«نظارات الطبيب الذكية» تدمج الواقع المعزز بالذكاء الاصطناعي

منصة تفاعلية ترسم لوحة ديناميكية عن الحالات المرضية

نظارات "بي بي دكتور" الجديدة
نظارات "بي بي دكتور" الجديدة
TT

«نظارات الطبيب الذكية» تدمج الواقع المعزز بالذكاء الاصطناعي

نظارات "بي بي دكتور" الجديدة
نظارات "بي بي دكتور" الجديدة

في عالم تتسارع فيه نبضات الابتكار، كما لو كانت تضاهي نبضات قلب الإنسان، تتحرك التكنولوجيا بخطوات واثقة لتعيد رسم ملامح الممارسة الطبية.

نظارات تقنية مطورة للأطباء

وبين هذه القفزات النوعية، تتألق نظارات «بي بي دكتور» (BP Doctor)، وهي نظارات طبية لعرض البيانات الحيوية، وتبرز كأحد أكثر النماذج ثورية؛ إذ تمزج بين الذكاء الاصطناعي (AI) مع تقنيات الواقع المعزّز Augmented Reality (AR) لتمنح الطبيب نافذة جديدة على جسم المريض وبياناته الحيوية.

نظم الواقع المعزز تسهل العامل مع مختلف البيانات المتدفقة

منصة بمستشعرات وواجهة تفاعلية

لم تعد هذه النظارات مجرد أداة عرض للمعلومات، بل منصة متكاملة تجمع بين مستشعرات دقيقة، وتحليلات فورية، وواجهات تفاعلية، لتضع أمام عين الطبيب لوحة ديناميكية تُظهر المؤشرات الحيوية، وصور الأشعة ثلاثية الأبعاد، ونتائج الفحوصات المخبرية، في مشهد واحد متكامل.

بهذه الطريقة، يصبح التشخيص أسرع وأكثر دقة، بينما يقترب العلاج خطوة من مفهوم «الطب التنبُّئي» الذي يتوقع المشكلات قبل تفاقمها، ويقترح حلولاً ذكية في لحظات حاسمة.

الواقع المعزّز في خدمة عيون الأطباء

تُحوِّل تقنيات الواقع المعزّز في النظارات عملية التشخيص من تجربة تقليدية إلى لوحة تفاعلية مدهشة؛ فبدل أن يكتفي الطبيب بقراءة بيانات نصية أو أرقام متفرقة على العدسة، تعرض له النظارات مجسمات ورسوماً ثلاثية الأبعاد لأعضاء المريض ونتائج فحوصاته، تُدمج بسلاسة مع المشهد الحقيقي أمامه.

لأطباء القلب والأسنان والعيون

على سبيل المثال، يستطيع طبيب القلب أن يشاهد نموذجاً نابضاً لقلب المريض، مع مؤشرات دقيقة توضّح مسار تدفق الدم ونقاط الخلل المحتملة، بينما يمكن لطبيب الأسنان استعراض صورة بانورامية للفك والأسنان، مع تمييز المناطق المصابة أو المعالَجة سابقاً، وكل ذلك دون أن يحوّل نظره عن المريض.

أما أطباء العيون والأعصاب، فيمكنهم تتبع صور الشبكية أو الدماغ طبقة بطبقة، ليحلّلوا المشكلات بدقة فائقة أثناء الفحص السريري نفسه.

هذا الدمج بين الرؤية الواقعية والتحليل الرقمي اللحظي يتيح للأطباء مستوى غير مسبوق من الفهم، ويمنح المريض إحساساً بالأمان والثقة؛ إذ يرى طبيبه يعمل بعينين مدعومتين بتقنية تكشف ما وراء السطح وتوجّه القرارات الطبية في اللحظة ذاتها.

من المؤشرات الحيوية إلى القرارات الذكية

تحتضن نظارات الواقع المُعزَّز الطبية باقة متقدمة من المستشعرات الدقيقة القادرة على قياس ضغط الدم، ونسبة الأكسجين في الدم، ومعدل ضربات القلب، إضافة إلى مؤشرات حيوية أخرى ترتبط بوظائف التنفس والدورة الدموية.

وبفضل تكامل هذه البيانات مع خوارزميات الذكاء الاصطناعي، تتحول الأرقام الخام فوراً إلى رسوم بيانية ديناميكية، وتنبيهات فورية، واقتراحات علاجية تظهر أمام عين الطبيب ضمن طبقة شفافة تندمج مع المشهد الواقعي.

لا يحتاج الطبيب سوى إلى إيماءة بسيطة أو أمر صوتي ليبدّل زاوية العرض، أو يراجع تطور حالة المريض عبر مقارنة الفحوصات الحالية بسجلّاته السابقة، أو حتى ليتواصل مع زميل مختص في مكان آخر. في لحظات، يمكن للطرفين مشاهدة البيانات نفسها في الوقت الفعلي عبر تقنيات الواقع المعزّز، ما يجعل القرار الطبي أكثر سرعة ودقة، ويحوّل النظارات من مجرد أداة عرض إلى شريك فعّال في صناعة القرارات السريرية.

من العيادة إلى الميدان

لا تقتصر إمكانات نظارات واقع مُعزَّز طبية على العيادات المجهزة بأحدث الأجهزة، بل تمتد إلى الميدان حيث الحاجة إلى القرارات السريعة والدقة العالية. ففي عيادات الأسنان، يمكن للطبيب استعراض صور الأشعة أو المسح ثلاثي الأبعاد لفك المريض مباشرة على عدسة النظارة، ليتتبع التشققات الدقيقة، أو يحدد مواقع التسوس، أو يقيم كسور العظم في عرض تفاعلي ثلاثي الأبعاد، دون أن يصرف انتباهه عن المريض.

أما في ساحات الإسعاف الميداني، فتتحول النظارات إلى غرفة طوارئ متنقلة؛ إذ تتيح للمسعف رؤية بيانات المصاب الحيوية، وخريطة لجسمه مع تحديد أماكن الإصابات، بينما يتلقى في اللحظة نفسها تعليمات من النظام الذكي أو من طبيب مختص في المستشفى عبر اتصال مباشر. هذا التكامل بين التحليل الفوري والتواصل عن بُعد يرفع من فرص إنقاذ الأرواح، ويمنح فرق الطوارئ قدرة غير مسبوقة على التعامل مع الحالات الحرجة في بيئات معقدة أو بعيدة عن مراكز الرعاية المتقدمة.

العالم العربي... منصة للريادة

مع ما تشهده المنطقة العربية من خطط للتحول الرقمي واستراتيجيات وطنية للابتكار في الصحة، تبدو تقنيات مثل نظارات «BP Doctor»، وكأنها صُممت لتزدهر في هذا الفضاء الواسع. وفي مراكز الأبحاث والجامعات الطبية من الخليج إلى المغرب، يمكن لهذه النظارات أن تصبح امتداداً طبيعياً لأدوات الطبيب، تماماً كما كانت السماعة الطبية رمزاً للمهنة في القرن الماضي.

فلسفة جديدة للرعاية

ليست «BP Doctor» مجرد أداة تقنية متطورة، بل انعكاس لفلسفة حديثة ترى أن الغاية من التكنولوجيا في الطب هي تقريب الطبيب من المريض لا إبعاده عنه؛ فهي تمنح الطبيب فرصة للتركيز على المريض، بدلاً من الانشغال بالشاشات التقليدية أو الغوص بين الملفات والأوراق. ومع توظيف تقنيات الواقع المعزّز، يمكن للطبيب أن يتفاعل مع بيانات المريض الحيوية، وصور الأشعة، وخطط العلاج، بينما يظل محافظاً على التواصل البصري والإنساني مع مَن أمامه.

إن هذه الفلسفة تعيد تعريف دور الطبيب في عصر الذكاء الاصطناعي؛ فبدل أن تصبح التقنية حاجزاً بارداً يفصل المريض عن مقدم الرعاية، تتحول إلى جسر يربط بين المعرفة العلمية الدقيقية وفهم احتياجات الإنسان العاطفية. وهكذا تصبح «BP Doctor» أداة لتمكين الطبيب من تقديم علاج أكثر دقة، وفي الوقت ذاته تجربة أكثر دفئاً واحتراماً لكرامة المريض، لتؤكد أن الطب، مهما بلغت تقنياته، يظل مهنة إنسانية في جوهرها.

مستقبل يدمج الطب والابتكار

مع استمرار التقدم التقني، يُتوقّع أن تتطوّر نظارات «BP Doctor» إلى منصات أكثر ذكاءً وعمقاً، قادرة على قراءة تعابير وجه المريض بدقة، وتحليل نبرة صوته لاكتشاف بوادر التعب أو الألم أو حتى بعض الاضطرابات النفسية في مراحلها الأولى. هذا البعد الإنساني، حين يندمج مع التحليل الرقمي الفوري، يمنح الطبيب قدرة على فهم حالة المريض بصورة شمولية تتجاوز الأرقام والفحوصات التقليدية.

كما يمكن للنظارات، بفضل تقنيات التصوير الطبي المتقدمة، أن تعرض مجسّمات تفاعلية للأعضاء الداخلية استناداً إلى صور الأشعة أو الموجات فوق الصوتية، ما يسهّل التخطيط للعمليات الجراحية المعقدة.

حين يصبح البصر نافذة إلى المستقبل

في نهاية المطاف، تبدو هذه النظارات أكثر من مجرد جهاز يرتديه الطبيب. إنها انعكاس لمرحلة جديدة من تطور الطب؛ حيث تتقاطع الرحمة الإنسانية مع قوة الخوارزميات ودهاء تقنيات الواقع المعزّز. إنها أداة تفتح للطبيب باباً لرؤية ما كان خفياً، وللمريض نافذة على رعاية أكثر دقة ودفئاً.

يبقى السؤال الفلسفي معلّقاً: هل يمكن أن تصبح هذه الأدوات امتداداً لعيون الطبيب ووجدانه معاً، أم أن علينا الحذر من أن تحجب التقنية عنا البساطة الأصيلة للقاء الإنساني؟

ربما يكمن الجواب في قدرتنا على الموازنة بين المعرفة والرحمة؛ فإذا أُحسن استخدام هذه الابتكارات، فستظل عين الطبيب الذكية شاهداً على أن العلم، مهما بلغ، لا يكتمل إلا حين يخدم الإنسان ويحفظ كرامته.


مقالات ذات صلة

كيف يمكن أن يؤثر الذكاء الاصطناعي على البطالة والتوظيف في 2026؟

تكنولوجيا يرى البعض أن الذكاء الاصطناعي يهدد ملايين الوظائف التقليدية (رويترز)

كيف يمكن أن يؤثر الذكاء الاصطناعي على البطالة والتوظيف في 2026؟

مع التسارع غير المسبوق في تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، تتزايد التساؤلات حول تأثير هذه الثورة التكنولوجية على سوق العمل العالمي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص خبراء: سيادة الذكاء الاصطناعي باتت محوراً استراتيجياً يُعاد عبرها تعريفه بوصفه بنية تحتية وطنية وصناعية لا أدوات تقنية منفصلة (شاترستوك)

خاص من التجارب إلى المصانع... كيف يتحول الذكاء الاصطناعي بنيةً تحتية وطنية؟

ينتقل الذكاء الاصطناعي في الخليج من مرحلة التجارب إلى أنظمة تشغيلية سيادية، تُبنى بوصفها بنيةً تحتية صناعية وطنية قادرة على التوسع والحوكمة وتحقيق قيمة اقتصادية

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا «ليغو» تسوِّق منهجاً لتعليم الأطفال الذكاء الاصطناعي بأنفسهم

«ليغو» تسوِّق منهجاً لتعليم الأطفال الذكاء الاصطناعي بأنفسهم

تهدف إلى نقل الصغار من المراحل الأولى لفهمه إلى مرحلة التجربة العملية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا باتت منصة «غوغل» للذكاء الاصطناعي «جيميناي» Gemini AI تضم 650 مليون مستخدم شهرياً (رويترز)

«غوغل» و«أبل» تبرمان صفقة ذكاء اصطناعي لنماذج جيميناي

أعلنت شركة «ألفابت» أنها أبرمت ​صفقة مدتها عدة سنوات مع شركة «أبل» تقضي باعتماد الجيل التالي من هواتف آيفون على ‌نماذج جيميناي التابعة ‌لـ«غوغل».

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا)
تكنولوجيا شهد المعرض آلاف المنتجات الاستهلاكية توزعت في مختلف المعارض وقاعات الفنادق في لاس فيغاس بأكملها (أ.ب)

في معرض «المنتجات الاستهلاكية»… هل تجاوزت تقنيات الصحة مفهوماً أوسع للعافية؟

تبرز تقنيات الصحة بوصفها قطاعاً ناضجاً ينتقل من الأجهزة القابلة للارتداء إلى حلول وقائية منزلية شاملة، جامعة الذكاء الاصطناعي وسهولة الاستخدام لمراقبة العافية.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

لم يعد السؤال في الطب الحديث: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض، بل أصبح السؤال الأعمق والأخطر: هل يمكنه توقّع مسار المرض قبل أن يُظهر الجسد أولى علامات التمرّد، ففي الطب ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، بل في ضيق الزمن.

إشارات الأمراض المتسللة داخل الجسد

إن كثيراً من الأمراض لا تبدأ صاخبة، بل تتسلّل همساً داخل الجسد، وتترك إشارات دقيقة لا يلتقطها الفحص التقليدي، ولا ينتبه إليها الطبيب إلا حين تتحوّل إلى أعراض واضحة، وأحياناً متأخرة. وهنا تحديداً، لا يَعِد الذكاء الاصطناعي بإجابات أسرع فحسب، بل برؤية مختلفة: أن يقرأ الإشارات الصامتة قبل أن تتحوّل إلى شكوى، وأن يفهم المرض كمسارٍ زمني لا كلحظة تشخيص، وكأن الطب ينتقل من التقاط «صورة» للجسد إلى قراءة «قصته». وهذا التحوّل لا يمثّل مجرد تطوّر تقني، بل يمثل تغييراً في فلسفة الطب نفسها: من علاج ما حدث إلى محاولة فهم ما هو في طريقه إلى الحدوث.

الانتقال من «لقطة» الحالة إلى «قصة» المرض

على مدى السنوات الماضية، عمل الذكاء الاصطناعي في الطب بوصفه أداة مساعدة فورية؛ يحلّل صورة أشعة، ويقرأ نتيجة تحليل مِخبري، أو يقترح تشخيصاً في لحظة زمنية محددة. وكان أداؤه، في جوهره، أشبه بالتقاط «صورة ثابتة» للحالة الصحية، ثم التوقّف عندها. غير أنّ الطب، بطبيعته، لا يعيش في الصور، بل في الزمن. اليوم، تتقدّم نماذج ذكاء اصطناعي جديدة لا تنظر إلى المرض على أنه حدث معزول، بل كسردٍ زمني متصل، نماذج لا تكتفي بسؤال: ما الذي يعانيه المريض الآن، بل تحاول الإجابة عن أسئلة أعمق وأكثر جرأة: كيف بدأت القصة الصحية، وكيف تطوّرت خطوةً خطوة، وإلى أي اتجاه يسير هذا المسار إن تُرك دون تدخّل، وماذا يتغيّر في المستقبل لو اتُّخذ قرار علاجي مختلف اليوم. وبهذا التحوّل، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد «عدسة تشخيص» تلتقط اللحظة، بل يتحوّل إلى نظام توقّع وتخطيط يحاكي الجسد عبر الزمن، ويختبر الاحتمالات قبل أن يختبرها المريض في واقعه.

حين تُساند الخوارزميات القرار الطبي

محاكاة المستقبل الصحي... السيناريوهات الافتراضية

تعتمد هذه النماذج الذكية على قراءة سلاسل زمنية طويلة من بيانات المريض، تشمل صوراً طبية متعاقبة، ونتائج مخبرية عبر الزمن، وسِجلات الأدوية، واستجابات العلاج، وفترات التحسّن والتدهور. ومن خلال هذا التراكم، لا يكتفي النموذج بالتحليل، بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد، كما لو كان نظاماً حياً يتعلّم من تاريخه. وبهذا التمثيل، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة تطوّرات مستقبلية محتملة، لا على توقّع مسار واحد فقط، بل على استكشاف عدة مسارات متوازية.

وهنا تبرز إحدى أقوى قدرات هذه النماذج: القدرة على طرح أسئلة «ماذا لو؟»، قبل أن يطرحها المرض على جسد المريض؛ ماذا لو بدأ التدخّل العلاجي قبل ظهور الأعراض السريرية، وماذا لو اختير دواء أقل شدّة لكن في توقيت أدق، وماذا لو تأخّر القرار العلاجي أسبوعين فقط.

وما كان يعتمد سابقاً على الخبرة السريرية والحدس الطبي يمكن، اليوم، محاكاته رقمياً، اعتماداً على أنماط مستخلَصة من ملايين الحالات البشرية، ليقدّم للطبيب خريطة احتمالات بدل إجابة واحدة جامدة، ويعيد القرار الطبي إلى موقعه الطبيعي: قرار إنساني... مدعوم برؤية زمنية أوسع.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صحتك من نومك

في مطلع عام 2026، ظهر مثال لافت يوضّح كيف يمكن لبيانات تبدو «غير طبية» في ظاهرها أن تتحوّل إلى نافذة مبكرة على المرض. ففي يناير (كانون الثاني) الحالي، أعلن فريق بحثي من معهد ستانفورد للطب «Stanford Medicine»، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم «SleepFM»، بقيادة الدكتور إيمانويل مينيو، وبمشاركة الأستاذ جيمس زو. ونُشرت نتائج هذا العمل في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، مطلع العام نفسه.

وتكمن الفكرة، على بساطتها، في تحليل بيانات ليلة نوم واحدة فقط، مثل أنماط التنفّس، ونبض القلب، وإشارات الدماغ، وحركة الجسد، لا لفهم جودة النوم فحسب، بل للتنبؤ بمخاطر صحية مستقبلية قد تمتد لسنوات. ووفق ما أظهرته الدراسة، استطاع النموذج توقّع مخاطر أكثر من 130 حالة صحية مختلفة؛ من بينها أمراض القلب والكلى وبعض الاضطرابات العصبية، بدقة تفوقت على نماذج تقليدية تعتمد على فحوصات طبية متفرقة أو بيانات لحظية.

هنا يتغيّر معنى النوم نفسه، فلم يعد مجرد «استراحة للجسد»، بل تحوّل إلى لغة بيولوجية صامتة، لغة يقرأها الذكاء الاصطناعي بدقة؛ لأن كثيراً من الأمراض لا تبدأ بالألم، بل بتغيّرات فيسيولوجية دقيقة تسبق إحساس المريض بمرضه بوقتٍ طويل.

أين تتألّق هذه النماذج؟

تتجلّى القيمة الحقيقية للنماذج الزمنية للذكاء الاصطناعي في مواجهة الأمراض التي لا تُعلن عن نفسها مبكراً، بل تتقدّم ببطءٍ وصمت، وتراهن على عامل واحد: الزمن.

- السرطان إذ قد يحدّد توقيت التدخّل الفرق بين فرصة النجاة وتراجعها.

- أمراض القلب التي تتقدّم في الخفاء، قبل أن تظهر على هيئة نوبة مفاجئة.

- السكري حيث لا يكون الخطر في لحظة واحدة، بل في تراكم أضرار صغيرة على مدى سنوات.

- الأمراض العصبية التدريجية حيث لا يصبح المرض وحده التحدّي، بل يصبح الزمن نفسه العدوّ الأول.

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نعرف أين يقف المريض اليوم. فالطب الحديث يحتاج إلى أدوات قادرة على رؤية المسار كاملاً: من أين بدأ الخلل، وكيف يتقدّم، وأين يمكن إيقافه، قبل أن يفرض نفسه أمراً واقعاً.

عودة إلى جذور الطب... مع قوة البيانات

المفارقة أن هذا التقدم التقني لا يبتعد بالطب عن جوهره، بل يعيده، بطريقة غير مباشرة، إلى أصوله الفلسفية الأولى. ففي الطب الكلاسيكي، لم يكن المرض حدثاً طارئاً يظهر فجأة، بل هو مسار متصل، ولم يكن العلاج وصفة ثابتة، بل هو قرار حيّ يتغيّر مع تغيّر حال المريض وزمنه.

والذكاء الاصطناعي، في صورته الناضجة، لا يناقض هذا الفهم الإنساني، بل يعيد ترجمته إلى لغة البيانات والمحاكاة الدقيقة؛ فهو لا يكتفي بالتقاط «لقطة» للجسد في لحظة واحدة، بل يسعى إلى فهم «قصة الجسد» عبر الزمن، ويضع أمام الطبيب سيناريوهات مختلفة بشأن كيف يمكن أن تتغيّر النهاية... قبل أن تُكتب. وبهذا المعنى، لا يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، بل يعيد إليه ما سلبه ضغط الزمن: الرؤية الأوسع، والمسافة التأملية، وحرية القرار.

التحدّي الفلسفي والأخلاقي: من يقرّر؟

مع هذا التطوّر المتسارع، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على توقّع المسار الصحي قبل أن يتكشّف، فأين يبقى موقع حرية القرار الإنساني. يحذّر الباحثون بوضوحٍ من الانزلاق إلى وهم الحتمية الرقمية، فهذه النماذج، مهما بلغت دقّتها، يجب ألا تعمل منفردة. التنبؤ ليس قدراً محتوماً، والبيانات، مهما اتّسعت، لا تستطيع اختزال تعقيد الإنسان في معادلة، فالقرار الطبي الحقيقي لا يُبنى على الأرقام وحدها، بل يتشكّل عند تقاطع العلم مع السياق النفسي والاجتماعي والإنساني للمريض، حيث تلعب القيم والظروف والاختيارات الشخصية دوراً لا يمكن تفويضه لخوارزمية. وبهذا المعنى، يظل الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم، يساعد الطبيب على توسيع أفق القرار، لكنه لا يملك، وينبغي ألا يُمنح، حق الاختيار.

خاتمة: بوصلة أم قائد بلا ضمير؟

نقف، اليوم، أمام لحظة فاصلة في تاريخ الطب، فإمّا أن يصبح الذكاء الاصطناعي بوصلة تنير الطريق أمام الطبيب، تساعده على رؤية الصورة الكاملة قبل فوات الأوان، وإمّا في حال غياب الوعي والإشراف، أن يتحوّل إلى قائد بلا ضمير يختزل الإنسان في أرقام. فالطب، في جوهره، ليس مجرد البحث عن الإجابة الصحيحة، بل اتخاذ القرار الحكيم في اللحظة المناسبة. وحين تُستخدم هذه التقنيات بمسؤولية، قد تصبح أعظم أداة أعادت للطبيب ما كاد يفقده تحت ضغط السرعة والبيانات: القدرة على استشراف المستقبل الصحي قبل أن يتحوّل إلى ماضٍ لا يمكن تغييره.


رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
TT

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد فحص الباحثون صور الرنين المغناطيسي لـ26 رائد فضاء قبل وبعد رحلتهم الفضائية.

ووجدت الدراسة أن الدماغ يتحرك «إلى الأعلى والخلف داخل الجمجمة» بعد رحلة الفضاء، مع تسجيل أكبر قدر من هذا التحرك في المناطق الحسية والحركية.

وأفادت الدراسة بوجود «تشوهات معقدة وغير متساوية في شكل بعض مناطق الدماغ، تختلف بين الأجزاء العلوية والسفلية».

وقارن الباحثون أيضاً النتائج بصور الرنين المغناطيسي لـ24 مشاركاً مدنياً على الأرض، خضعوا لتجربة تحاكي انعدام الجاذبية عبر الاستلقاء لفترات طويلة مع إمالة الرأس إلى الأسفل.

ووجد العلماء تغيرات مماثلة في شكل وموضع أدمغة المشاركين المدنيين، لكن التغيرات كانت أكثر وضوحاً لدى رواد الفضاء، خاصة لدى من قضوا فترات أطول في الفضاء.

وأكد فريق الدراسة أن «آثار تشوهات الدماغ المرتبطة برحلات الفضاء على الصحة والأداء البشري تتطلب مزيداً من البحث لتمهيد الطريق لاستكشاف الفضاء بشكل أكثر أماناً»، مضيفاً أنه «على الرغم من أن معظم تشوهات الدماغ تعافت خلال ستة أشهر بعد الرحلة، لكن بعضها استمر».

وصرحت راشيل سيدلر، الأستاذة في قسم علم وظائف الأعضاء التطبيقي وعلم الحركة بجامعة فلوريدا والمشاركة في إعداد الدراسة: «نحن بحاجة إلى فهم هذه التغيرات وآثارها للحفاظ على سلامة رواد الفضاء وصحتهم وضمان طول أعمارهم».

وفي حديثها عن تأثير مدة الإقامة في الفضاء على الدماغ، قالت سيدلر: «أظهر الأشخاص الذين قضوا عاماً كاملاً في الفضاء أكبر قدر من التغيرات. مع ذلك، لوحظت بعض التغيرات لدى الأشخاص الذين قضوا أسبوعين فقط».

وسبق أن ذكرت دراسة أجريت عام 2023 أن الرحلات الفضائية التي تستمر 6 أشهر أو أكثر تؤثر سلباً على أدمغة رواد الفضاء، مشيرة إلى أن أفراد الطاقم قد يحتاجون إلى الانتظار لمدة 3 سنوات على الأقل قبل العودة إلى الفضاء مرة أخرى.

وكشفت الدراسة التي قامت بمسح أدمغة 30 رائد فضاء عن أن بطينات المخ، أو التجاويف داخل الدماغ المليئة بالسائل النخاعي، توسعت بشكل كبير داخل أدمغة رواد الفضاء الذين ذهبوا إلى محطة الفضاء الدولية في مهمات استمرت 6 أشهر على الأقل.


كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟
TT

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

في سعينا لتحديد شخصية المصاب بالاعتلال النفسي أو «السايكوباث» (Psychopath)، يمكننا ملاحظة بعض السلوكيات مبكراً، غالباً خلال الدقائق الأولى من اللقاء، كما كتب جيف هادن(*).

ميول متميزة

ووفقاً لما يطرحه العلم، فإن هؤلاء الأشخاص يميلون إلى إظهار ميول معينة تُميزهم عن غيرهم. ومع أن تشخيص الاعتلال النفسي بشكل قاطع يتطلب تقييماً دقيقاً، فإن هناك عدة علامات قد تُشير إلى أن شخصاً ما قد يكون مريضاً نفسياً، بناءً على أنماط سلوكية.

1. الهوس بالمتعة والمال والسلطة: تُشير الأبحاث إلى أن المختلين عقلياً أكثر ميلاً للحديث عن موضوعات تتعلق بالطعام والجنس والمال، وهي موضوعات تركز على المتعة الجسدية أو الثروة المادية. وهم غالباً ما يتجنبون النقاشات حول الأسرة أو الدين أو القضايا الروحانية، أي تلك المجالات التي ينخرط في الحديث عنها عادةً الأشخاص المتعاطفون. إذا كان شخص ما مهووساً بشكل مفرط بهذه الموضوعات، فقد يكون ذلك مؤشراً تحذيرياً.

النرجسية وغياب التعاطف

2. النرجسية المفرطة: غالباً ما يُظهر المختلون عقلياً شعوراً مبالغاً فيه بقيمتهم الذاتية، فقد يتباهون بأهدافهم الطموحة، لكنهم يعجزون عن تقديم خطط عملية لتحقيقها. وفي حين يركز الأشخاص الناجحون على العمليات الرئيسية للوصول إلى أهدافهم، يميل المرضى النفسيون في المقابل إلى التصرف كأنهم قد حققوا أهدافهم بالفعل، دون أدنى اعتبار للجهد المطلوب لبلوغها.

3. غياب التعاطف غير اللفظي: يُظهر التعاطف عادةً من خلال الإشارات غير اللفظية، مثل تقليد تعبيرات وجه الآخرين أو إيماءاتهم. إلا أن المرضى النفسيين يعجزون عن ذلك. على سبيل المثال، قد لا يُقلدون ابتسامتك عندما تكون سعيداً، أو لا يتجهمون عندما تروي قصة حزينة.

الركض وراء المكافآت

4. التركيز المفرط على المكافأة: يميل دماغ الشخص المريض نفسياً إلى السعي وراء المكافآت بأي ثمن تقريباً، إذ ترتفع لديه استجابة الدوبامين عند المكافآت، ما يدفعه إلى تحقيق أهدافه دون التفكير ملياً في العواقب. وفي حين يسعى الجميع إلى المكافآت، غالباً ما يتجاهل المرضى النفسيون المخاطر والأخطار المصاحبة لسعيهم وراءها. وقد يطغى هوسهم بالمكافأة على إحساسهم بالمسؤولية الأخلاقية، ما يجعلهم متهورين في تصرفاتهم.

5. الازدهار في ظل قيادة سيئة: غالباً ما يزدهر المرضى النفسيون في بيئات سامة وعالية التوتر، كما ويزدهرون تحت قيادة رؤساء صعاب المراس، ومتغطرسين، وذوي مطالب كثيرة، أو يفتقرون إلى النزاهة.

ويتميز المرضى النفسيون بهدوئهم، وشجاعتهم، وقدرتهم على التعامل مع هذه البيئات دون حصول اضطراب عاطفي، مثل الذي يصيب الآخرين. غالباً ما تدفعهم هذه القدرة إلى الأمام في حياتهم المهنية، إذ يبقون بمنأى عن التحديات التي تثبط عزيمة معظم الموظفين.

التعامل بوعي

إذا وجدت نفسك تعمل مع شخص يُشتبه في كونه مختلاً عقلياً فمن المهم التعامل مع الموقف بوعي، إذ يُجيد المرضى النفسيون التلاعب؛ لذا من الضروري التركيز على الأفعال لا الأقوال. ابحث عن سُبل لخلق مواقف مُربحة للطرفين، إذ غالباً ما يكون هؤلاء المرضى أكثر استعداداً للتعاون إذا رأوا مكاسب شخصية.

وبفهم هذه المؤشرات المبكرة والحفاظ على الذكاء العاطفي، يُمكنك التعامل مع المرضى النفسيين بفاعلية أكبر.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».