الذكاء الاصطناعي سيتحول إلى «مجتمع من العباقرة داخل مركز بيانات»

مخططات طموحة لبناء نظم مطوّرة

الذكاء الاصطناعي سيتحول إلى «مجتمع من العباقرة داخل مركز بيانات»
TT

الذكاء الاصطناعي سيتحول إلى «مجتمع من العباقرة داخل مركز بيانات»

الذكاء الاصطناعي سيتحول إلى «مجتمع من العباقرة داخل مركز بيانات»

لم يُبدِ سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، أي تردد إزاء كشف مدى استعداد شركته للإنفاق في خضم مساعيها لبناء الذكاء الاصطناعي.

وقال ألتمان حديثاً: «يجب أن تتوقعوا أن تنفق (أوبن إيه آي) تريليونات الدولارات على أعمال مثل بناء مراكز البيانات في المستقبل القريب»، في إشارة إلى المرافق الحوسبية الضخمة، التي تشغّل تقنيات الذكاء الاصطناعي لدى الشركة.

فما هذا الشيء والعمل على وجه التحديد؟ هل أن الشركات بصدد بناء نظام ذكاء اصطناعي ذكي مثل البشر؟ أم «آلة أقرب إلى قدرات الآلهة» قد تغيّر العالم إن لم تُدمّر البشرية أولاً؟

"تشات جي بي تي"

هل تعمل على نسخ محسَّنة من البرامج التي كانت تبيعها لعقود؟ هل يجري إنفاق كل هذه الأموال على خطة جريئة لإنشاء أصدقاء وهميين على الإنترنت وإعلانات أكثر فاعلية؟ أم أنها فقط تخشى أن يفوتها ما يفعله الآخرون؟

رؤى بين الخيال والحقيقة

إليك نظرة على الرؤى المختلفة، التي تتنوع بين ما يمكن تحقيقه والخيالية، ولماذا يسعون خلفها:

* الوعد - محرك بحث أفضل: تشبه روبوتات الدردشة محركات البحث إلى حد كبير، إلا أنها تولد إجابات بلغة إنجليزية واضحة، بدلاً من إيراد قائمة روابط زرقاء.

ويمكن أن يكون هذا أسلوباً أسرع وأسهل وأكثر بديهية للإجابة عن الأسئلة، رغم أن روبوتات الدردشة كثيراً ما تخطئ أو حتى تفبرك المعلومات.

- لماذا يطورونه؟ يُعد محرك بحث «غوغل» العمل الأكثر ربحاً في صناعة التكنولوجيا. وإذا تمكنت الشركات من طرح طريقة أفضل للبحث عن المعلومات، فقد تهيمن على سوق تضم مليارات الأشخاص.

- ما مدى قرب ذلك من الواقع؟ يستخدم مئات الملايين من الأشخاص روبوتات الدردشة بالفعل لجمع المعلومات. وتشير الأرقام أن أكثر من 700 مليون شخص يستخدمون «تشات جي بي تي» كل شهر.

ومع ذلك، فإن جني أرباح من هذه التكنولوجيا لا يخلو من تحدّ؛ فتكلفة تشغيل روبوت دردشة أعلى بكثير من تشغيل موقع ويب عادي. كما أن التكنولوجيا لا تتماشى بسهولة مع أسلوب الربح المجرّب عبر محركات البحث، أي الإعلانات الرقمية.

من جهتها، تبيع «أوبن إيه آي» نسخة من «تشات جي بي تي»، مقابل 20 دولاراً شهرياً. وحسب الشركة، فإن هذا السعر يغطي تكلفة تشغيله على الأقل. ومع ذلك، فإن المشتركين فيه لا يمثلون سوى أقل من 6 في المائة من مجمل مستخدمي «تشات جي بي تي» الحاليين.

أما النسخة المجانية، فلا تزال تمنى بخسائر، خاصة أن «أوبن إيه آي» لم تبدأ بعد في تجربة الإعلانات. في المقابل، نجد أن «غوغل» تجني 54 مليار دولار من إيرادات الإعلانات كل ربع سنة من محرك بحثها، الذي يستخدمه نحو ملياري شخص يومياً.

أدوات انتاجية

* الوعد - أدوات تجعل موظفي المكاتب أكثر إنتاجية (وربما تحل محلهم): لا تقتصر تكنولوجيا «تشات جي بي تي» على الإجابة عن الأسئلة فقط، بل هي أداة يمكن أن تساعد الأشخاص على الاضطلاع بوظائفهم. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يكتب البرامج، ويلخّص الوثائق والاجتماعات، ويصوغ رسائل البريد الإلكتروني، بل ويستخدم تطبيقات برمجية أخرى، مثل الجداول والرزنامات الإلكترونية.

لماذا يطورونه؟ يعتقد المسؤولون التنفيذيون في مجال التكنولوجيا أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يغيّر عالم الأعمال، مع دخوله إلى مكاتب المحاماة، والمستشفيات، وغرف الأخبار، وغيرها. وتجني شركات مثل «مايكروسوفت» و«أوبن إيه آي» بالفعل إيرادات ضخمة من بيع أنظمة الذكاء الاصطناعي التي يمكنها توليد برامج حاسوبية.

من جهتها، تخطط «أمازون»، و«غوغل»، و«ميتا»، و«مايكروسوفت»، و«أوبن آي إيه» لإنفاق أكثر من 325 مليار دولار هذا العام على بناء مراكز بيانات ضخمة، أي ما يزيد بمقدار 100 مليار دولار عن الميزانية السنوية لبلجيكا.

وبمرور الوقت، من المتوقع أن يجري استخدام نحو 10 في المائة من هذه البنية التحتية لبناء تقنيات الذكاء الاصطناعي، بينما يُخصص 80 إلى 90 في المائة منها لتقديم هذه التقنيات إلى العملاء، حسب الرئيس التنفيذي لـ«أمازون»، آندي جاسي.

من جهتها، تعكف «أمازون» على تشييد مجمع ضخم لمراكز البيانات في ولاية إنديانا، لصالح عملها مع شركة الذكاء الاصطناعي الناشئة «أنثروبيك».

- ما مدى قرب ذلك من الواقع؟ شرع كثير من الشركات بالفعل في تجربة الذكاء الاصطناعي، لكن طرحه بشكل واسع على مستوى قطاعات الاقتصاد الأميركي لم يحدث بعد. وما لم تواصل شركات، مثل «أمازون» و«غوغل» و«أوبن آي إيه» تحسين هذه التقنيات، فقد يكون تبني الذكاء الاصطناعي أبطأ من المتوقَّع.

وتكشف الأرقام أن نحو 8 من كل 10 شركات شرعت في استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، لكن العدد ذاته تقريباً أفاد بأنه «لم يعاين تأثيراً ملحوظاً على النتائج النهائية»، حسب دراسة أجرتها شركة «مكنزي آند كمباني».

في هذا الصدد، أوضحت ساشا لوشيوني، باحثة في شركة «هغينغ فيس» الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، أنه «سيبدأ هذا الوضع القائم في التداعي، فالمبالغ التي يجري إنفاقها لا تتناسب مع العائدات».

نظارات ميتا راي بان

مساعد متعدد الاستخدامات

* الوعد - مساعد متعدد الاستخدامات: علاوة على ما سبق، تدمج شركات التكنولوجيا تقنيات شبيهة ببرامج الدردشة الآلية في مجموعة واسعة من المنتجات والخدمات الاستهلاكية، مشيرة إلى أن الذكاء الاصطناعي سيعمل كمساعد رقمي يظهر أينما دعت الحاجة.

من ناحيتها، تضيف شركة «ميتا» هذه التكنولوجيا إلى نظارتها الذكية؛ ما يسمح للناس بتحديد المعالم في أثناء سيرهم في الشارع، وترجمة لافتات الشوارع عند زيارتهم دولاً أجنبية. أما «أمازون»، فتنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره وسيلة لتحسين كل شيء، بدءاً من مواقع التسوق الخاصة بها ووصولاً إلى مساعدها الصوتي «أليكسا».

-لماذا يطورونه؟ إذا بدأت باستخدام مساعد رقمي، فإن الشركة التي تقف وراء هذا الروبوت لديها طرق أكثر لجذب انتباهك، وفي النهاية، كي تبيعك منتجاتها.

لذا، تضيف هذه الشركات تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي إلى أكبر عدد ممكن من الأجهزة والخدمات عبر الإنترنت، على أمل التحكم في طريقة استخدامك للإنترنت. وقال روهيت براساد، نائب رئيس شركة «أمازون»: «سيتغير كل شيء مع الذكاء الاصطناعي».

-ما مدى قرب ذلك من الواقع؟ جدير بالذكر هنا أن «أمازون» أضافت الذكاء الاصطناعي إلى جهاز «أليكسا» المنزلي. كما أضافت: «ميتا» الذكاء الاصطناعي إلى نظارات «راي بان» الذكية. حتى الآن، لا تزال نظارات الذكاء الاصطناعي من «ميتا» منتجاً محدوداً يستخدمه بضعة ملايين من الناس. وتتميز «أليكسا»، من «أمازون»، بشعبية أكبر بكثير، لكن جمهورها لا يزال صغيراً مقارنة بجميع أجهزة الكومبيوتر والهواتف في العالم.

ومنذ إطلاقها للمرة الأولى قبل أكثر من عقد، عانت «أليكسا» من خسائر مالية، خصوصاً أنه جرى استخدامها بشكل أساسي لإثراء منتجات وخدمات أخرى.

اليكسا بالذكاء الاصطناعي

وعندما أعادت «أمازون» تشغيل «أليكسا» بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الجديدة، أتاحت الترقية مجاناً لأي شخص يدفع مقابل الاشتراك بالبرنامج المميز. وربما يزيد الذكاء الاصطناعي من شعبيته، لكن من غير المرجح أن تتحول إلى مصدر ربح في أي وقت قريب.

رفقة الذكاء الاصطناعي

* الوعد - أصدقاء الذكاء الاصطناعي: بدأت «ميتا» وشركات ناشئة مختلفة، بينها «كاراكتر إيه آي» و«إكس إيه آي»، التابعة لإيلون ماسك، في تقديم روبوتات ذكاء اصطناعي، تتيح نمطاً جديداً من الرفقة. ويمكن للناس التفاعل مع هذه الروبوتات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بنفس الطريقة التي يتفاعلون بها مع الأصدقاء. في هذا الصدد، قال زوكربيرغ في مقابلة «بودكاست» حديثة: «يرغب الشخص العادي في تواصل أكبر مما هو متاح لديه».

-لماذا يُطوّرون هذا؟ يتولى كل من زوكربيرغ وماسك الإشراف على شبكات تواصل اجتماعي، وقد يفرضان رسوماً مقابل الأصدقاء الافتراضيين الذين يتيحانهم. ويُقدّم ماسك برامجه الروبوتية من خلال خدمات اشتراك بتكلفة 300 دولار شهرياً.

وربما تتقاضى «ميتا» كذلك رسوم اشتراك مقابل الأصدقاء الافتراضيين، تماماً كما تفعل «أوبن إيه آي» مع «تشات جي بي تي»، رغم أن «ميتا» لطالما فضّلت زيادة إيرادات الإعلانات، من خلال إبقاء المستخدمين على مواقع مثل «فيسبوك» و«إنستغرام» و«واتس آب» (تُطبّق الشركة الذكاء الاصطناعي في هذا المجال كذلك. وقد وجدت «ميتا» أخيراً أن احتمالية نقر المستخدمين على الإعلانات المُنشأة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي الجديدة تزيد بنسبة 7 في المائة تقريباً).

-ما مدى قرب ذلك من الواقع؟ اللافت أن بعض الناس يعاملون برامج الدردشة الروبوتية باعتبارهم أصدقاء بالفعل. ومع ذلك، بدأت رفقة الذكاء الاصطناعي تُواجه انتقادات لاذعة؛ فهذه التقنيات قد تُبعد الناس عن العلاقات الإنسانية وتدفعهم نحو سلوكيات وهمية مُقلقة. ولا يزال أمامها سنوات قبل أن تصبح سوقاً واعدة، وهي مجرد سيناريو واحد من سيناريوهات عديدة تستكشفها الشركات.

ويُشبّه بعض المراقبين ما يفعله المسؤولون التنفيذيون في قطاع التكنولوجيا بمحاولة خداع منافسيهم، ليسبقوهم في الوصول إلى التكنولوجيا الكبرى التالية. في هذا الصدد، قال ديفيد كاهن، الشريك في شركة «سيكويا» لرأس المال الاستثماري في «وادي السيليكون»: «تكمن هذه القوة الهائلة في أيدي عدد قليل للغاية من الأشخاص، وهم يلعبون لعبة شطرنج تخلف آثارها علينا جميعاً».

إنجازات علمية

* الوعد - الإنجازات العلمية: يعتقد داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، من أبرز منافسي «أوبن إيه آي»، أنه في غضون بضع سنوات (ربما العام المقبل) سيُصبح الذكاء الاصطناعي بمثابة «مجتمع من العباقرة داخل مركز بيانات»، قادر على العمل معاً لحل أكبر المشكلات العلمية التي يجابهها مجتمعنا.

- لماذا يطورونه؟

يعتقد خبراء التكنولوجيا، مثل أمودي، أن هذا النوع من التكنولوجيا سيُغير الحياة كما نعرفها. وفي العام الماضي، في مقال مؤلف من 14000 كلمة، قال إن الذكاء الاصطناعي يُمكن أن يُعالج السرطان، ويُنهي الفقر، بل ويرسي أسس السلام العالمي. وتوقع أنه في غضون عقد، سيُضاعف الذكاء الاصطناعي متوسط عمر الشخص العادي إلى 150 عاماً.

-والآن، ما مدى قرب هذا التوقع من الواقع؟ ليس من الواضح كيف سيجري بناء هذه التقنيات، أو حتى إن كانت ممكنة.

من جهته، صرح جيمس مانيكا، نائب رئيس شركة «غوغل» لشؤون الأبحاث والمختبرات والتكنولوجيا والمجتمع، بأنه في ظل سعي «غوغل» لتحقيق أهداف أسمى، ستُطوّر تقنيات يُمكن استخدامها فوراً. وعلى سبيل المثال، أشار إلى «ألفافولد» (نظام طورته «غوغل» يُمكن أن يُساعد في تسريع اكتشاف الأدوية بطرق بسيطة ومهمة، ونال حديثاً جائزة نوبل في الكيمياء).

في الوقت ذاته، يهدف مشروعٌ فرعي من «غوغل» يُسمى «إيسومورفيك لابس»، إلى جني الأموال من خلال مساعدة شركات الأدوية على استخدام هذا النوع من التقنيات.

مراكز بيانات "امازون"

نظم «ذكاء بشري»

* الوعد - ذكاء اصطناعي بذكاء بشري، أو أذكى: أوضح مسؤولون تنفيذيون مثل زوكربيرغ وديميس هاسابيس، رئيس مختبر أبحاث «ديب مايند»، التابع لـ«غوغل»، أن شركاتهم تسعى إلى تحقيق الذكاء الاصطناعي العام artificial general intelligence A.G.I، ويقصد به آلة يُمكن أن تُضاهي قدرات الدماغ البشري، أو تكنولوجيا أكثر قوة تُسمى الذكاء الفائق.

-لماذا يطورونه؟ يصرّ الكثير من خبراء التكنولوجيا على تحقيق أكبر هدف يمكن تخيله: الذكاء الفائق. وقد سعى هؤلاء الخبراء بالفعل وراء هذا الحلم منذ خمسينات القرن الماضي.

-ما مدى قرب ذلك من الواقع؟ بوجه عام، يصعب تحديد ماهية مصطلحات، مثل الذكاء الاصطناعي العام والذكاء الفائق. في الواقع، لا يتفق العلماء حتى على تعريف الذكاء البشري.

المؤكد أن بناء آلة تُضاهي قدرات الدماغ البشري لا يزال على بُعد سنواتٍ طويلة، ربما عقودٍ أو أكثر.

وحتى هذه اللحظة، لم يُحدد أحدٌ كيف ستجني الشركات المال من وراء هذا النوع من التكنولوجيا. وفي الوقت الذي تُنفق شركات التكنولوجيا مئات المليارات على مراكز بيانات جديدة، فإنها تُخاطر.

ويقف خلف هذه القفزة نفسُ المزيج الذي يُحرك في الغالب أقطاب «وادي السيليكون»، حسبما شرح أورين إتزيوني، الرئيس التنفيذي المؤسس لـ«معهد ألين للذكاء الاصطناعي»: الجشع والغرور والخوف من التعرض للإطاحة عبر اختراق غير متوقع. وأضاف إتزيوني: «لو طُلب مني أن أُجيب بكلمة واحدة، لكانت: (الخوف من إهدار الفرصة)».

في الواقع، فإن الخوف من إهدار الفرص ليس بالأمر الهيّن. وقال ألتمان إنه في الوقت الذي يسعى هو ومنافسوه لتحقيق هذه الأهداف النبيلة، قد يُفرط بعض المستثمرين في الإنفاق.

وقد يُطوّر الباحثون سبلاً لبناء الذكاء الاصطناعي باستخدام أجهزة أقل بكثير. وقد لا يرغب الناس في تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تُطوّرها هذه الشركات. وربما تتباطأ وتيرة التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي على مدى السنوات القليلة الماضية، أو حتى يُواجه عقبات. وربما يحدث تحولاً في الاقتصاد بأكمله لأسباب غير ذات صلة.

وعن ذلك، قال ألتمان: «سينطفئ وهج بعض منافسينا، وسيُحقق البعض الآخر نجاحاً باهراً، وهكذا تعمل الرأسمالية. أظن أن أحدهم سيخسر أموالاً هائلة».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

هل أنهى الذكاء الاصطناعي عصر أنظمة كشف الاحتيال الرقمية التقليدية؟

خاص الاحتيال تحوّل من استهداف الأنظمة التقنية إلى التلاعب بالسلوك البشري ما يغيّر طبيعة التهديد بشكل جذري (رويترز)

هل أنهى الذكاء الاصطناعي عصر أنظمة كشف الاحتيال الرقمية التقليدية؟

يُضعف تحول الاحتيال إلى استهداف السلوك البشري الأنظمة التقليدية، ويفرض اعتماد تحليلات سلوكية، ومقاربات جديدة لحماية الثقة الرقمية، والهوية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أداة «غوغل» للذكاء الاصطناعي تفتقر إلى الدقة

أداة «غوغل» للذكاء الاصطناعي تفتقر إلى الدقة

أكثر من نصف الإجابات الصحيحة كانت «غير مدعومة بأدلة»

كيد ميتز (نيويورك)
علوم مع الذكاء الاصطناعي: طلاب الجامعات يعيدون النظر في تخصصاتهم

مع الذكاء الاصطناعي: طلاب الجامعات يعيدون النظر في تخصصاتهم

70 % مع تغيير الاختصاص في التكنولوجيا مقابل 54 % في العلوم الإنسانية

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا «غوغل» تحدّث أنظمة الذكاء الاصطناعي لتحسين التعامل مع استفسارات الصحة النفسية بشكل أكثر مسؤولية (شاترستوك)

تحديثات جديدة من «غوغل» لتعزيز تعامل الذكاء الاصطناعي مع الصحة النفسية

«غوغل» تحدّث استجابات الذكاء الاصطناعي للصحة النفسية لتوجيه المستخدمين نحو الدعم المناسب مع الحفاظ على السلامة وعدم استبدال المختصين.

نسيم رمضان (لندن)
علوم في عصر الذكاء الاصطناعي… الاحتيال والنصب يصبحان أمراً سهلاً للغاية

في عصر الذكاء الاصطناعي… الاحتيال والنصب يصبحان أمراً سهلاً للغاية

باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، يستطيع أي شخص الحصول على وجبة تعويضية أو منتج بديل مجاناً.

جيسوس دياز (واشنطن)

اكتشاف ثقبين أسودين على وشك الاندماج

تصور فني يظهر مركز مجرة «ماركاريان 501» حيث ينبعث منها نفاثتان قويتان (مرصد هون - رين كونكولي)
تصور فني يظهر مركز مجرة «ماركاريان 501» حيث ينبعث منها نفاثتان قويتان (مرصد هون - رين كونكولي)
TT

اكتشاف ثقبين أسودين على وشك الاندماج

تصور فني يظهر مركز مجرة «ماركاريان 501» حيث ينبعث منها نفاثتان قويتان (مرصد هون - رين كونكولي)
تصور فني يظهر مركز مجرة «ماركاريان 501» حيث ينبعث منها نفاثتان قويتان (مرصد هون - رين كونكولي)

رصد فريق بحثي من معهد ماكس بلانك لعلم الفلك الراديوي في ألمانيا، دليلاً مباشراً على وجود ثقبين أسودين فائقَي الكتلة في مجرة ​​«ماركاريان 501»، يدوران حول بعضهما في مدارات متقاربة جداً. وقد تكون هذه هي المرة الأولى التي يُكتشف فيها زوجٌ من الثقوب السوداء على وشك الاندماج، مما يتيح فرصة فريدة لفهم عملية محورية في تطور المجرات.

وتشير النتائج المنشورة في «مجلة الإشعارات الشهرية للجمعية الفلكية الملكية»، تحت قيادة العالم الفلكي، سيلكه بريتزن، إلى وجود ثقب أسود فائق الكتلة في مركز كل مجرة كبيرة تقريباً، بكتلة تفوق كتلة شمسنا بملايين أو حتى مليارات المرات. ولا يزال من غير الواضح تماماً كيف يمكنها الوصول إلى هذه الكتل الهائلة. لذا، من المرجح أن تندمج الثقوب السوداء فائقة الكتلة الموجودة في مراكز هذه المجرات المتصادمة؛ حيث تدور حول بعضها متقاربة أكثر فأكثر، ثم تندمج في النهاية لتشكل مجرة ​​واحدة.

وتُعدّ الثقوب السوداء فائقة الكتلة في مراكز المجرات من أكثر مجالات البحث نشاطاً في علم الفلك؛ إذ لا تستطيع النماذج النظرية وصف هذه المرحلة النهائية بدقة حتى الآن.

رصد عالي الدقة

ومما يزيد الأمر تعقيداً أنه لم يتم رصد أي زوج متقارب من الثقوب السوداء الضخمة بشكل موثوق، على الرغم من شيوع تصادمات المجرات على نطاق زمني كوني. وقد غيرت الدراسة الجديدة لـ«مجرة ماركاريان 501 (Mrk 501)» في كوكبة هرقل هذا الواقع.

ويقذف الثقب الأسود في مركز «مجرة ​​ماركاريان 501»، نفثات (دفعات) قوية من الجسيمات تتحرك بسرعة تقارب سرعة الضوء إلى الفضاء. ولإجراء هذه الدراسة، حلل الفريق عمليات رصد عالية الدقة. وكشفت بيانات رصدية طويلة الأمد عن أول صورة مباشرة لمثل هذا النظام في مركز مجرة، وعلى الدليل القاطع على وجود ثقب أسود فائق الكتلة ثانٍ مجاور. يقول بريتزن في بيان الثلاثاء: «بحثنا عن هذا النظام طويلاً، والآن نستطيع تتبع حركته أيضاً».

رقصة الثقوب السوداء

ووفق نتائج الدراسة، تتجه نفاثة الثقب الأول نحو الأرض، ولهذا تبدو ساطعة بشكل خاص لنا، وهي معروفة منذ زمن طويل. أما النفاثة الثانية، فهي موجهة بشكل مختلف، ولذلك كان رصدها أكثر صعوبة.

ويوضح بريتزن: «كان نظام النفاثات بأكمله في حركة دائمة، وهو ما يفسر بوجود نظام من ثقبين أسودين، حيث يتأرجح مستوى المدار».

ويضيف: «في أحد أيام الرصد في يونيو (حزيران) 2022، وصل إلينا الإشعاع المنبعث من النظام عبر مسار متعرج للغاية؛ حيث ظهر على شكل حلقة - وهو ما يُعرف بحلقة أينشتاين».

ومن خلال تحليل تطور سطوع النفاثات بمرور الوقت وأنماطه المتكررة، استنتج الباحثون أن الثقبين الأسودين يدوران حول بعضهما، وتبلغ المسافة بينهما ما بين 250 و540 ضعف المسافة بين الأرض والشمس - وهي مسافة ضئيلة جداً بالنسبة لأجسام بالغة الضخامة كهذه، بكتل تتراوح بين 100 مليون ومليار ضعف كتلة الشمس. وبناءً على كتلتيهما الفعليتين، قد تتقلص المسافة بينهما بسرعة كبيرة لدرجة أنهما قد يندمجان في غضون 100 عام فقط.

ويشير المؤلف المشارك بالدراسة هيكتور أوليفاريس إلى أنه «عندما يتم رصد موجات الجاذبية، فقد نشهد ارتفاعاً مطرداً في ترددها مع اقتراب هذين العملاقين من الاصطدام، مما يتيح فرصة نادرة لمشاهدة اندماج ثقبين أسودين فائقَي الكتلة».


مع الذكاء الاصطناعي: طلاب الجامعات يعيدون النظر في تخصصاتهم

مع الذكاء الاصطناعي: طلاب الجامعات يعيدون النظر في تخصصاتهم
TT

مع الذكاء الاصطناعي: طلاب الجامعات يعيدون النظر في تخصصاتهم

مع الذكاء الاصطناعي: طلاب الجامعات يعيدون النظر في تخصصاتهم

تُظهر بيانات جديدة أن طلاب الجامعات يُغيِّرون تخصصاتهم ومساراتهم المهنية، خوفاً من استبدال الذكاء الاصطناعي بهم. ومع تذبذب سوق العمل، ولا سيما في قطاع التكنولوجيا، يأمل طلاب الجيل الجديد ألا يتأثر مسارهم المهني القادم بالنمو المتزايد للذكاء الاصطناعي.

ويؤدي التطور السريع لسوق العمل إلى انعدام الأمن الوظيفي لدى أفراد هذا الجيل، كما كتب موسى جان فرانسوا*.

لقطة مصورة لنتائج الاستطلاع على موقع مؤسسة «لومينا»

استطلاع جديد

يُشير استطلاع رأي جديد أجرته مؤسسة «لومينا» بالتعاون مع مؤسسة «غالوب»، ونُشرت نتائجه مطلع شهر أبريل (نيسان) الحالي، إلى أن ما يقرب من نصف طلاب الجامعات الأميركية فكروا جدياً في تغيير تخصصاتهم أو مسار دراستهم، استجابة لتأثير الذكاء الاصطناعي المتزايد على سوق العمل.

واستناداً إلى نتائج استطلاع أُجري في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 وشمل ما يقرب من 4 آلاف طالب، غيَّر 16 في المائة منهم فعلاً تخصصاتهم بسبب الذكاء الاصطناعي.

مخاوف الطلاب

وعلى الرغم من الاعتقاد السائد بأن طلاب الجامعات الحاليين قد اعتادوا على الذكاء الاصطناعي نتيجة استخدامهم له في قاعات الدراسة، فإن البيانات تُظهر مخاوف لدى هذه الفئة العمرية.

ويُبين الاستطلاع مدى سرعة تأثير الذكاء الاصطناعي على التخطيط المهني. فقد ذكر 14 في المائة من طلاب الجامعات أنهم فكَّروا «كثيراً» في تغيير مجال دراستهم بسبب تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، بينما قال 33 في المائة آخرون إنهم فكروا «بشكل معقول».

تغيير الاختصاصات

وأفاد 60 في المائة من الطلاب الذكور بأنهم يفكرون في تغيير تخصصهم، مقارنة بـ38 في المائة من الطالبات. وترتفع هذه النسب بين دارسي التكنولوجيا (70 في المائة) والمجالات المهنية (71 في المائة)، متجاوزة طلاب إدارة الأعمال والعلوم الإنسانية (54 في المائة لكل منهما) والهندسة (52 في المائة).

استخدام الطلاب للذكاء الاصطناعي

كما أشار الاستطلاع إلى أن طلاب الجامعات الحاليين ما زالوا يستخدمون الذكاء الاصطناعي رغم معارضة مؤسساتهم التعليمية؛ إذ أظهرت الدراسة أن 42 في المائة من الطلاب أفادوا بأن جامعاتهم تثبط توجهات استخدام الذكاء الاصطناعي في المقررات الدراسية، ومع ذلك لا يزال عدد كبير منهم يعتمد عليه: 15 في المائة يستخدمونه يومياً، و33 في المائة أسبوعياً، و12 في المائة شهرياً. حتى في الجامعات التي تحظر الذكاء الاصطناعي بشكل قاطع، أفاد 10 في المائة من الطلاب باستخدامه يومياً، و17 في المائة أسبوعياً.

مخاوف مستقبلية بشأن السوق

وصرحت كورتني براون، نائبة رئيس قسم التأثير والتخطيط في مؤسسة «لومينا»، لموقع «أكسيوس» في مقابلة، بأنها تخشى من تقصير المؤسسات التعليمية في تعليم الطلاب عن الذكاء الاصطناعي وتحيزاته. وقالت: «إنها (أي المؤسسات) لا تفهم من الذي قد يتضرر أو ينتفع (من تحولات الذكاء الاصطناعي)... وهذا هو الجانب الذي سيتضرر (الطلاب) منه أكثر من غيره».

التسريح بسبب الذكاء الاصطناعي

هذا وقد شهد قطاعا التكنولوجيا والأعمال موجة تسريح واسعة النطاق في السنوات الأخيرة. ووفقاً لموقع «تيك إنسايدر»، فإن نحو 20 في المائة من عمليات التسريح في عام 2026 كانت بسبب عمليات دمج أو استبدال أنظمة الذكاء الاصطناعي.

وفي مارس (آذار) الماضي، سرَّحت شركة «ميتا» مئات الموظفين، مُعللة ذلك بإعادة الهيكلة، على الرغم من أن الشركة ستضيف أيضاً بنية تحتية جديدة للذكاء الاصطناعي.

دوافع الالتحاق بالجامعات

وحسب بيانات مؤسسة «غالوب»، يبدو أن الذكاء الاصطناعي يؤثر على معدلات الالتحاق بالجامعات أيضاً؛ إذ أفاد نحو 14 في المائة من طلاب البكالوريوس و13 في المائة من طلاب الدبلوم، بأن الاستعداد للذكاء الاصطناعي والتقنيات ذات الصلة، كان سبباً رئيسياً لالتحاقهم بالجامعات، بينما أشارت نسبة 12 في المائة منهم إلى مخاوف بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على فرص العمل المستقبلية.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».


في عصر الذكاء الاصطناعي… الاحتيال والنصب يصبحان أمراً سهلاً للغاية

في عصر الذكاء الاصطناعي… الاحتيال والنصب يصبحان أمراً سهلاً للغاية
TT

في عصر الذكاء الاصطناعي… الاحتيال والنصب يصبحان أمراً سهلاً للغاية

في عصر الذكاء الاصطناعي… الاحتيال والنصب يصبحان أمراً سهلاً للغاية

أصبح الغش سهلاً للغاية الآن. فباستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، يستطيع أي شخص الحصول على وجبة تعويضية أو منتج بديل مجاناً. بل يمكنه حتى الحصول على أموال مجانية عن طريق الاحتيال على الحكومة نفسها. وكما اكتشف اختصاصيو الأشعة حديثاً، فإنه يمكن أيضاً خداع الأطباء وشركات التأمين باستخدام صور الأشعة السينية المولّدة بالذكاء الاصطناعي.

صعوبة تمييز أشعة «اكس» مزيفة

ووفقاً لدراسة جديدة نشرتها الجمعية الإشعاعية لأميركا الشمالية، فإن معظم الخبراء لا يستطيعون التمييز بين الكسور المزيفة والكسور الحقيقية. أصبح الاحتيال التأميني الذي لا يمكن كشفه على بُعد نقرة واحدة. هذه ليست سوى أحدث حلقة في سلسلة متزايدة من عمليات الاحتيال السهلة والمجانية التي أصبحت ممكنة بفضل قوة الذكاء الاصطناعي.

دراسة علمية

أخضعت دراسة أجرتها الجمعية 17 طبيباً متخصصاً من ست دول مختلفة، بعضهم يمتلك خبرة ميدانية تصل إلى 40 عاماً، لاختبار بصري شمل 264 صورة أشعة سينية - نصفها صور حقيقية، والنصف الآخر صور اصطناعية تم إنشاؤها بواسطة أدوات الذكاء الاصطناعي مثل «تشات جي بي تي» ونموذج «رونت جين» RoentGen مفتوح المصدر من جامعة ستانفورد. وعندما لم يكن الأطباء على علم بوجود هذه الصور الاصطناعية، لم يتمكنوا من تحديد صور الأشعة السينية الاصطناعية بشكل صحيح إلا في 41 في المائة من الحالات.

نجاح محدود في كشف التزييف

وحتى بعد تلقيهم تحذيرات صريحة بوجود صور مزيفة ضمن المجموعة، ازداد متوسط ​​نسبة نجاحهم إلى 75 في المائة؛ إذ تراوحت النسبة بين 58 في المائة المتدنية و92 في المائة المقبولة. ولكنها نتيجة غير مثالية. وتشير الدراسة إلى أن عقوداً من سنوات الخبرة العملية للأطباء لم تُسهم بشكل كبير في كشف التزييف، على الرغم من أن أداء خبراء الجهاز العضلي الهيكلي كان أفضل قليلاً من زملائهم.

حتى النظم الذكية أخفقت في كشف التزييف

وما يزيد الأمر سوءاً، أن نماذج اللغة الضخمة المسؤولة عن ظهور هذه الخدعة الرقمية - بما في ذلك «جي بي تي 40» و«جي بي تي 5» و«جيمناي برو 2.5» و«مافريك» Maverick و«لاما 4» من «ميتا» - لم تكن أفضل حالاً كأدوات كشف آلية؛ إذ تراوحت معدلات دقتها بين 57 في المائة و85 في المائة.

ثغرة أمنية وطبية خطيرة

وأشار الدكتور ميكائيل توردجمان، المؤلف الرئيسي للدراسة، إلى أن «دراستنا تُظهر أن صور الأشعة السينية المزيفة بتقنية التزييف العميق واقعية لدرجة كافية لخداع اختصاصيي الأشعة، وهم أكثر المتخصصين تدريباً في مجال التصوير الطبي، حتى عندما كانوا على دراية بوجود صور مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي». وأضاف: «يُشكّل هذا ثغرة أمنية خطيرة للغاية للتقاضي الاحتيالي، على سبيل المثال، إذا كان من الصعب التمييز بين كسر مُختلق وكسر حقيقي. كما يُوجد خطر كبير على الأمن السيبراني إذا تمكن المتسللون من الوصول إلى شبكة المستشفى وحقن صور اصطناعية للتلاعب بتشخيصات المرضى أو إحداث فوضى سريرية واسعة النطاق من خلال تقويض الموثوقية الأساسية للسجل الطبي الرقمي».

صور دقيقة بشكل مفرط

حسب توردجمان، غالباً ما تبدو الصور الطبية المُولّدة بالذكاء الاصطناعي مثاليةً للغاية، حيث تظهر العظام «ناعمةً بشكلٍ مفرط، والعمود الفقري مستقيماً بشكلٍ غير طبيعي، والرئتان متناظرتين بشكلٍ مفرط، وأنماط الأوعية الدموية متجانسةً بشكلٍ مفرط، والكسور تبدو نظيفةً ومتناسقةً بشكلٍ غير عادي، وغالباً ما تقتصر على جانب واحد من العظم».

لكن هذه مجرد مجموعة أدوات قديمة. فمثل مقاطع الفيديو المُولّدة بالذكاء الاصطناعي، سيجعل الذكاء الاصطناعي هذه الأشعة السينية مثاليةً تماماً وغير قابلةٍ للكشف قريباً. هذه هي طبيعة الذكاء الاصطناعي المتطور باستمرار.

ولمكافحة ذلك؛ يطالب الخبراء بعلامات مائية غير مرئية وتوقيعات تشفيرية مرتبطة مباشرةً بالفني الذي التقط الصورة، تعمل فعلياً كختم رياضي للمصداقية يُثبت وجود جسم بشري بالفعل في الغرفة.

التزييف السطحي والصفقات المشبوهة

تُعدّ صور الأشعة السينية الاحتيالية مثالاً خطيراً على التلاعب بالحقائق الذي يحدث بالفعل. خذ على سبيل المثال انتشار التزييف السطحي، وهو عبارة عن أوهام رقمية سطحية مختلقة لا تتطلب سوى جهد ضئيل لتحقيق أقصى مقدار من الخداع المالي.

يستغل المستهلكون العاديون تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي لتغيير مظهر صور طلبات أطباق الطعام مثلاً وتحويلها أطباقاً «كارثية» غير شهية. بنقرة واحدة فقط؛ إذ مكّن التلاعب رقمياً بمظهر شطيرة البرغر أو قطعة الدجاج ليظهر وكأنه نيء؛ ما يخدع الخوارزميات وممثلي خدمة الزبائن للموافقة على استرداد الزبون أمواله فوراً.

خداع وتلاعب في كل المستويات

«هذا التوجه حقيقي ومتزايد»، كما صرّح ألبرتو بالومار، المتخصص في مكافحة الاحتيال باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، لصحيفة «إل كونفيدينسيال» الإسبانية. «يُتيح الذكاء الاصطناعي لأي شخص، حتى من لا يملك أي فكرة عن التكنولوجيا، إمكانية استغلال هذه الخدعة على جميع المستويات».

خدعة رقمية وأضرار بشرية

تقع الخسائر البشرية الجانبية في هذه الخدعة الرقمية على عاتق عمال توصيل الطعام. فعندما ينجح أحد الزبائن في تزييف وجبة تالفة أو غير مطهوة جيداً، يُعاقب السائق بمنحه تقييمات سيئة أو بتعطيل حسابه نهائياً.

من جهة أخرى، يستخدم بعض السائقين هذه التقنية أيضاً لتزييف عمليات توصيل يسرقونها ببساطة.

آثارٌ ورقيةٌ مزيفة لتسلّم التأمين... بملايين الدولارات

في غضون ذلك، يتحول وباء الاحتيال الصغير كارثةً اقتصادية كلية لقطاع التأمين العالمي، مُحوّلاً خدوش السيارات البسيطة وأعطال الهواتف الذكية التزاماتٍ مالية ضخمة على الشركات.

في الولايات المتحدة، «قد تتضمن 20 -30 في المائة من مطالبات التأمين الآن صوراً مُعدّلة، أو وثائق مُزوّرة، أو تقارير طبية مُزيّفة»، وفقاً لشركة «شيفت تكنولوجي»، وهي شركة تقنية تُقدّم وكلاء ذكاء اصطناعي لأتمتة المطالبات.

في المملكة المتحدة، أفادت شركة التأمين «أليانز» بزيادة نسبتها 300 في المائة في استخدام الذكاء الاصطناعي لتعديل الوثائق والصور ومقاطع الفيديو في مطالبات العملاء بين عامي 2022 و2023. وتتوقع شركة «فيريسك» العالمية لتحليلات بيانات التأمين أن يزداد الوضع سوءاً: «واحد من كل ثلاثة مستهلكين قد يُفكّر في تعديل صورة أو وثيقة مطالبة تأمين رقمياً لتعزيز موقفه، وترتفع هذه النسبة إلى 55 في المائة بين جيل الشباب».

في إسبانيا، تُفيد شركة التأمين «أكسا» بأنها تُعالج ما يصل إلى 30 ألف وثيقة متعلقة بالمطالبات يومياً؛ ما يُصعّب اكتشاف التلاعب المُصطنع على نطاق واسع.

وأوضح أرتورو لوبيز ليناريس، مدير قسم المطالبات في «أكسا» إسبانيا، أن «المشكلة الآن تكمن في سهولة القيام بذلك، وفي أن هذه الأدوات في متناول الجميع. يُمكنك أن تطلب من الذكاء الاصطناعي وضع خدش على سيارتك أو تعديل فاتورة إصلاح. من المستحيل اكتشاف ذلك بالعين المجردة؛ لذا أنت في حاجة أيضاً إلى استخدام التكنولوجيا لتحديده».

2 % من السكان يمارسون الغش

مع التسليم بأن نسبة مرتكبي الغش الرقمي لا تتجاوز 2 في المائة من السكان، إلا أن الأرقام لا ترحم. تكمن المشكلة في استحالة كشف هذه الجرائم. صحيح أنه يُمكن تحليل البيانات الوصفية للصور الرقمية - وهي عبارة عن سلاسل برمجية مخفية تعمل كبصمات رقمية تُسجّل الموقع الجغرافي ومواصفات الجهاز والوقت - ولكن نظراً لسهولة تزييف هذه البيانات؛ فقد زال هذا الحاجز.

التحقق من صحة البيانات

يرى البعض أن الدفاع الأمثل يعتمد على برامج تحليل الصور المتقدمة، ولكن كما أظهرت دراسة الأشعة السينية، فإن ذلك صعب أيضاً، وسيصبح مستحيلاً قريباً. ستتفوق أجيال الذكاء الاصطناعي القادمة على أي إجراءات مضادة في مجال الطب الشرعي الرقمي نطورها. إضافةً إلى ذلك، فإن تكلفة هذه الإجراءات، التي ستكون باهظة التنفيذ والتشغيل في مراكز البيانات، تُهدد فعلياً بقاء الشركات الصغيرة والمتوسطة.

ولعل الآن، ومع بدء تأثير الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد، وعلى أرباح الشركات والحكومات، سيزداد الضغط بما يكفي للمطالبة بحلول إلزامية للتحقق من صحة البيانات، بما يعود بالنفع على الجميع.

* مجلة «فاست كومباني»