إنجازات رائدة في زراعة غرسات الدماغ

طرق مطورة لعلاج الأمراض والإصابات الخطيرة

إنجازات رائدة في زراعة غرسات الدماغ
TT

إنجازات رائدة في زراعة غرسات الدماغ

إنجازات رائدة في زراعة غرسات الدماغ

هناك أخبار متفاوتة حول التصورات الحالية لتقنيات زراعة الغرسات الدماغية التي يمكن أن تحول الناس إلى بشر «معززين إلكترونياً». فمن جهة، فإننا ربما لن نصل إلى مستقبل حيث يمكننا فيه التحكم بأغلب الأجهزة والسيطرة عليها بعقولنا، أو توصيل معظم المستهلكين بآلات عصبية... على الأقل في أي وقت قريب.

ولكن ومن جهة أخرى، فهناك أخبار جيدة ولو أنها أقل إثارة لكنها مهمة بشكل كبير عندما يتعلق الأمر بالعلاج وحتى بهدف عكس آثار الأمراض والإصابات الخطيرة.

نظام "كونيكسوس" من "

واجهات تفاعل الدماغ - الحاسوب

وهذا هو ما شرعت في تحقيقه مجموعة من شركات واجهات تفاعل الدماغ والحاسوب brain - computer interface (BCI) الأميركية، التي أحرزت تقدماً مبكراً في عرض تقنيات ترسم خرائط للموجات الدماغية، وتقرأها، وتفسرها، وتترجمها لمساعدة الملايين المصابين بأمراض تدهور الوظائف الحركية، والإصابات المنهكة، وفقدان البصر، وحتى الاكتئاب.

يقول جيمس كافوتو، المحرر في مطبوعة صناعة التكنولوجيا العصبية ومؤسسة «نيوروتك ريبورتس» لأبحاث السوق، لمجلة «إنك»: «إنه وقت مثير الآن، لأن هناك كثيراً من الاهتمام وكثيراً من التمويل»، في إشارة إلى مشروع «نيورالينك» للتكنولوجيا العصبية التابع لإيلون ماسك.ولكن ما يحدث في عالم واجهات الدماغ والحاسوب هو أكثر بكثير من مجرد مشروع مثل هذا، إذ تتنافس الشركات على التفرد كأنها رواد في السوق من خلال استقدام مزيد من المشاركين في التجارب البشرية لتقنياتها العصبية. ويحمل المستقبل مزيداً من الفرص للتطبيقات الطبية لهذه الصناعة بما يتجاوز الأهداف الحالية، مثل مساعدة المرضى الذين يعانون من حالات تنكسية عصبية مثل التصلب الجانبي الضموري «ALS»، أو إصابات خطيرة في النخاع الشوكي، على استعادة الوظائف أو التحكم في الأجهزة من خلال قراءة موجاتهم الدماغية. ويقول كافوتو إنه يرى أيضاً سوقاً كبيرة للتطبيقات ذات الصلة بواجهات الدماغ والحاسوب مثل الاضطرابات النفسية، مشيراً إلى أن الأدوية الموصوفة طبياً لا تُجدي نفعاً لدى جانب كبير من الأشخاص المصابين بالاكتئاب الشديد.

أبحاث وتجارب رائدة

إليكم 5 من الشركات الكبرى العاملة في مجال واجهات الدماغ والحاسوب تستحق المتابعة.

> «نيورالينك» Neuralink. قد تكون شركة «نيورالينك» هي الاسم الأكثر شهرة في العالم الجديد والجسور للتكنولوجيا العصبية، بفضل مؤسسها المشارك إيلون ماسك. لكن أهمية الشركة في مجال واجهات الدماغ والحاسوب لا تتعلق بقيادتها البارزة بقدر ما تتعلق بمدى تقدمها في الاستعانة بالمشاركين في التجارب البشرية ببلدان متعددة.

وأحدث الأخبار هي الإعلان عن دراسة للسلامة السريرية في المملكة المتحدة في نهاية يوليو (تموز)، في أعقاب الموافقة على دراسة كندية منفصلة أجريت أواخر عام 2024، وذلك بشأن زراعة شريحة «نيورالينك» الدماغية اللاسلكية التي تتحكم في الأجهزة لدى المرضى المصابين بالشلل الشديد. وقد صرّح ماسك في يناير (كانون الثاني) بأن ثلاثة أشخاص قد تلقوا شرائح «نيورالينك» في الولايات المتحدة، وأن الشركة تتطلع إلى أن يكون لديها من 20 إلى 30 مشاركاً في عام 2025.

إلا أن الأمر الأقل وضوحاً هو ما تريد الشركة السرية فعله بالضبط في نهاية المطاف. قد يكون التحكم في الأجهزة بهدف إنشاء «بشر خارقين - metahumans» قائماً في ذهن ماسك، لكن الدراسة المُعلن عنها أخيراً في المملكة المتحدة التي أُجريت على ما يصل إلى 7 مرضى مصابين بالشلل الشديد تطرح على الأقل بعض التلميحات حول استخدامات طبية أكثر تحديداً.

خرائط الدماغ... وتحكم العقل بالكمبيوتر

> «بريسيجن نيوروساينس»Precision Neuroscience. وجود قائمة كبيرة من تجارب واجهات الدماغ والحاسوب أمر، والعدد الفعلي للمرضى الذين خضعوا لزراعة الشرائح أمر آخر. وفي هذا الصدد، قد تتمتع شركة «بريسيجن نيوروساينس» بميزة رئيسية على المنافسين.

يقول مايكل ماغر، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة «بريسيجن»: «لقد زرعنا شرائح لـ50 مريضاً. في الواقع، يخضع مريضنا رقم 54 لزراعة الشريحة الآن». ثم يضيف: «هذا يفوق ما حققته بقية الشركات مجتمعة في هذه الصناعة».

جمعت شركة «بريسيجن» أكثر من 155 مليون دولار على مدى السنوات الأربع الماضية لتطوير منتجها الرئيسي، وهو «الواجهة القشرية من الطبقة 7 - Layer 7 Cortical Interface»، التي تشبه شريطاً مجهرياً شبيهاً بـ«ضمادة الجروح»، وتحتوي على 1024 قطباً كهربائياً دقيقاً، أي ما يقارب خُمس سُمك شعرة الإنسان. وقد نالت الشركة الموافقة من إدارة الغذاء والدواء الأميركية في أبريل (نيسان) الماضي، ما يسمح لها بزراعة الأجهزة لمدة تصل إلى 30 يوماً من الاستخدام المستمر (وجمع البيانات) في مناطق مختلفة على سطح الدماغ.

هذا الأمر أساسي لاستراتيجية شركة «بريسيجن»، الرامية إلى رسم خرائط الدماغ بأكبر قدر ممكن من الدقة، ما يؤدي بدوره إلى توسيع أنواع الأمراض والمرضى التي يمكن استخدام التقنية في علاجهم. يقول ماغر: «أعتقد أن أهم شيء قمنا به، وما زلنا نفعله، هو إظهار كيف يمكن لنظامنا أن يتيح التحكم في الكمبيوتر عن طريق الأفكار». في الوقت الراهن، هذا النظام له تطبيقات لكل من الأشخاص الذين يعانون من ضعف شديد في الوظائف الحركية أو الشلل الكامل الناجم عن إصابات في العمود الفقري، وأمراض مثل التصلب الجانبي الضموري «ALS»، وعلى الملايين الآخرين الذين يعانون من مشاكل حركية أقل حدة. لكن في المستقبل، يُلمح ماغر إلى أنه يمكن دمج النظام مع علاجات موجودة مثل التحفيز العميق للدماغ «DBS»، لمعالجة حالات نفسية مثل الاكتئاب الشديد.

الأقطاب الدعامية من "سنكرون "

الكلام المركب صناعياً

> «بارادروميكس» Paradromics. تحمل أجهزة واجهات الدماغ والحاسوب وعوداً كثيرة، مثل علاج الأعراض، ومساعدة المريض على ترجمة أفكاره، أو حتى السماح له بالكتابة والتحكم في الأجهزة. أما شركة «بارادروميكس» فتهدف إلى استعادة قدرة المريض على التحدث عبر الكلام المركب «synthesized speech».

يعد التوقيت عاملاً مهماً لشركات واجهات الدماغ والحاسوب في مراحلها المبكرة، وتستطيع شركة «بارادروميكس» أن تتباهى ببعض الإنجازات الحديثة والمثيرة للإعجاب في هذا الشأن، إذ تركز تقنية الشركة - المعروفة باسم تقنية «Connexus BCI» - على تفكيك عناصر الكلام وتقييم الوظائف الحركية بهدف تحقيق تواصل أكثر طبيعية للأشخاص الذين يعانون من صدمات دماغية وحالات ذات صلة.

في يونيو (حزيران)، تمكنت الشركة من إثبات أن جهازها يمكن استخدامه أثناء عملية جراحية فعلية لمريض مصاب بالصرع، ومن ثم إزالته بأمان في غضون 20 دقيقة. وتخطط شركة «بارادروميكس» لإجراء مزيد من العمليات الجراحية باستخدام تقنيتها خلال العام المقبل.

يقول الدكتور ماثيو ويلزي، جراح الأعصاب ومهندس الطب الحيوي في جامعة «ميشيغان»، الذي ساعد في قيادة العملية الجراحية المذكورة خلال يونيو، في بيان: «يبحث مختبري في كيفية استخدامنا لتقنيات تسجيل واجهات الدماغ والحاسوب الأكثر تقدماً، مثل (Connexus BCI)، لتطوير الجيل المقبل من الأجهزة المساعدة على الكلام والحركة». وأضاف: «هذا العمل يجعلنا على بُعد خطوة كبيرة من توفير العلاج للمرضى الذين لديهم احتياجات طبية بالغة وغير مُلباة».

غرسات شبكية العين... وتفسير إشارات الدماغ

> «ساينس كورب» Science Corp. تتألف صناعة واجهات الدماغ والحاسوب من الأجهزة التي تُزرع في الدماغ، وكذلك البرمجيات التي تفسر البيانات الدماغية المُجمعة. وتعد كيفية عملها على كلا جانبي المعادلة (أي الجانبين البيولوجي والرقمي) مهمة للمرضى.

تركز شركة «ساينس كورب»، التي تهدف إلى استعادة البصر للمرضى الذين يعانون من أمراض تؤدي إلى تدهور الرؤية مثل الضمور البقعي «macular degeneration»، على كيفية استخدام واجهات الدماغ والحاسوب لهؤلاء المرضى من خلال شريحة مزروعة في شبكية العين قد تعيد البصر فعلياً.

تعتمد تقنيتها على شريحة مزروعة تحت شبكية العين تُحفز الخلايا الكامنة خلف الخلايا المستقبلة للضوء «المستقبلات الضوئية - photoreceptors» (متجاوزة بذلك الخلايا العصوية والمخروطية التي نتمكن بها من الرؤية في المعتاد) بحيث يمكن للإشارات المرئية الوصول إلى الدماغ حتى لو فشلت الخلايا العصوية والمخروطية في العين. وهذه الشريحة المزروعة هي جزء من نظام مزدوج يتضمن زوجاً من النظارات مزودة بجهاز عرض مدمج لتحفيز شبكية العين.

وهي أقل اعتماداً على الخوارزميات وأكثر اعتماداً على التحسين البيولوجي عبر التكنولوجيا.

ويقول كافوتو من مؤسسة «نيوروتك ريبورتس» لأبحاث السوق: «إنهم لا يعتمدون فقط على الإشارات الكهربائية (في واجهات الدماغ والحاسوب)، وإنما يبحثون فعلياً في الأساليب البيولوجية الهجينة لدمج الأنسجة العصبية مع جهاز خارجي».

> «سينكرون» Synchron. مهما كان الأمر مثيراً للاهتمام في القدرة على قراءة وتفسير الموجات الدماغية، إلا أن هناك عائقاً واضحاً للغاية أمام استخدامه على نطاق واسع: فكثير من التقنيات المتاحة تتطلب بالفعل نوعاً من أنواع جراحة الدماغ.

وتتساءل شركة «سينكرون» ومقرها بروكلين فتقول: ماذا لو لم يكن الأمر يتطلب ذلك؟ يقول كيرت هاغستروم، المدير التجاري للشركة: «هناك كثير من الأشخاص الذين يحتاجون إلى تقنية يمكنها ترجمة أفكارهم إلى أفعال بطريقة رقمية. ولكن كيف يمكن توسيع نطاق ذلك؟».

ووفقاً لهاغستروم، هذا هو المجال الذي يمكن أن تحقق فيه تقنية «سينكرون» تأثيراً كبيراً. فقد طورت الشركة ما تسميه «سينترودس - stentrodes» (الأقطاب الدعامية)، وهي التي (كما يوحي الاسم) عبارة عن أجهزة تشبه الدعامات، ولكنها مزودة بأقطاب كهربائية لقراءة وتفسير الإشارات الدماغية.

تسمح هذه الأجهزة لشركة «سينكرون» باستخدام الأوعية الدموية العادية بوصفها وسيلة لجمع البيانات العصبية التي تتطلب التدخل الجراحي في المعتاد. يوضح هاغستروم: «نحن نعتمد نهجاً أقل تدخلاً، باستخدام الأوعية الدموية بوصفها مساراً للوصول إلى المعلومات في الدماغ». تُزرع الشريحة في الوريد الوداجي في العنق ثم توجيهها - مثل الدعامة التقليدية - إلى الأوعية الدموية بالقرب من القشرة الحركية بالدماغ.

وفي أغسطس (آب)، نشرت الشركة مقطعاً للفيديو يُظهر مريضاً مصاباً بالتصلب الجانبي الضموري «ALS» وهو يستخدم النظام اللاسلكي الأقل تدخلاً للتحكم في جهاز آيباد بعقله - وهو أمر أصبح ممكناً بفضل بروتوكول واجهة جهاز جديد من شركة «أبل» يسمح للشركات باختبار مثل هذه التقنيات مع أجهزة آيفون، وآيباد، وفيجن برو.

*مجلة «إنك» ـ خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

«كلود كوورك»... أداة جديدة تعتمد الذكاء الاصطناعي لتنفيذ المهام المكتبية

تكنولوجيا يسهم في تسريع إنجاز المهام اليومية وتقليل الأعمال الروتينية وتعزيز كفاءة الإنتاجية داخل بيئات العمل «كلود»

«كلود كوورك»... أداة جديدة تعتمد الذكاء الاصطناعي لتنفيذ المهام المكتبية

تقوم الأداة بتحليل المحتوى والتخطيط للتنفيذ ثم إتمام المهمة ورفع المخرجات في نفس المكان دون الحاجة لسلسلة من التعليمات التفصيلية.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا تُظهر بيانات عام 2025 أن الغالبية العظمى من هجمات التصيد الاحتيالي تستهدف سرقة بيانات تسجيل الدخول للحسابات الإلكترونية (شاترستوك)

47 مليون رابط تصيد احتيالي استهدف مستخدمي الشرق الأوسط خلال عام

تكشف «كاسبرسكي» تصاعد التصيد الاحتيالي في الشرق الأوسط حيث تُسرق بيانات الدخول ويُعاد بيعها، ما يحول الهجمات الفردية إلى مخاطر سيبرانية طويلة الأمد.

نسيم رمضان (لندن)
خاص خبراء: سيادة الذكاء الاصطناعي باتت محوراً استراتيجياً يُعاد عبرها تعريفه بوصفه بنية تحتية وطنية وصناعية لا أدوات تقنية منفصلة (شاترستوك)

خاص من التجارب إلى المصانع... كيف يتحول الذكاء الاصطناعي بنيةً تحتية وطنية؟

ينتقل الذكاء الاصطناعي في الخليج من مرحلة التجارب إلى أنظمة تشغيلية سيادية، تُبنى بوصفها بنيةً تحتية صناعية وطنية قادرة على التوسع والحوكمة وتحقيق قيمة اقتصادية

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا شهد المعرض آلاف المنتجات الاستهلاكية توزعت في مختلف المعارض وقاعات الفنادق في لاس فيغاس بأكملها (أ.ب)

في معرض «المنتجات الاستهلاكية»… هل تجاوزت تقنيات الصحة مفهوماً أوسع للعافية؟

تبرز تقنيات الصحة بوصفها قطاعاً ناضجاً ينتقل من الأجهزة القابلة للارتداء إلى حلول وقائية منزلية شاملة، جامعة الذكاء الاصطناعي وسهولة الاستخدام لمراقبة العافية.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
خاص تنسيق النماذج أصبح ضرورياً خصوصاً في بيئات المؤسسات التي تتطلب حلولاً متخصصة حسب القطاع (أدوبي)

خاص هل يلبّي نموذج «الذكاء الاصطناعي الواحد» متطلبات عالم متعدد الأجهزة؟

ينتقل الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على نموذج واحد إلى أنظمة ذكية متعددة تعمل بتنسيق عبر الأجهزة من خلال نظام «كيرا» من «لينوفو».

نسيم رمضان (لاس فيغاس)

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

لم يعد السؤال في الطب الحديث: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض، بل أصبح السؤال الأعمق والأخطر: هل يمكنه توقّع مسار المرض قبل أن يُظهر الجسد أولى علامات التمرّد، ففي الطب ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، بل في ضيق الزمن.

إشارات الأمراض المتسللة داخل الجسد

إن كثيراً من الأمراض لا تبدأ صاخبة، بل تتسلّل همساً داخل الجسد، وتترك إشارات دقيقة لا يلتقطها الفحص التقليدي، ولا ينتبه إليها الطبيب إلا حين تتحوّل إلى أعراض واضحة، وأحياناً متأخرة. وهنا تحديداً، لا يَعِد الذكاء الاصطناعي بإجابات أسرع فحسب، بل برؤية مختلفة: أن يقرأ الإشارات الصامتة قبل أن تتحوّل إلى شكوى، وأن يفهم المرض كمسارٍ زمني لا كلحظة تشخيص، وكأن الطب ينتقل من التقاط «صورة» للجسد إلى قراءة «قصته». وهذا التحوّل لا يمثّل مجرد تطوّر تقني، بل يمثل تغييراً في فلسفة الطب نفسها: من علاج ما حدث إلى محاولة فهم ما هو في طريقه إلى الحدوث.

الانتقال من «لقطة» الحالة إلى «قصة» المرض

على مدى السنوات الماضية، عمل الذكاء الاصطناعي في الطب بوصفه أداة مساعدة فورية؛ يحلّل صورة أشعة، ويقرأ نتيجة تحليل مِخبري، أو يقترح تشخيصاً في لحظة زمنية محددة. وكان أداؤه، في جوهره، أشبه بالتقاط «صورة ثابتة» للحالة الصحية، ثم التوقّف عندها. غير أنّ الطب، بطبيعته، لا يعيش في الصور، بل في الزمن. اليوم، تتقدّم نماذج ذكاء اصطناعي جديدة لا تنظر إلى المرض على أنه حدث معزول، بل كسردٍ زمني متصل، نماذج لا تكتفي بسؤال: ما الذي يعانيه المريض الآن، بل تحاول الإجابة عن أسئلة أعمق وأكثر جرأة: كيف بدأت القصة الصحية، وكيف تطوّرت خطوةً خطوة، وإلى أي اتجاه يسير هذا المسار إن تُرك دون تدخّل، وماذا يتغيّر في المستقبل لو اتُّخذ قرار علاجي مختلف اليوم. وبهذا التحوّل، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد «عدسة تشخيص» تلتقط اللحظة، بل يتحوّل إلى نظام توقّع وتخطيط يحاكي الجسد عبر الزمن، ويختبر الاحتمالات قبل أن يختبرها المريض في واقعه.

حين تُساند الخوارزميات القرار الطبي

محاكاة المستقبل الصحي... السيناريوهات الافتراضية

تعتمد هذه النماذج الذكية على قراءة سلاسل زمنية طويلة من بيانات المريض، تشمل صوراً طبية متعاقبة، ونتائج مخبرية عبر الزمن، وسِجلات الأدوية، واستجابات العلاج، وفترات التحسّن والتدهور. ومن خلال هذا التراكم، لا يكتفي النموذج بالتحليل، بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد، كما لو كان نظاماً حياً يتعلّم من تاريخه. وبهذا التمثيل، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة تطوّرات مستقبلية محتملة، لا على توقّع مسار واحد فقط، بل على استكشاف عدة مسارات متوازية.

وهنا تبرز إحدى أقوى قدرات هذه النماذج: القدرة على طرح أسئلة «ماذا لو؟»، قبل أن يطرحها المرض على جسد المريض؛ ماذا لو بدأ التدخّل العلاجي قبل ظهور الأعراض السريرية، وماذا لو اختير دواء أقل شدّة لكن في توقيت أدق، وماذا لو تأخّر القرار العلاجي أسبوعين فقط.

وما كان يعتمد سابقاً على الخبرة السريرية والحدس الطبي يمكن، اليوم، محاكاته رقمياً، اعتماداً على أنماط مستخلَصة من ملايين الحالات البشرية، ليقدّم للطبيب خريطة احتمالات بدل إجابة واحدة جامدة، ويعيد القرار الطبي إلى موقعه الطبيعي: قرار إنساني... مدعوم برؤية زمنية أوسع.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صحتك من نومك

في مطلع عام 2026، ظهر مثال لافت يوضّح كيف يمكن لبيانات تبدو «غير طبية» في ظاهرها أن تتحوّل إلى نافذة مبكرة على المرض. ففي يناير (كانون الثاني) الحالي، أعلن فريق بحثي من معهد ستانفورد للطب «Stanford Medicine»، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم «SleepFM»، بقيادة الدكتور إيمانويل مينيو، وبمشاركة الأستاذ جيمس زو. ونُشرت نتائج هذا العمل في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، مطلع العام نفسه.

وتكمن الفكرة، على بساطتها، في تحليل بيانات ليلة نوم واحدة فقط، مثل أنماط التنفّس، ونبض القلب، وإشارات الدماغ، وحركة الجسد، لا لفهم جودة النوم فحسب، بل للتنبؤ بمخاطر صحية مستقبلية قد تمتد لسنوات. ووفق ما أظهرته الدراسة، استطاع النموذج توقّع مخاطر أكثر من 130 حالة صحية مختلفة؛ من بينها أمراض القلب والكلى وبعض الاضطرابات العصبية، بدقة تفوقت على نماذج تقليدية تعتمد على فحوصات طبية متفرقة أو بيانات لحظية.

هنا يتغيّر معنى النوم نفسه، فلم يعد مجرد «استراحة للجسد»، بل تحوّل إلى لغة بيولوجية صامتة، لغة يقرأها الذكاء الاصطناعي بدقة؛ لأن كثيراً من الأمراض لا تبدأ بالألم، بل بتغيّرات فيسيولوجية دقيقة تسبق إحساس المريض بمرضه بوقتٍ طويل.

أين تتألّق هذه النماذج؟

تتجلّى القيمة الحقيقية للنماذج الزمنية للذكاء الاصطناعي في مواجهة الأمراض التي لا تُعلن عن نفسها مبكراً، بل تتقدّم ببطءٍ وصمت، وتراهن على عامل واحد: الزمن.

- السرطان إذ قد يحدّد توقيت التدخّل الفرق بين فرصة النجاة وتراجعها.

- أمراض القلب التي تتقدّم في الخفاء، قبل أن تظهر على هيئة نوبة مفاجئة.

- السكري حيث لا يكون الخطر في لحظة واحدة، بل في تراكم أضرار صغيرة على مدى سنوات.

- الأمراض العصبية التدريجية حيث لا يصبح المرض وحده التحدّي، بل يصبح الزمن نفسه العدوّ الأول.

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نعرف أين يقف المريض اليوم. فالطب الحديث يحتاج إلى أدوات قادرة على رؤية المسار كاملاً: من أين بدأ الخلل، وكيف يتقدّم، وأين يمكن إيقافه، قبل أن يفرض نفسه أمراً واقعاً.

عودة إلى جذور الطب... مع قوة البيانات

المفارقة أن هذا التقدم التقني لا يبتعد بالطب عن جوهره، بل يعيده، بطريقة غير مباشرة، إلى أصوله الفلسفية الأولى. ففي الطب الكلاسيكي، لم يكن المرض حدثاً طارئاً يظهر فجأة، بل هو مسار متصل، ولم يكن العلاج وصفة ثابتة، بل هو قرار حيّ يتغيّر مع تغيّر حال المريض وزمنه.

والذكاء الاصطناعي، في صورته الناضجة، لا يناقض هذا الفهم الإنساني، بل يعيد ترجمته إلى لغة البيانات والمحاكاة الدقيقة؛ فهو لا يكتفي بالتقاط «لقطة» للجسد في لحظة واحدة، بل يسعى إلى فهم «قصة الجسد» عبر الزمن، ويضع أمام الطبيب سيناريوهات مختلفة بشأن كيف يمكن أن تتغيّر النهاية... قبل أن تُكتب. وبهذا المعنى، لا يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، بل يعيد إليه ما سلبه ضغط الزمن: الرؤية الأوسع، والمسافة التأملية، وحرية القرار.

التحدّي الفلسفي والأخلاقي: من يقرّر؟

مع هذا التطوّر المتسارع، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على توقّع المسار الصحي قبل أن يتكشّف، فأين يبقى موقع حرية القرار الإنساني. يحذّر الباحثون بوضوحٍ من الانزلاق إلى وهم الحتمية الرقمية، فهذه النماذج، مهما بلغت دقّتها، يجب ألا تعمل منفردة. التنبؤ ليس قدراً محتوماً، والبيانات، مهما اتّسعت، لا تستطيع اختزال تعقيد الإنسان في معادلة، فالقرار الطبي الحقيقي لا يُبنى على الأرقام وحدها، بل يتشكّل عند تقاطع العلم مع السياق النفسي والاجتماعي والإنساني للمريض، حيث تلعب القيم والظروف والاختيارات الشخصية دوراً لا يمكن تفويضه لخوارزمية. وبهذا المعنى، يظل الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم، يساعد الطبيب على توسيع أفق القرار، لكنه لا يملك، وينبغي ألا يُمنح، حق الاختيار.

خاتمة: بوصلة أم قائد بلا ضمير؟

نقف، اليوم، أمام لحظة فاصلة في تاريخ الطب، فإمّا أن يصبح الذكاء الاصطناعي بوصلة تنير الطريق أمام الطبيب، تساعده على رؤية الصورة الكاملة قبل فوات الأوان، وإمّا في حال غياب الوعي والإشراف، أن يتحوّل إلى قائد بلا ضمير يختزل الإنسان في أرقام. فالطب، في جوهره، ليس مجرد البحث عن الإجابة الصحيحة، بل اتخاذ القرار الحكيم في اللحظة المناسبة. وحين تُستخدم هذه التقنيات بمسؤولية، قد تصبح أعظم أداة أعادت للطبيب ما كاد يفقده تحت ضغط السرعة والبيانات: القدرة على استشراف المستقبل الصحي قبل أن يتحوّل إلى ماضٍ لا يمكن تغييره.


رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
TT

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد فحص الباحثون صور الرنين المغناطيسي لـ26 رائد فضاء قبل وبعد رحلتهم الفضائية.

ووجدت الدراسة أن الدماغ يتحرك «إلى الأعلى والخلف داخل الجمجمة» بعد رحلة الفضاء، مع تسجيل أكبر قدر من هذا التحرك في المناطق الحسية والحركية.

وأفادت الدراسة بوجود «تشوهات معقدة وغير متساوية في شكل بعض مناطق الدماغ، تختلف بين الأجزاء العلوية والسفلية».

وقارن الباحثون أيضاً النتائج بصور الرنين المغناطيسي لـ24 مشاركاً مدنياً على الأرض، خضعوا لتجربة تحاكي انعدام الجاذبية عبر الاستلقاء لفترات طويلة مع إمالة الرأس إلى الأسفل.

ووجد العلماء تغيرات مماثلة في شكل وموضع أدمغة المشاركين المدنيين، لكن التغيرات كانت أكثر وضوحاً لدى رواد الفضاء، خاصة لدى من قضوا فترات أطول في الفضاء.

وأكد فريق الدراسة أن «آثار تشوهات الدماغ المرتبطة برحلات الفضاء على الصحة والأداء البشري تتطلب مزيداً من البحث لتمهيد الطريق لاستكشاف الفضاء بشكل أكثر أماناً»، مضيفاً أنه «على الرغم من أن معظم تشوهات الدماغ تعافت خلال ستة أشهر بعد الرحلة، لكن بعضها استمر».

وصرحت راشيل سيدلر، الأستاذة في قسم علم وظائف الأعضاء التطبيقي وعلم الحركة بجامعة فلوريدا والمشاركة في إعداد الدراسة: «نحن بحاجة إلى فهم هذه التغيرات وآثارها للحفاظ على سلامة رواد الفضاء وصحتهم وضمان طول أعمارهم».

وفي حديثها عن تأثير مدة الإقامة في الفضاء على الدماغ، قالت سيدلر: «أظهر الأشخاص الذين قضوا عاماً كاملاً في الفضاء أكبر قدر من التغيرات. مع ذلك، لوحظت بعض التغيرات لدى الأشخاص الذين قضوا أسبوعين فقط».

وسبق أن ذكرت دراسة أجريت عام 2023 أن الرحلات الفضائية التي تستمر 6 أشهر أو أكثر تؤثر سلباً على أدمغة رواد الفضاء، مشيرة إلى أن أفراد الطاقم قد يحتاجون إلى الانتظار لمدة 3 سنوات على الأقل قبل العودة إلى الفضاء مرة أخرى.

وكشفت الدراسة التي قامت بمسح أدمغة 30 رائد فضاء عن أن بطينات المخ، أو التجاويف داخل الدماغ المليئة بالسائل النخاعي، توسعت بشكل كبير داخل أدمغة رواد الفضاء الذين ذهبوا إلى محطة الفضاء الدولية في مهمات استمرت 6 أشهر على الأقل.


كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟
TT

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

في سعينا لتحديد شخصية المصاب بالاعتلال النفسي أو «السايكوباث» (Psychopath)، يمكننا ملاحظة بعض السلوكيات مبكراً، غالباً خلال الدقائق الأولى من اللقاء، كما كتب جيف هادن(*).

ميول متميزة

ووفقاً لما يطرحه العلم، فإن هؤلاء الأشخاص يميلون إلى إظهار ميول معينة تُميزهم عن غيرهم. ومع أن تشخيص الاعتلال النفسي بشكل قاطع يتطلب تقييماً دقيقاً، فإن هناك عدة علامات قد تُشير إلى أن شخصاً ما قد يكون مريضاً نفسياً، بناءً على أنماط سلوكية.

1. الهوس بالمتعة والمال والسلطة: تُشير الأبحاث إلى أن المختلين عقلياً أكثر ميلاً للحديث عن موضوعات تتعلق بالطعام والجنس والمال، وهي موضوعات تركز على المتعة الجسدية أو الثروة المادية. وهم غالباً ما يتجنبون النقاشات حول الأسرة أو الدين أو القضايا الروحانية، أي تلك المجالات التي ينخرط في الحديث عنها عادةً الأشخاص المتعاطفون. إذا كان شخص ما مهووساً بشكل مفرط بهذه الموضوعات، فقد يكون ذلك مؤشراً تحذيرياً.

النرجسية وغياب التعاطف

2. النرجسية المفرطة: غالباً ما يُظهر المختلون عقلياً شعوراً مبالغاً فيه بقيمتهم الذاتية، فقد يتباهون بأهدافهم الطموحة، لكنهم يعجزون عن تقديم خطط عملية لتحقيقها. وفي حين يركز الأشخاص الناجحون على العمليات الرئيسية للوصول إلى أهدافهم، يميل المرضى النفسيون في المقابل إلى التصرف كأنهم قد حققوا أهدافهم بالفعل، دون أدنى اعتبار للجهد المطلوب لبلوغها.

3. غياب التعاطف غير اللفظي: يُظهر التعاطف عادةً من خلال الإشارات غير اللفظية، مثل تقليد تعبيرات وجه الآخرين أو إيماءاتهم. إلا أن المرضى النفسيين يعجزون عن ذلك. على سبيل المثال، قد لا يُقلدون ابتسامتك عندما تكون سعيداً، أو لا يتجهمون عندما تروي قصة حزينة.

الركض وراء المكافآت

4. التركيز المفرط على المكافأة: يميل دماغ الشخص المريض نفسياً إلى السعي وراء المكافآت بأي ثمن تقريباً، إذ ترتفع لديه استجابة الدوبامين عند المكافآت، ما يدفعه إلى تحقيق أهدافه دون التفكير ملياً في العواقب. وفي حين يسعى الجميع إلى المكافآت، غالباً ما يتجاهل المرضى النفسيون المخاطر والأخطار المصاحبة لسعيهم وراءها. وقد يطغى هوسهم بالمكافأة على إحساسهم بالمسؤولية الأخلاقية، ما يجعلهم متهورين في تصرفاتهم.

5. الازدهار في ظل قيادة سيئة: غالباً ما يزدهر المرضى النفسيون في بيئات سامة وعالية التوتر، كما ويزدهرون تحت قيادة رؤساء صعاب المراس، ومتغطرسين، وذوي مطالب كثيرة، أو يفتقرون إلى النزاهة.

ويتميز المرضى النفسيون بهدوئهم، وشجاعتهم، وقدرتهم على التعامل مع هذه البيئات دون حصول اضطراب عاطفي، مثل الذي يصيب الآخرين. غالباً ما تدفعهم هذه القدرة إلى الأمام في حياتهم المهنية، إذ يبقون بمنأى عن التحديات التي تثبط عزيمة معظم الموظفين.

التعامل بوعي

إذا وجدت نفسك تعمل مع شخص يُشتبه في كونه مختلاً عقلياً فمن المهم التعامل مع الموقف بوعي، إذ يُجيد المرضى النفسيون التلاعب؛ لذا من الضروري التركيز على الأفعال لا الأقوال. ابحث عن سُبل لخلق مواقف مُربحة للطرفين، إذ غالباً ما يكون هؤلاء المرضى أكثر استعداداً للتعاون إذا رأوا مكاسب شخصية.

وبفهم هذه المؤشرات المبكرة والحفاظ على الذكاء العاطفي، يُمكنك التعامل مع المرضى النفسيين بفاعلية أكبر.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».