«مستشار الثروات» المدعم بالذكاء الاصطناعي... نقلة نوعية في القطاع المالي

«راي» يحصل على بيانات أكثر وأفضل من الأدوات الأخرى

«تريبيون ميديا«
«تريبيون ميديا«
TT

«مستشار الثروات» المدعم بالذكاء الاصطناعي... نقلة نوعية في القطاع المالي

«تريبيون ميديا«
«تريبيون ميديا«

هل أنت مستعد لتسليم إدارة محفظتك الاستثمارية للذكاء الاصطناعي؟ يرى فهد حسن، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لمنصة إدارة الثروات المُدعّمة بالذكاء الاصطناعي «رَينْجْ» (Range)، أن عليك التفكير جدياً في الأمر، كما كتب سام بيكر(*).

مستشار ثروات آلي

تُطلق شركة حسن، التي يبلغ عمرها 5 سنوات، المستشار الآلي «راي» (Rai)، وهو مستشار ثروات جديد، يعمل بالذكاء الاصطناعي، الذي يعتقد أنه سيُتيح لشريحة واسعة من الأسر الأميركية الوصول إلى الاستشارات والتخطيط المُتطور الذي كان في السابق مُتاحاً فقط لأصحاب الثروات الطائلة.

يقول حسن: «(راي) هو أول منتج، وأول وكيل ذكاء اصطناعي، نعتقد أنه قادر على القيام بعمل المستشارين البشريين بالكفاءة نفسها، إن لم يكن أفضل».

مزايا الوصول إلى بيانات أكثر

وفي حين أطلقت العديد من شركات التكنولوجيا المالية الأخرى، أو قدمت، أدوات ذكاء اصطناعي للمساعدة في تخطيط الثروة في السنوات الأخيرة، يقول حسن إن «راي» مختلف لسببين رئيسيين:

أولاً، بيانات أكثر. يتمتع «راي» بإمكانية الوصول إلى بيانات أكثر وأفضل من الأدوات الأخرى، كما يقول حسن. يُمكن لعملاء الشركة الذين يستخدمون «راي» ربط عشرات الحسابات (معلومات العقارات، والتقاعد والاستثمارات، والأسهم المقيدة أو الخاصة، إلخ)، وهذا يمنح الأداة صورة أشمل عن الوضع المالي للفرد.

* ثانياً، تدريب صارم. خضع «راي» لتدريب صارم وفقاً للمعايير التنظيمية، أي أنه مصمم لاجتياز أنواع الاختبارات التي يحتاج إليها المستشارون البشريون، مثل تلك التي تديرها منظمات مثل «هيئة تنظيم الصناعة المالية» (FINRA).

دفع الضريبة وتقسيم التركة

* التحسين الذاتي. ليس هذا فحسب، بل إن هذا المستوى من التطور يسمح للأداة أيضاً بالتحسين الذاتي المستمر ومعرفة كيفية سير الأمور.

لكنّ حسن يقول إن «راي» يتقدّم خطوة أخرى إلى الأمام، موضحاً: «يستطيع اتخاذ إجراءات حاسمة تتعلق بأموالك، مثل تقديم الإقرارات الضريبية، ووضع خطط التركات، وغيرهما».

هذه الإجراءات، التي كان العملاء يحتاجون عادةً إلى محاسب أو محامٍ لتنفيذها، أصبحت الآن متاحة داخل الأداة نفسها، ما قد يوفر على المستخدمين مبالغ كبيرة. ويقول حسن: «يمكننا توفير مئات الآلاف من الدولارات خلال ثوانٍ معدودة، دون الحاجة إلى انتظار موظف بشري».

وأشار إلى أن «راي» يختلف عن أداة «روبن هود» (Robinhood) للاستشارات المالية.

السرعة ودقة التفاصيل ستُحققان النجاح

بالطبع، لم يتضح بعد ما إذا كان الناس سيُقبلون على استخدام «راي» كما فعلوا مع «روبن هود» أو غيره من الأدوات المالية. لكن إن حدث ذلك، فقد تُحدث هذه الأداة ثورة في قطاع الخدمات المالية المربح، وإن كان تقليدياً ومنغلقاً، إذ ستتيح تقديم خدماته لشريحة أوسع من الأسر. وترى إدارة الشركة أن السرعة والدقة في التفاصيل هما العنصران القادران على إحداث هذا التحول.

وصرح ديفيد كوساتيس، المؤسس المشارك والمدير التقني لشركة «رَينْجْ»، في بيان: «يُحلل (راي) صورتك المالية الكاملة في ثوانٍ؛ كل حساب، وكل أصل، وكل فرصة». وأضاف: «لقد طورنا تقنية خاصة لتقديم توصيات لا يُمكن لأي مستشار بشري أن يُضاهيها بهذه السرعة وهذا الحجم».

* مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

تذبذب في «وول ستريت» بين مكاسب الذكاء الاصطناعي وضغوط «أبل»

الاقتصاد متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

تذبذب في «وول ستريت» بين مكاسب الذكاء الاصطناعي وضغوط «أبل»

شهدت الأسهم الأميركية تذبذباً، خلال تداولات يوم الخميس، مع تسجيل مكاسب قوية في أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، مقابل ضغوط على سهم شركة «أبل».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
تكنولوجيا ارتفع تبني وكلاء الذكاء الاصطناعي في خدمة العملاء من 39 إلى 66 في المائة خلال عام واحد.

«سيلزفورس»: وكلاء الذكاء الاصطناعي ينتقلون من الرد إلى حل مشكلات العملاء

تتوسع المؤسسات في استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي لخدمة العملاء لكن تحديات البيانات والخصوصية والثقة تفرض استمرار الدور البشري في العمليات.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)

أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي تقود مكاسب الأسواق الأوروبية

افتتحت الأسهم الأوروبية تداولات الخميس على ارتفاع، مدعومةً بمكاسب قوية لأسهم التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم النرويج تمنع استخدام الأطفال للذكاء الاصطناعي في المدارس

النرويج تمنع استخدام الأطفال للذكاء الاصطناعي في المدارس

مخاطره تفوق فوائده بسبب تأثيراته السلبية على مهارات التفكير.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد أناس يخرجون من نفق للمشاة عند غروب الشمس في بكين (رويترز)

نتائج «مايكرون» تدفع أسهم الصين التقنية لقمم تاريخية

ارتفعت الأسهم الصينية، الخميس، مدعومة باستئناف موجة الصعود القياسية في أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (بكين)

النرويج تمنع استخدام الأطفال للذكاء الاصطناعي في المدارس

النرويج تمنع استخدام الأطفال للذكاء الاصطناعي في المدارس
TT

النرويج تمنع استخدام الأطفال للذكاء الاصطناعي في المدارس

النرويج تمنع استخدام الأطفال للذكاء الاصطناعي في المدارس

أعلن يوناس غار ستور، رئيس وزراء النرويج، في 19 يونيو (حزيران) الجاري، حظراً شبه كامل لاستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي من طلاب المدارس الابتدائية، كما كتب جود كرامر(*).

استخدام التكنولوجيا في التعليم تحت إشراف المدرسين

منع... واستخدام تحت الإشراف

وتحدد المبادئ التوجيهية الجديدة للحكومة -التي سيتم تطبيقها في العام الدراسي المقبل بدءاً من شهر أغسطس (آب) المقبل- حجم استخدام الطلاب للذكاء الاصطناعي بما يتناسب مع أعمارهم ومستوياتهم الدراسية؛ إذ سيُمنع طلاب الصفوف من الأول إلى السابع (الذين تتراوح أعمارهم تقريباً بين 6 و13 عاماً) من استخدام هذه التكنولوجيا في المدرسة، بينما سيُسمح لطلاب المرحلة الثانوية الدنيا (الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و16 عاماً) باستخدام هذه الأدوات تحت إشراف دقيق من المعلمين. أما في المرحلة الثانوية العليا (للطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين 17 و19 عاماً)، فسيتعلم الطلاب كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل مناسب استعداداً لدخول سوق العمل.

دراسة: المخاطر على الأطفال تفوق الفوائد

وقال ستور: «إن أهم شيء في المدرسة هو أن يتعلم أطفالنا القراءة والكتابة والرياضيات»، مضيفاً أن «الاستخدام غير النقدي للذكاء الاصطناعي يدفع الطلاب لتخطي خطوات تعليمية مهمة».

ولا تأتي مخاوف ستور من فراغ؛ فقد خلصت دراسة حديثة أجراها «مركز التعليم الشامل» التابع لمعهد بروكينغز -التي اعتمدت على مجموعات التركيز والمقابلات وآراء الخبراء لتقييم تأثير استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي على الأطفال- إلى أن المخاطر تفوق الفوائد. ووجدت الدراسة أنه عندما يلجأ الأطفال إلى الذكاء الاصطناعي بدلاً من صقل مهاراتهم في التفكير، فإنهم يعوقون نموهم المعرفي وقدراتهم على حل المشكلات.

التأثير السلبي على الوظائف المعرفية

في الوقت نفسه، تُظهر دراسة تلو الأخرى التأثير السلبي الذي يمكن أن يُحدثه استخدام الذكاء الاصطناعي -حتى لفترات قصيرة- على الوظائف المعرفية لدى البالغين، فما بالك بتطبيق المبادئ ذاتها على الأطفال.

زيادة التمويل في النرويج لطبع الكتب الورقية

وإلى جانب حظر معظم أشكال استخدام الذكاء الاصطناعي في المدارس، أعلنت الحكومة النرويجية أيضاً عن خطط لزيادة التمويل المخصص للكتب الورقية في الفصول الدراسية، وذلك في خطوة معاكسة لاتجاه ساد لسنوات نحو تبني أدوات التعلم الرقمي.

نهج متباين حول العالم

في حين تتوخى النرويج الحذر بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم، تسير دول أخرى بسرعة في الاتجاه المعاكس.

بولندا أعلنت الأسبوع الماضي عن خططها لتجهيز 12 ألف مدرسة ابتدائية وثانوية بما تُعرف بـ«مختبرات الذكاء الاصطناعي» بحلول بداية العام الدراسي المقبل. ووفقاً للحكومة البولندية، ستضم كل مختبر -بالإضافة إلى أجهزة الكمبيوتر المحمولة- «وحدة مركزية تدعم خدمات الذكاء الاصطناعي، وأجهزة شبكة، وشاشة تفاعلية، وكاميرا مزودة بميكروفون، وبرمجيات متخصصة». وقال دونالد توسك، رئيس الوزراء البولندي، إن على الطلاب تعلم كيفية التحكم في الذكاء الاصطناعي «بدلاً من أن يتحكم هو فيهم».

دولة الإمارات العربية المتحدة

في الوقت نفسه يجري في الإمارات إدراج الذكاء الاصطناعي ضمن المناهج الدراسية بدءاً من مرحلة رياض الأطفال. وقد صرحت وزيرة التعليم الإماراتية، سارة الأميري، لمنصة «سيمافور» (Semafor) بأن تعليم الذكاء الاصطناعي سيُدمج في جميع المدارس الحكومية وبعض المدارس الخاصة، مع تخصيص نحو 20 درساً لكل سنة دراسية، وصولاً إلى الصف الثاني عشر.

ورداً على المخاوف المحتملة بشأن منح الأطفال إمكانية وصول واسعة للتكنولوجيا، قالت الأميري: «وسائل التواصل الاجتماعي حقيقة واقعة، وكذلك استخدام الذكاء الاصطناعي حقيقة واقعة». وأضافت أن المعايير الجديدة للمناهج في الإمارات تهدف إلى إعادة جذب اهتمام الطلاب غير المتحمسين للدراسة، قائلةً: «أريد أن تكون التجربة ممتعة لهم».

اتجاه أوسع لفرض القيود على القاصرين

وبعيداً عن نطاق الذكاء الاصطناعي تحديداً، تأتي خطوة النرويج في سياق اتجاه عالمي لتقييد وصول القاصرين إلى التكنولوجيا.

ففي عام 2024، حظرت النرويج استخدام الهواتف الذكية داخل الفصول الدراسية، مما أدى إلى تحسن في الدرجات العلمية والصحة النفسية للطلاب، لا سيما الفتيات. كما أعلنت النرويج عن خطط لحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن السادسة عشرة، مقتديةً في ذلك بالخطوة التي اتخذتها أستراليا أخيراً بحظر هذه المنصات لهذه الفئة العمرية.

وتزداد أيضاً عمليات التحقق من العمر لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تعمل دول -من بينها المملكة المتحدة- على منع الأطفال من الوصول إلى المنصات غير الملائمة. ومع ذلك، لا تزال هذه الإجراءات دون المستوى المأمول، إذ ترد تقارير عن تمكن أطفال من تجاوز أنظمة الحماية والفلترة باستخدام حيل بسيطة، مثل رسم شوارب على وجوههم أو استخدام أساليب للتنكر.

* مجلة «فاست كومباني».


هل يمكننا الوثوق بالصور العلمية في عصر الذكاء الاصطناعي؟

هل يمكننا الوثوق بالصور العلمية في عصر الذكاء الاصطناعي؟
TT

هل يمكننا الوثوق بالصور العلمية في عصر الذكاء الاصطناعي؟

هل يمكننا الوثوق بالصور العلمية في عصر الذكاء الاصطناعي؟

في أبريل (نيسان) 2026، لفتت أنظار الكثيرين صورةٌ للأرض وهي تتألق في الفضاء السحيق، مع امتداد لأفق القمر المليء بالفوهات في مقدمة المشهد. التقط رواد الفضاء هذه الصورة خلال مهمة «أرتيمس 2» التابعة لوكالة «ناسا». وبدت هذه الصورة واقعية وملهمة للكثيرين على الفور مثلها مثل الصورة الشهيرة «شروق الأرض» (Earthrise) التي التقطتها مهمة «أبولو 8»، كما كتبت د. نان لي(*).

أيُّ الصور حقيقية؟

ولكن، في ظل قدرة أي شخص تقريباً على اختلاق صورة مشابهة بصرياً في غضون ثوانٍ بمجرد كتابة وصف نصّي باستخدام الذكاء الاصطناعي، كيف يحدد الناس أي الصور هي الحقيقية؟

إن انتشار الصور العلمية المُولَّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي في المجال العام لا يمثل مجرد مشكلة تتعلق بالمعلومات المضللة؛ فبصفتي باحثةً تدرس التواصل العلمي البصري وثقة الجمهور، أرى أن هذا الانتشار يسهم أيضاً في أزمة ثقة في العلم في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث بدأت الأدوات التي لطالما اعتمد عليها العلماء لإرساء المصداقية البصرية تفقد فاعليتها.

الصور المُولَّدة بالذكاء الاصطناعي تتغلغل في المجال العلمي

تُحدث أدوات الذكاء الاصطناعي بالفعل تغييراً في طرق إنشاء ومشاركة ونشر المواد البصرية العلمية.

إذ يستخدمها الباحثون لتوليد الرسوم التوضيحية، وإنشاء بيانات اصطناعية، وتعديل صور المختبرات، وإنتاج مواد تعليمية وتوعوية للجمهور.

طمس الحدود الفاصلة بين الرسم التوضيحي والتحسين البصري... والتلفيق

ورغم أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد العلماء على إيصال الأفكار المعقدة بطرق أكثر إبداعاً وكفاءة، فإن هذه الأدوات نفسها تطمس الحدود الفاصلة بين الرسم التوضيحي، والتحسين البصري، والتلفيق.

صورة «أبوللو8» التاريخية لـ«شروق الأرض» فوق القمر

سحب منشورات علمية بسبب الصور المولَّدة

في عام 2024، سُحبت ورقتان بحثيتان بعد نشر أشكال (رسوم بيانية أو صور) مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي تحتوي على هياكل مستحيلة بيولوجياً. وفي أبريل 2026، سحبت «مجلة نيو إنغلاند الطبية» (New England Journal of Medicine) ورقة بحثية بعد اكتشاف التلاعب بصورة سريرية باستخدام الذكاء الاصطناعي.

وهذه مجرد حالات وصلت إلى علم الجمهور العام، ومن المرجح أنها لا تمثل سوى قمة جبل الجليد؛ فقد حذر الباحثون من أن المواد البصرية المُولَّدة بالذكاء الاصطناعي تشكل تهديدات متزايدة في المجالات التي تعتمد بشكل كبير على الأدلة البصرية، مثل علم المواد.

أنظمة الكشف عن الصور المزيفة... لا تزال متأخرة

بدأت دور النشر الأكاديمية في تبني أدوات للكشف عن محتوى الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، فإن الأنظمة المصمَّمة لكشف الصور المزيفة تظل دائماً متأخرة عن الأنظمة المصمَّمة لإنشائها؛ فعديد من أدوات الكشف لا تستطيع تحديد سوى أنماط الصور التي تدربت على التعرف عليها. ومع ظهور نماذج جديدة للذكاء الاصطناعي، يتعين على المطورين باستمرار الحصول على بيانات جديدة وإعادة تدريب أدوات الكشف لمواكبة هذه التطورات.

صور تشوه التفاصيل العلمية بشكل خفي ودقيق مع الحفاظ على مستوى من المصداقية

وتتمثل أكبر المخاوف في الصور التي تبدو واقعية، حيث تقوم بتشويه التفاصيل العلمية بشكل خفي ودقيق، مع الحفاظ على مستوى من المصداقية يكفي لاجتياز مرحلة المراجعة الأولية.

الثقة بالصور العلمية

تمتعت الصور العلمية بمكانة موثوقة على مدى عقود، ويعود ذلك جزئياً إلى صعوبة إنتاجها. كان إنتاج صور المجهر، والرسوم البيانية المناخية، وصور الفضاء يتطلب معدات باهظة الثمن، وموارد مؤسسية، وخبرات متخصصة. وقد افترض معظم الناس أن هذه الصور تمثل رصداً حقيقياً للواقع، نظراً لأن قلة قليلة فقط كانت قادرة على إنتاجها.

الذكاء الاصطناعي التوليدي يقوِّض معايير الصور العلمية

تشير الأبحاث في مجال التواصل العلمي -بما في ذلك أبحاثي الخاصة- إلى أن الناس يحكمون على الصور العلمية بالاعتماد على بعض «الاختصارات الذهنية»؛ فهل تبدو الصورة متطورة تقنياً؟ وهل تصدر عن مؤسسة موثوقة؟ وهل تتوافق مع ما أؤمن به مسبقاً؟ واليوم، يعمل الذكاء الاصطناعي التوليدي على تقويض هذه المعايير الثلاثة (أو الاختصارات الذهنية).

وفي الوقت الراهن، يمكن لأي شخص إنشاء صورة متقنة تبدو علمية بمجرد كتابة وصف نصي. كما أن الصور غالباً ما تنفصل عن مصدرها الأصلي عند تداولها عبر الإنترنت. وعندما تفقد الجودة البصرية والنسب إلى مؤسسة موثوقة قيمتهما كمؤشرات موثوقة للحكم على مصداقية الصور العلمية، يميل الناس إلى الاعتماد على شيء آخر: معتقداتهم المسبقة.

رفض الصور العلمية الحقيقية... بوصفها مولّدة

ونتيجة لذلك، أصبح من الممكن الآن رفض الصور العلمية الحقيقية التي تتحدى معتقدات الفرد القائمة بوصفها نتاجاً للذكاء الاصطناعي، في حين يتم قبول الصور الملفقة التي تؤيد تلك المعتقدات بسهولة كأدلة. وبهذه الطريقة، قد يعزز الذكاء الاصطناعي ما يُعرف بـ«التفكير المدفوع بالرغبة» (motivated reasoning)؛ أي ميل الناس إلى قبول ما يتفقون معه مسبقاً والتشكيك فيما لا يتفقون معه.

وتكتسب هذه التحولات أهمية بالغة لأن الصور لطالما كانت بمنزلة أدلة تدعم الادعاءات العلمية. فالجمهور غير المتخصص لا يعتمد على الصور لرؤية ما اكتشفه العلماء فحسب، بل أيضاً لتكوين رابط عاطفي واستشعار مصداقية العلم المعروض. وإذا توقف الجمهور تماماً عن الوثوق بالأدلة البصرية، فإن العلم سيفقد واحدة من أقوى أدواته للتواصل مع عامة الناس.

الشفافية: نعم... التقييد: لا

توفر أدوات الذكاء الاصطناعي مزايا حقيقية للباحثين عند عرض أعمالهم على جماهير متنوعة. وتكمن التحديات في استخدام هذه الأدوات في منع انتقال -ولو بشكل غير محسوس- مشكلة «نقص المصداقية» المرتبطة بالذكاء الاصطناعي إلى المحتوى العلمي الذي تهدف تلك الصور إلى تبيانه.

يتمثل أحد المسارات العملية للمضي قدماً في أن يتعامل الباحثون مع «مصدر الصورة» -أي أصلها وكيفية إنشائها- بنفس القدر من الجدية التي يطبقونها عند التعامل مع مصدر البيانات العلمية.

اعتاد العلماء الإفصاح عن مصادر التمويل، ومنهجيات الدراسة، وتضارب المصالح؛ وقد بات من الضروري الآن تطبيق معايير مماثلة على الصور العلمية. هل استُخدم الذكاء الاصطناعي لإنشاء هذه الصورة أو تعديلها؟ هل هي نتاج رصد مباشر، أم محاكاة، أم رسم توضيحي؟ ماذا تمثل الصورة بالضبط، وكيف تم التحقق منها؟ وهل يمكن لباحثين آخرين إعادة إنتاجها؟ وإليك مثال؛ فلقد انتشرت على نطاق واسع صورة علمية غير دقيقة للغاية لجرذ، كانت قد نُشرت في إحدى المجلات العلمية.

تمنح الشفافية الجمهورَ السياقَ اللازم لتقييم ما يشاهدونه، لكنها قد لا تحسم كل الخلافات حول كيفية إنتاج الصور. فالاستخدام المسؤول للصور العلمية المُنتجة بالذكاء الاصطناعي يتطلب الصدق، والالتزام بالمعايير المهنية، والتطوير الجماعي لمعايير قائمة على الأدلة عبر مختلف المجالات العلمية.

لماذا تظل الصور الأصلية ذات تأثير قوي؟

تحمل الصورة الأصلية التي التُقطت عام 1968 لمشهد «شروق الأرض» (Earthrise) خلال مهمة «أبوللو 8» تأثيراً عاطفياً كبيراً؛ وكذلك الحال بالنسبة لصور مهمة «أرتميس 2» لعام 2026.

«الأصالة» تُجسد العلاقة الموثقة بين الصورة والعالم الواقعي

وما يضفي عليها هذه الأهمية ليس مجرد جمالها، بل ارتباطها الملموس بالواقع العلمي. فعندما ينظر الناس إلى صور الكواكب هذه، يدركون أيضاً وجود رواد فضاء، وكاميرات حقيقية، وبعثات موثقة، وعمليات رصد قابلة للتحقق تقف وراء تلك الصور. وبهذا المعنى، تُعد «الأصالة» علاقة موثقة بين الصورة والعالم الواقعي.

في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي، لم يعد بوسع المؤسسات العلمية افتراض أن الجمهور سيثق تلقائياً بموادها البصرية؛ إذ باتت الثقة تعتمد الآن على الشفافية والتوثيق والتواصل الواضح بشأن كيفية إنتاج الأدلة البصرية.

ومن دون وجود مبادئ توجيهية ومعايير محددة، يواجه العلم خطر الانزلاق إلى عالم يصبح فيه الكل مشكوكاً في صحة صوره، وتفقد فيه أي صورة مصداقيتها الذاتية.

* أستاذة مشاركة في مجال التواصل العلمي بجامعة ويسكونسن-ماديسون، مجلة «فاست كومباني».


هل يكفي أن تكون طبيباً في عام 2030؟

المستقبل للتخصصات الصحية بالذكاء الاصطناعي
المستقبل للتخصصات الصحية بالذكاء الاصطناعي
TT

هل يكفي أن تكون طبيباً في عام 2030؟

المستقبل للتخصصات الصحية بالذكاء الاصطناعي
المستقبل للتخصصات الصحية بالذكاء الاصطناعي

أصدرت الهيئة السعودية للتخصصات الصحية هذا الأسبوع عدداً خاصاً من نشرتها المهنية تناول مجموعة من الموضوعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي، شملت تطبيقاته في الصحة النفسية، وسلامة المرضى، وتأثيراته المتزايدة على الممارسة الصحية. وقد يبدو ذلك للوهلة الأولى اهتماماً بتقنية حديثة تفرض نفسها على مختلف القطاعات، لكن القراءة الأعمق تكشف عن دلالة أكثر أهمية؛ فحين تضع الجهة المسؤولة عن تنظيم وتأهيل واعتماد الممارسين الصحيين في المملكة الذكاء الاصطناعي ضمن أولوياتها المعرفية والمهنية، فإن الرسالة لا تتعلق بالتقنية وحدها، بل بمستقبل المهن الصحية نفسها.

*الذكاء الاصطناعي قد يكون المرشح ليصبح المهارة المهنية الجديدة التي يحتاج إليها كل طبيب وصيدلاني وممرض وممارس صحي*

إن العالم يشهد اليوم تحولاً قد يكون الأوسع منذ دخول الحاسوب إلى المستشفيات قبل أكثر من ثلاثة عقود. وإذا كانت المهارات الرقمية قد أصبحت جزءاً أساسياً من العمل الصحي خلال العقدين الماضيين، فإن فهم الذكاء الاصطناعي قد يكون المرشح ليصبح المهارة المهنية الجديدة التي يحتاج إليها كل طبيب وصيدلاني وممرض وممارس صحي خلال السنوات المقبلة.

فهم الخوارزمية مهارة الطبيب الجديدة

من استخدام الحاسوب إلى فهم الخوارزميات

عندما بدأت المؤسسات الصحية اعتماد السجلات الطبية الإلكترونية، كان التحدي الرئيسي يتمثل في تعليم الأطباء والعاملين الصحيين كيفية استخدام الحاسوب والأنظمة الرقمية. أما اليوم، فقد تغيرت طبيعة التحدي جذرياً. فالقضية لم تعد مرتبطة بإدخال البيانات أو استعراض المعلومات، بل بالتعامل مع أنظمة ذكية قادرة على التعلم من البيانات واكتشاف الأنماط الخفية وتقديم توصيات قد تؤثر بصورة مباشرة في القرار الطبي.

وفي عدد متزايد من المستشفيات حول العالم باتت الخوارزميات تساعد في قراءة صور الأشعة واكتشاف الأورام وتحليل تخطيط القلب والتنبؤ بالمضاعفات المحتملة قبل حدوثها. وبعض الأنظمة الحديثة أصبحت قادرة على تلخيص مئات الصفحات من السجلات الطبية خلال ثوان معدودة، وهو عمل كان يتطلب ساعات طويلة من المراجعة البشرية.

وفي كثير من الأحيان تبدو هذه التوصيات دقيقة ومقنعة، لكن وراء كل نتيجة توجد خوارزمية تعتمد على بيانات وافتراضات واحتمالات إحصائية قد تحمل نقاط قوة كما قد تحمل نقاط ضعف أو تحيزات غير مرئية.

الصحة النفسية وسلامة المرضى

* الصحة النفسية. ويظهر ذلك بوضوح في مجال الصحة النفسية، وهو أحد المحاور التي تناولتها نشرة الهيئة. فخلال السنوات الأخيرة بدأت أنظمة الذكاء الاصطناعي تُستخدم للمساعدة في رصد مؤشرات الاكتئاب والقلق واضطرابات الصحة النفسية من خلال تحليل أنماط اللغة المستخدمة في المحادثات أو التغيرات في أسلوب الكتابة أو بعض السلوكيات الرقمية المتكررة. وقد أظهرت دراسات عالمية أن بعض الخوارزميات أصبحت قادرة على اكتشاف مؤشرات مبكرة لمشكلات نفسية قد لا يلاحظها المريض أو المحيطون به في مراحلها الأولى.

* سلامة المرضى. كما بدأت تقنيات الذكاء الاصطناعي تلعب دوراً متزايداً في تعزيز سلامة المرضى، من خلال التنبيه إلى الجرعات الدوائية الخاطئة، واكتشاف التفاعلات الدوائية الخطرة، ورصد المؤشرات المبكرة لتدهور حالة المريض داخل المستشفى. وهي تطبيقات قد تسهم في تقليل الأخطاء الطبية وتحسين جودة الرعاية الصحية إذا استُخدمت بصورة صحيحة.

لكن هذه التطبيقات تطرح في الوقت نفسه أسئلة مهنية وأخلاقية معقدة. فهل ينبغي للطبيب أن يعتمد على توصية الخوارزمية وحدها؟ وكيف يمكن التحقق من دقة النتائج؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا أخطأ النظام؟

إن أخطر ما في الذكاء الاصطناعي الطبي ليس أن يخطئ أحياناً، بل أن يثق المستخدم بنتائجه من دون أن يفهم كيف وصل إليها.

محو أمية الذكاء الاصطناعي

شهدت السنوات الأخيرة ظهور مفهوم جديد يعرف باسم «محو أمية الذكاء الاصطناعي»، وهو الحد الأدنى من المعرفة الذي يمكّن الممارس الصحي من فهم كيفية عمل الأنظمة الذكية وتقييم نتائجها بصورة نقدية ومسؤولة.

وفي القطاع الصحي تكتسب هذه القضية أهمية استثنائية؛ لأن القرارات الطبية لا تتعلق بالأرقام والبيانات فقط، بل بحياة البشر وصحتهم وكرامتهم.

ولهذا بدأت جامعات ومؤسسات صحية عالمية، من هارفارد وستانفورد إلى أكسفورد وكلية الأطباء الملكية البريطانية، بإدخال مفاهيم الذكاء الاصطناعي وأخلاقياته ضمن برامج التعليم الطبي والتدريب المستمر؛ إدراكاً منها أن الجاهزية للذكاء الاصطناعي أصبحت جزءاً من الكفاءة المهنية الحديثة.

* ستزيد الحاجة إلى أطباء يمتلكون مهارتين في وقت واحد: الفهم السريري العميق والفهم الواعي للتكنولوجيا*

الطبيب لا يختفي... بل يزداد أهمية

الطبيب لا يختفي

مع كل ثورة تقنية جديدة تظهر توقعات تتحدث عن اختفاء بعض المهن أو تقلص دورها. وقد شهدنا خلال السنوات الأخيرة كثيراً من العناوين التي تساءلت عما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيحل محل الأطباء.

لكن الواقع داخل المؤسسات الصحية الرائدة يشير إلى اتجاه مختلف. فالأنظمة الذكية قد تتفوق على الإنسان في سرعة معالجة البيانات واكتشاف الأنماط، لكنها لا تستطيع فهم السياق الإنساني الكامل للمريض، ولا إدراك مخاوفه وظروفه الاجتماعية وأولوياته الشخصية، كما أنها لا تتحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية للقرار الطبي.

ولهذا يتفق عدد متزايد من الخبراء على أن الذكاء الاصطناعي لن يقلل من أهمية الطبيب، بل سيزيد الحاجة إلى أطباء يمتلكون مهارتين في وقت واحد: الفهم السريري العميق والفهم الواعي للتكنولوجيا.

السعودية واستعداد مبكر للمستقبل

السعودية واستعداد مبكر للمستقبل

يأتي هذا الاهتمام المتزايد بالذكاء الاصطناعي ضمن سياق أوسع من التحول الوطني الذي تشهده المملكة في إطار «رؤية السعودية 2030». فالسعودية لا تنظر إلى الذكاء الاصطناعي بصفته مشروعاً تقنياً منفصلاً، بل بصفته ركيزة أساسية في بناء اقتصاد المعرفة وتطوير الخدمات الصحية والتعليمية والحكومية.

ومن هنا تكتسب مبادرات الهيئة السعودية للتخصصات الصحية أهمية خاصة؛ لأنها تركز على العنصر الأكثر أهمية في أي نظام صحي ناجح: الإنسان. فنجاح التحول الرقمي لا يعتمد على امتلاك أحدث التقنيات فحسب، بل على وجود كوادر قادرة على استخدامها بصورة صحيحة وآمنة وفعالة.

الجاهزية للذكاء الاصطناعي

ربما يأتي يوم قريب يصبح فيه فهم أساسيات الذكاء الاصطناعي جزءاً من متطلبات الممارسة المهنية، تماماً كما أصبحت مهارات الحاسوب جزءاً طبيعياً من العمل الصحي اليوم.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير الطب، فهذه العملية بدأت بالفعل. السؤال الحقيقي هو: من سيقود هذا التغيير؟ هل سيكون الطبيب شريكاً واعياً يفهم الخوارزمية ويستخدمها لخدمة المريض؟ أم سيكون مستخدماً يكتفي بالاعتماد على نتائجها دون أن يدرك حدودها ومَواطن ضعفها؟

إن مستقبل الطب لن تصنعه الخوارزميات وحدها، بل الأطباء والممارسون الصحيون القادرون على توظيفها بحكمة ومسؤولية ورحمة.

في الماضي كان الطبيب يحمل السماعة الطبية، واليوم يحمل الحاسوب، أما في المستقبل فسيحمل فهماً عميقاً للخوارزميات أيضاً. والسؤال لم يعد: هل سيدخل الذكاء الاصطناعي إلى الطب؟ بل هل نحن مستعدون للطب الذي سيدخله الذكاء الاصطناعي؟

وربما كانت هذه هي الرسالة الأعمق التي أرادت الهيئة السعودية للتخصصات الصحية إيصالها عندما خصصت هذا العدد للذكاء الاصطناعي: أن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ من الآلة، بل من الإنسان القادر على استخدامها لصالح الإنسان.