اكتشاف جيني جديد قد يغيِّر فهمنا لصحة الأمعاء والسمنة والسكري

الجينات تلعب دوراً نشطاً في تشكيل البكتيريا النافعة في الجسم

اكتشاف جيني جديد قد يغيِّر فهمنا لصحة الأمعاء والسمنة والسكري
TT

اكتشاف جيني جديد قد يغيِّر فهمنا لصحة الأمعاء والسمنة والسكري

اكتشاف جيني جديد قد يغيِّر فهمنا لصحة الأمعاء والسمنة والسكري

في اكتشاف علمي مهم، أفاد باحثون من مركز «تشارلز بيركنز» في جامعة سيدني الأسترالية، بأن جيناتنا تلعب دوراً نشطاً في تشكيل البكتيريا النافعة في أمعائنا، ما قد يغيِّر الطريقة التي ننظر بها إلى أمراض مثل السمنة والسكري.

ولطالما اعتقد العلماء أن النظام الغذائي هو العامل الرئيسي المؤثر على صحة الأمعاء. ولكن هذه الدراسة الجديدة تبيِّن أن الجسم نفسه ينتج بروتينات طبيعية صغيرة تُسمَّى «ألفا ديفينسينات» تعمل مثل «البستاني» أو الحارس في الأمعاء، يحافظ على توازن الميكروبات النافعة في الأمعاء، ويُبعد الضارة منها، ما يفتح آفاقاً لعلاجات جديدة لمشكلات صحية مزمنة.الجينات «بستانيُّ» الميكروبات

> كيف تعمل الجينات كبستانيين للميكروبات؟ أوضح الدكتور ستيوارت ماسون بكلية العلوم الحياتية والبيئية في جامعة سيدني بأستراليا، والمؤلف الأول للدراسة المنشورة في مجلة «European Molecular Biology Organization EMBO» يوم 9 سبتمبر (أيلول) 2025، أن الباحثين اكتشفوا هذا الدور المدهش خلال دراستهم مقاومة الإنسولين لدى الفئران. فقد لاحظوا أن بعض الفئران لم تُظهر أي علامات على مقاومة الإنسولين (وهي حالة مرتبطة عادةً بالنظام الغذائي غير الصحي، وتُعدُّ مقدمة للإصابة بالسكري من النوع الثاني وأمراض القلب) رغم تناولها أطعمة غير صحية.

وعند التعمُّق في السبب، وجد الفريق أن هذه الفئران تمتلك جينات مسؤولة عن إنتاج «الألفا ديفينسينات» (alpha-defensins)؛ إذ تعمل هذه البروتينات مثل البستاني الذي يعتني بحديقة الأمعاء، فتسمح للبكتيريا النافعة بالازدهار، وتحدّ من تكاثر الميكروبات الضارة. وكانت النتيجة وجود ميكروبيوم أمعاء أكثر صحة، ومخاطر أقل للإصابة بمقاومة الإنسولين.

والأهم أن البشر أيضاً ينتجون هذه البروتينات، ما يعني أن النتائج قد تكون خطوة كبيرة لفهم صحة الإنسان ومكافحة الأمراض المزمنة.

وعلَّق البروفسور ديفيد جيمس من مركز «تشارلز بيركنز» بكلية الطب والصحة في جامعة سيدني بأستراليا على الأمر، قائلاً بأن حمضنا النووي لا يكتفي بأن يكون مجرَّد مخزن للمعلومات الوراثية؛ بل يشارك بنشاط في تشكيل ميكروبيوم الأمعاء الصحي. وإذا استطعنا الاستفادة من «الألفا ديفينسينات» يوماً ما، فقد نمتلك سلاحاً جديداً ضد السمنة والسكري، وحتى أمراض مزمنة أخرى.

> تجربة مختبرية تؤكد الفرضية:: ولاختبار الفرضية، قام العلماء بتصنيع «الألفا ديفينسينات» في المختبر، وأعطوها لفئران تفتقر إلى الجينات المسؤولة عنها. وكانت المفاجأة أن هذه الفئران أصبحت محمية من الآثار السلبية للنظام الغذائي غير الصحي، مثل الفئران التي تمتلك الجينات الطبيعية تماماً؛ إلا أن هناك تفصيلاً مهماً، هو أن بعض السلالات الجينية من الفئران لم تستجب إيجابياً؛ بل تدهورت حالتها. وهو ما يشير إلى أن العلاجات المستقبلية يجب أن تكون مخصّصة، وفقاً للتركيبة الجينية لكل شخص، فيما يُعرف بالطب الشخصي أو الطب الدقيق.

طب شخصي لمكافحة الأمراض المزمنةوأوضح الدكتور ماسون أن هذه النتائج تسلِّط الضوء على أهمية الطب الشخصي؛ حيث لا يمكننا اعتماد نهج واحد يناسب الجميع في العلاجات. ويجب أن نفهم كيف يتفاعل كل جسم وكل ميكروبيوم مع البروتينات أو الأدوية، قبل تعميم أي علاج. ويعمل الفريق البحثي الآن على دراسة البشر لقياس مستويات «الألفا ديفينسينات» في الأمعاء، وفهم علاقتها بصحة التمثيل الغذائي والأمراض المزمنة، مثل السكري والسمنة؛ بل وحتى السرطان.

> تحذير من التلاعب بالميكروبيوم: حذَّر البروفسور جيمس من محاولات التلاعب العشوائي بالميكروبيوم؛ سواء أكان عن طريق الحميات المبتكرة أو المكملات، قبل فهم دقيق لطبيعة تفاعله مع الجسم.

وأكد أن دراستهم توضح أن التلاعب بالميكروبيوم يمكن أن يكون مفيداً جداً؛ لكنه قد يكون ضاراً إذا لم يتم بناءً على أسس علمية وفهم دقيق لاختلافات الأفراد.

> آفاق مستقبلية: وإذا نجحت البحوث المستقبلية في تسخير هذه البروتينات، فقد نشهد تطوير مكملات أو أدوية جديدة تساعد في الوقاية من السمنة والسكري، وربما من أمراض أخرى مرتبطة بالميكروبيوم، مثل بعض الاضطرابات النفسية والمناعية. ولكن الباحثين يؤكدون أن الطريق ما زال طويلاً. فهناك حاجة لفهم كيف تعمل «الألفا ديفينسينات» في جسم الإنسان، وكيف يمكن توظيفها بأمان وفعالية، قبل الوصول إلى أي علاجات متاحة للجميع.

ويغيِّر هذا الاكتشاف نظرتنا لصحة الأمعاء بشكل جذري؛ إذ يبيِّن أن أجسامنا ليست مجرد ضحية للنظام الغذائي أو البكتيريا؛ بل إنها نفسها لاعب نشط في الحفاظ على توازن الميكروبيوم.


مقالات ذات صلة

ثورة التعليم الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

علوم الطبيب والخوارزمية: شراكة القرار الطبي

ثورة التعليم الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

لم يعد التعليم الطبي، في عام 2025، مساراً خطيّاً يبدأ في قاعات المحاضرات وينتهي عند سرير المريض، فما نشهده اليوم يتجاوز مجرد تحديث المناهج أو إدخال أدوات رقمية

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
علوم أدوات جينية متقدمة تكشف أسرار أمراض الدماغ التنكسية

أدوات جينية متقدمة تكشف أسرار أمراض الدماغ التنكسية

تُعدّ الأمراض التنكسية العصبية، مثل داء ألزهايمر، ومرض باركنسون، والتصلب الجانبي الضموري، من أخطر التحديات الصحية في عصرنا، مع تزايد أعداد المصابين،

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
تكنولوجيا شهد المعرض آلاف المنتجات الاستهلاكية توزعت في مختلف المعارض وقاعات الفنادق في لاس فيغاس بأكملها (أ.ب)

في معرض «المنتجات الاستهلاكية»… هل تجاوزت تقنيات الصحة مفهوماً أوسع للعافية؟

تبرز تقنيات الصحة بوصفها قطاعاً ناضجاً ينتقل من الأجهزة القابلة للارتداء إلى حلول وقائية منزلية شاملة، جامعة الذكاء الاصطناعي وسهولة الاستخدام لمراقبة العافية.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
صحتك جرثومة المعدة... ما الجديد في أساليب معالجتها؟

جرثومة المعدة... ما الجديد في أساليب معالجتها؟

أفادت دراسة تشيلية حديثة بأن التعامل العلاجي مع حالات جرثومة المعدة (بكتيريا الملوية البوابية) بهدف استئصالها، قد يتطلب اتباع الأطباء نهج بروتوكول «العلاج الربا

د. عبير مبارك (الرياض)
صحتك أطفال الريف يتمتعون بدفاعات مناعية أقوى لتجنّب الحساسية الغذائية

أطفال الريف يتمتعون بدفاعات مناعية أقوى لتجنّب الحساسية الغذائية

أظهرت دراسة حديثة، نُشرت في النصف الأول من شهر ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي في مجلة العلوم الطبية Science Translational Medicine،

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)

مطلوب: خبراء بشريون للمساعدة في تدريب الذكاء الاصطناعي

مطلوب: خبراء بشريون للمساعدة في تدريب الذكاء الاصطناعي
TT

مطلوب: خبراء بشريون للمساعدة في تدريب الذكاء الاصطناعي

مطلوب: خبراء بشريون للمساعدة في تدريب الذكاء الاصطناعي

قبل نحو عام، لفت إعلان انتباه آشلي روان، طالبة الدكتوراه في الفيزياء بجامعة كمبردج. كان الإعلان بسيطاً ولكنه غير مألوف: «علّم الذكاء الاصطناعي الفيزياء»، كما كتب بريت فارميلو *.

وبدافع الفضول، نقرت روان على الإعلان، وعلمت أن خبراء من مختلف المجالات - من الفيزياء والدراسات المالية... إلى الرعاية الصحية والقانون - يتقاضون الآن أجوراً للمساعدة في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على التفكير والاستدلال وحل المشكلات مثلما يفعل المتخصصون في مجالاتهم. ولذا؛ تقدمت بطلب، وقُبلت، وتعمل الآن نحو 50 ساعة أسبوعياً لتوفير البيانات لشركة «ميركور»، وهي منصة تربط مختبرات الذكاء الاصطناعي بخبراء في مجالاتهم.

مجموعة متنامية من المحترفين... لخدمة الذكاء الاصطناعي

تُعدّ روان جزءاً من مجموعة متنامية من المحترفين الذين يُسهِمون في تشكيل كيفية تعلم نماذج الذكاء الاصطناعي. ووفقاً لموقع «فريلانسر»، ظهرت آلاف الوظائف الجديدة في مجال تدريب بيانات الذكاء الاصطناعي وتصنيفها على منصته، وقد تحقق معظم هذا النمو خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية فقط. تتراوح هذه الأدوار بين مهام الخبراء التقنيين للغاية، مثل تقييم الاستدلالات المعقدة أو تشخيص أخطاء النماذج، وقرارات دقيقة لا تزال النماذج الكبيرة تواجه صعوبة في اتخاذها.

ويقول مات باري، الرئيس التنفيذي لشركة «فريلانسر»: «ندخل مرحلةً مثيرةً للاهتمام حقاً. تحتاج نماذج الذكاء الاصطناعي إلى المزيد والمزيد من البيانات. نشهد مشاركة متخصصين من جميع المجالات في جميع أنحاء العالم في أعمال تدريب الذكاء الاصطناعي على البيانات».

رغم قراءة الذكاء الاصطناعي الإنترنت بأكملها... لا يزال ناقصاً

يثير هذا التوجه تساؤلاتٍ أوسع: إذا كانت نماذج الذكاء الاصطناعي قد دُرِّبت بالفعل على الإنترنت المفتوح ومجموعات بيانات الشركات الضخمة، فلماذا لا تزال في حاجة إلى خبراء بشريين؟ ما الذي يفعله هؤلاء الخبراء تحديداً؟ وإلى متى سيستمر هذا النوع الجديد من العمل؟ لقد «قرأ الذكاء الاصطناعي الإنترنت بأكمله» - ولا يزال في حاجة إلى خبراء حقيقيين.

هناك افتراض شائع بأن أكبر نماذج الذكاء الاصطناعي اليوم تعرف كل ما تحتاج إلى معرفته. إذ إنها في النهاية، دُرِّبت على ملايين الكتب والمقالات والأبحاث والمنشورات. لكن رواد الصناعة يقولون إن خبراء المجال أصبحوا الآن أكثر أهمية من أي وقت مضى.

يوضح جويل هرون، كبير مسؤولي التكنولوجيا في «تومسون رويترز»: «يمكن للنماذج المدربة على الإنترنت بأكمله أن توفر إجابة بنسبة 80 في المائة، ولكن في المجالين القانوني والضريبي، لا تُعدّ هذه النسبة كافية. يطالب عملاؤنا بمستوى عالٍ من الدقة والثقة. ويضمن الاستعانة بالخبراء تحقيق أعلى مستوى ممكن من الدقة».

أهمية الخبراء في مجالات عالية التنظيم والخطورة

وتتفق آنا برايس، نائبة رئيس قسم التوريد في شركة «بروليفيك»، التي توفر بيانات بشرية لمختبرات الذكاء الاصطناعي، على أن أهمية الخبراء تزداد مع دخول نماذج الذكاء الاصطناعي إلى مجالات منظمة وعالية المخاطر.

وتقول برايس: «يتزايد الطلب على الخبرة البشرية والتغذية الراجعة المتخصصة من نماذج الذكاء الاصطناعي باستمرار. ومع ازدياد حجم هذه النماذج، بات من الصعب اكتشاف الأخطاء. فالخبرة الحقيقية ضرورية لتقييم جوهر ما تنتجه النماذج، وليس مجرد صحتها الظاهرية».

بعبارة أخرى، لا يُغني الإنترنت وحده عن المعرفة المهنية المنظمة. فكلما زاد اعتماد المؤسسات على الذكاء الاصطناعي في الأعمال الجادة وعالية المخاطر، ازدادت حاجتها إلى خبراء يُرشدون النماذج إلى طريقة تفكير المحترفين الحقيقيين.

مُحاورون آليون يُجرون مقابلات مع مُدرّبي الذكاء الاصطناعي

وتعتمد بعض المنصات على مُحاورين آليين لتقييم الخبرة الفعلية للمُدرّبين المُحتملين.

يقول أرشام غهراماني، مؤسس شركة «ريبون» Ribbon، التي تُقدّم مُحاورين آليين ولديها أكثر من 500 عميل، من بينهم مُزوّد ​​بيانات تدريب الذكاء الاصطناعي الذي يُجري مقابلات مع أكثر من 15000 خبير شهرياً: «يُجري الخبراء مُقابلة عبر الهاتف، ويُجرون مقابلة مع الذكاء الاصطناعي. من المُرجّح أن تُطرح عليك أفضل أسئلة مُقابلة طُرحت عليك على الإطلاق».

يُقيّم المُحاورون الآليون الخبراء بحثاً عن مؤشرات تُشير إلى وجود شكوك حول خبرتهم، مثل وتيرة الاستجابة غير المُنتظمة، وما إذا كانت استجاباتهم طبيعية، وبالطبع، ما إذا كانوا يمتلكون الخبرة المطلوبة في مجال مُحدّد.

ويقوم النظام بمسح السيرة الذاتية ويقترح أسئلةً بالغة الأهمية. بوعد كل إجابة، كان مُحاور الذكاء الاصطناعي يتصرف كشخص حقيقي، فيلخص ما قاله الخبير ويطرح سؤالاً امتداداً طبيعياً لموضوع الحديث. إن تقييم الذكاء الاصطناعي الآن للبشر الذين يُدرّبونه، يعكس مدى التطور الذي حققه البشر في قدرات النماذج.

«الميل الأخير من المعلومات» لا يزال حكراً على البشر

يأتي أحد أوضح التفسيرات لأهمية بيانات الخبراء من مارك كوين، المدير الأول لعمليات الذكاء الاصطناعي في شركة «بيرل» والرئيس السابق للعمليات الهندسية في «وايمو». يربط كوين بين تحديات الذكاء الاصطناعي الحالية والقيادة الذاتية.

يقول كوين: «في (وايمو)، عملنا على الوصول إلى الميل الأخير من التنقل الذاتي. والآن، نعمل على الوصول إلى الميل الأخير من المعلومات. على الرغم من تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي لسدّ هذا الميل الأخير من المعلومات، فإن الواقع يُشير إلى أن الناس قد يُفضلون التحقق البشري من صحة المعلومات».

ومع ازدياد ذكاء النماذج وتوسع نطاقها، لا يزال هناك عالمٌ مليء بالحالات الاستثنائية - مواقف تتطلب حُكماً سليماً، أو تفكيراً أخلاقياً، أو منطقاً خاصاً بالمجال يصعب استيعابه في مجموعات البيانات العامة.

يعتقد بعض الرواد أن المرحلة الأخيرة ستتقلص، لكنها لن تختفي تماماً.

يشير هرون من «تومسون رويترز» إلى أن «النماذج الأساسية لا تزال في حاجة إلى الكثير من التطوير لتصبح عميقة حقاً. ستساعد الأنظمة الخبيرة والمعرفة المتخصصة النماذج على الارتقاء إلى المستوى التالي».

ويضيف برايس من «بروليفيك»: «لم نكتشف سوى القليل مما يمكن أن يفعله الذكاء الاصطناعي. يُعدّ البشر عنصراً أساسياً في هذه المعادلة، لا سيما في المجالات المتخصصة».

بعبارة أخرى، لا يكمن المستقبل في استبدال الخبراء، بل في توسيع نطاق الخبرة الضرورية لتحسين نماذج الذكاء الاصطناعي وجعلها أكثر أماناً.

نوع جديد من العمل المعرفي

بالنسبة لروان، طالبة الدكتوراه في الفيزياء، أصبح العمل في مجال البيانات المتخصصة مصدر دخلٍ مهم. وقد قبلت أخيراً وظيفة بدوام كامل، لكنها أشارت إلى أن عملها الجديد سيقتصر على 38 ساعة أسبوعياً؛ ما يتيح لها الوقت لمواصلة المساهمة في مشاريع تدريب الذكاء الاصطناعي. وما تشهده بات شائعاً: محترفون ذوو خبرة يتعاملون مع تدريب الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً وظيفياً إضافياً، أو عملاً جانبياً مرناً، أو حتى وظيفة بدوام كامل.

يلعب هذا العمل دوراً محورياً متزايداً في كيفية عمل أنظمة الذكاء الاصطناعي. ومع ازدياد قدرات النماذج، تتجدد قيمة الخبرة العملية، لا تتضاءل.

ولا يقتصر دور الخبراء على استخدام الذكاء الاصطناعي فحسب، بل يُعلّمونه أيضاً كيفية التفكير والتصرف كخبير.

* مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»

حقائق

80 %

نسبة الإجابة الدقيقة للنماذج المدربة على الإنترنت بأكمله


هل توجد حياة بعد الموت… على المستوى الخلوي؟

شكل تصويري للخلايا البشرية الحية
شكل تصويري للخلايا البشرية الحية
TT

هل توجد حياة بعد الموت… على المستوى الخلوي؟

شكل تصويري للخلايا البشرية الحية
شكل تصويري للخلايا البشرية الحية

ارتبط مفهوم الحياة في أذهاننا ببداية واضحة ونهاية حاسمة: نولد ونعيش ثم نموت. غير أن الاكتشافات العلمية الحديثة بدأت تُحدث شرخاً في هذا التصور التقليدي، خصوصاً عندما ننتقل من مستوى الكائن الحي إلى مستوى الخلية.

«الحالة الثالثة»

وتشير دراسات متزايدة إلى أن بعض الخلايا لا تتوقف عن العمل فور موت الكائن الذي جاءت منه، بل قد تستمر في النشاط والتكيّف؛ ما يفتح الباب أمام مفهوم جديد يُعرف بـ«الحالة الثالثة» بين الحياة والموت.

يتكوّن جسم الإنسان من نحو 30 تريليون خلية تعمل بتناغم مذهل للحفاظ على الحياة. وكان الاعتقاد السائد أن هذه الخلايا تفقد وظيفتها سريعاً بعد الوفاة، إلا أن أبحاثاً حديثة أظهرت أن بعض الخلايا تمتلك قدرة لافتة على إعادة التنظيم والتكيّف خارج السياق البيولوجي المعتاد.

خلايا تعيد تعريف الحياة

* «خلايا حية اصطناعية». ومن أبرز الأمثلة على هذا السلوك ما يُعرف بـ الزينوبوتات Xenobots، وهي تراكيب مجهرية متعددة الخلايا جرى تصميمها بمساعدة تقنيات الذكاء الاصطناعي انطلاقاً من خلايا ضفادع. وقد استُمد اسمها من الضفدع ذي المخالب Xenopus laevis؛ إذ تُعد كائنات حية اصطناعية صُمِّمت حاسوبياً لأداء وظائف محددة، ويتم بناؤها عبر دمج أنسجة بيولوجية مختلفة. والمثير في هذه الكائنات أن خلاياها لا تؤدي وظائفها الأصلية، بل تعيد تنظيم نفسها لتتحرك أو تُصلح أضراراً أو تتفاعل مع بيئتها بطرق غير متوقعة.

وفي مقال نُشر في 12 سبتمبر (أيلول) 2024 على موقع The Conversation، وصف العالمان بيتر نوبل الباحث في المعلوماتية الحيوية بجامعة ألاباما وأليكس بوزهيتكوف من جامعة واشنطن هذا السلوك بأنه دليل على وجود حالة وسطى لا تكون فيها الخلايا حية بالمعنى التقليدي ولا ميتة بالكامل؛ ما يفتح تساؤلات علمية وفلسفية جديدة حول حدود الحياة ذاتها.

روبوتات من خلايا بشرية حية

* روبوتات من خلايا بشرية. ولم يقتصر هذا الاكتشاف على خلايا غير بشرية فحسب؛ إذ لوحظ سلوك مشابه في خلايا بشرية أُطلق عليها اسم الأنثروبوتات Anthrobots؛ ما عزّز الفكرة القائلة بأن الخلايا قد تمتلك قدرات كامنة لا تظهر إلا عند خروجها من بيئتها الطبيعية. ففي دراسة سابقة نُشرت في مجلة Advanced Science بتاريخ 3 ديسمبر (كانون الأول) 2023، تمكّن العلماء من تطوير روبوتات بشرية مجهرية انطلاقاً من خلايا رئة بشرية بالغة وجرى توصيف خصائصها الوظيفية. وأظهرت هذه الروبوتات قدرة على الحركة داخل أطباق زراعة الخلايا، إضافة إلى تحفيز عملية التئام الجروح في الخلايا العصبية البشرية المزروعة في خطوة تفتح آفاقاً جديدة لفهم سلوك الخلايا وإمكاناتها العلاجية المستقبلية.

هل الخلايا واعية؟

وأعادت هذه النتائج سؤالاً فلسفياً وعلمياً قديماً إلى الواجهة: هل تمتلك الخلايا شكلاً بدائياً من الوعي؟ يرى بعض العلماء أن السلوك الموجّه واتخاذ قرارات بسيطة يوحيان بدرجة من الإدراك الخلوي. في المقابل، يحذّر باحثون آخرون من المبالغة، مؤكدين أن هذه الظواهر يمكن تفسيرها بآليات كيميائية وفيزيائية معروفة دون الحاجة إلى افتراض الوعي.

ورغم الخلاف، يتفق الجميع على أن هذه الاكتشافات قد تُحدث ثورة في الطب التجديدي من خلال تطوير علاجات تعتمد على إعادة برمجة خلايا المريض نفسه.

خلايا ليست من جيناتنا

وبالتوازي مع هذه الأبحاث، تكشف دراستان حديثتان نُشرتا أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2025، الأولى في مجلة Popular Mechanics بتاريخ 17 ديسمبر والأخرى في مجلة Nature بتاريخ 31 ديسمبر، عن حقيقة علمية مدهشة، مفادها أن أجسامنا لا تتكوّن فقط من خلايانا الخاصة. إذ أظهرت الدراستان أن داخل كل إنسان توجد أعداد ضئيلة جداً من خلايا تعود لشخص آخر، غالباً الأم أو الطفل، وهي ظاهرة بيولوجية تُعرف باسم «التخليق الجزيئي» Microchimerism؛ ما يفتح آفاقاً جديدة لفهم الهوية الجسدية والعلاقة المعقّدة بين الأم والجنين.

ويُعدّ التخلق الجزئي الجنيني الأمومي الشكل الأكثر شيوعاً لهذا التبادل، ويحدث أثناء الحمل عندما تمر خلايا الجنين عبر المشيمة وتدخل مجرى دم الأم. ويبدأ هذا التبادل عادة بين الأسبوعين الرابع والسادس من الحمل، وقد تستمر بعض هذه الخلايا في جسم الأم لعقود بعد الولادة. بالمقابل، يمكن أيضاً أن تهاجر خلايا الأم إلى الجنين.

ولا يقتصر التخلق الجزئي على فترة الحمل فقط، بل يمكن أن يحدث أيضاً من مصادر أخرى، مثل عمليات زرع الأعضاء أو نقل الدم أو الولادات المتعددة، كما في حالة التوائم الذين يتشاركون الرحم. ففي هذه الحالات يمكن لخلايا أحد الأفراد أن تندمج وتستقر في أنسجة فرد آخر؛ ما يجعل أجسامنا تحتوي على خلايا أجنبية بصورة طبيعية أحياناً.

أدوار غير متوقعة

وتشير الأبحاث إلى أن هذه الخلايا «الضيفة» ليست خاملة، بل قد تسهِم في التئام الجروح أو دعم الجهاز المناعي. ففي الأطفال، يُعتقد أن خلايا الأم تساعد جهازهم المناعي على التعلّم المبكر وكأنها تنقل خبرة بيولوجية عبر الأجيال.

لكن هذه الظاهرة تطرح أيضاً أسئلة معقّدة حول أمراض المناعة الذاتية؛ إذ وُجدت أعداد أكبر من هذه الخلايا لدى بعض المرضى دون حسم ما إذا كانت سبباً أم نتيجة للمرض.

هوية أكثر تعقيداً

تتحدى هذه الاكتشافات الفكرة التقليدية عن الفرد المستقل بيولوجياً. فإذا كنا نحمل خلايا أشخاص آخرين طوال حياتنا، فهل نحن حقاً كيان واحد؟ وهل بقاء خلايانا في أجساد أحبائنا بعد موتنا يمثّل شكلاً من أشكال الاستمرار؟

رغم أن العلم ما زال في بداياته، فإن الرسالة باتت واضحة، هي أن الحياة ليست حالة ثنائية بسيطة بين الوجود والعدم والحدود بين الحياة والموت وبين «الذات» و«الآخر» أكثر مرونة وتعقيداً مما كنا نتصور. إذ إن أصغر وحدات الحياة قد تحمل مفاتيح فهم أعمق للصحة والهوية، وربما لمعنى الوجود ذاته.

حقائق

30

تريليون خلية تقريباً توجد في جسم الإنسان


مركز «هيكساجون»: حين تصبح الحوسبة الفائقة أساس الطب الذكي في السعودية

المستشفى الذكي عقل رقمي في قلب الرياض
المستشفى الذكي عقل رقمي في قلب الرياض
TT

مركز «هيكساجون»: حين تصبح الحوسبة الفائقة أساس الطب الذكي في السعودية

المستشفى الذكي عقل رقمي في قلب الرياض
المستشفى الذكي عقل رقمي في قلب الرياض

لم يعد الذكاء الاصطناعي الطبي في عالم اليوم يُقاس بعدد الخوارزميات، أو بريق التطبيقات وحدها، بل بقدرة الدول على بناء بنية تحتية حاسوبية صلبة تجعل هذا الذكاء ممكناً، وآمناً، ومستداماً على المدى الطويل. فالنماذج الذكية، مهما بلغت دقتها، تبقى مجرّد أفكار نظرية ما لم تستند إلى طاقة حوسبية كمبيوتريه قادرة على تشغيلها، وتغذيتها بالبيانات، وحمايتها ضمن أطر سيادية واضحة.

حين تلتقي الحوسبة الفائقة بالطب

الذكاء الاصطناعي يبدأ من البنية التحتية

في هذا السياق، يشكّل إطلاق مركز «هيكساجون» (HEXAGON) للحوسبة الفائقة، التابع للهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، وبقرار مباشر من مجلس الوزراء، لحظة مفصلية في مسار الذكاء الاصطناعي في المملكة. فالمسألة هنا لا تتعلّق بمشروع تقني جديد، بل بإعادة تعريف الأساس الذي سيُبنى عليه مستقبل الطب الرقمي، والبحث الطبي المتقدم في السعودية.

ويعني اسم «هيكساجون» الشكلَ السداسي، رمز الكفاءة، والتكامل في الطبيعة، في إشارة إلى بنية حاسوبية مترابطة صُمّمت لتحقيق أعلى أداء بأقصى قدر من الاستدامة.

هيكساجون: القلب الخفي للطب الذكي

«هيكساجون» لا يُختزل في كونه مركز بيانات ضخماً، أو إنجازاً هندسياً يُقاس بالمساحة، أو القدرة الكهربائية فحسب، بل يمثّل الطبقة غير المرئية التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي الطبي الحديث.

وداخل هذه البنية الحاسوبية، تُعالَج الصور الشعاعية عالية الدقة، وتُحلَّل البيانات الجينومية المعقّدة، وتُدرَّب نماذج التنبؤ المبكر بالأمراض، وتُدار صحة السكان على نطاق وطني شامل.

وبذلك تتحوّل البيانات الصحية من أرشيفٍ ساكن إلى منظومة ذكية فاعلة، تدعم القرار الطبي قبل وقوع المرض... لا بعده.

من البيانات الضخمة إلى المعرفة الطبية

وينتج الطب المعاصر كميات غير مسبوقة من البيانات، تمتد من التصوير الطبي عالي الدقة، إلى السجلات الصحية الرقمية، وصولاً إلى الخرائط الجينومية المعقّدة. وهذه الكثافة المعلوماتية لا يمكن معالجتها بكفاءة أو أمان عبر الحوسبة التقليدية، لا من حيث السرعة، ولا من حيث الدقة أو الاعتمادية. من هنا، تصبح الحوسبة الفائقة شرطاً علمياً أساسياً لقيام الطب الذكي، لا مجرد خيار تقني، وتغدو مراكز مثل «هيكساجون» العمود الفقري الذي يتيح تحويل البيانات الطبية الضخمة إلى معرفة قابلة للتطبيق السريري، وصناعة القرار الصحي.

الطبيب السعودي بحاجة إلى حوسبة فائقة

الذكاء الاصطناعي «السيادي»

يتمثّل التحوّل الجوهري الذي يقدّمه مركز «هيكساجون» في نقل المملكة من مرحلة استهلاك تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة امتلاك بنيته التحتية السيادية، فحين تُدار الحوسبة والبيانات داخل إطار وطني، تُصان خصوصية المعلومات الصحية، ويُحمى القرار الطبي من الارتهان الخارجي، وتُبنى نماذج الذكاء الاصطناعي وفق أولويات صحية محلية. وبهذا المعنى لا يرسّخ «هيكساجون» استقلالاً تقنياً فحسب، بل يؤسّس لسيادة صحية رقمية تجعل الذكاء الاصطناعي أداة في خدمة المريض، والمجتمع، لا مجرد تقنية مستوردة.

البيانات الصحية بين الحوكمة والأخلاقيات

حين تُدار البيانات الصحية داخل مراكز وطنية خاضعة لأطر حوكمة واضحة، ومعايير أخلاقية صارمة، يصبح بالإمكان تطوير نماذج ذكاء اصطناعي تحترم خصوصية الفرد، وتراعي الخصائص الثقافية والديموغرافية للمجتمع، بدل فرض نماذج عامة لا تعكس الواقع المحلي. وفي هذا الإطار تتحوّل البيانات من عبءٍ تنظيمي إلى أصلٍ استراتيجي يُسهم في توجيه السياسات الصحية الوطنية، ودعم الوقاية المبكرة، وتحقيق عدالة صحية قائمة على المعرفة لا على التقدير.

من طب علاجي إلى طب تنبئي وقائي

يُمكّن «هيكساجون» المنظومة الصحية من الانتقال من نموذجٍ تقليدي يركّز على علاج المرض بعد ظهوره، إلى نموذجٍ أكثر تقدماً يتنبأ بالمخاطر الصحية قبل وقوعها. فمن خلال تحليل البيانات السكانية، والسجلات الطبية، والمؤشرات الحيوية على نطاق واسع، تصبح التدخلات الوقائية أكثر دقة، وتوقيتاً، وأكثر كفاءة من حيث التكلفة، وأقرب إلى جوهر الطب الإنساني الذي يسعى لحماية الصحة قبل أن يُضطر إلى علاج فقدانها.

الذكاء الاصطناعي الطبي نظام وطني متكامل

لم يعد الطب الذكي الحديث مجموعة تطبيقات منفصلة، أو حلولاً تقنية متجزئة، بل منظومة وطنية متكاملة تبدأ من جمع البيانات وتنظيمها، وتمرّ بالحوسبة الفائقة ومعالجة الخوارزميات، لتصل في النهاية إلى دعم القرار الطبي والصحي. وفي هذا السياق يمثّل «هيكساجون» القلب النابض لهذه المنظومة، حيث تتكامل البنية التحتية مع الرؤية الاستراتيجية، ويتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة تقنية إلى ركيزة أساسية في بناء نظام صحي حديث، ومستدام.

السعودية ونموذج البناء قبل التطبيق

في عالمٍ يتسابق فيه كثيرون على تبنّي تطبيقات الذكاء الاصطناعي قبل استكمال مقوماته، يبرز النموذج السعودي بوصفه مقاربة مختلفة تقوم على بناء الأساس أولاً. فالاستثمار في البنية التحتية الحاسوبية، وتأسيس أطر الحوكمة، وتحديد المسؤوليات الأخلاقية والقانونية، كل ذلك يسبق تعميم الحلول التقنية على أرض الواقع. وبهذا النهج لا يُقدَّم الذكاء الاصطناعي على أنه قفزة متسرّعة، بل إنه مشروع وطني محسوب يوازن بين الطموح التقني وحماية الإنسان والنظام الصحي معاً.

أثر يتجاوز القطاع الصحي

لا يقتصر أثر «هيكساجون» على تحسين الممارسة الصحية فحسب، بل يمتد ليشمل منظومة أوسع تضم البحث العلمي، والتعليم الطبي، وصناعة الدواء، والأمن الحيوي، والاستعداد الوطني للأوبئة والطوارئ الصحية. فامتلاك قدرة حوسبية فائقة يتيح تسريع الاكتشافات البحثية، وتطوير مناهج تدريب طبي قائمة على المحاكاة والبيانات، ودعم سلاسل الابتكار الدوائي محلياً، إلى جانب تعزيز الجاهزية الاستباقية لمواجهة الأزمات الصحية قبل تحوّلها إلى تحديات وطنية كبرى.

وما يحدث في السعودية اليوم ليس سباقاً على أحدث تطبيق، بل إنه استثمار هادئ في الأساس الذي يجعل الذكاء الاصطناعي الطبي آمناً، وقابلاً للمساءلة، ومفيداً على المدى البعيد.

خلاصة: بنية لا يراها المريض... لكنها تحميه

قد لا يرى المريض مركز «هيكساجون»، ولن يلمس جدرانه أو أجهزته، لكنه سيشعر بأثره المباشر في تشخيص أدق، وعلاج أسرع، ووقاية أذكى، ونظام صحي أكثر عدالة وكفاءة. فالبنى التحتية الذكية لا تُقاس بمدى ظهورها للعيان، بل بقدرتها على حماية الإنسان في اللحظة التي يكون فيها أكثر حاجة للعلم، وأقل قدرة على الانتظار.