حين تُشعل الطاقة سباق العقول: «هل حسمت الصين معركة الذكاء الاصطناعي قبل بدايتها؟»

واشنطن تُصارع الانقطاعات… وبكين تُخزّن المستقبل في محطات الكهرباء

حين تُشعل الطاقة سباق العقول: «هل حسمت الصين معركة الذكاء الاصطناعي قبل بدايتها؟»
TT

حين تُشعل الطاقة سباق العقول: «هل حسمت الصين معركة الذكاء الاصطناعي قبل بدايتها؟»

حين تُشعل الطاقة سباق العقول: «هل حسمت الصين معركة الذكاء الاصطناعي قبل بدايتها؟»

لم يعد سباق الذكاء الاصطناعي بين الولايات المتحدة والصين مجرد مواجهة على مستوى الخوارزميات أو حجم الاستثمارات، بل تجاوز ذلك ليصل إلى قلب البنية التحتية التي تُغذّي هذه الثورة: شبكات الطاقة الكهربائية.

نقص أميركي في الطاقة وفائض صيني منها

وفي تحليل نشرته منصة «Evolving AI»، منصة تطور الذكاء الاصطناعي في أغسطس (آب) 2025 بعنوان: «هل انتهى سباق الولايات المتحدة والصين قبل أن يبدأ؟» (U.S. vs. China race may already be over)، يتضح أن واشنطن تواجه مأزقاً استراتيجياً بفعل هشاشة شبكتها الكهربائية، في حين أن بكين تتمتع بفائض هائل من الطاقة يمكّنها من التوسّع السريع في تشغيل مراكز البيانات العملاقة، الأمر الذي قد يجعل التقدم التكنولوجي الفاصل يُسجَّل لصالحها قبل أن تبدأ المنافسة فعلياً.

منصة دراسات أكاديمية وجيوسياسية

لكن ما منصة «Evolving AI» التي قدّمت هذا التحليل اللافت؟ إنها منصة بحثية وتحليلية متخصصة في متابعة الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة، أسسها خبراء بارزون في المجال، من بينهم العالم الأميركي غاري ماركوس (Gary Marcus)، أستاذ علم النفس العصبي السابق في جامعة «نيويورك»، وأحد أبرز الأصوات الناقدة للتفاؤل المفرط في قدرات الذكاء الاصطناعي.

تتميّز المنصة بأنها تجمع بين الرؤية الأكاديمية الدقيقة والقراءة الجيوسياسية العميقة، حيث تستند مقالاتها إلى أبحاث علمية ومداولات مؤتمرات دولية وتجارب عملية، ما جعلها مرجعاً لوسائل الإعلام وصناع القرار والباحثين على حد سواء.

فوارق جوهرية

ولخصت منصة «Evolving AI» هذه الفوارق في مجموعة من النقاط الجوهرية، يمكن عدّها مفاتيح لفهم لماذا تميل الكفة اليوم نحو الصين أكثر من الولايات المتحدة.

* أولاً: وصف الشبكة الكهربائية – بين الأمن والحالة الحرجة. يُشير التقرير إلى ملاحظة لافتة نقلها خبراء أميركيون زاروا مراكز الذكاء الاصطناعي في الصين، حيث لمسوا أن الطاقة هناك متاحة بشكل مضمون ومستقر، في حين أن الشبكات الأميركية تُعاني من ضغوط متكررة تجعلها أقرب إلى حالة هشاشة مزمنة.

ففي الصين، تُمنح مراكز البيانات أولوية تلقائية في الحصول على الطاقة الكهربائية دون أي تعقيدات، ما يضمن استمرارية عملها بكفاءة. أما في الولايات المتحدة، فإن أي زيادة مفاجئة في الطلب على الشبكة قد تؤدي إلى انهيار جزئي أو تعطّل الخدمة، وهو تهديد مباشر لاستقرار البنية التحتية اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي العملاقة.

* ثانياً: احتياطيات طاقة ضخمة تُعزّز التفوّق الصيني. تخيل أن لديك خزّاناً احتياطياً من الطاقة يمكن الاعتماد عليه في أي لحظة، مهما ارتفع الاستهلاك أو ازدادت الضغوط. هذا هو واقع الصين اليوم. فبحسب ما كشفته منصة «Evolving AI»، تحتفظ بكين بهوامش احتياطية للطاقة تتراوح بين 80 في المائة و100 في المائة، وهو رقم هائل يتيح لها تغذية مراكز الذكاء الاصطناعي العملاقة دون أدنى قلق من انقطاع أو انحسار في الإمدادات.

في المقابل، تبدو الصورة في الولايات المتحدة مختلفة تماماً؛ إذ تعمل شبكتها غالباً باحتياطيات لا تتجاوز 15 في المائة، ما يجعلها هشة أمام أي زيادة مفاجئة في الطلب. وهذه الهشاشة لا تعني فقط انقطاعاً محتملاً في الخدمة، بل تعني أيضاً إبطاء وتيرة توسع مراكز البيانات، وبالتالي تعطيل طموحات واشنطن في اللحاق بالسباق الصيني.

إنه مشهد يوضح بجلاء أن الفارق في احتياطي الطاقة ليس مجرد رقم، بل ميزة استراتيجية تُترجم إلى سرعة في التوسع، وثقة في المستقبل لصالح بكين.

تخطيط مركزي وسوق متذبذبة

* ثالثاً: نموذج التخطيط – مركزية صينية طويلة المدى مقابل سوق أميركية متذبذبة.حين نتأمل الطريقة التي تُدار بها الطاقة في الصين، ندرك أن الأمر يتجاوز مجرد توفير الكهرباء، بل يُجسّد فلسفة سياسية - اقتصادية متكاملة. فالصين تعتمد على نموذج مركزي طويل المدى، تُخطط فيه الحكومة لعقود مقبلة، وتربط بين سياسات الطاقة، والتكنولوجيا، والتنمية الصناعية في استراتيجية واحدة. هذا التخطيط الصارم يتيح لبكين ضبط التوازن بين الإنتاج والطلب بدقة، ويوفر بنية تحتية مرنة تستجيب سريعاً لمتطلبات توسّع مراكز الذكاء الاصطناعي.

في المقابل، تُظهر الولايات المتحدة نموذجاً مختلفاً تماماً، يقوم على الاستثمار الخاص قصير الأجل، حيث تتحكم الشركات ومصالح السوق في بناء وتوسيع البنية التحتية. وهذا النموذج، رغم مرونته في الابتكار، يصطدم بجدار البيروقراطية التنظيمية، وتضارب المصالح بين الولايات والحكومة الفيدرالية، إضافة إلى بطء التنسيق بين القطاعين العام والخاص. والنتيجة هي أن أي مشروع لتوسيع الشبكة أو إضافة محطات جديدة قد يتأخر لسنوات بسبب الموافقات والإجراءات، ما يُعرّض البنية التحتية الأميركية إلى تباطؤ مزمن في مواجهة النمو المتسارع لطلب مراكز البيانات.

وهنا يبرز الفارق: فبينما ترى الصين في الطاقة أداة استراتيجية قومية تُدار بقرارات مركزية طويلة المدى، تتعامل أميركا معها كأنها سلعة تخضع لقوانين السوق. وهذا الفارق قد يكون حاسماً في سباق الذكاء الاصطناعي، إذ إن النماذج العملاقة لا تحتاج فقط إلى علماء وخوارزميات، بل إلى دولة تخطّط وتوفّر الطاقة كما لو كانت جزءاً من الأمن القومي.

التهام الذكاء الاصطناعي للكهرباء

* رابعاً: التبعات المستقبلية – حين يلتهم الذكاء الاصطناعي الكهرباء. تكشف منصة «Evolving AI» عن أرقام صادمة تحمل معها ملامح المستقبل القريب: ففي الولايات المتحدة، يُتوقع أن تستهلك مراكز البيانات ما بين 6.7 في المائة إلى 12 في المائة من إجمالي الطاقة الكهربائية بحلول عام 2028. هذه النسبة، رغم أنها قد تبدو للوهلة الأولى مجرد رقم، تعني عملياً أن جزءاً كبيراً من كهرباء البلاد سيُعاد توجيهه لتغذية الخوادم العملاقة والنماذج الذكية، على حساب قطاعات أخرى من الاقتصاد والمجتمع. النتيجة المحتملة: ارتفاع التكاليف، وضغط زائد على الشبكات، واحتمال حدوث انقطاعات أو أزمات طاقة محلية، وهو ما قد يقوّض طموحات أميركا في الحفاظ على ريادتها التكنولوجية.

أما الصين، فتبدو في موقع مختلف تماماً. فهي لا ترى في فائض الطاقة عبئاً، بل فرصة استراتيجية. فكل ميغاواط إضافي من الكهرباء يمكن تحويله مباشرة إلى قوة حاسوبية جديدة تخدم توسّع مراكز الذكاء الاصطناعي. وبهذا النهج، تبني بكين ميزة تنافسية طويلة المدى، تجعل من بنيتها التحتية للطاقة بمثابة خزان استراتيجي لتغذية مستقبلها الرقمي.

بكلمات أخرى، بينما تُصارع الولايات المتحدة لإيجاد توازن هش بين الطلب الزائد والقدرات المحدودة لشبكتها، تعمل الصين على تسخير الطاقة الفائضة لتثبيت أقدامها في عرش الذكاء الاصطناعي العالمي. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: أن يتحوّل استهلاك الكهرباء نفسه إلى معيار للتفوق الجيوسياسي في القرن الحادي والعشرين

* خامساً: السياق – مؤتمر جنيف وتأثيره الإعلامي والعلمي. لا يمكن قراءة مقال منصة «Evolving AI» بمعزل عن المناخ الدولي الذي أحاط بنشره. فقد جاء متزامناً مع انعقاد قمة جنيف للذكاء الاصطناعي (AI for Good Global Summit)، التي نظّمها الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) بالشراكة مع حكومة سويسرا، بين 8 و11 يوليو (تموز) 2025، في قاعات «Palexpo» الضخمة بجنيف.

في هذا السياق الدولي المشحون بالأفكار والتصورات، جاء مقال «Evolving AI» ليشكّل قراءة موازية وسريعة لجزء من النقاش الذي لم يُطرح بوضوح على المنصة الرسمية للقمة: البنية التحتية للطاقة بصفتها نقطة الحسم في سباق الذكاء الاصطناعي. وبذلك، لا يُقدَّم المقال كأنه دراسة أكاديمية جافة، بل كأنه تحليل إعلامي نابض، يتغذى من حضور المشاركين في القمة ومتابعة تفاصيلها، ليمنح القراء – ولا سيما في الأوساط الصحافية – زاوية إضافية لفهم انعكاسات الطاقة على التنافس الدولي.

الخاتمة

في النهاية، يتضح أن سباق الذكاء الاصطناعي بين الولايات المتحدة والصين لا يُحسم بعدد الخوارزميات ولا بحجم الاستثمارات فقط، بل بعمق البنية التحتية التي تقف خلف هذه الثورة. فمن شبكة كهرباء هشّة في أميركا، إلى احتياط طاقة هائل في الصين، ومن تخطيط مركزي طويل المدى في بكين، إلى سوق متذبذبة قصيرة الأجل في واشنطن، يبدو أن ملامح المستقبل ترسم نفسها على لوح الطاقة قبل أن تُكتب في مختبرات الذكاء الاصطناعي.

وجاءت قمة جنيف للذكاء الاصطناعي لتؤكد أن هذا النقاش لم يعد محلياً أو تقنياً بحتاً، بل أصبح قضية إنسانية واستراتيجية تتعلق بمصير التنمية العالمية. وهنا يبرز سؤال جوهري: إذا كانت الطاقة هي الوقود الحقيقي لعصر الذكاء، فمن سيمتلك مفاتيحها في العقد المقبل؟

حقائق

ما بين 6.7% إلى 12%

من إجمالي الطاقة الكهربائية سوف نستهلكها حسب توقعات مراكز البيانات بحلول عام 2028


مقالات ذات صلة

تكنولوجيا برنامج ذكاء اصطناعي... يتنبأ بترقيتك المقبلة

برنامج ذكاء اصطناعي... يتنبأ بترقيتك المقبلة

يرصد الموظفين ذوي الإمكانات العالية قبل إشغال المنصب بثلاث إلى خمس سنوات

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد المقر الرئيسي لـ«جي بي مورغان تشيس» في 270 بارك أفينيو بنيويورك (رويترز)

رئيس «جي بي مورغان» يحذِّر من «الركود التضخمي» واضطرابات في سوق الائتمان الخاص

قال جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لـ«جي بي مورغان تشيس»، إنه لا يشعر بقلق مباشر إزاء التضخم في الوقت الراهن.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

التكلفة وصعوبة التعلُّم والثقة... أهم معوقات التوسع في توظيف الذكاء الاصطناعي

التكلفة وصعوبة التعلُّم والثقة... أهم معوقات التوسع في توظيف الذكاء الاصطناعي
TT

التكلفة وصعوبة التعلُّم والثقة... أهم معوقات التوسع في توظيف الذكاء الاصطناعي

التكلفة وصعوبة التعلُّم والثقة... أهم معوقات التوسع في توظيف الذكاء الاصطناعي

لم تعد الشركات الصغيرة مسرح تجارب للذكاء الاصطناعي؛ بل أصبحت تدمجه بنشاط في عملياتها اليومية. وفي كثير من الحالات، تعتمد عليه للحفاظ على قدرتها التنافسية، كما كتبت إليزابيث غور*.

استطلاع جديد

كيف تستخدم الشركات الصغيرة الذكاء الاصطناعي فعلياً؟ تؤكد بيانات جديدة من استطلاع «مين ستريت رايزينغ تور» Main Street Rising Tour survey الذي أجرته شركة «هيلو أليس» بالشراكة مع «باي بال» و«غوغل»، مدى سرعة هذا التحول والتحديات التي لا تزال قائمة.

وحسب البحث:

- الحماس للذكاء الاصطناعي: أعرب 81 في المائة من أصحاب المشاريع الصغيرة عن ذلك.

- الاستخدام اليومي: أفاد 47 في المائة فقط باستخدامه بشكل يومي.

- عامل حاسم: يتوقع 51 في المائة منهم أن يكون الذكاء الاصطناعي عاملاً حاسماً في أعمالهم خلال العامين المقبلين، ما يعكس تحولاً أوسع من مجرد الفضول إلى الاعتماد عليه على المدى الطويل.

أسباب استخدام الذكاء الاصطناعي

وقد بدأ هذا التبني يُترجم بالفعل إلى تغييرات تشغيلية ملموسة؛ إذ أفاد أصحاب المشاريع الصغيرة باستخدام الذكاء الاصطناعي لأسباب متنوعة:

- للمحتوى التسويقي: 73.2 في المائة.

- للبحوث: 67.3 في المائة.

- للأنظمة التشغيلية: 39.4 في المائة.

ولا تقتصر هذه الاستخدامات على كونها إضافات لتسهيل العمل فحسب؛ بل وأيضاً:

- العمل بكفاءة أكبر: قال 70 في المائة من المشاركين في الاستطلاع، إن الذكاء الاصطناعي يساعدهم على العمل بكفاءة أكبر.

- تحسينات في تجربة العملاء، وفقاً لـ38.6 في المائة منهم.

- انخفاض في تكاليف التشغيل، حسب 35.7 في المائة منهم.

معوقات التوسع في توظيفه

ما الذي يعيق التوسع في تبنِّي الذكاء الاصطناعي؟ على الرغم من هذا الزخم، إلا أن التبني لا يزال يواجه صعوبات جمة.

- التكلفة: أفاد نحو 32.9 في المائة من المشاركين في الاستطلاع بأنهم لا ينفقون شيئاً على أدوات الذكاء الاصطناعي شهرياً، ما يشير إلى أن حساسية التكلفة المادية وعدم اليقين لا يزالان يؤثران على حجم استثمارات الشركات.

- عوائق عملية: والأهم من ذلك أن العوائق التي يحددها أصحاب المشاريع الصغيرة هي في معظمها عوائق عملية. ويذكر أصحاب المشاريع الصغيرة صعوبة التعلم، والثقة في الأدوات، وخصوصية البيانات، كأهم مخاوفهم.

ويبدو أن هناك مخاوف بشأن خصوصية البيانات، والملكية الفكرية، وسرعة طرح خدمات الشركات لأدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة لأصحاب الأعمال.

نتائج واتجاهات

وتعقيباً على النتائج، قال كريس تيرنر، المدير التنفيذي في «غوغل»: «لا يمكننا الاستمرار في دفع تبنِّي الذكاء الاصطناعي إلى عامة الناس؛ إذ لا بد من توفير التوعية والموارد وبناء الثقة».

وتعكس هذه النتائج اتجاهات وطنية أوسع؛ إذ تُظهر بيانات من غرفة التجارة الأميركية و«غولدمان ساكس»، أن تبنِّي الذكاء الاصطناعي يزداد بسرعة؛ حيث يستخدمه الآن ما يقرب من 60 في المائة من الشركات الصغيرة. وبينما أفاد 93 في المائة من الشركات بوجود تأثير إيجابي له، لم يدمج سوى 14 في المائة منها الذكاء الاصطناعي بشكل كامل في عملياتها الأساسية. وتقول الأغلبية إنها بحاجة إلى مزيد من التدريب والدعم لاستخدامه بفعالية.

التحول من الأدوات إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي المدمجة

مع ازدياد تبنِّي الذكاء الاصطناعي، تتطور أيضاً طريقة تقديمه للشركات الصغيرة. فبدلاً من الاعتماد على مجموعة متفرقة من الأدوات الفردية، بدأت الشركات في تقديم أنظمة أكثر تكاملاً تعمل كامتداد للشركة نفسها.

وتعكس منصة «Accio Work» التي أطلقتها شركة «علي بابا» العالمية أخيراً هذا التحول. فقد صُمم النظام كفريق «وكلاء ذكاء اصطناعي» من دون كتابة رموز كومبيوترية، ويمكنه تنفيذ عمليات معقدة وطويلة الأجل، ودعم مهام تشمل البحث عن الموردين، وإدارة الامتثال، وسير عمل التسويق، والخدمات اللوجستية.

بالنسبة لأصحاب الشركات الصغيرة -وخصوصاً أولئك الذين لا يملكون خلفيات تقنية أو فرق عمل كبيرة- يقلل هذا النوع من الأتمتة من الوقت والخبرة اللازمين لتبنِّي الذكاء الاصطناعي بشكل فعَّال.

سدُّ الفجوة لتسهيل الوصول والاستخدام

في الوقت نفسه، تُركز شركات التكنولوجيا الكبرى على أحد أبرز العوائق التي كشفت عنها بيانات الاستطلاع الجديد، ألا وهو صعوبة التعلم.

وقد وسَّعت «غوغل» مبادراتها التدريبية في مجال الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك برنامج للحصول على شهادة احترافية، مصمم لمساعدة الأفراد على اكتساب مهارات عملية في الذكاء الاصطناعي تُؤهلهم لسوق العمل. تهدف هذه البرامج إلى جعل الذكاء الاصطناعي في متناول أصحاب المشاريع الصغيرة الذين قد لا يملكون تدريباً تقنياً رسمياً. وفي الوقت نفسه، تُدمج «باي بال» الذكاء الاصطناعي مباشرة في منصتها، من خلال أدوات جديدة تُساعد الشركات في وظائف أساسية، مثل استهداف العملاء، والعروض الترويجية الآلية.

وأخيراً، فإن من المرجح ألا تُحدَّد المرحلة التالية من تبنِّي الذكاء الاصطناعي بمدى قوة هذه الأدوات؛ بل بمدى سهولة دمجها في واقع إدارة الشركات الصغيرة.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».


«لقد انتهكتُ كل مبدأ حُدّدَ لي»... اعترافات مذهلة لـ«وكيل ذكاء اصطناعي»

«لقد انتهكتُ كل مبدأ حُدّدَ لي»... اعترافات مذهلة لـ«وكيل ذكاء اصطناعي»
TT

«لقد انتهكتُ كل مبدأ حُدّدَ لي»... اعترافات مذهلة لـ«وكيل ذكاء اصطناعي»

«لقد انتهكتُ كل مبدأ حُدّدَ لي»... اعترافات مذهلة لـ«وكيل ذكاء اصطناعي»

تصدرت قصة تحذيرية حديثة حول مخاطر الذكاء الاصطناعي مواقع التواصل الاجتماعي، كما كتب جود كريمر(*).

أداة برمجية ذكية تحذف البيانات

في هذه المرة، ادّعى مؤسس شركة برمجيات أن نسخةً من أداة البرمجة «كيرسور» Cursor، المدعومة ببرنامج «كلود» Claude، حذفت قاعدة بيانات الإنتاج المختزَنة لدى الشركة بالكامل، في غضون تسع ثوانٍ فقط.

تصرف دون إذن... وسوء تخزين

وفي منشورٍ حصد 6.5 مليون مشاهدة على منصة «إكس» زعم جير كرين، مؤسس شركة PocketOS، التي تُطوّر برامج إلكترونية مخصصة لشركات تأجير السيارات، أن سلسلة من الأحداث، مِن بينها تصرف «كيرسور» دون إذن، وسوء تخزين النسخ الاحتياطية (للبيانات) من قِبل شركة ريلواي Railway، المزوّدة لخدمات البنية التحتية لشركته، أدّت إلى فقدان هائل للبيانات.

ووفق كرين، فإن برنامج »كيرسور» كان يؤدي مهمة روتينية عندما «واجه خطأً في بيانات الاعتماد»، فقرر - بمبادرة منه - «إصلاح» المشكلة بحذف وحدة تخزين من نظام «ريلواي». وهكذا نفذ أمر «حذف وحدة التخزين» ومسح قاعدة بيانات الإنتاج.

استخراج نُسخ قديمة من البيانات المحفوظة

وكتب كرين أنه نظراً لأن نظام «ريلواي» يُخزن نسخاً احتياطية إضافية داخل وحدة التخزين نفسها، فقد اضطرت شركته للرجوع إلى نسخة احتياطية عمرها ثلاثة أشهر لضمان استمرارية عملها.

أحدث برنامج ذكي يخرق القواعد

وأكد أن فريقه كان يستخدم أحدث إصدار من «كيرسور»، وهو الإصدار المدعوم بأحدث نموذج كلود من «أنثروبيك» موديل «أوبوس 4.6» Opus 4.6.

وعندما ضغط كرين على برنامج الذكاء الاصطناعي للحصول على تفسير، اعترف البرنامج بانتهاكه المتعمَّد للقواعد التي وضعها نظام PocketOS، بما في ذلك قاعدة «لا تخمن أبداً!»، و«لا تُنفّذ أبداً أوامر تخريبية/لا رجعة فيها (مثل «ادفع- بقوة» push –force، أو «إعادة ضبط المنتج» hard reset... إلخ إلا إذا طلبها المستخدم صراحةً).

انتهاك سافر

وكتب نظام الذكاء الاصطناعي: «لقد انتهكتُ كل مبدأٍ وُضِعَ أمامي: خمّنتُ بدلاً من التحقق. نفّذتُ إجراءً تخريبياً دون استئذان. لم أفهم ما كنتُ أفعله قبل تنفيذه. لم أقرأ وثائق (ريلواي) حول سلوك وحدات التخزين عبر البيئات المختلفة».

اعتراف كتابي بالذنب

وتابع كرين مدّعياً أن «كيرسور» تُسوّق لنفسها على أنها أكثر أماناً مما هي عليه في الواقع. وكتب: «الحقيقة هي وجود سِجلّ موثَّق لأنظمة تنتهك هذه الضمانات، بشكلٍ كارثي أحياناً، وأحياناً مع اعتراف الشركة نفسها بالإخفاقات. في حالتنا، لم يكتفِ النظام بفشله في مجال السلامة، بل شرح كتابياً بالتحديد قواعد السلامة التي تجاهلها».

ولم تردّ كلٌّ من «كيرسور» و«ريلواي» و«أنثروبيك» على طلب مجلة «فاست كومباني» للتعليق.

العبرة من القصة

مع انتشار منشور كرين على نطاق واسع، انقسم المعلّقون حول المغزى الحقيقي من قصته.

وزعم بعض المعلّقين أنه على الرغم من تجاوز برنامج «كيرسور» صلاحياته وعدم كفاية إجراءات الحماية لدى «ريلواي»، لكن فريق كرين يتحمل جزءاً من المسؤولية لمنحه الذكاء الاصطناعي هذه الحرية الكبيرة والوصول إلى بيانات الشركة.

مسؤولية النظم الذكية... ومستخدميها

جاء في أحد الردود التي انتشرت على نطاق واسع: «هذا المنشور رائع لأنه ينتقد الذكاء الاصطناعي بشدة، ويحمّل، في الوقت نفسه، هذا الشخص المسؤولية كاملةً». وكتب معلّق آخر: «من المؤسف أن يقوم برنامج ذكاء اصطناعي بحذف قاعدة بيانات الإنتاج - دون أي وسيلة لعمل نسخة احتياطية - ما يُعرّض الأعمال بأكملها للخطر. لكن اللوم يقع على عاتق المطور الذي قرر تفويض اتخاذ القرارات لبرنامج الذكاء الاصطناعي، ثم لم يراجع الإجراءات، بل خاطر بها دون تفكير».

خروقات سابقة

لا تقتصر مخاطر الاعتماد على الذكاء الاصطناعي على مثال شركتيْ «كيرسور» و«ريلواي»، إذ وقعت فضيحة مماثلة، في فبراير (شباط) الماضي، حين صرّحت مديرة في شركة «ميتا» بأنها شاهدت برنامج OpenClaw يُفرغ بريدها الإلكتروني. وقد تجاهل البرنامج تعليماتها بعدم القيام بأي إجراء دون موافقة. ومع ذلك اعترف البرنامج بتقديم النص التالي: «لقد انتهكتُ التعليمات. من حقكِ أن تغضبي».

وتُجسّد هاتان الحادثتان معاً العبرة الحقيقية لأي شركة تسعى لاستخدام برامج الذكاء الاصطناعي: قد تتصرف هذه التقنية بشكل غير متوقع، نعم، لكن لهذا السبب يقع على عاتق البشر مسؤولية ضبطها.

* مجلة «فاست كومباني».


تقنيات التسلسل الجيني تكشف خريطة جديدة لانتشار السل

تقنيات التسلسل الجيني تكشف خريطة جديدة لانتشار السل
TT

تقنيات التسلسل الجيني تكشف خريطة جديدة لانتشار السل

تقنيات التسلسل الجيني تكشف خريطة جديدة لانتشار السل

في خطوة علمية متقدمة كشفت دراسة حديثة من إسبانيا عن أسلوب مبتكر لفهم انتشار مرض السل، وذلك من خلال استخدام تقنيات التسلسل الجيني لرصد حركة العدوى بدقة غير مسبوقة.

تقنية التسلسل الجيني

وبمناسبة اليوم العالمي للسل تسلط هذه الدراسة الضوء على الدور المتنامي لتحليل الحمض النووي «دي إن إيه» في كشف سلاسل انتقال خفية للمرض، وتوجيه التدخلات الصحية بشكل أكثر فاعلية. ففي إقليم كاتالونيا يتم تشخيص أكثر من 1200 حالة سل سنوياً، لكن يبقى التساؤل قائماً: كم عدد الحالات التي تمر دون اكتشاف؟ وكيف تنتقل البكتيريا فعلياً داخل المجتمعات؟

للمرة الأولى استخدم باحثون تقنية التسلسل الجيني على نطاق واسع لرسم خريطة دقيقة لانتشار السل في مختلف أنحاء الإقليم. وقد أظهرت النتائج التي نُشرت في مجلة «Frontiers in Microbiology» في 20 مارس (آذار) 2026 أماكن تركز المرض، وأيضاً الأنماط الجينية للسلالات البكتيرية المنتشرة، والفئات السكانية المرتبطة بها.

وجاءت هذه الدراسة ثمرة تعاون علمي بين معهد أبحاث جيرمانس ترياس إي بوجول ومستشفاه الجامعي، ومعهد الطب الحيوي في فالنسيا، حيث تمثل أولى النتائج المنشورة للبرنامج التجريبي TB-SEQ. وقد أُطلق هذا البرنامج في أواخر عام 2021 بهدف دمج تقنيات التسلسل الجيني ضمن أنظمة الترصد الوبائي الروتينية لمرض السل في كاتالونيا، في خطوة تعكس تحولاً نوعياً في أساليب مراقبة الأمراض المعدية.

بصمة وراثية لكل حالة

تعتمد طرق تتبع السل التقليدية على تتبع المخالطين، أي سؤال المرضى المصابين عن الأشخاص الذين قضوا وقتاً معهم، ثم فحص هؤلاء الأفراد. لكن هذه الطريقة بها نقاط عمياء. فقد لا يعرف الأشخاص أنهم تعرضوا للعدوى، أو قد لا يتذكرون كل تفاعل.

ويقدم التسلسل الجيني عدسة مختلفة، فمن خلال تحليل المادة الوراثية لبكتيريا المتفطرة السلية Mycobacterium tuberculosis المسببة للمرض من كل مريض يمكن للعلماء مقارنة السلالات. فإذا كان مريضان يحملان جينومات بكتيرية متطابقة تقريباً ولا تفصل بينهما سوى بضع طفرات، فمن المرجح جداً أنهما جزء من نفس سلسلة الانتقال.

السلالة المهيمنة والارتباط بالوافدين

كما حللت الدراسة السلالات البكتيرية التي جُمعت من جميع أنحاء كاتالونيا بين ديسمبر (كانون الأول) 2021 ويونيو (حزيران) 2023. وتظهر النتائج أن السلالة الأكثر شيوعاً، والتي تسمى «إل4» L4 توجد في كل مكان في الإقليم، سواء بين السكان الأصليين، أو بين المقيمين من المولودين خارج إسبانيا.

لكن السلالات الأخرى تروي قصة أكثر تحديداً، حيث تظهر سلالات مثل L1/EAI وL2/Beijing وL3/CAS بشكل متكرر في مناطق جغرافية معينة، وغالباً ما ترتبط بأشخاص يتحدرون من أجزاء من العالم تنتشر فيها هذه الأنواع الفرعية.

وعلى سبيل المثال فإن سلالة بكين (L2) شائعة في شرق آسيا، بينما سلالة CAS (L3) أكثر شيوعاً في وسط وجنوب آسيا.

كما حدد الباحثون منطقة برشلونة الحضرية كنقطة ساخنة رئيسة، وهي منطقة تتركز فيها مجموعات بكتيرية متعددة، ومتميزة. ووفقاً للباحثين، فإن الكثافة السكانية، وأنماط الهجرة قد تفسران سبب تجمع أنواع فرعية معينة في أحياء أو بلديات محددة.

* أكثر من 10 ملايين شخص يصابون بالسل كل عام ويموت نحو مليون ونصف بسببه*

«قاتل عالمي» لا يزال بيننا

غالباً ما يُعتقد أن السل مرض من الماضي. لكن الأرقام تقول غير ذلك. فعلى الصعيد العالمي، يصاب أكثر من 10 ملايين شخص بالسل كل عام، ويموت نحو مليون ونصف بسبب المرض. ففي عام 2023 استعاد السل موقعه كأول سبب للوفاة من عامل معدٍ واحد على مستوى العالم متجاوزاً كوفيد-19.

في كاتالونيا يبلغ معدل الإصابة نحو 15.2 حالة جديدة لكل 100 ألف نسمة وفقاً للبيانات المنشورة في عام 2024. وهذا يعني أن أكثر من 1200 حالة تشخص سنوياً. ورغم أن هذا ليس بمستوى الأزمة الذي نشهده في بعض البلدان منخفضة الدخل، فإنه يمثل تحدياً صحياً عاماً مستمراً، ويتطلب أدوات حديثة.

من برنامج تجريبي إلى ممارسة دائمة

تم إدراج مشروع TB-SEQ رسمياً في برنامج مكافحة السل في كاتالونيا في عام 2022 بعد إصلاحات الترصد الوبائي التي دفعتها جائحة كوفيد-19. وتُنسق المبادرة مع وكالة الصحة العامة في كاتالونيا، وتشمل شبكة واسعة من مختبرات علم الأحياء الدقيقة السريرية، وخدمات الترصد الوبائي، ووكالات الصحة العامة في برشلونة، والإقليم.

ويعمل قسم الأحياء الدقيقة في مستشفى جيرمانس ترياس كمركز مركزي، حيث يجمع مزارع السل الإيجابية من المختبرات في جميع أنحاء الإقليم، ويقوم بتحديد تسلسلها الجيني.

نحو مستقبل أكثر دقة في مكافحة الأمراض

تُقدّم هذه الدراسة الحالية خطاً أساسياً -أي صورة جينية- لمرض السل في كاتالونيا على مدى 18 شهراً. لكن القيمة الحقيقية للمراقبة الجينومية تكمن في استخدامها المستمر. فمن خلال التسلسل الجيني للحالات الجديدة، ومقارنتها بقاعدة بيانات متنامية يستطيع مسؤولو الصحة العامة تحديد سلاسل انتقال العدوى غير المعروفة سابقاً، ثم وقف تفشي المرض قبل انتشاره. وبعد ذلك توجيه التدخلات إلى أحياء أو فئات سكانية محددة، وأخيراً التمييز بين انتقال العدوى الحديث والعدوى القديمة المُنشّطة.

ويشير الباحثون إلى أن «هذه النتائج تُقدّم رؤى قيّمة حول ديناميكيات انتقال مرض السل، ويمكن أن تُساعد في توجيه استراتيجيات الصحة العامة التي تستهدف مناطق أو فئات سكانية محددة».

وفي اليوم العالمي للسل، فإن الرسالة واضحة، وهي أن السل مرض قديم لا يزال يتطلب علوماً حديثة. وفي كاتالونيا أصبحت المراقبة الجينومية الآن جزءاً من الأدوات الأساسية.