المستشفى الذكي في «ذا لاين»: ميلاد الطب المستقبلي عام 2030

مؤسسة بلا أوراق: الثورة الصحية تبدأ من هنا

المستشفى الذكي في «ذا لاين»: ميلاد الطب المستقبلي عام 2030
TT

المستشفى الذكي في «ذا لاين»: ميلاد الطب المستقبلي عام 2030

المستشفى الذكي في «ذا لاين»: ميلاد الطب المستقبلي عام 2030

في عام 2030، ستشهد مدينة «ذا لاين The Line» لحظة فارقة في تاريخ الطب، ليس فقط في المملكة العربية السعودية، بل على مستوى العالم بأسره.

بداية فصل جديد

هناك، في قلب المدينة التي صُممت لتكون أيقونة للمستقبل، سيُفتتح أول مستشفى ذكي متكامل.. مستشفى لا يعتمد على المعايير التقليدية، ولا يكرر ما سبق، بل يصوغ نموذجاً جديداً للرعاية الصحية.

هنا، لا مكان للطوابير الطويلة، ولا للانتظار المرهق، بل رعاية ذكية تنبض بالحياة، يقودها الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والتوأم الرقمي.

ثمرة تجارب عالمية

افتتاح هذا المستشفى الذكي في «ذا لاين» عام 2030 لن يكون مجرد تدشين لمرفق صحي جديد، بل سيكون إعلاناً لولادة فصل جديد في الطب. فهو ثمرة لتجارب عالمية سبقت: تجربة Agent Hospital في الصين عام 2024، التي اعتمدت على 42 طبيباً افتراضياً و4 ممرضين آليين لخدمة أكثر من عشرة آلاف مريض يومياً، وكذلك تجربة Hope Hospital في الولايات المتحدة، التي قدّمت مفهوم التوأم الرقمي (Digital Twin) للمريض.

إلا أن المملكة لا تستنسخ هذه التجارب، بل تتجاوزها لتبني نموذجاً خاصاً بها، يرتكز على «رؤية 2030» التي تسعى إلى جعل السعودية صانعة المستقبل، لا متلقية له.

الأطباء الجدد: وكلاء رقميون

في المستشفى الذكي القادم، ستتغيّر صورة الطبيب التي اعتدنا عليها؛ فليس هناك مكتب مزدحم بالملفات، ولا معطف أبيض يتنقل بين الردهات. والطبيب هنا هو وكيل رقمي مستقل (Autonomous AI Agent)، كيان افتراضي يُتقن لغات العالم، ويحلل في اللحظة الواحدة آلاف المؤشرات الحيوية المتشابكة.

هؤلاء الأطباء الجدد لا يعرفون النوم ولا الإرهاق، ولا ينسون تفصيلاً مهما صغر. يتتبعون حياة المريض كما لو كانت رواية مفتوحة الصفحات: من نبرة صوته الخافتة إلى كيمياء لعابه، ومن خفقات قلبه المتسارعة إلى تقلبات مزاجه الدقيقة... كل نبضة، وكل نفس، تتحول إلى بيانات تُترجم فوراً إلى قرارات علاجية.

مستشفى ذكي

وحسب المخطط، سيضم المستشفى:

* أكثر من 120 طبيباً افتراضياً يتوزعون على مختلف التخصصات الدقيقة، من طب العيون إلى جراحة الأعصاب.

* نحو 60 مساعداً صحياً افتراضياً يتولون المتابعة اليومية، من التغذية إلى الدعم النفسي، كأنهم ممرضون رقميون يرافقون المريض على مدار الساعة.

* قاعدة معرفية سعودية - عالمية تُحدَّث لحظياً من أحدث الأبحاث الطبية، لتضمن أن أي تشخيص أو قرار علاجي يستند دوماً إلى أحدث ما توصّل إليه العلم.

التوأم الرقمي: مرآة لا تفارقك

في هذا المستشفى الذكي، لا يعيش المريض وحده؛ فلكل إنسان نسخة حية تلازمه أينما ذهب، تُعرف باسم التوأم الرقمي، إنه مرآة افتراضية تراقب الجسد لحظة بلحظة: تُسجِّل أنفاسك المتقطعة، وقطرات عرقك الصغيرة، وتتابع حتى تفاصيل نومك وأدق تقلبات مزاجك.

مع هذا التوأم، يتغيّر دور الطبيب جذرياً. فهو لا ينتظر أن يسمع شكواك بعد أن يشتد الألم، بل يقرأ العلامات قبل أن تدركها أنت نفسك، ويتدخل في اللحظة المناسبة ليَحول بينك وبين المرض. هنا تتحول الرعاية الصحية من مجرد رد فعل متأخر إلى توقع استباقي يسبق الخطر بخطوة، ويمنح المريض فرصة العيش في أمان أكبر.

إنترنت الأشياء: الرعاية تبدأ من فراشك

في المستشفى الذكي، لا تنتظر الرعاية حتى تصل إلى باب العيادة، بل تبدأ من أبسط تفاصيل حياتك اليومية:

من فراشك، ومن مرآة حمامك، وحتى من أنبوب معجون الأسنان.

* فراشك الذكي يرصد أنماط التنفس في أثناء النوم، ويكشف مبكراً عن بوادر اضطراب النوم أو ضعف وظائف الرئة.

* ساعتك الذكية تلتقط إيقاع قلبك، لتفرّق بين قلق عابر لا يستحق القلق... وإشارة خفية تنذر بمشكلة قلبية خطيرة.

* مرآة الحمام تحلل نبرة صوتك كل صباح، لتكشف عن تغيرات دقيقة مرتبطة بالاكتئاب أو الإرهاق.

* وحتى أنبوب معجون الأسنان يتحول إلى مختبر مصغّر، يحلل لعابك لحظياً، كاشفاً نسب الغلوكوز ومؤشرات الالتهاب.

وحين تُرصد أي إشارة غير مألوفة، تبدأ سلسلة ذكية متكاملة:

إشعار للطبيب الافتراضي → تحليل فوري للبيانات → وصفة علاجية شخصية → وصول الدواء إلى بابك بطائرة ذكية من الدرون.

هنا تتحول أدواتك اليومية من أشياء صامتة إلى شبكة حية، تُراقب صحتك بصمت، وتعمل من أجلك دون أن تشعر.

قصة أم نواف: حين سبقت الخوارزميات الألم

في أحد منازل «ذا لاين»، استيقظت أم نواف في صباح ربيعي هادئ وهي تشعر بتعب خفيف. ظنّت أنه إرهاق عابر بعد يوم طويل، ولم تدرك أن فراشها الذكي كان قد رصد انخفاضاً طفيفاً في جودة نومها وارتفاعاً غير مألوف في حرارة جلدها.

في الحمام، التقطت فرشاة الأسنان الذكية إشارات التهابية في لعابها، بينما سجّلت المرآة الذكية تغيراً خافتاً في نبرة صوتها، بالكاد يلاحظه الإنسان. كل هذه البيانات الدقيقة تجمّعت في لحظات، وانتقلت فوراً إلى الطبيبة الافتراضية «نورا-5»، وكيلة رقمية متخصص في أمراض النساء وكبار السن.

لكن «نورا-5» لم تُصدر إنذاراً مرعباً، بل خاطبتها بلطف مألوف:

«صباح الخير يا أم نواف، لاحظت بعض التغيرات في بياناتك. هل تسمحين بإجراء فحص إضافي؟».

ابتسمت أم نواف بتردد، ثم وافقت. عندها تولّى المرحاض الذكي المهمة، فحلّل البول ودرجة الحموضة وكشف عن البكتيريا خلال ثوانٍ.

النتيجة كانت واضحة: بداية التهاب في المسالك البولية، في مرحلة مبكرة جداً.

العلاج: وصفة رقمية صُممت خصيصاً لها، أُرسلت إلى أقرب صيدلية.

وفي دقائق معدودة، حطّت طائرة ذكية صغيرة أمام باب منزلها، تحمل الدواء الذي أوقف المرض قبل أن يبدأ.

لم تغادر أم نواف منزلها. لم تنتظر في مختبر مزدحم. لم تعرف الألم.

لقد سبقت الخوارزميات المرض... وسبق الذكاء الألم.

التعليم الطبي: أطباء يُصنعون من التوأم الرقمي

المستشفى الذكي لا يقتصر دوره على شفاء المرضى، بل يتحول إلى جامعة حيّة لصناعة جيل جديد من الأطباء. هنا، تختفي القاعات التقليدية التي تعلّم الطلبة على جثث باردة أو سيناريوهات جامدة، ويحل محلها عالم من التوائم الرقمية الافتراضية، كائنات افتراضية تحاكي أمراضاً حقيقية، وتتغير باستمرار كما يفعل الجسد البشري.

قد يجد الطالب نفسه أمام مريض افتراضي يعاني من ألم مزمن لا يزول بالمسكنات، فيتعلم كيف يوازن بين العلاج الدوائي والدعم النفسي.

أو يواجه مريضاً يخشى فقدان وظيفته إن عرف رئيسه بحالته، فيتدرب على التواصل الحساس والسرية الطبية.

بل قد يُوضع أمام سؤال أخلاقي صعب: هل تُخبر المريض بأنه يحتضَر، أم تؤجل الخبر لحماية معنوياته؟

في هذه المدرسة غير المسبوقة، لا يُصنع الطبيب كآلة تحفظ الوصفات، بل كإنسان كامل: عالِم دقيق، ومُعالج يحمل الرحمة في قرار.

مختبر السياسات الصحية: قرارات تُختبر قبل أن تقع

في المستشفى الذكي، لا يقتصر الابتكار على غرف العلاج أو أجهزة التشخيص، بل يمتد ليشمل مختبراً وطنياً للسياسات الصحية، أشبه بغرفة محاكاة ضخمة للمستقبل. هنا تُختبر القرارات الكبرى قبل أن تُطبّق على أرض الواقع، ويُقاس أثرها بدقة متناهية.

ماذا سيحدث لو ارتفعت نسب السمنة بين فئة المراهقين؟

كيف قد يتطور فيروس جديد في مناخ «ذا لاين» المغلق والمترابط؟

ما النتائج الاقتصادية والصحية لفرض ضريبة على المشروبات السكرية؟

كل هذه الأسئلة لا تُترك للتكهنات أو الاجتهاد البشري وحده، بل تُعالَج عبر خوارزميات دقيقة تعتمد على بيانات وطنية حيّة تُحدَّث لحظة بلحظة. النتيجة: قرارات مدروسة، تستند إلى العلم لا إلى الحدس، وتمنح صانعي السياسات ثقة بأنهم يسيرون على أرض صلبة.

الأخلاقيات السعودية: القيم قبل الخوارزميات

في المستشفى الذكي، لا يُترك الذكاء الاصطناعي ليعمل في فراغ تقني بارد، بل يُوجَّه ببوصلة قيمية سعودية واضحة. فالتقنية مهما بلغت دقتها لا قيمة لها إن فقدت روحها الإنسانية.

تُخزَّن البيانات محلياً تحت إشراف الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، ضماناً للسيادة الرقمية وحماية الخصوصية.

تُراجع القرارات الطبية عبر لجنة أخلاقية متخصصة، توازن بين مصلحة المريض وقيم المجتمع.

وتستعد المملكة لإطلاق ميثاق وطني لأخلاقيات الذكاء الصحي، ينص على قاعدة ذهبية: أن تكون الرحمة فوق الخوارزمية، والإنسانية قبل الأتمتة.

بهذا تصبح السعودية ليست رائدة في التقنية فحسب، بل أيضاً في صياغة فلسفة أخلاقية تجعل الذكاء الاصطناعي خادماً للإنسان، وليس سيداً عليه.

السعودية تصنع المستقبل

عام 2030، حين يُفتتح المستشفى الذكي في «ذا لاين»، لن يكون مجرد مشروع طبي متطور، بل أيقونة من أيقونات «رؤية السعودية 2030»، وإعلاناً عن عودة الطب العربي إلى منصة الريادة بعد قرون.

فكما كان ابن سينا يضع «القانون في الطب»، والزهراوي يؤسس علم الجراحة، وابن النفيس يكتشف الدورة الدموية، تعود السعودية اليوم لتكتب فصلاً جديداً بلغة الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، لتُثبت أن الإرث العظيم يمكن أن يولَد من جديد بثوب حديث.

والمملكة اليوم لا تتنبأ بمستقبل الطب... بل تصنعه، وتصدّره للعالم من قلب «ذا لاين».

هامش توضيحي

هذه المقالة افتراضية تستشرف المستقبل، وليست خبراً عن مشروع معلن رسمياً. بنيتُها على أفكار مستوحاة من تجارب عالمية مثل Agent Hospital في الصين وHope Hospital في الولايات المتحدة، وعلى ما تعكسه «رؤية السعودية 2030» من طموح القيادة في جعل المملكة رائدة عالمياً في الذكاء الاصطناعي والطب الذكي.


مقالات ذات صلة

التصوير الجُزيئي كـ«بنية تحتية»: كيف يدعم التحول الصحي في السعودية؟

خاص يشكّل التصوير الجزيئي ركيزة أساسية في التحول الصحي لدعم الاكتشاف المبكر والطب الدقيق والرعاية الوقائية (شاترستوك)

التصوير الجُزيئي كـ«بنية تحتية»: كيف يدعم التحول الصحي في السعودية؟

يتوسع التصوير الجزيئي في السعودية لدعم التشخيص المبكر والطب الدقيق، فيما يظل التنسيق والبنية التحتية والكوادر التحدي الأبرز، لا توفر الأجهزة فقط.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد شعار شركة «تي إس إم سي» خلال معرض تايوان للابتكار التكنولوجي في مركز التجارة العالمي بتايبيه (أ.ب)

«تي إس إم سي» التايوانية تتجاوز التوقعات بأرباح قياسية نهاية 2025

أعلنت شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات المحدودة (تي إس إم سي)، الرائدة عالمياً في تصنيع رقائق الذكاء الاصطناعي والمورد الرئيسي لشركة «إنفيديا».

«الشرق الأوسط» (تايبيه )
العالم موقع الذكاء الاصطناعي «غروك» على هاتف محمول وحاسوب محمول (إ.ب.أ)

ماسك ينفي علمه بتوليد «غروك» صوراً إباحية لأطفال

قال إيلون ماسك، اليوم الأربعاء، إنه غير مطّلع على أي «صور عارية لقاصرين» تم توليدها بواسطة أداة الذكاء الاصطناعي «غروك» التابعة لشركة «إكس».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا يسهم في تسريع إنجاز المهام اليومية وتقليل الأعمال الروتينية وتعزيز كفاءة الإنتاجية داخل بيئات العمل «كلود»

«كلود كوورك»... أداة جديدة تعتمد الذكاء الاصطناعي لتنفيذ المهام المكتبية

تقوم الأداة بتحليل المحتوى والتخطيط للتنفيذ ثم إتمام المهمة ورفع المخرجات في نفس المكان دون الحاجة لسلسلة من التعليمات التفصيلية.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا يرى البعض أن الذكاء الاصطناعي يهدد ملايين الوظائف التقليدية (رويترز)

كيف يمكن أن يؤثر الذكاء الاصطناعي على البطالة والتوظيف في 2026؟

مع التسارع غير المسبوق في تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، تتزايد التساؤلات حول تأثير هذه الثورة التكنولوجية على سوق العمل العالمي.

«الشرق الأوسط» (لندن)

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

لم يعد السؤال في الطب الحديث: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض، بل أصبح السؤال الأعمق والأخطر: هل يمكنه توقّع مسار المرض قبل أن يُظهر الجسد أولى علامات التمرّد، ففي الطب ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، بل في ضيق الزمن.

إشارات الأمراض المتسللة داخل الجسد

إن كثيراً من الأمراض لا تبدأ صاخبة، بل تتسلّل همساً داخل الجسد، وتترك إشارات دقيقة لا يلتقطها الفحص التقليدي، ولا ينتبه إليها الطبيب إلا حين تتحوّل إلى أعراض واضحة، وأحياناً متأخرة. وهنا تحديداً، لا يَعِد الذكاء الاصطناعي بإجابات أسرع فحسب، بل برؤية مختلفة: أن يقرأ الإشارات الصامتة قبل أن تتحوّل إلى شكوى، وأن يفهم المرض كمسارٍ زمني لا كلحظة تشخيص، وكأن الطب ينتقل من التقاط «صورة» للجسد إلى قراءة «قصته». وهذا التحوّل لا يمثّل مجرد تطوّر تقني، بل يمثل تغييراً في فلسفة الطب نفسها: من علاج ما حدث إلى محاولة فهم ما هو في طريقه إلى الحدوث.

الانتقال من «لقطة» الحالة إلى «قصة» المرض

على مدى السنوات الماضية، عمل الذكاء الاصطناعي في الطب بوصفه أداة مساعدة فورية؛ يحلّل صورة أشعة، ويقرأ نتيجة تحليل مِخبري، أو يقترح تشخيصاً في لحظة زمنية محددة. وكان أداؤه، في جوهره، أشبه بالتقاط «صورة ثابتة» للحالة الصحية، ثم التوقّف عندها. غير أنّ الطب، بطبيعته، لا يعيش في الصور، بل في الزمن. اليوم، تتقدّم نماذج ذكاء اصطناعي جديدة لا تنظر إلى المرض على أنه حدث معزول، بل كسردٍ زمني متصل، نماذج لا تكتفي بسؤال: ما الذي يعانيه المريض الآن، بل تحاول الإجابة عن أسئلة أعمق وأكثر جرأة: كيف بدأت القصة الصحية، وكيف تطوّرت خطوةً خطوة، وإلى أي اتجاه يسير هذا المسار إن تُرك دون تدخّل، وماذا يتغيّر في المستقبل لو اتُّخذ قرار علاجي مختلف اليوم. وبهذا التحوّل، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد «عدسة تشخيص» تلتقط اللحظة، بل يتحوّل إلى نظام توقّع وتخطيط يحاكي الجسد عبر الزمن، ويختبر الاحتمالات قبل أن يختبرها المريض في واقعه.

حين تُساند الخوارزميات القرار الطبي

محاكاة المستقبل الصحي... السيناريوهات الافتراضية

تعتمد هذه النماذج الذكية على قراءة سلاسل زمنية طويلة من بيانات المريض، تشمل صوراً طبية متعاقبة، ونتائج مخبرية عبر الزمن، وسِجلات الأدوية، واستجابات العلاج، وفترات التحسّن والتدهور. ومن خلال هذا التراكم، لا يكتفي النموذج بالتحليل، بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد، كما لو كان نظاماً حياً يتعلّم من تاريخه. وبهذا التمثيل، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة تطوّرات مستقبلية محتملة، لا على توقّع مسار واحد فقط، بل على استكشاف عدة مسارات متوازية.

وهنا تبرز إحدى أقوى قدرات هذه النماذج: القدرة على طرح أسئلة «ماذا لو؟»، قبل أن يطرحها المرض على جسد المريض؛ ماذا لو بدأ التدخّل العلاجي قبل ظهور الأعراض السريرية، وماذا لو اختير دواء أقل شدّة لكن في توقيت أدق، وماذا لو تأخّر القرار العلاجي أسبوعين فقط.

وما كان يعتمد سابقاً على الخبرة السريرية والحدس الطبي يمكن، اليوم، محاكاته رقمياً، اعتماداً على أنماط مستخلَصة من ملايين الحالات البشرية، ليقدّم للطبيب خريطة احتمالات بدل إجابة واحدة جامدة، ويعيد القرار الطبي إلى موقعه الطبيعي: قرار إنساني... مدعوم برؤية زمنية أوسع.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صحتك من نومك

في مطلع عام 2026، ظهر مثال لافت يوضّح كيف يمكن لبيانات تبدو «غير طبية» في ظاهرها أن تتحوّل إلى نافذة مبكرة على المرض. ففي يناير (كانون الثاني) الحالي، أعلن فريق بحثي من معهد ستانفورد للطب «Stanford Medicine»، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم «SleepFM»، بقيادة الدكتور إيمانويل مينيو، وبمشاركة الأستاذ جيمس زو. ونُشرت نتائج هذا العمل في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، مطلع العام نفسه.

وتكمن الفكرة، على بساطتها، في تحليل بيانات ليلة نوم واحدة فقط، مثل أنماط التنفّس، ونبض القلب، وإشارات الدماغ، وحركة الجسد، لا لفهم جودة النوم فحسب، بل للتنبؤ بمخاطر صحية مستقبلية قد تمتد لسنوات. ووفق ما أظهرته الدراسة، استطاع النموذج توقّع مخاطر أكثر من 130 حالة صحية مختلفة؛ من بينها أمراض القلب والكلى وبعض الاضطرابات العصبية، بدقة تفوقت على نماذج تقليدية تعتمد على فحوصات طبية متفرقة أو بيانات لحظية.

هنا يتغيّر معنى النوم نفسه، فلم يعد مجرد «استراحة للجسد»، بل تحوّل إلى لغة بيولوجية صامتة، لغة يقرأها الذكاء الاصطناعي بدقة؛ لأن كثيراً من الأمراض لا تبدأ بالألم، بل بتغيّرات فيسيولوجية دقيقة تسبق إحساس المريض بمرضه بوقتٍ طويل.

أين تتألّق هذه النماذج؟

تتجلّى القيمة الحقيقية للنماذج الزمنية للذكاء الاصطناعي في مواجهة الأمراض التي لا تُعلن عن نفسها مبكراً، بل تتقدّم ببطءٍ وصمت، وتراهن على عامل واحد: الزمن.

- السرطان إذ قد يحدّد توقيت التدخّل الفرق بين فرصة النجاة وتراجعها.

- أمراض القلب التي تتقدّم في الخفاء، قبل أن تظهر على هيئة نوبة مفاجئة.

- السكري حيث لا يكون الخطر في لحظة واحدة، بل في تراكم أضرار صغيرة على مدى سنوات.

- الأمراض العصبية التدريجية حيث لا يصبح المرض وحده التحدّي، بل يصبح الزمن نفسه العدوّ الأول.

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نعرف أين يقف المريض اليوم. فالطب الحديث يحتاج إلى أدوات قادرة على رؤية المسار كاملاً: من أين بدأ الخلل، وكيف يتقدّم، وأين يمكن إيقافه، قبل أن يفرض نفسه أمراً واقعاً.

عودة إلى جذور الطب... مع قوة البيانات

المفارقة أن هذا التقدم التقني لا يبتعد بالطب عن جوهره، بل يعيده، بطريقة غير مباشرة، إلى أصوله الفلسفية الأولى. ففي الطب الكلاسيكي، لم يكن المرض حدثاً طارئاً يظهر فجأة، بل هو مسار متصل، ولم يكن العلاج وصفة ثابتة، بل هو قرار حيّ يتغيّر مع تغيّر حال المريض وزمنه.

والذكاء الاصطناعي، في صورته الناضجة، لا يناقض هذا الفهم الإنساني، بل يعيد ترجمته إلى لغة البيانات والمحاكاة الدقيقة؛ فهو لا يكتفي بالتقاط «لقطة» للجسد في لحظة واحدة، بل يسعى إلى فهم «قصة الجسد» عبر الزمن، ويضع أمام الطبيب سيناريوهات مختلفة بشأن كيف يمكن أن تتغيّر النهاية... قبل أن تُكتب. وبهذا المعنى، لا يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، بل يعيد إليه ما سلبه ضغط الزمن: الرؤية الأوسع، والمسافة التأملية، وحرية القرار.

التحدّي الفلسفي والأخلاقي: من يقرّر؟

مع هذا التطوّر المتسارع، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على توقّع المسار الصحي قبل أن يتكشّف، فأين يبقى موقع حرية القرار الإنساني. يحذّر الباحثون بوضوحٍ من الانزلاق إلى وهم الحتمية الرقمية، فهذه النماذج، مهما بلغت دقّتها، يجب ألا تعمل منفردة. التنبؤ ليس قدراً محتوماً، والبيانات، مهما اتّسعت، لا تستطيع اختزال تعقيد الإنسان في معادلة، فالقرار الطبي الحقيقي لا يُبنى على الأرقام وحدها، بل يتشكّل عند تقاطع العلم مع السياق النفسي والاجتماعي والإنساني للمريض، حيث تلعب القيم والظروف والاختيارات الشخصية دوراً لا يمكن تفويضه لخوارزمية. وبهذا المعنى، يظل الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم، يساعد الطبيب على توسيع أفق القرار، لكنه لا يملك، وينبغي ألا يُمنح، حق الاختيار.

خاتمة: بوصلة أم قائد بلا ضمير؟

نقف، اليوم، أمام لحظة فاصلة في تاريخ الطب، فإمّا أن يصبح الذكاء الاصطناعي بوصلة تنير الطريق أمام الطبيب، تساعده على رؤية الصورة الكاملة قبل فوات الأوان، وإمّا في حال غياب الوعي والإشراف، أن يتحوّل إلى قائد بلا ضمير يختزل الإنسان في أرقام. فالطب، في جوهره، ليس مجرد البحث عن الإجابة الصحيحة، بل اتخاذ القرار الحكيم في اللحظة المناسبة. وحين تُستخدم هذه التقنيات بمسؤولية، قد تصبح أعظم أداة أعادت للطبيب ما كاد يفقده تحت ضغط السرعة والبيانات: القدرة على استشراف المستقبل الصحي قبل أن يتحوّل إلى ماضٍ لا يمكن تغييره.


رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
TT

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد فحص الباحثون صور الرنين المغناطيسي لـ26 رائد فضاء قبل وبعد رحلتهم الفضائية.

ووجدت الدراسة أن الدماغ يتحرك «إلى الأعلى والخلف داخل الجمجمة» بعد رحلة الفضاء، مع تسجيل أكبر قدر من هذا التحرك في المناطق الحسية والحركية.

وأفادت الدراسة بوجود «تشوهات معقدة وغير متساوية في شكل بعض مناطق الدماغ، تختلف بين الأجزاء العلوية والسفلية».

وقارن الباحثون أيضاً النتائج بصور الرنين المغناطيسي لـ24 مشاركاً مدنياً على الأرض، خضعوا لتجربة تحاكي انعدام الجاذبية عبر الاستلقاء لفترات طويلة مع إمالة الرأس إلى الأسفل.

ووجد العلماء تغيرات مماثلة في شكل وموضع أدمغة المشاركين المدنيين، لكن التغيرات كانت أكثر وضوحاً لدى رواد الفضاء، خاصة لدى من قضوا فترات أطول في الفضاء.

وأكد فريق الدراسة أن «آثار تشوهات الدماغ المرتبطة برحلات الفضاء على الصحة والأداء البشري تتطلب مزيداً من البحث لتمهيد الطريق لاستكشاف الفضاء بشكل أكثر أماناً»، مضيفاً أنه «على الرغم من أن معظم تشوهات الدماغ تعافت خلال ستة أشهر بعد الرحلة، لكن بعضها استمر».

وصرحت راشيل سيدلر، الأستاذة في قسم علم وظائف الأعضاء التطبيقي وعلم الحركة بجامعة فلوريدا والمشاركة في إعداد الدراسة: «نحن بحاجة إلى فهم هذه التغيرات وآثارها للحفاظ على سلامة رواد الفضاء وصحتهم وضمان طول أعمارهم».

وفي حديثها عن تأثير مدة الإقامة في الفضاء على الدماغ، قالت سيدلر: «أظهر الأشخاص الذين قضوا عاماً كاملاً في الفضاء أكبر قدر من التغيرات. مع ذلك، لوحظت بعض التغيرات لدى الأشخاص الذين قضوا أسبوعين فقط».

وسبق أن ذكرت دراسة أجريت عام 2023 أن الرحلات الفضائية التي تستمر 6 أشهر أو أكثر تؤثر سلباً على أدمغة رواد الفضاء، مشيرة إلى أن أفراد الطاقم قد يحتاجون إلى الانتظار لمدة 3 سنوات على الأقل قبل العودة إلى الفضاء مرة أخرى.

وكشفت الدراسة التي قامت بمسح أدمغة 30 رائد فضاء عن أن بطينات المخ، أو التجاويف داخل الدماغ المليئة بالسائل النخاعي، توسعت بشكل كبير داخل أدمغة رواد الفضاء الذين ذهبوا إلى محطة الفضاء الدولية في مهمات استمرت 6 أشهر على الأقل.


كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟
TT

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

في سعينا لتحديد شخصية المصاب بالاعتلال النفسي أو «السايكوباث» (Psychopath)، يمكننا ملاحظة بعض السلوكيات مبكراً، غالباً خلال الدقائق الأولى من اللقاء، كما كتب جيف هادن(*).

ميول متميزة

ووفقاً لما يطرحه العلم، فإن هؤلاء الأشخاص يميلون إلى إظهار ميول معينة تُميزهم عن غيرهم. ومع أن تشخيص الاعتلال النفسي بشكل قاطع يتطلب تقييماً دقيقاً، فإن هناك عدة علامات قد تُشير إلى أن شخصاً ما قد يكون مريضاً نفسياً، بناءً على أنماط سلوكية.

1. الهوس بالمتعة والمال والسلطة: تُشير الأبحاث إلى أن المختلين عقلياً أكثر ميلاً للحديث عن موضوعات تتعلق بالطعام والجنس والمال، وهي موضوعات تركز على المتعة الجسدية أو الثروة المادية. وهم غالباً ما يتجنبون النقاشات حول الأسرة أو الدين أو القضايا الروحانية، أي تلك المجالات التي ينخرط في الحديث عنها عادةً الأشخاص المتعاطفون. إذا كان شخص ما مهووساً بشكل مفرط بهذه الموضوعات، فقد يكون ذلك مؤشراً تحذيرياً.

النرجسية وغياب التعاطف

2. النرجسية المفرطة: غالباً ما يُظهر المختلون عقلياً شعوراً مبالغاً فيه بقيمتهم الذاتية، فقد يتباهون بأهدافهم الطموحة، لكنهم يعجزون عن تقديم خطط عملية لتحقيقها. وفي حين يركز الأشخاص الناجحون على العمليات الرئيسية للوصول إلى أهدافهم، يميل المرضى النفسيون في المقابل إلى التصرف كأنهم قد حققوا أهدافهم بالفعل، دون أدنى اعتبار للجهد المطلوب لبلوغها.

3. غياب التعاطف غير اللفظي: يُظهر التعاطف عادةً من خلال الإشارات غير اللفظية، مثل تقليد تعبيرات وجه الآخرين أو إيماءاتهم. إلا أن المرضى النفسيين يعجزون عن ذلك. على سبيل المثال، قد لا يُقلدون ابتسامتك عندما تكون سعيداً، أو لا يتجهمون عندما تروي قصة حزينة.

الركض وراء المكافآت

4. التركيز المفرط على المكافأة: يميل دماغ الشخص المريض نفسياً إلى السعي وراء المكافآت بأي ثمن تقريباً، إذ ترتفع لديه استجابة الدوبامين عند المكافآت، ما يدفعه إلى تحقيق أهدافه دون التفكير ملياً في العواقب. وفي حين يسعى الجميع إلى المكافآت، غالباً ما يتجاهل المرضى النفسيون المخاطر والأخطار المصاحبة لسعيهم وراءها. وقد يطغى هوسهم بالمكافأة على إحساسهم بالمسؤولية الأخلاقية، ما يجعلهم متهورين في تصرفاتهم.

5. الازدهار في ظل قيادة سيئة: غالباً ما يزدهر المرضى النفسيون في بيئات سامة وعالية التوتر، كما ويزدهرون تحت قيادة رؤساء صعاب المراس، ومتغطرسين، وذوي مطالب كثيرة، أو يفتقرون إلى النزاهة.

ويتميز المرضى النفسيون بهدوئهم، وشجاعتهم، وقدرتهم على التعامل مع هذه البيئات دون حصول اضطراب عاطفي، مثل الذي يصيب الآخرين. غالباً ما تدفعهم هذه القدرة إلى الأمام في حياتهم المهنية، إذ يبقون بمنأى عن التحديات التي تثبط عزيمة معظم الموظفين.

التعامل بوعي

إذا وجدت نفسك تعمل مع شخص يُشتبه في كونه مختلاً عقلياً فمن المهم التعامل مع الموقف بوعي، إذ يُجيد المرضى النفسيون التلاعب؛ لذا من الضروري التركيز على الأفعال لا الأقوال. ابحث عن سُبل لخلق مواقف مُربحة للطرفين، إذ غالباً ما يكون هؤلاء المرضى أكثر استعداداً للتعاون إذا رأوا مكاسب شخصية.

وبفهم هذه المؤشرات المبكرة والحفاظ على الذكاء العاطفي، يُمكنك التعامل مع المرضى النفسيين بفاعلية أكبر.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».