إنجازات رائدة في زراعة غرسات الدماغ

طرق مطورة لعلاج الأمراض والإصابات الخطيرة

إنجازات رائدة في زراعة غرسات الدماغ
TT

إنجازات رائدة في زراعة غرسات الدماغ

إنجازات رائدة في زراعة غرسات الدماغ

هناك أخبار متفاوتة حول التصورات الحالية لتقنيات زراعة الغرسات الدماغية التي يمكن أن تحول الناس إلى بشر «معززين إلكترونياً». فمن جهة، فإننا ربما لن نصل إلى مستقبل حيث يمكننا فيه التحكم بأغلب الأجهزة والسيطرة عليها بعقولنا، أو توصيل معظم المستهلكين بآلات عصبية... على الأقل في أي وقت قريب.

ولكن ومن جهة أخرى، فهناك أخبار جيدة ولو أنها أقل إثارة لكنها مهمة بشكل كبير عندما يتعلق الأمر بالعلاج وحتى بهدف عكس آثار الأمراض والإصابات الخطيرة.

نظام "كونيكسوس" من "

واجهات تفاعل الدماغ - الحاسوب

وهذا هو ما شرعت في تحقيقه مجموعة من شركات واجهات تفاعل الدماغ والحاسوب brain - computer interface (BCI) الأميركية، التي أحرزت تقدماً مبكراً في عرض تقنيات ترسم خرائط للموجات الدماغية، وتقرأها، وتفسرها، وتترجمها لمساعدة الملايين المصابين بأمراض تدهور الوظائف الحركية، والإصابات المنهكة، وفقدان البصر، وحتى الاكتئاب.

يقول جيمس كافوتو، المحرر في مطبوعة صناعة التكنولوجيا العصبية ومؤسسة «نيوروتك ريبورتس» لأبحاث السوق، لمجلة «إنك»: «إنه وقت مثير الآن، لأن هناك كثيراً من الاهتمام وكثيراً من التمويل»، في إشارة إلى مشروع «نيورالينك» للتكنولوجيا العصبية التابع لإيلون ماسك.ولكن ما يحدث في عالم واجهات الدماغ والحاسوب هو أكثر بكثير من مجرد مشروع مثل هذا، إذ تتنافس الشركات على التفرد كأنها رواد في السوق من خلال استقدام مزيد من المشاركين في التجارب البشرية لتقنياتها العصبية. ويحمل المستقبل مزيداً من الفرص للتطبيقات الطبية لهذه الصناعة بما يتجاوز الأهداف الحالية، مثل مساعدة المرضى الذين يعانون من حالات تنكسية عصبية مثل التصلب الجانبي الضموري «ALS»، أو إصابات خطيرة في النخاع الشوكي، على استعادة الوظائف أو التحكم في الأجهزة من خلال قراءة موجاتهم الدماغية. ويقول كافوتو إنه يرى أيضاً سوقاً كبيرة للتطبيقات ذات الصلة بواجهات الدماغ والحاسوب مثل الاضطرابات النفسية، مشيراً إلى أن الأدوية الموصوفة طبياً لا تُجدي نفعاً لدى جانب كبير من الأشخاص المصابين بالاكتئاب الشديد.

أبحاث وتجارب رائدة

إليكم 5 من الشركات الكبرى العاملة في مجال واجهات الدماغ والحاسوب تستحق المتابعة.

> «نيورالينك» Neuralink. قد تكون شركة «نيورالينك» هي الاسم الأكثر شهرة في العالم الجديد والجسور للتكنولوجيا العصبية، بفضل مؤسسها المشارك إيلون ماسك. لكن أهمية الشركة في مجال واجهات الدماغ والحاسوب لا تتعلق بقيادتها البارزة بقدر ما تتعلق بمدى تقدمها في الاستعانة بالمشاركين في التجارب البشرية ببلدان متعددة.

وأحدث الأخبار هي الإعلان عن دراسة للسلامة السريرية في المملكة المتحدة في نهاية يوليو (تموز)، في أعقاب الموافقة على دراسة كندية منفصلة أجريت أواخر عام 2024، وذلك بشأن زراعة شريحة «نيورالينك» الدماغية اللاسلكية التي تتحكم في الأجهزة لدى المرضى المصابين بالشلل الشديد. وقد صرّح ماسك في يناير (كانون الثاني) بأن ثلاثة أشخاص قد تلقوا شرائح «نيورالينك» في الولايات المتحدة، وأن الشركة تتطلع إلى أن يكون لديها من 20 إلى 30 مشاركاً في عام 2025.

إلا أن الأمر الأقل وضوحاً هو ما تريد الشركة السرية فعله بالضبط في نهاية المطاف. قد يكون التحكم في الأجهزة بهدف إنشاء «بشر خارقين - metahumans» قائماً في ذهن ماسك، لكن الدراسة المُعلن عنها أخيراً في المملكة المتحدة التي أُجريت على ما يصل إلى 7 مرضى مصابين بالشلل الشديد تطرح على الأقل بعض التلميحات حول استخدامات طبية أكثر تحديداً.

خرائط الدماغ... وتحكم العقل بالكمبيوتر

> «بريسيجن نيوروساينس»Precision Neuroscience. وجود قائمة كبيرة من تجارب واجهات الدماغ والحاسوب أمر، والعدد الفعلي للمرضى الذين خضعوا لزراعة الشرائح أمر آخر. وفي هذا الصدد، قد تتمتع شركة «بريسيجن نيوروساينس» بميزة رئيسية على المنافسين.

يقول مايكل ماغر، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة «بريسيجن»: «لقد زرعنا شرائح لـ50 مريضاً. في الواقع، يخضع مريضنا رقم 54 لزراعة الشريحة الآن». ثم يضيف: «هذا يفوق ما حققته بقية الشركات مجتمعة في هذه الصناعة».

جمعت شركة «بريسيجن» أكثر من 155 مليون دولار على مدى السنوات الأربع الماضية لتطوير منتجها الرئيسي، وهو «الواجهة القشرية من الطبقة 7 - Layer 7 Cortical Interface»، التي تشبه شريطاً مجهرياً شبيهاً بـ«ضمادة الجروح»، وتحتوي على 1024 قطباً كهربائياً دقيقاً، أي ما يقارب خُمس سُمك شعرة الإنسان. وقد نالت الشركة الموافقة من إدارة الغذاء والدواء الأميركية في أبريل (نيسان) الماضي، ما يسمح لها بزراعة الأجهزة لمدة تصل إلى 30 يوماً من الاستخدام المستمر (وجمع البيانات) في مناطق مختلفة على سطح الدماغ.

هذا الأمر أساسي لاستراتيجية شركة «بريسيجن»، الرامية إلى رسم خرائط الدماغ بأكبر قدر ممكن من الدقة، ما يؤدي بدوره إلى توسيع أنواع الأمراض والمرضى التي يمكن استخدام التقنية في علاجهم. يقول ماغر: «أعتقد أن أهم شيء قمنا به، وما زلنا نفعله، هو إظهار كيف يمكن لنظامنا أن يتيح التحكم في الكمبيوتر عن طريق الأفكار». في الوقت الراهن، هذا النظام له تطبيقات لكل من الأشخاص الذين يعانون من ضعف شديد في الوظائف الحركية أو الشلل الكامل الناجم عن إصابات في العمود الفقري، وأمراض مثل التصلب الجانبي الضموري «ALS»، وعلى الملايين الآخرين الذين يعانون من مشاكل حركية أقل حدة. لكن في المستقبل، يُلمح ماغر إلى أنه يمكن دمج النظام مع علاجات موجودة مثل التحفيز العميق للدماغ «DBS»، لمعالجة حالات نفسية مثل الاكتئاب الشديد.

الأقطاب الدعامية من "سنكرون "

الكلام المركب صناعياً

> «بارادروميكس» Paradromics. تحمل أجهزة واجهات الدماغ والحاسوب وعوداً كثيرة، مثل علاج الأعراض، ومساعدة المريض على ترجمة أفكاره، أو حتى السماح له بالكتابة والتحكم في الأجهزة. أما شركة «بارادروميكس» فتهدف إلى استعادة قدرة المريض على التحدث عبر الكلام المركب «synthesized speech».

يعد التوقيت عاملاً مهماً لشركات واجهات الدماغ والحاسوب في مراحلها المبكرة، وتستطيع شركة «بارادروميكس» أن تتباهى ببعض الإنجازات الحديثة والمثيرة للإعجاب في هذا الشأن، إذ تركز تقنية الشركة - المعروفة باسم تقنية «Connexus BCI» - على تفكيك عناصر الكلام وتقييم الوظائف الحركية بهدف تحقيق تواصل أكثر طبيعية للأشخاص الذين يعانون من صدمات دماغية وحالات ذات صلة.

في يونيو (حزيران)، تمكنت الشركة من إثبات أن جهازها يمكن استخدامه أثناء عملية جراحية فعلية لمريض مصاب بالصرع، ومن ثم إزالته بأمان في غضون 20 دقيقة. وتخطط شركة «بارادروميكس» لإجراء مزيد من العمليات الجراحية باستخدام تقنيتها خلال العام المقبل.

يقول الدكتور ماثيو ويلزي، جراح الأعصاب ومهندس الطب الحيوي في جامعة «ميشيغان»، الذي ساعد في قيادة العملية الجراحية المذكورة خلال يونيو، في بيان: «يبحث مختبري في كيفية استخدامنا لتقنيات تسجيل واجهات الدماغ والحاسوب الأكثر تقدماً، مثل (Connexus BCI)، لتطوير الجيل المقبل من الأجهزة المساعدة على الكلام والحركة». وأضاف: «هذا العمل يجعلنا على بُعد خطوة كبيرة من توفير العلاج للمرضى الذين لديهم احتياجات طبية بالغة وغير مُلباة».

غرسات شبكية العين... وتفسير إشارات الدماغ

> «ساينس كورب» Science Corp. تتألف صناعة واجهات الدماغ والحاسوب من الأجهزة التي تُزرع في الدماغ، وكذلك البرمجيات التي تفسر البيانات الدماغية المُجمعة. وتعد كيفية عملها على كلا جانبي المعادلة (أي الجانبين البيولوجي والرقمي) مهمة للمرضى.

تركز شركة «ساينس كورب»، التي تهدف إلى استعادة البصر للمرضى الذين يعانون من أمراض تؤدي إلى تدهور الرؤية مثل الضمور البقعي «macular degeneration»، على كيفية استخدام واجهات الدماغ والحاسوب لهؤلاء المرضى من خلال شريحة مزروعة في شبكية العين قد تعيد البصر فعلياً.

تعتمد تقنيتها على شريحة مزروعة تحت شبكية العين تُحفز الخلايا الكامنة خلف الخلايا المستقبلة للضوء «المستقبلات الضوئية - photoreceptors» (متجاوزة بذلك الخلايا العصوية والمخروطية التي نتمكن بها من الرؤية في المعتاد) بحيث يمكن للإشارات المرئية الوصول إلى الدماغ حتى لو فشلت الخلايا العصوية والمخروطية في العين. وهذه الشريحة المزروعة هي جزء من نظام مزدوج يتضمن زوجاً من النظارات مزودة بجهاز عرض مدمج لتحفيز شبكية العين.

وهي أقل اعتماداً على الخوارزميات وأكثر اعتماداً على التحسين البيولوجي عبر التكنولوجيا.

ويقول كافوتو من مؤسسة «نيوروتك ريبورتس» لأبحاث السوق: «إنهم لا يعتمدون فقط على الإشارات الكهربائية (في واجهات الدماغ والحاسوب)، وإنما يبحثون فعلياً في الأساليب البيولوجية الهجينة لدمج الأنسجة العصبية مع جهاز خارجي».

> «سينكرون» Synchron. مهما كان الأمر مثيراً للاهتمام في القدرة على قراءة وتفسير الموجات الدماغية، إلا أن هناك عائقاً واضحاً للغاية أمام استخدامه على نطاق واسع: فكثير من التقنيات المتاحة تتطلب بالفعل نوعاً من أنواع جراحة الدماغ.

وتتساءل شركة «سينكرون» ومقرها بروكلين فتقول: ماذا لو لم يكن الأمر يتطلب ذلك؟ يقول كيرت هاغستروم، المدير التجاري للشركة: «هناك كثير من الأشخاص الذين يحتاجون إلى تقنية يمكنها ترجمة أفكارهم إلى أفعال بطريقة رقمية. ولكن كيف يمكن توسيع نطاق ذلك؟».

ووفقاً لهاغستروم، هذا هو المجال الذي يمكن أن تحقق فيه تقنية «سينكرون» تأثيراً كبيراً. فقد طورت الشركة ما تسميه «سينترودس - stentrodes» (الأقطاب الدعامية)، وهي التي (كما يوحي الاسم) عبارة عن أجهزة تشبه الدعامات، ولكنها مزودة بأقطاب كهربائية لقراءة وتفسير الإشارات الدماغية.

تسمح هذه الأجهزة لشركة «سينكرون» باستخدام الأوعية الدموية العادية بوصفها وسيلة لجمع البيانات العصبية التي تتطلب التدخل الجراحي في المعتاد. يوضح هاغستروم: «نحن نعتمد نهجاً أقل تدخلاً، باستخدام الأوعية الدموية بوصفها مساراً للوصول إلى المعلومات في الدماغ». تُزرع الشريحة في الوريد الوداجي في العنق ثم توجيهها - مثل الدعامة التقليدية - إلى الأوعية الدموية بالقرب من القشرة الحركية بالدماغ.

وفي أغسطس (آب)، نشرت الشركة مقطعاً للفيديو يُظهر مريضاً مصاباً بالتصلب الجانبي الضموري «ALS» وهو يستخدم النظام اللاسلكي الأقل تدخلاً للتحكم في جهاز آيباد بعقله - وهو أمر أصبح ممكناً بفضل بروتوكول واجهة جهاز جديد من شركة «أبل» يسمح للشركات باختبار مثل هذه التقنيات مع أجهزة آيفون، وآيباد، وفيجن برو.

*مجلة «إنك» ـ خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

الحكومة السعودية تواصل تقدمها في استخدام التقنيات الناشئة لتتجاوز 76 %

الاقتصاد جانب من ملتقى «حكومة الرقمية 2025» (الهيئة)

الحكومة السعودية تواصل تقدمها في استخدام التقنيات الناشئة لتتجاوز 76 %

أعلنت هيئة الحكومة الرقمية السعودية تقرير «مؤشر جاهزية تبنّي التقنيات الناشئة»، الذي يؤكد التطور المتسارع في جاهزية الجهات الحكومية لتبنّي التقنيات الناشئة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا يرى معظم الطلاب أن التقنيات المتطورة والذكاء الاصطناعي يقدمان دعماً حقيقياً للإبداع وتدوين الملاحظات والتلخيص وتوليد الأفكار (شاترستوك)

دراسة من «لينوفو»: 98 % من طلاب الجيل زد يستخدمون الذكاء الاصطناعي مسانداً يومياً

دراسة «لينوفو» تكشف اعتماد طلاب الجيل زد على الأجهزة اللوحية، والذكاء الاصطناعي للدراسة، والإبداع، والتنظيم اليومي مع أولوية للأمان، والاستدامة.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
خاص مراكز البيانات المدارية قد تكون مفيدة عندما تكون البيانات مولودة في الفضاء أو متسامحة مع التأخير (شاترستوك)

خاص مراكز البيانات المدارية... هل تخفف اختناق الذكاء الاصطناعي أم تبقى حلاً متخصصاً؟

تبرز مراكز البيانات المدارية كخيار ناشئ لتخفيف اختناقات طاقة الذكاء الاصطناعي، لكنها تبدو أقرب إلى حل متخصص، لا بديل شامل.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
تكنولوجيا إطلاق «إيمجز 2.0»: صور أدق ودعم أفضل للعربية (أ.ب)

«أوبن إيه آي» تطلق نموذجها الجديد لتوليد الصور «Images 2.0»

أعلنت شركة «أوبن إيه آي» (OpenAI) عن إطلاق نموذجها الجديد لتوليد الصور تحت اسم «Images 2.0».

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا «أبل» أعلنت انتقال القيادة من تيم كوك إلى جون تيرنوس ضمن خطة تعاقب طويلة الأمد (أبل)

«أبل» تغيّر القيادة... تيرنوس يخلف كوك في مرحلة اختبار جديدة

«أبل» تنقل القيادة إلى جون تيرنوس مع احتفاظ تيم كوك بدور رئيس المجلس وسط ضغوط الذكاء الاصطناعي، واختبار المرحلة المقبلة.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)

الذكاء الاصطناعي في الطب

بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
TT

الذكاء الاصطناعي في الطب

بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية

في الطب، لا تبدأ الحقيقة دائماً بما نراه... بل كثيراً بما لا يُعرض علينا أصلاً، فالأرقام، مهما بدت دقيقة، لا تحكي القصة كاملة، والخوارزميات، مهما بلغت من ذكاء، لا تُفصح عن حدودها بصراحة.

حين تعتمد أوروبا على الذكاء الاصطناعي

تقرير أوروبي

في هذا السياق، صدر تقرير حديث عن منظمة الصحة العالمية - المكتب الإقليمي لأوروبا، ونُشر رسمياً في 20 أبريل (نيسان) 2026، ليُقدّم أول صورة شاملة عن واقع استخدام الذكاء الاصطناعي في الأنظمة الصحية داخل دول الاتحاد الأوروبي. لا بوصفه وعداً تقنياً، بل محاولة لقياس ما أصبح بالفعل جزءاً من الممارسة الطبية اليومية: مَن يستخدم هذه الأنظمة؟ كيف تُدمج في القرار السريري؟ وإلى أي حد يمكن الوثوق بها؟

ما الذي نقيسه... وما الذي يغيب عنا؟

لكن ما يلفت الانتباه في هذا التقرير، ليس فقط ما كشفه من أرقام بل ما تركه خارج القياس. فبينما يشير إلى أن نحو 64 في المائة من الدول الأوروبية باتت تعتمد الذكاء الاصطناعي في مجالات التشخيص، خصوصاً في تحليل الصور الطبية، يظل السؤال الأعمق معلقاً: هل تكفي هذه المؤشرات لفهم ما يحدث فعلاً داخل غرفة القرار الطبي؟

في مقالات سابقة، كان السؤال: مَن يقرر؟ أما اليوم، فقد تغيّر السؤال: ماذا لا نرى؟

بين الانتشار والفهم... فجوة لا تُرى

لم يعد إدخال أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى المستشفيات تحدياً تقنياً يُذكر؛ فالنماذج قادرة اليوم على تحليل آلاف الصور الطبية في لحظات، واقتراح مسارات تشخيصية بدقة لافتة. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في القدرة على الاستخدام، بل في القدرة على الفهم: ماذا تفعل هذه الأنظمة حين تعمل؟ وأين تتوقف حدودها؟

تفاوت الجاهزية البشرية والتنظيمية

يكشف تقرير منظمة الصحة العالمية عن تفاوت واضح بين الدول، لا في توفر التكنولوجيا، بل في جاهزيتها البشرية والتنظيمية؛خصوصاً في مجالات الحوكمة الأخلاقية، وتأهيل الأطباء، وإدارة البيانات. لكن هذا التفاوت الظاهر يخفي وراءه فجوة أعمق، لا تُقاس بسهولة.

إنها فجوة معرفية قبل أن تكون تقنية، فالذكاء الاصطناعي لا يعمل بمنطق الشك الذي اعتاد عليه الطبيب، ولا يعلن عن مناطق ضعفه كما يفعل العقل البشري حين يتردد. إنه يولد إجابات، لكنه لا يكشف عمّا استُبعد من الحساب، ولا عمّا لم يُمثَّل في البيانات أصلاً.

هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ«الصمت الخوارزمي»؛ ليس بوصفه خللاً في الأداء، بل خاصية بنيوية في هذه الأنظمة: فراغ غير مرئي داخل القرار؛ حيث لا يكون الخطأ في ما قِيل، بل فيما لم يُطرح أصلاً.

هل يُقاس الطب بالخوارزميات وحدها؟

في بيئة طبية تتسارع فيها الأنظمة الذكية، يسهل اختزال جودة الرعاية الصحية في مؤشرات الأداء: دقة أعلى، وقت أقل، وقرارات أسرع. غير أن هذا القياس، على أهميته، يظل عاجزاً عن التقاط جوهر القرار الطبي. فالطب لا يقوم فقط على ما يُكتشف، بل على كيفية التعامل مع ما يظل غير محسوم.

الطبيب لا يعمل داخل معادلة مغلقة، بل داخل مساحة مفتوحة من الاحتمالات؛ حيث تُعاد صياغة القرار مع كل معلومة جديدة، ومع كل شك يظهر في الطريق. وهذا ما لا تعكسه المؤشرات الرقمية، ولا تُترجمه النماذج الحسابية بسهولة.

تفاعل الطبيب

التقرير الأوروبي يقيس مدى انتشار الذكاء الاصطناعي، لكنه لا يقيس كيفية تفاعل الطبيب مع مخرجاته: متى يقبلها؟ ومتى يعيد تفسيرها؟ ومتى يختار أن يتجاوزها؟ هذه اللحظات -التي لا تُسجل في البيانات- هي التي تُشكّل جوهر الممارسة السريرية.

وهنا تتجلى المفارقة بوضوح: كلما أصبحت الأنظمة أكثر دقة في الإجابة، ازدادت الحاجة إلى عقل قادر على إعادة طرح السؤال.

من يكتب القواعد... الإنسان أم الآلة؟

يُظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن الدول الأوروبية لا تتحرك بإيقاع واحد في تنظيم الذكاء الاصطناعي الطبي؛ فبعضها صاغ استراتيجيات وطنية واضحة، في حين لا يزال بعضها الآخر في طور البحث عن إطار ينظم ما يتسارع قبل أن يُفهم بالكامل.

غير أن المسألة لا تتعلق فقط بوجود القوانين، بل بطبيعة ما نحاول تنظيمه. فالذكاء الاصطناعي لم يعد أداة ثابتة يمكن إخضاعها لقواعد جامدة، بل نظام يتعلم ويتغير، وتتشكل مخرجاته من تفاعل معقد بين البيانات والسياق وطريقة الاستخدام.

وهنا تظهر مفارقة تنظيمية عميقة: نحن نكتب قواعد لأنظمة لا تتوقف عن إعادة تشكيل نفسها. فالقانون يفترض ثبات السلوك، في حين تقوم هذه الأنظمة على التحول المستمر.

لهذا، لم تعد مساءلة الذكاء الاصطناعي مساءلة تحديد «من أخطأ»، بل فهم كيف تُشكّل القرار أصلاً، ومن أين بدأ مساره. إنها مساءلة لا تبحث فقط في النتيجة، بل في البنية التي أنتجتها، وهذا ما يجعلها أقرب إلى سؤال فلسفي منه إلى إجراء تنظيمي تقليدي.

أوروبا تتقدم... فماذا عن العالم العربي؟

ما يلفت النظر في تقرير منظمة الصحة العالمية ليس فقط ما حققته أوروبا، بل ما يكشفه ضمنياً عن موقعنا نحن في هذه الخريطة المتحركة. ففي العالم العربي، تبدو الصورة غير متجانسة، بل أقرب إلى تفاوت حاد بين دول تقود التجربة، وأخرى لا تزال في بداياتها الأولى.

المملكة تقود التحول حيث يلتقي الطب بالذكاء

في المقدمة، تبرز المملكة العربية السعودية نموذجاً يقود التحول في الذكاء الاصطناعي الطبي، ضمن رؤية استراتيجية واضحة ترتبط بـ«رؤية السعودية 2030»؛ حيث لم يعد الاستخدام مقصوراً على التجريب، بل أصبح جزءاً من البنية التشغيلية في المستشفيات، ومنصات الرعاية الافتراضية، وتحليل البيانات الصحية على نطاق واسع.

تلي السعودية كل من قطر والإمارات العربية المتحدة بخطوات متفاوتة؛ حيث تتشكل منظومات واعدة، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى التكامل الشامل الذي نشهده في التجربة السعودية.

أما بقية العالم العربي، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الدول، فتتراوح بين مراحل وضع الأسس الأولية للذكاء الاصطناعي الطبي، أو غيابه شبه الكامل عن الممارسة السريرية المنظمة. وهنا لا تكون الفجوة تقنية فحسب، بل فجوة في الرؤية والتخطيط والجاهزية البشرية.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في تسريع التبني فقط، بل في كيفية توجيهه. فالسؤال لم يعد: كم نظاماً نملك؟ بل: كيف نستخدمه؟ ومن يفسر نتائجه؟ وهل الطبيب العربي اليوم مُهيأ ليكون شريكاً في القرار، لا مجرد متلقٍ لمخرجاته؟

ما الذي لا يظهر في التقارير؟

ربما يكون أهم ما كشفه تقرير منظمة الصحة العالمية... هو ما لم يقله صراحة. فبين الأرقام، تختفي تفاصيل لا تُقاس: قلق طبيب شاب أمام توصية لا يفهم آليتها، أو مريض يبدأ موازنة ثقته بين الإنسان والنظام.

هذه المساحات غير المرئية ليست هامشية، بل هي التي تُشكّل جوهر القرار الطبي؛ حيث تتقاطع الدقة مع الشك، والتوصية مع المسؤولية.

الخلاصة: السؤال الذي تغيّر

في نهاية المطاف، لا يكمن السؤال فيما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُستخدم في الطب، بل في مَن يقود القرار حين يلتقي الإنسان بالخوارزمية.

في هذا العصر، لم تعد الأخطاء تختبئ فقط في القرارات الخاطئة، بل في القرارات التي لم تُتخذ، وفيما لم يُعرض أصلاً على طاولة التفكير السريري. ولهذا، لم يعد السؤال: هل أخطأ النظام؟ بل أصبح:

ما الذي لم نره... وكان ينبغي أن يكون جزءاً من القرار؟


«ناسا» تكشف عن تلسكوب سيوفر «أطلساً جديداً للكون»

صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
TT

«ناسا» تكشف عن تلسكوب سيوفر «أطلساً جديداً للكون»

صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)

كشفت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) عن تلسكوبها الفضائي الجديد «رومان» القادر على مسح أجزاء شاسعة من الكون بحثاً عن كواكب خارجية، وكذلك عن إجابات لأكبر الألغاز الفيزيائية المتمثلة في المادة والطاقة المظلمتين.

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مدير «ناسا» جاريد آيزاكمان قوله أمس (الثلاثاء) من مركز غودارد التابع للوكالة في ولاية ماريلاند (شرق الولايات المتحدة)، إن هذا التلسكوب من الجيل الأحدث «سيوفِّر لكوكب الأرض أطلساً جديداً للكون».

وسيُنقل التلسكوب الذي يتجاوز طوله 12 متراً والمزوَّد ألواحاً شمسية ضخمة إلى فلوريدا، تمهيداً لإرساله إلى الفضاء في أقرب وقت مطلع سبتمبر (أيلول)، بواسطة صاروخ تابع لشركة «سبيس إكس».

وأُطلقت تسمية «رومان» على هذا التلسكوب الذي فاقت تكلفته 4 مليارات دولار، تيمناً بنانسي غريس رومان، إحدى أهم عالمات الفلك الأميركيات، والملقبة بـ«أم هابل»، نسبة إلى تلسكوب «هابل» الشهير التابع لـ«ناسا».

ومن نقطة مراقبة تبعد 1.5 مليون كيلومتر عن كوكب الأرض، سيمسح «رومان» مناطق شاسعة من السماء، بفضل مجال رؤيته الواسع الذي يفوق مجال رؤية «هابل» بأكثر من مائة مرة.

وقال مهندس الأنظمة في مهمة «رومان» مارك ميلتون، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن التلسكوب الجديد سيُرسِل إلى الأرض «11 تيرابايت من البيانات يوميّاً، ما يعني أن كمَّ البيانات التي سيوفِّرها في السنة الأولى وحدها يفوق ما جمعه تلسكوب هابل طوال فترة عمله» منذ دخوله الخدمة قبل 35 عاماً.

وتوقَّعت المسؤولة عن الأنشطة العلمية في «ناسا» نيكي فوكس، أن يتيح «رومان» بفضل عدسته الواسعة الزاوية «اكتشاف عشرات الآلاف من الكواكب الجديدة»، فضلاً عن «آلاف المستعرات العظمى» أي النجوم الضخمة التي شارفت دورة حياتها نهايتها.

لكنَّ «رومان» يهدف أيضاً إلى دراسة ما هو غير مرئي، أي دراسة المادة والطاقة المظلمتين اللتين يُعتقد أنهما تمثِّلان 95 في المائة من الكون.

وبفضل الأشعة تحت الحمراء، سيتمكَّن «رومان» من رصد الضوء المنبعث من أجرام سماوية قبل مليارات السنين، والعودة بذلك إلى الماضي، لفهم هاتين الظاهرتين الغامضتين بصورة أفضل.


دراسة: دخان حرائق الغابات قد يرفع خطر الإصابة بأنواع من السرطان

جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
TT

دراسة: دخان حرائق الغابات قد يرفع خطر الإصابة بأنواع من السرطان

جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)

خلصت دراسة قدمت في اجتماع الجمعية الأميركية لأبحاث السرطان في سان دييغو إلى أن التعرض للدخان الناتج عن حرائق الغابات يرتبط بارتفاع كبير في مخاطر الإصابة بعدة أنواع من السرطان.

وحلل الباحثون بيانات عن انتشار الإصابة بالسرطان من تجربة فحص سرطان البروستاتا والرئة والقولون والمستقيم والمبيض، والتي تتعقب حالات التشخيص الجديدة بالسرطان لدى بالغين في أنحاء الولايات المتحدة ليس لديهم تاريخ سابق من الإصابة بالأورام الخبيثة.

ولتحديد مقدار التعرض لدخان حرائق الغابات، أجرى الباحثون تقييما للجسيمات الدقيقة والكربون الأسود في الجو باستخدام بيانات تلوث الهواء على مستوى سطح الأرض من الأحياء التي يعيش فيها المشاركون، إلى جانب صور الأقمار الصناعية التي ساعدت في حساب عدد الأيام التي تعرضت فيها مناطق إقامتهم للدخان.

ومن بين 91460 مشاركا تم تسجيل بياناتهم بين عامي 2006 و2018، ارتبط التعرض لدخان حرائق الغابات بشكل كبير بزيادة خطر الإصابة بسرطان الرئة والقولون والمستقيم والثدي والمثانة والدم، ولكن ليس بسرطان المبيض أو الجلد.

ووجد الباحثون أيضا أن خطر الإصابة بهذه الأنواع من السرطان يزداد مع ارتفاع مستوى تلوث الهواء الناتج عن الحرائق.

وقال رئيس الدراسة تشي تشن وو من مركز السرطان الشامل بجامعة نيو مكسيكو في بيان «الرسالة الرئيسية هي أن دخان حرائق الغابات ليس مجرد مشكلة قصيرة الأمد تتعلق بالجهاز التنفسي أو القلب والأوعية الدموية. فقد ينطوي التعرض المزمن له أيضا على مخاطر الإصابة بالسرطان على المدى الطويل».

وأضاف «من الملحوظ أن زيادة خطر الإصابة بالسرطان قد تحدث حتى عند مستويات منخفضة نسبيا من دخان حرائق الغابات (الجسيمات الدقيقة) التي يتعرض لها السكان عادة».

وأشار وو أيضا إلى أن مصدر ومكونات دخان حرائق الغابات تختلف باختلاف المناطق الجغرافية، وقد تتأثر الصحة أيضا بالمركبات والتحولات الكيميائية التي تحدث للدخان أثناء انتشاره.