السكر لمدة أسبوع؟

أصبح السكر جزءاً لا يتجزأ من نظامنا الغذائي اليومي سواء بشكل طبيعي في الأطعمة أو مكوّن مضاف في عدد هائل من المنتجات المصنعة 

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك القيلولة التي تتجاوز 30 دقيقة قد ترتبط بزيادة خطر الإصابة بمرض الكبد الدهني (د.ب.أ)

القيلولة الطويلة... خطر صامت يهدد مرضى السكري

كشفت دراسة حديثة أن القيلولة التي تتجاوز 30 دقيقة قد ترتبط بزيادة خطر الإصابة بمرض الكبد الدهني المرتبط باضطرابات التمثيل الغذائي لدى المصابين بداء السكري.

«الشرق الأوسط» (بكين)
صحتك الفاصوليا تُعدّ من الأطعمة التي تجمع بين الكربوهيدرات والبروتين والألياف (بيكسلز)

5 أطعمة غنية بالكربوهيدرات قد تساعد في خفض سكر الدم

عند الحديث عن الكربوهيدرات، غالباً ما نفكر مباشرة بالأطعمة التي ترفع مستويات السكر في الدم أو تزيد من خطر الإصابة بمقاومة الأنسولين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك يعد الأرز والبطاطس من المكونات الأساسية في العديد من الوجبات (بيكسباي)

5 أطعمة يمكن تناولها مع الأرز أو البطاطس أو المعكرونة لإدارة نسبة سكر الدم

يعد الأرز والبطاطس والمعكرونة مكونات أساسية في العديد من الوجبات، ويمكن لاقترانها مع أطعمة معينة أن يساعد في إبطاء امتصاص السكر في الأمعاء.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك يُعد «الحليب الذهبي» من المشروبات الدافئة المفضلة لدى خبراء التغذية (بكسلز)

يوصي بها خبراء التغذية... 4 مشروبات ليلية لا ترفع سكر الدم

يُعدّ ضبط مستويات سكر الدم خلال اليوم، خصوصاً في ساعات المساء، جزءاً مهماً من الحفاظ على صحة الأيض والوقاية من التقلبات المفاجئة في الطاقة والشهية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

ليلى إبراهيم من «غوغل ديب مايند» تُساعد العالم على الاستعداد للذكاء الاصطناعي

ليلى إبراهيم من «غوغل ديب مايند» تُساعد العالم على الاستعداد للذكاء الاصطناعي
TT

ليلى إبراهيم من «غوغل ديب مايند» تُساعد العالم على الاستعداد للذكاء الاصطناعي

ليلى إبراهيم من «غوغل ديب مايند» تُساعد العالم على الاستعداد للذكاء الاصطناعي

تشغل ليلى إبراهيم في «غوغل ديب مايند» منصباً لم يكن موجوداً من قبل: رئيسة قسم الاستعداد للذكاء الاصطناعي، حيث تُركز على كيفية إعداد العالم للتطور السريع للذكاء الاصطناعي. وهي تُساعد الحكومات على التفكير في السياسات، وتُعزز فهم الجمهور للذكاء الاصطناعي، وتعمل على ضمان استخدام «جوجل» للذكاء الاصطناعي بمسؤولية.

وتقول ليلى إبراهيم، التي شغلت سابقاً منصب الرئيس التنفيذي للعمليات في «ديب مايند» لمدة ثماني سنوات تقريباً: «أتمنى لو كان المزيد من الناس يُجرون هذا النوع من الحوارات، لأنني أعتقد أن لدينا القدرة على التأثير في كيفية تشكيل هذا المجال».

تحسين الوعي بالذكاء الاصطناعي

يتضمن جزء من العمل تحسين الوعي بالذكاء الاصطناعي. تقول: «إن كنت لا تستخدمه، فلن تُتاح لك الفرصة لاتخاذ قرارات مدروسة بشأن المجالات التي تشعر فيها بالراحة عند استخدامه أو عدم استخدامه، أو كيفية تطوير الأمور».

وتتساءل: «كيف يمكننا أن نُساعد المعلمين على الشعور بالراحة عند التعامل مع البرمجة وإنشاء أدوات لفصولهم الدراسية؟»، و«كيف نتعاون مع صانعي السياسات لفهم الذكاء الاصطناعي؟».

تمارين ميدانية في سنغافورة

وفي وقت سابق من هذا العام، قاد فريقها تمريناً تمثيلياً مع مسؤولين في سنغافورة، لمساعدتهم على دراسة كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُعيد تشكيل اكتشاف الأمراض، وما قد يعنيه ذلك لإصلاح نظام الرعاية الصحية أو الحاجة إلى مؤسسات علمية جديدة. في هذا التمرين، المشابه لأعمال الشركة في أماكن أخرى.

وقد اقترح المسؤولون بعض السياسات، ثم درسوا كيف يمكن أن يتغير المشهد بعد عامين، ما قد يُحفز تغييرات إضافية في السياسات. كما يعمل فريقها مع الحكومات لتقييم كيفية تأثير الذكاء الاصطناعي الفاعل على الوظائف، وأين قد تكون هناك حاجة إلى إعادة تأهيل المهارات.

وتقول: «نحن نعرف إلى أين تتجه التكنولوجيا، لذا يمكننا التعامل مع هذه المحادثات بطريقة أكثر تعاوناً، مدركين أن التكنولوجيا لم تصل بعد، ولكن ما الذي نحتاج إلى فعله للاستعداد لما هو قادم؟

* مجلة «فاست كومباني».


الذكاء الاصطناعي: إسرائيل وظفت تقنية تحديد الأهداف في غزة... وأميركا استخدمت «نظام كلود» في فنزويلا وإيران

الذكاء الاصطناعي: إسرائيل وظفت تقنية تحديد الأهداف في غزة... وأميركا استخدمت «نظام كلود» في فنزويلا وإيران
TT

الذكاء الاصطناعي: إسرائيل وظفت تقنية تحديد الأهداف في غزة... وأميركا استخدمت «نظام كلود» في فنزويلا وإيران

الذكاء الاصطناعي: إسرائيل وظفت تقنية تحديد الأهداف في غزة... وأميركا استخدمت «نظام كلود» في فنزويلا وإيران

تُفكّر إليزابيث مينور منذ سنوات في مخاطر الذكاء الاصطناعي، وتحديداً الأسلحة ذاتية التشغيل. ومينور هي رئيسة قسم السياسات في «أوقفوا الروبوتات القاتلة»، وهو تحالف تأسس عام 2012 لضمان احتفاظ البشر بالسيطرة على التكنولوجيا في أوقات الحرب. وقد نما هذا التحالف ليُمثّل أكثر من 300 منظمة في أكثر من 70 دولة، بما في ذلك «هيومن رايتس ووتش» ومنظمة العفو الدولية، كما كتبت ريبيكا هايلويل(*).

خرق أطر القانون الدولي

تُوضّح مينور قائلةً: «هذا أمرٌ يُهمّ العالم أجمع، لذا يجب أن يكون هناك تفاوض في إطار القانون الدولي. لا يزال القانون الدولي مُهماً، حتى وإن كان مُعرّضاً للهجمات في الوقت الراهن، وله قيودٌ تُحدّد كيفية رسم حدود ما هو مُتاح في العالم».

تسعى مينور ومنظمة «أوقفوا الروبوتات القاتلة» إلى استخدام القانون الدولي بوصفه أداةً في مكافحة انتشار أسلحة الذكاء الاصطناعي. ويتضمن جزء كبير من عملها حضور اجتماعات في الأمم المتحدة، في كل من نيويورك وجنيف. وتسعى المنظمة إلى إبرام معاهدة دولية يمكن لجميع الدول التوقيع عليها للحد من استخدام الأسلحة ذاتية التشغيل، على غرار اتفاقيات نزع السلاح والحد من التسلح التي أبرمها المجتمع الدولي بالفعل.

استخدام إسرائيل وأميركا للذكاء الاصطناعي

وقد ازداد عمل منظمة «أوقفوا الروبوتات القاتلة» أهميةً مع تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي في ساحات المعارك. وتشير مينور إلى بعض الأمثلة من النزاعات الأخيرة، بما في ذلك استخدام إسرائيل لتقنية تحديد الأهداف خلال الحرب على غزة، واستناد الولايات المتحدة إلى نظام «كلود» في عمليتها للقبض على نيكولاس مادورو وفي الحرب على إيران.

وتوضح مينور قائلةً: «خلال العقد الماضي فقط، شهدنا تسارعاً هائلاً في محاولات تطوير هذه الأدوات ودمجها في استخدامها في ساحات المعارك». لقد رأينا دولاً أكثر تُعلن أن هذا النوع من الحرب «الثورية» مرغوب فيه وضروري، بدلاً من اعتباره أمراً خطيراً لا ترغب أبداً في خوضه.

* مجلة «فاست كومباني».


«طائرات روبوتية مسيّرة قاتلة»... سجلت أولى الضحايا

الحروب الحديثة بنظم قتالية هجينة
الحروب الحديثة بنظم قتالية هجينة
TT

«طائرات روبوتية مسيّرة قاتلة»... سجلت أولى الضحايا

الحروب الحديثة بنظم قتالية هجينة
الحروب الحديثة بنظم قتالية هجينة

أفاد مسؤول رفيع المستوى في قطاع الصناعات الدفاعية الأوكرانية لمجلة «نيو ساينتست» بأن اختباراً أُجري قبل عامين على طائرات مسيّرة ذاتية التشغيل بالكامل، مُصممة لتدمير أي شيء في منطقة محددة، أسفر عن وقوع إصابات مؤكدة.

مسيرات روبوتية قاتلة

شمل الاختبار الذي أُجري لمرة واحدة، 10 طائرات مسيّرة من طراز «تيرميناتور Terminator» (المُدمر) تعمل بالذكاء الاصطناعي على خط المواجهة في الحرب الأوكرانية. وقُتل جنود روس، كما كتب ماثيو سباركس (*). ويقول ألكسندر كوخانوفسكي، المشرف على تصنيع الطائرات المسيّرة: «لقد جربنا ذلك. إنه اختبار، ولم نُطبّقه على نطاق أوسع».

وقد أُجري الاختبار قبل عامين، وشمل طائرات مسيّرة رباعية المراوح مُبرمجة للطيران باتجاه خط المواجهة، وقطع مسافة تتراوح بين 3 و5 كيلومترات خلال نحو 10 دقائق، ثم تفعيل «وضع تيرميناتور»، حيث يقوم نموذج الذكاء الاصطناعي بالبحث عن الأهداف واعتراضها.

إبادة شاملة

ويضيف كوخانوفسكي: «نطلقها ببساطة، ونعلم أن كل شيء سيُباد. كل ما يُعثر عليه في هذه المنطقة سيُباد». ويضيف: «لا يوجد أي اتصال بالطائرة المسيّرة على الإطلاق، لا يمكنك رؤية الفيديو، لا شيء... وكل من تراه سيُقتل».

ولعدم وجود أي وسيلة لمعرفة ما رصدته الطائرات المسيّرة الآلية أو ما استهدفته، أُرسلت طائرات مسيّرة يقودها طيارون بشريون إلى المنطقة لاحقاً للتحقق من النتائج يدوياً. ويشير كوخانوفسكي إلى أن الضحايا كانوا «جنديين وشاحنة واحدة». وبينما لا يوجد تسجيل للطائرات المسيّرة الآلية وهي تهاجم هذه الأهداف، فقد استُنتج أنها قتلتهم.

ويقول كوخانوفسكي إنه نُفذ بواسطة وحدة عسكرية، لم يُكشف عن اسمها، بالقرب من مدينتي باخموت وتشاسيف يار، كجزء من هجوم مضاد أوكراني. ولم ترد وزارة الدفاع الأوكرانية على أسئلة حول الاختبار أو الموقف القانوني الحالي بشأن استخدام الأسلحة ذاتية التشغيل بالكامل.

ذكاء اصطناعي مستقل عن البشر

يُعدّ استخدام الذكاء الاصطناعي شائعاً في الجيوش حول العالم، حيث يُساعد في اختيار الأهداف من بين كميات هائلة من البيانات الاستخباراتية، وأتمتة بعض وظائف الأسلحة، إلا أن العنصر البشري يبقى حاضراً في مرحلة ما. ويُعتبر اعتراف كوخانوفسكي أقوى دليل حتى الآن على وقوع حالة وفاة في معركة نتيجة استخدام الذكاء الاصطناعي وحده.

وفقاً لمصادر في شركات الدفاع فإن الحكومة الأوكرانية تحظر حالياً استخدام الذكاء الاصطناعي في المرحلة النهائية من اعتراض الأهداف، على الرغم من استخدامه في أجزاء كثيرة من العملية بواسطة العديد من الأجهزة حتى تلك المرحلة. ويقول كوخانوفسكي إن الحكومة تُدرك القدرات المتنامية للذكاء الاصطناعي، وأنها تُجري محادثات مع شركات الدفاع حول إمكانية تخفيف القواعد.

وكانت تقارير قد أشارت في عام 2023 إلى أن طائرات هجومية أوكرانية مُسيّرة مُجهزة بالذكاء الاصطناعي كانت تعثر على أهداف وتهاجمها دون مساعدة بشرية، ولكنها كانت تُستخدم ضد مركبات مثل الدبابات، وليس ضد المشاة. ولم يتم تأكيد وقوع أي إصابات بشرية في ذلك الوقت.

مسيَّرة كارغو التركية

دعوات لحظر النظم القاتلة ذاتية التشغيل

رغم عدم وجود حظر دولي رسمي على الأسلحة ذاتية التشغيل القادرة على القتل دون تدخل بشري، فقد دعا الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إلى فرض حظر، مصرحاً العام الماضي بأنه «لا مكان لأنظمة الأسلحة الفتاكة ذاتية التشغيل في عالمنا». وأشارت الأمم المتحدة إلى وجود مخاوف من أن تنتهك هذه الأسلحة القوانين الدولية الإنسانية وقوانين حقوق الإنسان، وذلك بإقصاء العنصر البشري عن العمليات العسكرية. كما يُوجد خطر من أن ترتكب الأنظمة ذاتية التشغيل أخطاءً، سواء بمهاجمة جنود من الجانب نفسه أو مدنيين.

وتعمل معظم الجيوش على تطوير أجهزة تُؤتمت جزءاً على الأقل من عملية مهاجمة الأهداف، إذ تمتلك الولايات المتحدة برمجيات تجمع وتحلل كميات هائلة من البيانات المتنوعة، وتختار أهدافاً في ساحة المعركة يمكن استهدافها بطائرات مسيرة. ولكن، نظرياً، يتطلب ذلك تأكيداً بشرياً. وقد وردت مزاعم بأن الولايات المتحدة تُطور أيضاً ما يُسمى بطائرات «حارس المرمى Goalkeeper» المسيرة، وطائرات «ويبلش Whiplash» البحرية المسيرة، القادرة على تحديد أهدافها وتدميرها.

مسيرات تركية قاتلة

وكان تقرير للأمم المتحدة قد صدر عام 2021، أشار إلى احتمال استخدام طائرة «كارغ -2» Kargu-2 رباعية المراوح، من إنتاج شركة تركية، في هجمات ذاتية على البشر في العام السابق. ولم يُفصّل التقرير مصدر هذه الادعاءات أو ما إذا كان قد سقط قتلى أو جرحى، لكنه رجّح أن حكومة «الوفاق الوطني» الليبية استخدمت هذه الطائرات المسيّرة ضد قوات حفتر المنسحبة.

أنظمة أميركية

وصرح الرائد دانيلو بولوجوخنو، وهو شخصية بارزة في فوج الأنظمة غير المأهولة الحادي والعشرين التابع للفيلق الثالث بالجيش الأوكراني، الذي لم يكن على علم بالتجربة أو مشاركاً فيها، لمجلة «نيو ساينتست» بأن جنوده يستخدمون أنظمة تحكم شبه ذاتية، لكن يبقى هناك عنصر بشري في عملية التحكم.

ويضيف بولوجوخنو: «تستطيع هذه الأنظمة والمنصات المسيّرة تحديد الأهداف وتتبعها تلقائياً، فضلاً عن توجيه نفسها ذاتياً خلال الأمتار الأخيرة من الاقتراب، ما يُسهّل عمل المشغلين. مع ذلك، لا نستخدم أنظمة مسيّرة ذاتية التشغيل بالكامل تقوم باختيار الأهداف ومهاجمتها بشكل مستقل دون أي تدخل بشري».

هل نريد مجتمعاً يقتل الآخرين.. دون تدخل بشري؟

وتقول مارياروزاريا تاديو الباحثة في جامعة أكسفورد، إن القتل باستخدام الذكاء الاصطناعي يسلب كرامة الجندي، ويُعفي المهاجم من المسؤولية، ويجب حظره. وتضيف: «الأمر ليس مجرد مشكلة، بل هو أمر مروع. هل نريد أن نكون مجتمعاً يقتل الآخرين، ويسمح لحكومته بقتل الآخرين، دون تدخل بشري؟».

طائرات اعتراضية ذاتية التشغيل

يقول كوخانوفسكي إن مشروع «المُدمر» لم يتقدم منذ تجربته، بسبب القوانين الأوكرانية. وهو الآن الرئيس التنفيذي لشركة «أيرو سنتر» لصناعة الطائرات المسيّرة - التي يقول إنها لم تشارك في التجربة لأنها لم تكن قد أُنشئت آنذاك - وهي شركة أوكرانية تعمل على تطوير طائرات اعتراضية ذاتية التشغيل. صُممت هذه الطائرات لاستهداف مسيرات «شاهد» الروسية الانتحارية القادمة وإسقاطها قبل وصولها إلى مناطق مكتظة بالمدنيين أو بنى تحتية حيوية.

سيتألف نظام «أليتا» التابع للشركة من 16 منصة إطلاق، مُجهزة بـ64 طائرة مسيّرة. سيكون النظام جاهزاً بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وقادراً على رصد الطائرات المسيّرة القادمة، والإقلاع تلقائياً، والتحرك نحو الهدف بسرعة 450 كيلومتراً في الساعة، لإسقاط أي شيء بدءاً من الطائرات المسيّرة الصغيرة وصولاً إلى المروحيات.

لكن القوانين الأوكرانية الحالية تمنع التشغيل الذاتي الكامل، وتُلزم بشرياً بالتحقق من الأهداف في المراحل النهائية للاعتراض. حتى في هذه الحالة، لن تحتاج مجموعة الطائرات المسيّرة الـ 64 بأكملها إلا إلى مُشغّلين بشريين فقط، ما يعني تقليصاً كبيراً في عدد الأفراد.

* مجلة «نيو ساينتست»، خدمات «تريبيون ميديا».