البلاستيك: «المستعمر الجديد... والأخير»

يخنق الأنهار والشعاب المرجانية ويُلوث النظم الغذائية ويقطع العلاقات الروحية للشعوب الأصلية مع بيئاتها

البلاستيك: «المستعمر الجديد... والأخير»
TT

البلاستيك: «المستعمر الجديد... والأخير»

البلاستيك: «المستعمر الجديد... والأخير»

بينما أسير على طول الشاطئ القريب مني، يقطع نظري جسم أصفر فاقع يتسلل من خلال السطح. ألتقطه؛ قطعة بلاستيكية متبقية من دلو؟ لعبة؟ زجاجة؟ مَن يعلم تاريخ هذه القطعة تحديداً؟ أنظر إلى الخارج، فأرى شظايا وردية وزرقاء وخضراء وبرتقالية متناثرة على طول الشاطئ. وأتساءل: كيف، ولماذا، وماذا يُمكننا أن نفعل حيال كل هذا البلاستيك؟ كما يكتب هيني أونوين(*).

تاريخ البلاستيك

لقد غيّر البلاستيك، في فترة وجيزة، مجتمعاتنا، وأعاد تشكيل أسلوب حياتنا. والمفارقة أن أصوله تعود إلى محاولات إنقاذ الأفيال والسلاحف من خطر الانقراض. ففي عام 1862، حصل ألكسندر باركس على براءة اختراع لأول بلاستيك من صنع الإنسان، مشتق من السليلوز، مصمم ليحل محل العاج وصدفة السلحفاة، ثم في عام 1907، ابتكر ليو بايكلاند الباكليت، أول بلاستيك صناعي بالكامل، وهي مادة لم يسبق لها مثيل في الطبيعة، ما بشّر بعصر جديد من الابتكار الصناعي.

البلاستيك الاصطناعي يتحوّل إلى سلعة سهلة الرمي

وأشعلت هذه الاكتشافات ثورة صناعية في المواد. وقد شكّلت شركات البتروكيماويات العملاقة مثل «داو» و«إكسون موبيل» و«باسف» تحالفات قوية لتطوير منتجات ثانوية بلاستيكية من نفايات الوقود الأحفوري. وأدّت هذه الشراكة إلى توسيع نطاق الإنتاج بسرعة، محولةً البلاستيك من اختراع جديد إلى سلعة تُنتج بكميات كبيرة ومدمجة في الصناعات العالمية.

بعد الحرب العالمية الثانية، غيَّرت صناعة البلاستيك، إلى جانب المعلنين والشركات، تركيزها. لم يعد البلاستيك متيناً فحسب؛ بل صُمم ليكون سهل الاستخدام. ووضع قادة الصناعة استراتيجيات واضحة لترسيخ سهولة الاستخدام هذه في عادات المستهلكين اليومية.

احتفت مقالة شهيرة نُشرت في مجلة «لايف» عام 1956 بعنوان «حياة الرمي» بأسلوب الحياة الجديد القائم على الراحة، مشيدةً بالبلاستيك بوصفه أداة للحرية العصرية ووسيلة للتخلص من الأعمال المنزلية. وصُممت المنتجات للاستخدام القصير والتخلّص السريع، ما أدَّى إلى استبدالها باستمرار والانفجار في مراكمة النفايات.

استعمار الأرض والبشرية

اليوم، استعمر البلاستيك كل جزء من حياتنا؛ طعامنا، تربتنا، محيطاتنا، هواءنا، الأوعية الدموية لنا، وطقوسنا. وأينما نظرنا، نجد البلاستيك، مستمرّاً في الاستعمار لفترة طويلة بعد انتهاء دورة حياته المقصودة، ودائماً دون علمنا أو مشاركتنا أو موافقتنا.

دورة حياة البلاستيك تعكس دور الاستعمار

أزمة البلاستيك العالمية ليست مجرد قضية بيئية؛ إنها قضية استعمارية. من أصوله إلى آثاره اليومية، تعكس دورة حياة البلاستيك منطق الاستعمار وقيمه، ويكمن جوهرها في أولوية الربح، فقد ظهر البلاستيك وسيلة لتحويل نفايات الوقود الأحفوري إلى سلع استهلاكية لا حصر لها، وهو مشروع لا تحركه الضرورة بل يحركه جشع الصناعة.

وقد بررت هذه العقلية التي تُعلي من شأن الربح، استخراج النفط والغاز بكميات كبيرة من أراضي السكان الأصليين دون موافقتهم، مُكررةً بذلك الحق الاستعماري في الاستخراج؛ أي فكرة أن المستعمرين، آنذاك والآن، يتمتعون بالسلطة الأخلاقية والقانونية للاستيلاء على الأرض، بغض النظر عمّن يسكنها.

اقتصاد البلاستيك يتجاهل مصالح السكان الأصليين

وتُظهر كل مرحلة من مراحل اقتصاد البلاستيك تجاهلاً لحياة السكان الأصليين؛ من مجتمعات السكان الأصليين الماليزيين الذين يعيشون بجوار مصانع البتروكيماويات السامة، إلى دول جزر المحيط الهادئ التي تغرق في نفايات بلاستيكية لم تنتجها، تدفع مجتمعات الخطوط الأمامية للإنتاج، الثمن الباهظ، وتُضحي هذه المنشآت بصحتهم ومياههم وسبل عيشهم من أجل راحة العالم.

خنق الطبيعة ومحو الثقافات التقليدية

ويدعم هذا الاعتقاد بالتفوق الأوروبي؛ الاعتقاد بأن المواد والاقتصادات وأنماط الحياة الغربية متفوقة. وكما قلل المستعمرون من قيمة المعرفة والثقافة الأصلية، محت الصناعات البلاستيكية أنماط الحياة التقليدية الخالية من النفايات، ودفعت «ثقافة الإلقاء والرمي» إلى أن تكون حديثة وطموحة.

وتُمثل صناعة البلاستيك أيضاً إزالة «التابو» (أي محظورات)، أي تدنيساً لقدسية السكان الأصليين. فالأراضي والمياه والأنواع ذات الأهمية الثقافية والروحية العميقة ملوثة أو تصبح محلاً للاتجار. ويخنق البلاستيك الأنهار، ويخنق الشعاب المرجانية، ويلوث النظم الغذائية، ما يقطع العلاقات الروحية التي تحافظ عليها الشعوب الأصلية مع بيئاتها.

ويحدث كل هذا تحت ستار التنمية، بدعم من الحكومات وقوانين التجارة التي تحمي الامتيازات الاستعمارية. حتى المعاهدات العالمية وعمليات سياسات المناخ غالباً ما تستبعد القيادة الأصلية أو ترفض حلولها، ما يُعزز هياكل السلطة القديمة نفسها.

وأخيراً، فإن الرواية القائلة بأن مجتمعات السكان الأصليين بحاجة إلى «تثقيف» حول الإدارة السليمة للنفايات أو «مساعدتهم» من خلال الحلول التكنولوجية، تعكس «الأبوية المتعالية»، فهي تُصور الشعوب الأصلية على أنها غير قادرة على إدارة بيئاتها، متجاهلة حقيقة أن الكثيرين من أفرادها عاشوا في توازن مستدام مع أنظمتهم البيئية لآلاف السنين؛ قبل زمن طويل من وجود البلاستيك.

مفاوضات معاهدة البلاستيك العالمية

في الوقت الذي يستعد فيه قادة العالم للاجتماع في جنيف في أغسطس (آب) لاستئناف دورة مفاوضات معاهدة الأمم المتحدة العالمية للبلاستيك (INC5.2)، تستعد الشعوب الأصلية للنضال من أجل معاهدة قوية وملزمة قانوناً تشمل أصواتنا.

في المفاوضات السابقة في بوسان (INC 5.1)، استُبعد ممثلو السكان الأصليون من المفاوضات غير الرسمية، وحُذفت من مسودة المعاهدة عباراتٌ تُشير إلى إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية (UNDRIP). في غضون ذلك، ازدحمت القاعات بمصالح شركات البتروكيماويات وجماعات الضغط التابعة للشركات، وكُممت أصوات الشعوب الأصلية مرةً أخرى.

هذا ليس مجرد إهمال إجرائي، بل هو عنصرية بيئية. لقد حافظت الشعوب الأصلية، على مدى آلاف السنين، على أساليب حياة مستدامة. إنها تحمل معرفة عريقة تُدرك أن النفايات التي لا يُمكن تحليلها إلى أجزائها الأصلية لا يُمكن أن تكون جزءاً من دورة مستدامة.

يجب أن تتجاوز معاهدة البلاستيك العالمية العادلة بحق الاعترافات الرمزية، وأن تُقدّم التزامات قابلة للتنفيذ تُعلي من شأن حقوق الشعوب الأصلية، وتُؤكد حق تقرير المصير، والمشاركة الكاملة، والسيادة على أراضيها ومياهها ومستقبلها. ويشمل ذلك تضمين إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية في النص القانوني للمعاهدة، والاعتراف بالشعوب الأصلية بصفتهم أصحاب حقوق، لا مجرد أصحاب مصلحة.

كما يجب أن تضع المعاهدة أيضاً حدّاً أقصى قانونياً لإنتاج البلاستيك الخام، وتحظر المواد الكيميائية المضافة الأكثر خطورة، وترفض الحلول الزائفة، مثل إعادة التدوير الكيميائي والحرق، التي لا تؤدي إلا إلى نقل الضرر، وتوفر تمويلاً عادلاً للحلول التي يقودها السكان الأصليون في جميع المناطق الاجتماعية والثقافية.

يجب أن تكون جنيف نقطة تحول

لم ينشأ تلوث البلاستيك مصادفةً، بل نشأ من نظام مصمم لخدمة قلة متميزة على حساب مجتمعات. ما لم تواجه المعاهدة هذا الإرث بشكل مباشر، بما في ذلك دورة حياة البلاستيك الكاملة من الاستخراج إلى التخلص من النفايات وما بعدها، فإنها تُخاطر بترسيخ فصل جديد من العنف الاستعماري تحت ستار العمل المناخي.

ما نحتاج إليه حقاً ليس مزيداً من الرقابة الاستعمارية، بل تحولٌ ديمقراطيٌّ يُعيد السلطة والاحترام والموارد إلى مجتمعات السكان الأصليين، ويُدرك أن مشكلة البلاستيك ليست مشكلة سلوك، بل هي نظام استعماري يُعامل الأرض والبشر، حتى المقدسات، على أنها قابلة للتصرف.

يجب على جنيف كسر هذه الحلقة المفرغة... لأن هناك أمراً واحداً مؤكداً: إذا لم يتغير شيء، فسيكون البلاستيك هو المستعمر الأخير لنا.

* «ذا ديبلومات»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

بيئة الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

تستضيف السعودية خلال الربع الأخير من العام الحالي أعمال «القمة العالمية الأولى للشعب المرجانية»؛ تأكيداً لريادتها الدولية في مجال حماية النظم البيئية البحرية.

«الشرق الأوسط» (دافوس)
يوميات الشرق باحثون على نهر توتن الجليدي يعيدون ضبط معدات الرصد الميداني (دكتور بن غالتون - فينزي فيسبوك)

مصير سواحل الكوكب مرهون بسرعة ذوبان جليد القارة القطبية

تحتوي بعض مناطق القارة على كميات كافية من الجليد لرفع مستوى سطح البحر بمقدار 15 متراً في حال ذوبانها بالكامل، إلا أن الباحثين لا يزالون يجهلون العواقب الكاملة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أفريقيا يجلس السكان على متن شاحنة عسكرية موزمبيقية تنقلهم عبر مياه الفيضانات التي أغلقت طريقاً في مقاطعة بوان (أ.ف.ب)

الأمطار والفيضانات تقتل أكثر من 100 شخص في الجنوب الأفريقي

سببت الأمطار الغزيرة والفيضانات في 3 دول بمنطقة الجنوب الأفريقي، في مقتل أكثر من 100 شخص.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
يوميات الشرق النار تأتي من حزن لم يجد مَخرجاً (فيسبوك)

ثلاثية «أفاتار»... سينما تُفكّك العنف

الرماد حين لا يُحتَوى، لا يبرد... هو فقط يُنتج ناراً جديدة يستحيل من بعدها التعامل مع العنف على أنه حدث استثنائي.

فاطمة عبد الله (بيروت)
علوم في الموقع التجريبي النرويجي لتحلية المياه

أول محطة في العالم لتحلية المياه في أعماق البحر

موقع تجريبي على عمق 524 متراً في النرويج.


كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده
TT

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

تذكّرنا خبرات الحياة أن التجربة جزءٌ لا يتجزأ من التعلّم؛ فأنا أعتبر نفسي خبيرة في تحضير الصلصة. ولم أكن لأصبح خبيرة لو أنني سألت برنامج «تشات جي بي تي» عن كيفية تحضير الصلصة في كل مرة، كما كتبت أيتكين تانك(*).

ويتضح جلياً أن الذكاء الاصطناعي قادر على تخفيف عبء المحاولة المتكررة إذ إنه يجعل من السهل جداً أخذ شيء موجود وطلب نسخة جديدة منه

التعامل كشريك لا بديل

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز التفكير الإبداعي، أو أن يقضي عليه تماماً. وبصفتي الرئيس التنفيذي لشركة تعتمد على الأتمتة، وجدتُ أن المفتاح هو التعامل مع الذكاء الاصطناعي كشريك إبداعي، لا كبديل.

وإليك بعض القواعد الأساسية لتحقيق التوازن الأمثل:

1. استخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد الأفكار، لا لاتخاذ القرارات النهائية: عندما أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي متاحاً على نطاق واسع، أثيرت ضجة كبيرة حول آثاره. فقد خشي المحترفون، من العاملين في مجال المعرفة إلى المؤلفين وغيرهم، من أن يحل الذكاء الاصطناعي محل وظائفهم، إذ بدا أن الذكاء الاصطناعي مُقدّر له أن يستمر في التطور، متجاوزاً مهارات وذكاء نظرائه من البشر.

في الآونة الأخيرة، أصبحت حدود هذه التقنية أكثر وضوحاً. فبينما تظل أدوات الذكاء الاصطناعي أدوات قوية في مكان العمل، فمن غير المرجح أن يكون تقدمها متسارعاً بلا حدود. ويجادل النقاد بأن «التكنولوجيا مهمة، لكنها ليست مهيأة لإحداث تغيير جذري في حياتنا؛ فقد لا تتحسن بشكل ملحوظ أكثر عما هي عليه اليوم».

شريك في شحذ الأذهان

الذكاء الاصطناعي لن يكتب الرواية العظيمة الجديدة، ولن يؤلف سيمفونيات تنافس باخ، لكنه شريك ممتاز في الشحذ الذهني. وقد أوضح البروفسور كريستيان تيرويش من كلية وارتون، الذي اختبر قدرة «جي بي تي» على توليد الأفكار مقارنة بقدرات طلاب الجامعات: «إنها رخيصة (الثمن)، وسريعة، وجيدة. ما الذي لا يمكن أن يُعجبك فيها؟ أسوأ ما قد يحدث هو أن ترفض جميع الأفكار (التي تولدها) وتعتمد على أفكارك الخاصة. لكن بحثنا يؤكد بقوة أن مخزون أفكارك سيتحسن باستخدامها».

وتساعدك أدوات الذكاء الاصطناعي في توليد المزيد من الأفكار الأفضل. ابدأ بأفكارك الخاصة. لذا استخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد بدائل. ثم استخدم حكمك البشري لصقلها واختيار أفضل مسار للمضي قدماً.

الحوار بدلاً من الأوامر

2. تعامل مع الأوامر الموجهة كأنها محادثة. وليس أوامر: إحدى نقاط قوة أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية، مثل «جي بي تي» هي طبيعتها الحوارية. اعتبر سؤالك الأول بمثابة تمهيدٍ لبدء الحوار.

مع أنني أنصحك بأن تكون دقيقاً قدر الإمكان، أي أن تُزوّد ​​الأداة بسياقٍ كافٍ لتوليد ردودٍ قوية ودقيقة، يمكنك دائماً تحسين التوجيهات أثناء العمل. ولتوضيح ذلك بصرياً، تخيّل حوارك مع الذكاء الاصطناعي كقُمع: واسع من الأعلى ويضيق كلما اتجهت نحو الأسفل.

يمكنك البدء بطلب أفكارٍ لحملة تسويقية من «جي بي تي». وبمجرد أن يُنتج قائمة، اطلب منه تحسين تلك الأفكار لتناسب فئة مستهدفة محددة، مثل رواد الأعمال التقنيين في العشرينات والأربعينات من العمر، أو الآباء والأمهات في الضواحي. استمر في التكرار حتى تصل إلى النتيجة الأنسب لك.

على القادة تهيئة بيئات عمل يزدهر فيها الإبداع والتجريب

3. أفسح المجال للتجربة: في الواقع، سيُعزز وجود حسٍّ صحي من حب الاطلاع بين الموظفين نمو التجربة وتوسعها. وتظهر الأبحاث أن الفوائد هنا تشمل: زيادة الابتكار، وتقليل الصراعات الجماعية، وتقليل أخطاء اتخاذ القرارات، وتحسين التواصل.

بينما يدّعي القادة غالباً تقديرهم لحب الاطلاع، إلا أنهم يميلون إلى كبته، مفضلين التزام الموظفين بالقواعد. بدلاً من ذلك، ينبغي على القادة منح الموظفين حرية الاستكشاف. خصصوا وقتاً كافياً في جداولهم الزمنية ليتمكنوا من اختبار أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها دون ضغط إثبات عائد استثمار فوري.

كونوا قدوة: شاركوا تجاربكم الخاصة، سواءً أكانت تجربةُ ميزةٍ جديدة للذكاء الاصطناعي أو سرداً لحادثة أتمتة لم تسر على ما يرام. حتى الأخطاء قد تكون مفيدة.

اطلبوا آراء الموظفين لاكتشاف ما يثير فضولهم: أنظمة أو أدوات جديدة يرغبون في تجربتها، أو طرق أفضل لإدارة الشركة. قد يبدو الأمر غير فعال، وكأنه إهدار لوقت وجهد الموظفين، لكن في عصر الذكاء الاصطناعي، يعتمد الحفاظ على القدرة التنافسية على الفضول الصحي والتجريب. يجب على القادة تهيئة بيئات عمل يزدهر فيها الإبداع والتجريب.

مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»


حين يعجز الذكاء الاصطناعي عن فهم الفرد

من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة
من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة
TT

حين يعجز الذكاء الاصطناعي عن فهم الفرد

من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة
من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة

في عيادة حديثة، قد يقدّم الذكاء الاصطناعي تشخيصاً خلال لحظات، ويضع أمام الطبيب احتمالات محسوبة بعناية. لكن المريض، حين يجلس قبالته، لا يحمل أرقاماً مجردة، بل حكاية كاملة: تاريخاً صحياً، وأسلوب حياة، وقلقاً دفيناً، وتفاصيل لا مكان لها في قواعد البيانات. عند هذه النقطة يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن للذكاء الاصطناعي، مهما تعاظمت قدرته الحسابية، أن يفهم الإنسان الفرد؟

على امتداد السنوات الماضية، سجَّل الذكاء الاصطناعي الطبي قفزات لافتة: نماذج تتدرّب على ملايين السجلات، تحلّل الصور الطبية بدقة قد تتجاوز العين البشرية أحياناً، وتنتج تنبؤات صحية على مستوى المجتمعات. بدا وكأن الطب يخطو نحو عصر جديد تقوده الخوارزميات. غير أن هذا التقدُّم ذاته فجَّر سؤالاً أعمق: هل التفوّق مع الجماعة يضمن الفهم الحقيقي للإنسان الواحد؟

ذكاء اصطناعي يفكر وإنسان يقرر

ذكاء يفهم الملايين... ويتعثّر أمام الفرد

تعتمد «النماذج العالمية» في الطب الذكي على التعلّم من كتل هائلة من البيانات الصحية، تمتد عبر مؤسسات ودول وسنوات طويلة. وبهذا، تنجح في رصد الأنماط العامة للأمراض، ومسارات تطورها، واستجاباتها العلاجية. غير أن الطب، في جوهره العميق، لا يُمارس أعماله على «المستويات المتوسطة».

القرار العلاجي «الصائب حسابياً» قد يتحوَّل إلى قرار خاطئ إنسانياً

إن الدواء الذي يثبت نجاحه إحصائياً لدى الغالبية قد لا يلائم مريضاً بعينه. والقرار العلاجي «الصائب حسابياً» قد يتحوّل إلى قرار خاطئ إنسانياً. هنا تتجلى المفارقة: الذكاء الاصطناعي يتقن التنبؤ، لكنه يعجز غالباً عن تفسير لماذا يحدث ذلك لهذا الشخص تحديداً.

بحث حديث يضع المرآة أمام الذكاء

في يناير (كانون الثاني) 2026، نُشر بحث علمي لافت على منصة «أركايف» العلمية (arXiv)، وهي مستودع بحثي مفتوح تُنشر فيه الدراسات الأولية قبل تحكيمها النهائي. أعدّ البحث فريق دولي من مختصي الذكاء الاصطناعي الطبي وعلوم البيانات الصحية، وناقش بشكل مباشر حدود ما يُعرف بـ«النماذج العالمية» (Foundation Models)، وهي نماذج ذكاء اصطناعي ضخمة تُدرَّب على كميات هائلة من البيانات لتكوين فهم عام قابل للتطبيق في مجالات متعددة. وتعكس الدراسة، التي لم تصدر بعد في مجلة علمية مُحكَّمة، مساراً بحثياً متقدِّماً في الأوساط الأكاديمية الغربية، وتطرح سؤالاً غير مريح: هل صُمّمت هذه النماذج أساساً لفهم الإنسان الفرد، أم لإدارة صحة الجماعات فقط؟

ويشير الباحثون إلى أن النماذج العالمية، رغم قوتها الحسابية واتساع نطاقها، ليست مهيّأة بطبيعتها لاتخاذ قرارات علاجية دقيقة على مستوى الفرد الواحد.

اقتراح تطوير نماذج هجينة

لذلك يقترحون التوجَّه نحو نماذج هجينة، تمزج بين الذكاء الاصطناعي واسع النطاق وتجارب فردية من نوع N-of-1، أي دراسات تُصمَّم خصيصاً لمريض واحد، تُراقَب فيها استجابته للعلاج عبر الزمن بدل مقارنته بمتوسطات جماعية، بما يعيد الاعتبار للمريض بوصفه وحدة القرار الأساسية، لا مجرّد رقم ضمن معادلة إحصائية.

فرد واحد خارج الحساب

المريض ليس نقطة بيانات

هذا النقاش لا يتعلّق بالتقنية وحدها، بل يمسّ جوهر فلسفة الطب. من هو المريض في زمن الذكاء الاصطناعي؟ هل هو سجلّ رقمي تُحلَّل معطياته؟ أم إنسان يخوض تجربة المرض داخل سياق نفسي واجتماعي وزمني لا يمكن ضغطه في خوارزمية؟

في الطب التقليدي الحديث، لم يكن الطبيب يعالج عضواً منفصلاً، بل كياناً إنسانياً متكاملاً. واليوم، تعيد الخوارزميات طرح السؤال ذاته، ولكن بلغة رقمية حديثة: هل نفهم الجسد فقط... أم نفهم الإنسان؟

القرار الطبي... من يملك الكلمة الأخيرة؟

مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى فضاء القرار السريري، يطفو سؤال أخلاقي لا يمكن القفز فوقه: من صاحب القرار؟ الخوارزمية التي تقترح؟ أم الطبيب الذي يتحمّل المسؤولية؟ أم المريض الذي يعيش نتائج هذا القرار؟

وتشير الأبحاث الرصينة اليوم إلى إجابة متوازنة: الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم. يوسّع مساحة الفهم، لكنه لا يمتلك سلطة القرار. فالقرار الطبي ليس معادلة حسابية فحسب، بل لحظة توازن دقيقة بين العلم والخبرة... وقيم الإنسان نفسه.

ذكاء يعرف متى يتراجع

المفارقة أن نضج الذكاء الاصطناعي في الطب لا يعني مزيداً من الهيمنة، بل قدراً أعلى من التواضع: أن يعرف متى يتقدّم، ومتى يتراجع خطوة إلى الخلف. فالقيمة الحقيقية لهذه النماذج لا تكمن في أن تحلّ محل الطبيب، بل في أن تعينه على الرؤية الأبعد، دون أن تنتزع منه سلطة القرار.

قد يبرع الذكاء الاصطناعي في قراءة صحة الملايين، لكن الطب لا يستعيد إنسانيته إلا حين يتوقّف أمام إنسان واحد، ويُنصت إلى قصته... لا إلى متوسطٍ إحصائي.

وأخيراً، فإن المستقبل الصحي لا يحتاج إلى ذكاءٍ يُفكّر بدل الطبيب، بل إلى ذكاءٍ يعيد إليه صفاء الرؤية، ويترك له - وللمريض - حق الاختيار. وحين يتعلّم الذكاء الاصطناعي الاعتراف بحدوده، يبدأ الطب في استعادة جوهره الأصيل: علمٌ يقوده العقل... ورعايةٌ تحفظ إنسانية الإنسان.

وكما قال الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط: «الإنسان غاية في ذاته، وليس مجرّد وسيلة». عندها فقط، يصبح الذكاء الاصطناعي أداة في خدمة الإنسان... لا العكس.


كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر
TT

كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر

طوّر علماء جامعة هارفارد الولايات المتحدة الأميركية أداة علمية مذهلة تتيح للخلايا الحية الاحتفاظ بذكريات من ماضيها على غرار كبسولة زمنية بيولوجية. وقد يساعد هذا الابتكار في فهم كيفية مقاومة الخلايا السرطانية للعلاج، وكيف تتطور الخلايا الجذعية، وكيف تؤثر الأحداث المبكرة في سلوك الخلية لاحقاً.

«خزائن الزمن»

تصف الدراسة التي نُشرت في مجلة Science في 15 يناير (كانون الثاني) 2026 تقنية جديدة تُعرف باسم خزائن الزمن Vaults Time، وهي وحدات تخزين دقيقة داخل الخلايا تجمع وتحفظ سجلات جزيئية لنشاط الجينات عبر الزمن.

ويكمن سر هذا الاكتشاف في تراكيب خلوية غامضة تُسمّى «الفُولْتات» Vaults، وهي هياكل أسطوانية الشكل موجودة بالآلاف داخل معظم الخلايا البشرية. وعلى الرغم من اكتشافها في ثمانينات القرن الماضي، فإن دورها ظل غير معروف حتى اليوم. والآن وجد الباحثون طريقة لمنحها وظيفة جديدة وقوية.

كيف تعمل «خزائن الزمن»؟

تتواصل الجينات داخل الخلية عبر إنتاج جزيئات تُسمّى الحمض النووي الريبي الرسول (mRNA) التي تحمل التعليمات اللازمة لصنع البروتينات. لكن هذه الجزيئات قصيرة العمر؛ ما يجعل من الصعب على العلماء معرفة ما كانت تفعله الخلية في الماضي.

ولحل هذه المشكلة؛ أعاد الباحثون تصميم أحد بروتينات الهياكل الأسطوانية أو «الفُولْت» بحيث يتمكن من التعرّف على جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول والتقاطها أثناء إنتاجها. وبمجرد التقاطها تُخزَّن هذه الجزيئات داخل «الفُولْت» لتشكّل سجلاً محفوظاً لنشاط الجينات في وقت سابق.

ويمكن تشغيل عملية التسجيل أو إيقافها ببساطة عبر إضافة دواء معيّن أو سحبه تماماً مثل زر التسجيل. وأظهرت التجارب أن خزائن الزمن قادرة على جمع الحمض النووي الريبي الرسول خلال فترة 24 ساعة والاحتفاظ به لمدة لا تقل عن أسبوع من دون إلحاق أي ضرر بالخلية أو تغيير سلوكها.

ويقول قائد الدراسة فيي تشين من قسم الخلايا الجذعية وعلم الأحياء التجديدي جامعة هارفارد، إن الخلايا كانت طبيعية تماماً ولم يتغير شكل الفولتات أو حجمها. بل كانت سعيدة بحمل هذا المحتوى.

طريقة جديدة لدراسة الخلايا عبر الزمن

وتقليدياً، يدرس العلماء الخلايا بطريقتين، إما بمراقبتها مباشرة تحت المجهر أو بتحليل محتواها في لحظة زمنية واحدة. ولكلتا الطريقتين حدودها؛ إذ تتيح الأولى تتبع عدد محدود من الجزيئات بينما قد تفشل الأخرى في كشف ما حدث في السابق.

وخلال العقد الماضي طُوّرت أدوات تسجيل جينية تعتمد غالباً على «تقنية كريسبر» تُحدث علامات دائمة في الحمض النووي لتوثيق أحداث معينة. غير أن هذه الأدوات تتطلب من العلماء تحديد ما يريدون تتبعه مسبقاً.

أما خزائن الزمن، فتقدّم نهجاً مختلفاً؛ إذ تحتفظ بعينة واسعة وغير متحيزة من جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول؛ ما يمنح صورة أشمل عن تاريخ نشاط الخلية.

ويقول راندال بلات، مهندس بيولوجي في المعهد التقني الفيدرالي العالي في زيوريخ، غير المشارك بالدراسة، إن هذه التقنية تقرّبنا كثيراً من القدرة على تسجيل ما تفعله الخلايا البشرية باستمرار عبر الزمن.

تسليط الضوء على مقاومة السرطان للعلاج

ومن أكثر التطبيقات الواعدة، أبحاث السرطان. فقد استخدم الفريق هذه التقنية لدراسة ما يُعرف بـ الخلايا السرطانية العنيدة أو المستعصية Persister cells، وهي مجموعة صغيرة من الخلايا التي تنجو من العلاج رغم عدم امتلاكها طفرات جينية تفسّر هذه المقاومة. وتصبح مقاومة للمضادات الحيوية أيضاً عن طريق التحول إلى حالة من الخمول أو السكون.

وبفحص جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول المخزّنة داخل خزائن الزمن، اكتشف الباحثون أن مئات الجينات كانت نشطة بشكل غير طبيعي في هذه الخلايا قبل بدء العلاج. وعندما تم تثبيط بعض هذه الجينات أصبحت أدوية السرطان أكثر فاعلية في قتل الخلايا.

وقد يساعد هذا الاكتشاف في تفسير سبب عودة بعض أنواع السرطان بعد العلاج، ويفتح المجال أمام تطوير استراتيجيات تمنع ظهور المقاومة من الأساس.

آفاق جديدة في أبحاث الخلايا الجذعية

كما بدأ الباحثون أيضاً في استخدام خزائن الزمن لدراسة كيفية تحوّل الخلايا الجذعية إلى خلايا متخصصة، وهي عملية تدريجية يصعب تتبعها بالوسائل التقليدية.

ويرى الخبراء أن هذه التقنية قد تصبح أداة مكمّلة مهمة للأدوات الجينية الحالية، حتى إن بعضهم يتوقع إمكانية تطوير الفولتات مستقبلاً لتخزين بروتينات أو جزيئات أخرى وليس الحمض النووي الريبي فقط.

ويقول عالم الجينوم جاي شندور من جامعة واشنطن إن تحويل هذه الهياكل الغامضة إلى كبسولات زمنية خلوية يتطلّب قدراً كبيراً من الإبداع، وهو يفتح الباب أمام أنواع جديدة تماماً من التجارب البيولوجية.

ومع استمرار استكشاف إمكانات خزائن الزمن، فقد تساعد هذه الذاكرة الخلوية العلماء على كشف كيف تشكّل التجارب الماضية المحفوظة في أعماق خلايانا الصحة والمرض ومستقبل الطب.