حين تُشعل الطاقة سباق العقول: «هل حسمت الصين معركة الذكاء الاصطناعي قبل بدايتها؟»

واشنطن تُصارع الانقطاعات… وبكين تُخزّن المستقبل في محطات الكهرباء

حين تُشعل الطاقة سباق العقول: «هل حسمت الصين معركة الذكاء الاصطناعي قبل بدايتها؟»
TT

حين تُشعل الطاقة سباق العقول: «هل حسمت الصين معركة الذكاء الاصطناعي قبل بدايتها؟»

حين تُشعل الطاقة سباق العقول: «هل حسمت الصين معركة الذكاء الاصطناعي قبل بدايتها؟»

لم يعد سباق الذكاء الاصطناعي بين الولايات المتحدة والصين مجرد مواجهة على مستوى الخوارزميات أو حجم الاستثمارات، بل تجاوز ذلك ليصل إلى قلب البنية التحتية التي تُغذّي هذه الثورة: شبكات الطاقة الكهربائية.

نقص أميركي في الطاقة وفائض صيني منها

وفي تحليل نشرته منصة «Evolving AI»، منصة تطور الذكاء الاصطناعي في أغسطس (آب) 2025 بعنوان: «هل انتهى سباق الولايات المتحدة والصين قبل أن يبدأ؟» (U.S. vs. China race may already be over)، يتضح أن واشنطن تواجه مأزقاً استراتيجياً بفعل هشاشة شبكتها الكهربائية، في حين أن بكين تتمتع بفائض هائل من الطاقة يمكّنها من التوسّع السريع في تشغيل مراكز البيانات العملاقة، الأمر الذي قد يجعل التقدم التكنولوجي الفاصل يُسجَّل لصالحها قبل أن تبدأ المنافسة فعلياً.

منصة دراسات أكاديمية وجيوسياسية

لكن ما منصة «Evolving AI» التي قدّمت هذا التحليل اللافت؟ إنها منصة بحثية وتحليلية متخصصة في متابعة الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة، أسسها خبراء بارزون في المجال، من بينهم العالم الأميركي غاري ماركوس (Gary Marcus)، أستاذ علم النفس العصبي السابق في جامعة «نيويورك»، وأحد أبرز الأصوات الناقدة للتفاؤل المفرط في قدرات الذكاء الاصطناعي.

تتميّز المنصة بأنها تجمع بين الرؤية الأكاديمية الدقيقة والقراءة الجيوسياسية العميقة، حيث تستند مقالاتها إلى أبحاث علمية ومداولات مؤتمرات دولية وتجارب عملية، ما جعلها مرجعاً لوسائل الإعلام وصناع القرار والباحثين على حد سواء.

فوارق جوهرية

ولخصت منصة «Evolving AI» هذه الفوارق في مجموعة من النقاط الجوهرية، يمكن عدّها مفاتيح لفهم لماذا تميل الكفة اليوم نحو الصين أكثر من الولايات المتحدة.

* أولاً: وصف الشبكة الكهربائية – بين الأمن والحالة الحرجة. يُشير التقرير إلى ملاحظة لافتة نقلها خبراء أميركيون زاروا مراكز الذكاء الاصطناعي في الصين، حيث لمسوا أن الطاقة هناك متاحة بشكل مضمون ومستقر، في حين أن الشبكات الأميركية تُعاني من ضغوط متكررة تجعلها أقرب إلى حالة هشاشة مزمنة.

ففي الصين، تُمنح مراكز البيانات أولوية تلقائية في الحصول على الطاقة الكهربائية دون أي تعقيدات، ما يضمن استمرارية عملها بكفاءة. أما في الولايات المتحدة، فإن أي زيادة مفاجئة في الطلب على الشبكة قد تؤدي إلى انهيار جزئي أو تعطّل الخدمة، وهو تهديد مباشر لاستقرار البنية التحتية اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي العملاقة.

* ثانياً: احتياطيات طاقة ضخمة تُعزّز التفوّق الصيني. تخيل أن لديك خزّاناً احتياطياً من الطاقة يمكن الاعتماد عليه في أي لحظة، مهما ارتفع الاستهلاك أو ازدادت الضغوط. هذا هو واقع الصين اليوم. فبحسب ما كشفته منصة «Evolving AI»، تحتفظ بكين بهوامش احتياطية للطاقة تتراوح بين 80 في المائة و100 في المائة، وهو رقم هائل يتيح لها تغذية مراكز الذكاء الاصطناعي العملاقة دون أدنى قلق من انقطاع أو انحسار في الإمدادات.

في المقابل، تبدو الصورة في الولايات المتحدة مختلفة تماماً؛ إذ تعمل شبكتها غالباً باحتياطيات لا تتجاوز 15 في المائة، ما يجعلها هشة أمام أي زيادة مفاجئة في الطلب. وهذه الهشاشة لا تعني فقط انقطاعاً محتملاً في الخدمة، بل تعني أيضاً إبطاء وتيرة توسع مراكز البيانات، وبالتالي تعطيل طموحات واشنطن في اللحاق بالسباق الصيني.

إنه مشهد يوضح بجلاء أن الفارق في احتياطي الطاقة ليس مجرد رقم، بل ميزة استراتيجية تُترجم إلى سرعة في التوسع، وثقة في المستقبل لصالح بكين.

تخطيط مركزي وسوق متذبذبة

* ثالثاً: نموذج التخطيط – مركزية صينية طويلة المدى مقابل سوق أميركية متذبذبة.حين نتأمل الطريقة التي تُدار بها الطاقة في الصين، ندرك أن الأمر يتجاوز مجرد توفير الكهرباء، بل يُجسّد فلسفة سياسية - اقتصادية متكاملة. فالصين تعتمد على نموذج مركزي طويل المدى، تُخطط فيه الحكومة لعقود مقبلة، وتربط بين سياسات الطاقة، والتكنولوجيا، والتنمية الصناعية في استراتيجية واحدة. هذا التخطيط الصارم يتيح لبكين ضبط التوازن بين الإنتاج والطلب بدقة، ويوفر بنية تحتية مرنة تستجيب سريعاً لمتطلبات توسّع مراكز الذكاء الاصطناعي.

في المقابل، تُظهر الولايات المتحدة نموذجاً مختلفاً تماماً، يقوم على الاستثمار الخاص قصير الأجل، حيث تتحكم الشركات ومصالح السوق في بناء وتوسيع البنية التحتية. وهذا النموذج، رغم مرونته في الابتكار، يصطدم بجدار البيروقراطية التنظيمية، وتضارب المصالح بين الولايات والحكومة الفيدرالية، إضافة إلى بطء التنسيق بين القطاعين العام والخاص. والنتيجة هي أن أي مشروع لتوسيع الشبكة أو إضافة محطات جديدة قد يتأخر لسنوات بسبب الموافقات والإجراءات، ما يُعرّض البنية التحتية الأميركية إلى تباطؤ مزمن في مواجهة النمو المتسارع لطلب مراكز البيانات.

وهنا يبرز الفارق: فبينما ترى الصين في الطاقة أداة استراتيجية قومية تُدار بقرارات مركزية طويلة المدى، تتعامل أميركا معها كأنها سلعة تخضع لقوانين السوق. وهذا الفارق قد يكون حاسماً في سباق الذكاء الاصطناعي، إذ إن النماذج العملاقة لا تحتاج فقط إلى علماء وخوارزميات، بل إلى دولة تخطّط وتوفّر الطاقة كما لو كانت جزءاً من الأمن القومي.

التهام الذكاء الاصطناعي للكهرباء

* رابعاً: التبعات المستقبلية – حين يلتهم الذكاء الاصطناعي الكهرباء. تكشف منصة «Evolving AI» عن أرقام صادمة تحمل معها ملامح المستقبل القريب: ففي الولايات المتحدة، يُتوقع أن تستهلك مراكز البيانات ما بين 6.7 في المائة إلى 12 في المائة من إجمالي الطاقة الكهربائية بحلول عام 2028. هذه النسبة، رغم أنها قد تبدو للوهلة الأولى مجرد رقم، تعني عملياً أن جزءاً كبيراً من كهرباء البلاد سيُعاد توجيهه لتغذية الخوادم العملاقة والنماذج الذكية، على حساب قطاعات أخرى من الاقتصاد والمجتمع. النتيجة المحتملة: ارتفاع التكاليف، وضغط زائد على الشبكات، واحتمال حدوث انقطاعات أو أزمات طاقة محلية، وهو ما قد يقوّض طموحات أميركا في الحفاظ على ريادتها التكنولوجية.

أما الصين، فتبدو في موقع مختلف تماماً. فهي لا ترى في فائض الطاقة عبئاً، بل فرصة استراتيجية. فكل ميغاواط إضافي من الكهرباء يمكن تحويله مباشرة إلى قوة حاسوبية جديدة تخدم توسّع مراكز الذكاء الاصطناعي. وبهذا النهج، تبني بكين ميزة تنافسية طويلة المدى، تجعل من بنيتها التحتية للطاقة بمثابة خزان استراتيجي لتغذية مستقبلها الرقمي.

بكلمات أخرى، بينما تُصارع الولايات المتحدة لإيجاد توازن هش بين الطلب الزائد والقدرات المحدودة لشبكتها، تعمل الصين على تسخير الطاقة الفائضة لتثبيت أقدامها في عرش الذكاء الاصطناعي العالمي. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: أن يتحوّل استهلاك الكهرباء نفسه إلى معيار للتفوق الجيوسياسي في القرن الحادي والعشرين

* خامساً: السياق – مؤتمر جنيف وتأثيره الإعلامي والعلمي. لا يمكن قراءة مقال منصة «Evolving AI» بمعزل عن المناخ الدولي الذي أحاط بنشره. فقد جاء متزامناً مع انعقاد قمة جنيف للذكاء الاصطناعي (AI for Good Global Summit)، التي نظّمها الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) بالشراكة مع حكومة سويسرا، بين 8 و11 يوليو (تموز) 2025، في قاعات «Palexpo» الضخمة بجنيف.

في هذا السياق الدولي المشحون بالأفكار والتصورات، جاء مقال «Evolving AI» ليشكّل قراءة موازية وسريعة لجزء من النقاش الذي لم يُطرح بوضوح على المنصة الرسمية للقمة: البنية التحتية للطاقة بصفتها نقطة الحسم في سباق الذكاء الاصطناعي. وبذلك، لا يُقدَّم المقال كأنه دراسة أكاديمية جافة، بل كأنه تحليل إعلامي نابض، يتغذى من حضور المشاركين في القمة ومتابعة تفاصيلها، ليمنح القراء – ولا سيما في الأوساط الصحافية – زاوية إضافية لفهم انعكاسات الطاقة على التنافس الدولي.

الخاتمة

في النهاية، يتضح أن سباق الذكاء الاصطناعي بين الولايات المتحدة والصين لا يُحسم بعدد الخوارزميات ولا بحجم الاستثمارات فقط، بل بعمق البنية التحتية التي تقف خلف هذه الثورة. فمن شبكة كهرباء هشّة في أميركا، إلى احتياط طاقة هائل في الصين، ومن تخطيط مركزي طويل المدى في بكين، إلى سوق متذبذبة قصيرة الأجل في واشنطن، يبدو أن ملامح المستقبل ترسم نفسها على لوح الطاقة قبل أن تُكتب في مختبرات الذكاء الاصطناعي.

وجاءت قمة جنيف للذكاء الاصطناعي لتؤكد أن هذا النقاش لم يعد محلياً أو تقنياً بحتاً، بل أصبح قضية إنسانية واستراتيجية تتعلق بمصير التنمية العالمية. وهنا يبرز سؤال جوهري: إذا كانت الطاقة هي الوقود الحقيقي لعصر الذكاء، فمن سيمتلك مفاتيحها في العقد المقبل؟

حقائق

ما بين 6.7% إلى 12%

من إجمالي الطاقة الكهربائية سوف نستهلكها حسب توقعات مراكز البيانات بحلول عام 2028


مقالات ذات صلة

«ميتا» تتجه إلى الفضاء لتوليد الطاقة الشمسية

تكنولوجيا شعار شركة «ميتا» (رويترز)

«ميتا» تتجه إلى الفضاء لتوليد الطاقة الشمسية

تسعى شركة «ميتا» إلى استكشاف آفاق غير تقليدية لتأمين احتياجاتها المتزايدة من الطاقة، خصوصاً مع التوسع الكبير في تشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا (الولايات المتحدة))
تكنولوجيا ردَّة فعل متصاعدة ضد الذكاء الاصطناعي تكتسب زخماً جماهيرياً

ردَّة فعل متصاعدة ضد الذكاء الاصطناعي تكتسب زخماً جماهيرياً

تزداد في الولايات المتحدة حدَّة ردَّة الفعل المتصاعدة ضد الذكاء الاصطناعي، مدفوعة بمخاوف بشأن تأثير هذه التقنية على المجتمع.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
تكنولوجيا الإعلانات تتسلل إلى روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي

الإعلانات تتسلل إلى روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي

قد تشمل دسَّ إعلان لمنتج عند الرد على مستخدم يسأل عن نظام غذائي وبرنامج رياضي... وخطوات لكشفه

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد كلمة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح ويدا روبوت في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)

«سيتي غروب» ترفع توقعاتها لسوق الذكاء الاصطناعي إلى 4.2 تريليون دولار

تتوقع «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم سوق الذكاء الاصطناعي العالمي 4.2 تريليون دولار بحلول عام 2030، منها نحو 1.9 تريليون دولار مرتبطة بالذكاء الاصطناعي للشركات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

«غولدمان ساكس»: الذكاء الاصطناعي يُربك حسابات «نمو العقد المقبل» في الأسهم الأميركية

قالت «غولدمان ساكس» إن «قيمة الشركات ذات النمو المرتفع تتأثر بشكل خاص بالتغيرات في توقعات النمو طويلة الأجل».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

تقنيات التسلسل الجيني تكشف خريطة جديدة لانتشار السل

تقنيات التسلسل الجيني تكشف خريطة جديدة لانتشار السل
TT

تقنيات التسلسل الجيني تكشف خريطة جديدة لانتشار السل

تقنيات التسلسل الجيني تكشف خريطة جديدة لانتشار السل

في خطوة علمية متقدمة كشفت دراسة حديثة من إسبانيا عن أسلوب مبتكر لفهم انتشار مرض السل، وذلك من خلال استخدام تقنيات التسلسل الجيني لرصد حركة العدوى بدقة غير مسبوقة.

تقنية التسلسل الجيني

وبمناسبة اليوم العالمي للسل تسلط هذه الدراسة الضوء على الدور المتنامي لتحليل الحمض النووي «دي إن إيه» في كشف سلاسل انتقال خفية للمرض، وتوجيه التدخلات الصحية بشكل أكثر فاعلية. ففي إقليم كاتالونيا يتم تشخيص أكثر من 1200 حالة سل سنوياً، لكن يبقى التساؤل قائماً: كم عدد الحالات التي تمر دون اكتشاف؟ وكيف تنتقل البكتيريا فعلياً داخل المجتمعات؟

للمرة الأولى استخدم باحثون تقنية التسلسل الجيني على نطاق واسع لرسم خريطة دقيقة لانتشار السل في مختلف أنحاء الإقليم. وقد أظهرت النتائج التي نُشرت في مجلة «Frontiers in Microbiology» في 20 مارس (آذار) 2026 أماكن تركز المرض، وأيضاً الأنماط الجينية للسلالات البكتيرية المنتشرة، والفئات السكانية المرتبطة بها.

وجاءت هذه الدراسة ثمرة تعاون علمي بين معهد أبحاث جيرمانس ترياس إي بوجول ومستشفاه الجامعي، ومعهد الطب الحيوي في فالنسيا، حيث تمثل أولى النتائج المنشورة للبرنامج التجريبي TB-SEQ. وقد أُطلق هذا البرنامج في أواخر عام 2021 بهدف دمج تقنيات التسلسل الجيني ضمن أنظمة الترصد الوبائي الروتينية لمرض السل في كاتالونيا، في خطوة تعكس تحولاً نوعياً في أساليب مراقبة الأمراض المعدية.

بصمة وراثية لكل حالة

تعتمد طرق تتبع السل التقليدية على تتبع المخالطين، أي سؤال المرضى المصابين عن الأشخاص الذين قضوا وقتاً معهم، ثم فحص هؤلاء الأفراد. لكن هذه الطريقة بها نقاط عمياء. فقد لا يعرف الأشخاص أنهم تعرضوا للعدوى، أو قد لا يتذكرون كل تفاعل.

ويقدم التسلسل الجيني عدسة مختلفة، فمن خلال تحليل المادة الوراثية لبكتيريا المتفطرة السلية Mycobacterium tuberculosis المسببة للمرض من كل مريض يمكن للعلماء مقارنة السلالات. فإذا كان مريضان يحملان جينومات بكتيرية متطابقة تقريباً ولا تفصل بينهما سوى بضع طفرات، فمن المرجح جداً أنهما جزء من نفس سلسلة الانتقال.

السلالة المهيمنة والارتباط بالوافدين

كما حللت الدراسة السلالات البكتيرية التي جُمعت من جميع أنحاء كاتالونيا بين ديسمبر (كانون الأول) 2021 ويونيو (حزيران) 2023. وتظهر النتائج أن السلالة الأكثر شيوعاً، والتي تسمى «إل4» L4 توجد في كل مكان في الإقليم، سواء بين السكان الأصليين، أو بين المقيمين من المولودين خارج إسبانيا.

لكن السلالات الأخرى تروي قصة أكثر تحديداً، حيث تظهر سلالات مثل L1/EAI وL2/Beijing وL3/CAS بشكل متكرر في مناطق جغرافية معينة، وغالباً ما ترتبط بأشخاص يتحدرون من أجزاء من العالم تنتشر فيها هذه الأنواع الفرعية.

وعلى سبيل المثال فإن سلالة بكين (L2) شائعة في شرق آسيا، بينما سلالة CAS (L3) أكثر شيوعاً في وسط وجنوب آسيا.

كما حدد الباحثون منطقة برشلونة الحضرية كنقطة ساخنة رئيسة، وهي منطقة تتركز فيها مجموعات بكتيرية متعددة، ومتميزة. ووفقاً للباحثين، فإن الكثافة السكانية، وأنماط الهجرة قد تفسران سبب تجمع أنواع فرعية معينة في أحياء أو بلديات محددة.

* أكثر من 10 ملايين شخص يصابون بالسل كل عام ويموت نحو مليون ونصف بسببه*

«قاتل عالمي» لا يزال بيننا

غالباً ما يُعتقد أن السل مرض من الماضي. لكن الأرقام تقول غير ذلك. فعلى الصعيد العالمي، يصاب أكثر من 10 ملايين شخص بالسل كل عام، ويموت نحو مليون ونصف بسبب المرض. ففي عام 2023 استعاد السل موقعه كأول سبب للوفاة من عامل معدٍ واحد على مستوى العالم متجاوزاً كوفيد-19.

في كاتالونيا يبلغ معدل الإصابة نحو 15.2 حالة جديدة لكل 100 ألف نسمة وفقاً للبيانات المنشورة في عام 2024. وهذا يعني أن أكثر من 1200 حالة تشخص سنوياً. ورغم أن هذا ليس بمستوى الأزمة الذي نشهده في بعض البلدان منخفضة الدخل، فإنه يمثل تحدياً صحياً عاماً مستمراً، ويتطلب أدوات حديثة.

من برنامج تجريبي إلى ممارسة دائمة

تم إدراج مشروع TB-SEQ رسمياً في برنامج مكافحة السل في كاتالونيا في عام 2022 بعد إصلاحات الترصد الوبائي التي دفعتها جائحة كوفيد-19. وتُنسق المبادرة مع وكالة الصحة العامة في كاتالونيا، وتشمل شبكة واسعة من مختبرات علم الأحياء الدقيقة السريرية، وخدمات الترصد الوبائي، ووكالات الصحة العامة في برشلونة، والإقليم.

ويعمل قسم الأحياء الدقيقة في مستشفى جيرمانس ترياس كمركز مركزي، حيث يجمع مزارع السل الإيجابية من المختبرات في جميع أنحاء الإقليم، ويقوم بتحديد تسلسلها الجيني.

نحو مستقبل أكثر دقة في مكافحة الأمراض

تُقدّم هذه الدراسة الحالية خطاً أساسياً -أي صورة جينية- لمرض السل في كاتالونيا على مدى 18 شهراً. لكن القيمة الحقيقية للمراقبة الجينومية تكمن في استخدامها المستمر. فمن خلال التسلسل الجيني للحالات الجديدة، ومقارنتها بقاعدة بيانات متنامية يستطيع مسؤولو الصحة العامة تحديد سلاسل انتقال العدوى غير المعروفة سابقاً، ثم وقف تفشي المرض قبل انتشاره. وبعد ذلك توجيه التدخلات إلى أحياء أو فئات سكانية محددة، وأخيراً التمييز بين انتقال العدوى الحديث والعدوى القديمة المُنشّطة.

ويشير الباحثون إلى أن «هذه النتائج تُقدّم رؤى قيّمة حول ديناميكيات انتقال مرض السل، ويمكن أن تُساعد في توجيه استراتيجيات الصحة العامة التي تستهدف مناطق أو فئات سكانية محددة».

وفي اليوم العالمي للسل، فإن الرسالة واضحة، وهي أن السل مرض قديم لا يزال يتطلب علوماً حديثة. وفي كاتالونيا أصبحت المراقبة الجينومية الآن جزءاً من الأدوات الأساسية.


هل طولك يحدد صحتك؟

هل طولك يحدد صحتك؟
TT

هل طولك يحدد صحتك؟

هل طولك يحدد صحتك؟

في تطور علمي لافت، لم يعد طول الإنسان مجرد سمة شكلية، بل تحوَّل مؤشراً حيوياً قد ينبئ بمخاطر صحية متعددة. فقد كشفت دراستان حديثتان، ركزت إحداهما على سكان شرق آسيا وشملت الأخرى مجموعات سكانية متنوعة حول العالم، عن أدلة جديدة بشأن العلاقة المعقدة بين طول القامة والإصابة بأمراض خطيرة.

مرضان.. لطوال القامة

وقد حللت الدراسة الأولى، التي نشرتها مجلة «بلوس جينيتكس (PLOS Genetics)» في 13 مارس (آذار) 2026، بيانات أكثر من 120 ألف شخص من أصول تايوانية. وخلص الباحثون إلى أن الأشخاص الأطول قامة قد يكونون أكبر عرضة للإصابة بحالتين صحيتين رئيسيتين؛ هما: «اضطراب نظم القلب» المعروف بـ«الرجفان الأذيني»، ومرض «بطانة الرحم المهاجرة» لدى النساء.

في المقابل، أظهرت النتائج أن قصر القامة قد يرتبط بانخفاض خطر الإصابة ببعض هذه الحالات؛ مما يشير إلى أن الطول، الذي يحدَّد بمزيج من العوامل الجينية والبيئية، قد يلعب دوراً محورياً في رسم خريطة المخاطر الصحية لكل فرد.

وتمكن الباحثون بقيادة يينغ جو لين، وزميله تينغ يوان ليو، من «المركز الوراثي» بقسم البحوث الطبية في «مستشفى جامعة الصين الطبية» في تايوان، من تحديد نحو 300 متغير جيني مرتبط بالطول، إلى جانب عدد قليل من المتغيرات المرتبطة بما يُعرف بـ«قصر القامة الوراثي». وعند تحليل هذه البيانات مع قواعد بيانات جينية أخرى في شرق آسيا، ظهرت صورة أوضح، هي أن الجينات التي تؤثر على الطول قد تؤثر أيضاً على وظائف الجسم، مثل حجم الرئتين، وصحة القلب، وحتى توقيت بدء الدورة الشهرية لدى النساء.

ويرى العلماء أن هذه النتائج قد تساعد مستقبلاً في استخدام الطول مؤشراً مبكراً على بعض الأمراض، خصوصاً في المجتمعات الآسيوية التي لم تُدرس بشكل كافٍ في السابق.

الطول «متعدد التأثيرات»

وفي دراسة أخرى، نُشرت بمجلة «إن بي جيه جينوميك ميديسن (npj Genomic Medicine)» بتاريخ 27 فبراير (شباط) 2025، حلل فريق دولي بيانات جينية وصحية لنحو 840 ألف شخص من خلفيات عرقية مختلفة. وكانت النتائج أشمل؛ حيث رُصدت 254 علاقة بين الطول والأمراض.

وأظهرت الدراسة أن الطول قد يكون «سلاحاً ذا حدين»، فقد ارتبط الطول بزيادة خطر الإصابة بـ164 حالة صحية، منها «الرجفان الأذيني» وبعض اضطرابات الجهازَين العصبي والهرموني. في المقابل، ارتبط بانخفاض خطر الإصابة بـ90 حالة أخرى، مثل ارتفاع ضغط الدم واضطرابات الدهون.

وقالت إيريني مارولي، الباحثة الرئيسية في الدراسة من «معهد ويليام هارفي للأبحاث» بكلية الطب وطب الأسنان في جامعة «كوين ماري» البريطانية في لندن، إن هذه النتائج تؤكد أن الطول صفة «متعددة التأثيرات»، أي إنه يرتبط بأنظمة عدة بالجسم في الوقت نفسه.

ومن المثير للاهتمام أن تأثير الطول لم يكن متساوياً بين جميع الفئات. فقد أظهرت الدراسة أن بعض العلاقات بين الطول والأمراض تختلف من الرجال إلى النساء، ومن مجموعات عرقية إلى أخرى.

على سبيل المثال، ارتبط الطول لدى الرجال بانخفاض خطر بعض الاضطرابات النفسية، بينما لم يظهر هذا التأثير لدى النساء. كما رُصدت روابط بين الطول وبعض اضطرابات النمو العصبي، مثل فرط الحركة والتوحد، لكنها لم تكن واضحة عند تحليل النساء بشكل منفصل.

الطول وخطر الأمراض

لماذا يرتبط الطول بخطر الإصابة بالأمراض؟يفسر العلماء هذه الظاهرة بأن الجينات المسؤولة عن تحديد طول القامة لا تعمل في عزلة، بل تؤثر أيضاً على عمليات حيوية أخرى داخل الجسم، مثل نمو العظام، ووظائف الغدة الدرقية، وصحة الجهاز العصبي. إضافة إلى ذلك، فقد يعاني الأشخاص الأطول قامة من اختلافات فسيولوجية ملحوظة، أبرزها بطء توصيل الإشارات العصبية، مما قد يرفع لديهم احتمالية الإصابة ببعض الحالات، مثل اعتلال الأعصاب الطرفية.

وتكشف هاتان الدراستان عن أهمية توظيف المعلومات الجينية في تحسين الرعاية الصحية. فمع التقدم المتسارع في تحليل البيانات الجينية، قد يصبح من الممكن مستقبلاً توقع المخاطر الصحية بناءً على صفات بسيطة وواضحة مثل طول القامة. غير أن الباحثين يوجهون تحذيراً مهماً، هو أن هذه النتائج لا تعني أن الطول يسبب الأمراض بشكل مباشر، بل هو مجرد جزء من شبكة معقدة تتداخل فيها العوامل البيولوجية والبيئية.

الطول-مؤشر صحي مهم

وتؤكد الدراستان أيضاً على ضرورة إشراك مجموعات سكانية متنوعة في الأبحاث الجينية؛ ذلك أن معظم الدراسات السابقة ركزت على أصول أوروبية فقط، مما قد يَحدّ من دقة النتائج عند تعميمها على شعوب أخرى. ومع توفر بيانات أوسع تنوعاً، يصبح العلماء قادرين على فهم أعمق للعلاقة بين الجينات والصحة، وتطوير استراتيجيات وقائية وعلاجية أعلى فاعلية وملاءَمةً لكل مجموعة سكانية.

في النهاية، يبدو أن طول القامة ليس مجرد رقم يُقاس بالسنتيمترات؛ بل قد يكون حاملاً مؤشرات مهمة عن صحة الإنسان. وبينما لا يمكننا تغيير جيناتنا، فإن فهمها قد يساعدنا في اتخاذ قرارات صحية أفضل، بدءاً من الفحوصات المبكرة، ووصولاً إلى تعديل نمط الحياة. نحن نعيش في عصر يتجه بخطى ثابتة نحو طب شخصي مُصمم خصيصاً لكل فرد، وقد يكون الطول أحد مفاتيح هذا التصميم.


حين يقرأ الذكاء الاصطناعي مشيتك

آثار لا تمحى.. بل تحلّل
آثار لا تمحى.. بل تحلّل
TT

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي مشيتك

آثار لا تمحى.. بل تحلّل
آثار لا تمحى.. بل تحلّل

في الطب التقليدي، كان التشخيص يبدأ من الشكوى، من عرض يشعر به المريض ويدفعه إلى طلب المساعدة. وكان الطبيب، في هذا السياق، يُصغي أولاً قبل أن يرى، ويبحث عمّا يمكن ملاحظته أو قياسه ضمن ما يُقال أو يظهر. غير أن هذا النموذج بدأ يتغير تدريجياً مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى بيئة التشخيص، حيث لم يعد الاعتماد مقتصراً على ما يُقال، بل امتد إلى ما يمكن تحليله من أنماط خفية لا تُدرك بسهولة.

الخطوات تتحول إلى بيانات

المشي مرآة صامتة للصحة

• إشارات الجسد المبكرة. وهنا يبرز سؤال مختلف: ماذا لو كان الجسد يرسل إشارات مبكرة لا يشعر بها صاحبه؟ وماذا لو أصبحت هذه الإشارات قابلة للقراءة قبل أن تتحول إلى أعراض واضحة؟ في هذا السياق، لا يظهر الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تشخيص تقليدية، بل بوصفه وسيلة لإعادة قراءة الجسد نفسه، بوصف الجسد نظاماً مليئاً بالإشارات الدقيقة... لغة صامتة لم نكن نملك أدوات فهمها من قبل.

طريقة المشي ليست مجرد حركة تنقل الإنسان من مكان إلى آخر، بل هي انعكاس معقد لتفاعل مستمر بين الدماغ والجهاز العصبي والعضلات ونظام التوازن. فالإيقاع، وطول الخطوة، ودرجة التناسق بين الجانبين، جميعها تحمل إشارات دقيقة يمكن أن تعكس الحالة الصحية للفرد.

وقد بدأت أنظمة الذكاء الاصطناعي في تحليل هذه الأنماط بمنهجية مختلفة، تعتمد على القياس المستمر واستخراج الأنماط من بيانات يصعب على العين البشرية تتبعها. وهنا لا تكمن القوة في «رؤية» أكثر، بل في القدرة على رصد فروق دقيقة تتكرر بصمت، وقد تحمل دلالات لا تظهر عند النظر إلى كل خطوة بشكل منفصل.

• نمط المشي لرصد التغيرات الصحية. تشير أبحاث حديثة إلى أن تحليل نمط المشي لم يعد مجرد أداة لمراقبة الحركة، بل أصبح وسيلة لرصد تغيرات صحية قد تسبق ظهور الأعراض. وتشمل هذه التغيرات أمراضاً عصبية مثل باركنسون، والتدهور الإدراكي المبكر، إضافة إلى اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب والقلق.

وفي دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة «الطب الرقمي - نيتشر بارتنر جورنال» (npj Digital Medicine)، طوّر فريق بحثي دولي نظاماً يعتمد على تحليل مقاطع فيديو بسيطة لخطوات المرضى باستخدام الجوال، وتمكّن من تقييم اضطرابات المشي بدقة تقارب أداء الأطباء المختصين، بل ورصد تغيرات دقيقة في استجابة المرضى للعلاج. وهنا لا تقتصر أهمية هذه النتائج على دقتها، بل فيما تعكسه من تحول في فهم العلاقة بين الحركة والمرض، إذ لم تعد الأعراض نقطة البداية، بل أصبحت الحركة نفسها حاملاً لإشارات مبكرة.

الحركة تتحول إلى تشخيص

مراقبة صحية متواصلة

• من الفحص إلى المراقبة المستمرة. في النموذج التقليدي، كان التشخيص يرتبط بلحظة محددة داخل العيادة. أما اليوم، ومع تطور التقنيات الرقمية، بدأ يأخذ شكلاً مختلفاً لا يرتبط بموعد، بل بعملية مستمرة تعمل في الخلفية.

فلم تعد البيانات الطبية مقتصرة على ما يُجمع خلال الزيارة، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية، حيث تتحول خطوات الإنسان إلى مصدر غني للمعلومات الصحية. وهنا لا يقتصر التغيير على الأدوات، بل يشمل مفهوم الرعاية الصحية نفسه، التي بدأت تنتقل من الاستجابة للمرض إلى التنبؤ به قبل ظهوره.

• السعودية: الخطوات بيانات وقائية. في المملكة، يتسارع إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي ضمن تحول صحي شامل تقوده «رؤية 2030»، حيث تسعى مؤسسات متقدمة مثل مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث (King Faisal Specialist Hospital & Research Centre) إلى توظيف التحليل الذكي في دعم القرار السريري، بالتوازي مع أطر تنظيمية تشرف عليها «الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي» (سدايا) (Saudi Data and AI Authority – SDAIA) لضمان حوكمة البيانات وحمايتها. وفي هذا السياق، لا تبدو تقنيات تحليل المشي مجرد ابتكار بحثي، بل هي امتداد طبيعي لمنظومة صحية رقمية تتجه نحو الاستباق لا الاستجابة، حيث يمكن أن تتحول تفاصيل الحياة اليومية - مثل خطوات الإنسان - إلى مؤشرات دقيقة تسهم في اكتشاف المرض قبل أن يعلن عن نفسه.

• دقة الخوارزمية وحدودها. رغم هذا التقدم، تبقى هذه الأنظمة قائمة على تحليل الأنماط، لا على فهم التجربة الإنسانية في تعقيدها الكامل. فالمشي قد يتغير لأسباب بسيطة مثل التعب أو التوتر أو حتى نوع الحذاء، وليس بالضرورة نتيجة اضطراب مرضي.

وهنا يبرز التحدي الحقيقي: ليس فقط ماذا تكشف البيانات، بل كيف تُفسَّر. فغياب السياق قد يؤدي إلى استنتاجات غير دقيقة، أو حتى إلى إثارة القلق دون مبرر. لذلك، لا يمكن التعامل مع هذه التقنيات بمعزل عن التقييم السريري، بل ضمن منظومة متكاملة توازن بين التحليل الرقمي والفهم الإنساني.

• الخصوصية وملكية البيانات. لا شك أن هذه التقنيات تفتح آفاقاً واسعة في الكشف المبكر، خصوصاً في الأمراض التي يصعب تشخيصها في مراحلها الأولى. لكن هذا التقدم يطرح أيضاً أسئلة تتعلق بالخصوصية وملكية البيانات. فإذا أصبح الجسد مصدراً مستمراً للمعلومات من خلال تفاصيل الحياة اليومية، فإن السؤال لا يتعلق فقط بجمع البيانات، بل بكيفية استخدامها، ومن يملكها، وكيف يمكن ضمان أن تبقى في خدمة الإنسان، لا أن تتحول إلى أداة للسيطرة عليه. وفي عالم تزداد فيه قدرة الذكاء الاصطناعي على قراءة ما لا نراه، لم يعد السؤال الطبي مرتبطاً فقط بما يشعر به المريض، بل بما تكشفه حركته اليومية من إشارات دقيقة. ومع هذا التحول، قد يأتي وقت لا يحتاج فيه الطبيب إلى أن يسأل: «كيف تشعر؟»، بقدر ما يراقب كيف يتحرك الجسد. لكن يبقى السؤال الأعمق: هل ما نراه في خطواتنا مجرد حركة عابرة أم بداية قصة مرض تُكتب بصمت؟