حين تُفسّر الآلة أحلامنا المتقطعة… خوارزميات النوم تُلاحق «شهيقاً لم يكتمل»

الذكاء الاصطناعي لفكّ لغز انقطاع النفس الانسدادي خلال النوم

غالباً ما يلجأ المصابون بانقطاع التنفس في أثناء النوم إلى ارتداء قناع للأكسجين
غالباً ما يلجأ المصابون بانقطاع التنفس في أثناء النوم إلى ارتداء قناع للأكسجين
TT

حين تُفسّر الآلة أحلامنا المتقطعة… خوارزميات النوم تُلاحق «شهيقاً لم يكتمل»

غالباً ما يلجأ المصابون بانقطاع التنفس في أثناء النوم إلى ارتداء قناع للأكسجين
غالباً ما يلجأ المصابون بانقطاع التنفس في أثناء النوم إلى ارتداء قناع للأكسجين

في سكونٍ يشبه الحلم... هناك من يختنق دون أن يدري

في سكون الليل، حين يُغلق الإنسان عينيه ظناً منه أنه مقبل على راحةٍ مستحقة، تبدأ داخل جسده أحداثٌ خفيّة لا يشعر بها؛ أنفاسه تتباطأ... ثم تختفي فجأة، كأن الليل ابتلع شهيقه. يعود الزفير بعد لحظات، متقطّعاً، متوتراً، كما لو أن الجسد انتزع نفسه من الغرق دون أن يستيقظ صاحبه.

لكن خلف هذا «الصمت»، يستغيث الدماغ بلا صوت، ويصارع القلبُ بلا وعي، وتتأذى أعضاء لا تُرى.

هكذا تبدأ حكاية انقطاع النفس الانسدادي في أثناء النوم (Obstructive Sleep Apnea – OSA). واحدٌ من أكثر الاضطرابات شيوعاً وأقلّها تشخيصاً، مرضٌ صامت يهدد مئات الملايين حول العالم، ويتسلل إلى حياتهم من فراشهم... لا من فيروس ولا جرح.

ومع ازدياد الوعي بخطورة هذا الاضطراب، بدأ السباق العلمي لفهمه بعمق.

ذكاء اصطناعي يقرأ «لغة النوم»

وأخيراً، أعلن فريق من مستشفى ماونت سايناي (Mount Sinai Health System) في نيويورك ابتكاراً ثورياً: نموذج ذكاء اصطناعي لا يكتفي برصد الأعراض السطحية، بل يُحاول قراءة «لغة النوم» نفسها -تلك اللغة التي لا يتحدثها البشر، لكنها محفورة في الإشارات العصبية، ونمط التنفس، ورنين الجسم في أثناء الراحة.

إنها محاولة جريئة لتفكيك الشهيق المقطوع، وفهم الرسائل الصامتة التي يرسلها الجسد من أعماق نومه. وبين الخوارزميات، والمجسّات، ومخططات النوم، يُولد فصلٌ جديد من الطب: فصلٌ تحاول فيه الآلة أن تفسّر ما لا نراه... وما لم نكن نفهمه حتى الآن.

ما انقطاع النفس الليلي؟

إنه اضطراب خفيّ، لكنه شديد التأثير، يُصيب الإنسان في لحظات ضعفه القصوى... حين يكون نائماً.

وانقطاع النفس الانسدادي في أثناء النوم هو حالة يتوقف فيها التنفّس بشكلٍ متكرر خلال النوم، إمّا بسبب انسداد جزئي أو كلِّي في مجرى الهواء العلوي، أو نتيجة خلل في الإشارات العصبية التي تنظم التنفس.

وقد يحدث هذا الانقطاع عشرات أو حتى مئات المرات في الليلة الواحدة، دون أن يشعر المصاب بذلك. وفي كل مرة، يختنق الجسد، تنخفض نسبة الأكسجين في الدم، ويُطلق الدماغ إشارات استغاثة تؤدي إلى استيقاظ جزئي مفاجئ، يُكسر به النوم العميق... ثم يعود المريض للنوم كأن شيئاً لم يحدث.. والنتيجة؟ نوم مجزّأ، مضطرب، غير مُرَمِّم.

ومع مرور الوقت، يُصاب المريض بأعراض تتراكم كغبار الليل على صحته:

- تعب مزمن لا يزول حتى بعد ساعات من النوم.

- ضعف في التركيز والذاكرة، يؤثر على الأداء في العمل والدراسة.

- نعاس نهاري شديد (Daytime Sleepiness) قد يؤدي إلى حوادث مرورية أو مهنية خطيرة.

- اضطرابات في ضغط الدم، وعدم انتظام ضربات القلب، ومضاعفات في الدماغ والمزاج.

ورغم أن الشخير هو أكثر الأعراض شيوعاً، فإنه ليس مقياساً كافياً، فكثير من المصابين لا يشخرون، والعكس بالعكس.

ولماذا يصعب تشخيصه؟

لأن المريض نائم. فلا يشعر بالاختناق، ولا يتذكّر استيقاظه المتكرر، بل يشتكي فقط من إرهاق غير مفهوم.

ولذلك، يعتمد التشخيص الدقيق حتى اليوم على ما تُعرف بـ«دراسة النوم» (Polysomnography)، وهو اختبار يتطلب قضاء ليلة كاملة في مختبر خاص، موصولاً بأجهزة تراقب التنفس، وموجات الدماغ، وحركة العضلات، ومستوى الأكسجين. لكنَّ هذه التجربة مرهقة نفسياً وجسدياً، ومكلفة مادياً، ولا تتوفّر بسهولة في كل المراكز الصحية.

وهنا يبرز السؤال الحاسم: «هل يمكن أن نُعيد هذه الليلة إلى غرفة المريض... بلا أسلاك، ولا مختبر، ولا عناء؟» حين يدخل الذكاء الاصطناعي غرفة النوم

في هذا السياق، خرج باحثو Mount Sinai بمشروع علمي جديد قد يبدو اسمه معقداً للوهلة الأولى: «الذكاء الاصطناعي الموجَّه بالإشارات الفسيولوجية للنوم» (Physiology-Guided Sleep AI).

لكن فكرته في غاية البساطة: أن تُوكل مهمة مراقبة النوم وتحليله بالكامل إلى خوارزمية ذكية، دون الحاجة إلى مختبرات نوم، أو أسلاك، أو فنيين يراقبون المريض طوال الليل.

ما الذي يفعله هذا النموذج؟ يحلل نوم الإنسان لحظة بلحظة، في الخلفية، دون أن يُزعجه أو يوقظه، ويُعطي تقريراً دقيقاً عن:

- متى توقف النفس؟

- كم مرة؟

- ما مدى خطورة التوقف؟

- كيف أثّر ذلك على القلب، والمخ، والأكسجين؟

- وهل يحتاج المريض إلى تدخّل عاجل... أم مجرد متابعة؟

كيف «تعلّم» هذا الذكاء «فهم» النوم؟

قد يبدو غريباً أن نتحدث عن «تعلّم الآلة» للنوم، لكن هذا بالضبط ما حدث. إذ درّب الباحثون النموذج الذكي على أكثر من مليون ساعة من نوم بشري مسجّل، تم جمعها من مرضى خضعوا لاختبارات نوم دقيقة في مراكز متخصّصة حول العالم. وخلال هذا التدريب، تعرّف الذكاء الاصطناعي على إشارات بيولوجية متنوّعة، تُسجَّل من جسد النائم خلال الليل، من بينها:

- موجات الدماغ (EEG): لتحديد متى يدخل الإنسان نوماً عميقاً، ومتى يتقلب بين مراحل النوم واليقظة.

- معدّل التنفّس: لرصد لحظات التوقف أو ضيق مجرى الهواء.

- حركة العين والعضلات: لفهم ما إذا كان المريض يمرّ بمرحلة الأحلام (REM) أو يعاني من اضطرابات حركة.

- ضربات القلب: لالتقاط أي تغيّرات مفاجئة أو اضطراب في النبض.

- مستوى الأكسجين في الدم: لمعرفة مدى تأثر الجسم بانقطاع التنفّس.

كل هذه الإشارات تُدمَج داخل نموذج متعدد الوسائط، يستطيع قراءتها في وقت واحد، ليُكوّن ما يشبه خريطة حية لجسد النائم... كأن خوارزمية ذكية تراقب وتفسّر ما يجري في الخلفية، بصمت ودقة.

وما يميز هذا النموذج هو استخدامه تقنية تُعرف باسم المحوّلات (Transformers)، وهي نفس التقنية التي تقف وراء أدوات مثل ChatGPT، لكنها هنا مخصصة لتحليل النوم.

التنبؤ بمؤشرات الخطورة

النموذج لا يكتفي بتصنيف مراحل النوم بدقة (Sleep Stage Classification)، بل يتنبأ بثلاثة مؤشرات أساسية تُعد مفاتيح لفهم خطورة الحالة:

- العبء التهووي (Ventilatory Burden)، أي كم مرة واجه الجسم صعوبة في التنفّس في أثناء الليل.

- العبء الناقص للأكسجين (Hypoxic Burden)، مدى انخفاض الأكسجين في الدم وتأثيره على الأعضاء.

- شدة الاستيقاظ الليلي (Arousal Intensity)، عدد المرات التي اضطر فيها الدماغ للاستيقاظ «جزئياً» لإنقاذ الجسم.

وتساعد هذه المؤشرات الثلاثة النموذج على التنبؤ بخطر:

- توقف التنفس الحاد (Severe Apnea).

- النعاس النهاري المُفرط (Daytime Sleepiness).

- وأحياناً حتى خطر الوفاة المفاجئة في أثناء النوم (Sudden Mortality Risk).

ومع تطور هذه التقنية، لم يعد تشخيص اضطرابات النوم حلماً بعيداً، بل قد يصبح واقعاً بسيطاً... جهاز صغير على الوسادة، يراقبك بهدوء، ويفهم نمط نومك، ويُنبهك قبل أن يختنق جسدك بصمت.

هذا ليس خيالاً علمياً، بل حقيقة بدأت تتجسد مع نتائج الدراسة الحديثة التي نُشرت في مجلة «Sleep» -المجلة العلمية المرموقة المتخصصة في طب النوم- بتاريخ 13 مارس (آذار) 2025، بعنوان: «محوّل تأسيسي يستفيد من بيانات دراسة النوم متعددة القنوات طوال الليل لتصنيف مراحل النوم بدقة»، (A foundational transformer leveraging full night, multichannel sleep study data accurately classifies sleep stages).

أدوات تحليل منزلية

وتطرح هذه النتائج سؤالاً جوهرياً أمام الأطباء والمختصين هو: هل نحن على بُعد سنوات قليلة فقط من تشخيص النوم باستخدام ساعة ذكية؟ هل سنرى أجهزة منزلية تُغني عن المختبرات التقليدية، وتضع أدوات التحليل في يد المريض نفسه؟

هنا يظهر مفهوم «الطبيب المعزّز بالذكاء الاصطناعي» (AI-Augmented Physician): طبيب لا تُلغيه الآلة، بل تُضاعف من قدراته... يستخدم الخوارزمية أداةً، لكنه يحتفظ بعينه، وأذنه، وضميره... لأن التشخيص ليس أرقاماً فقط، بل مشاعر، وخوف، وثقة بين مريض وطبيبه.

وكما قال آلان تورنغ (Alan Turing) ذات يوم: «الآلة قد تفكر، لكنها لا تحب... ومن لا يحب، لا يشفق». وفي زمن أصبحت فيه الآلة تتابع أنفاسنا في نومنا، يبقى علينا نحن أن نراجع علاقتنا بالنوم... وبالجسد... وبالذكاء الذي لم يعد حكراً على الإنسان.

ربما آن الأوان ألا نُغمض أعيننا عن هذه الثورة.

مقولة ابن سينا حول النوم

وفي الختام إليكم اقتباس مختار من ابن سينا عن النوم: «النوم سكون القوى النفسانية والحسية، به تُستجمع الأرواح وتستريح الأعضاء، ويعود البدن إلى اعتداله»، (ابن سينا، القانون في الطب).


مقالات ذات صلة

ميلانيا ترمب تستقبل أول «روبوت» بشري في البيت الأبيض

الولايات المتحدة​ ميلانيا ترمب تصل برفقة الروبوت لحضور قمة «Fostering the Future Together» العالمية في البيت الأبيض بواشنطن اليوم (أ.ب) p-circle

ميلانيا ترمب تستقبل أول «روبوت» بشري في البيت الأبيض

خطفت السيدة الأولى الأميركية ميلانيا ترمب الأنظار مجدداً، بعدما رافقها «روبوت» بشري متطور خلال فعالية رسمية في البيت الأبيض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

دراسة تظهر أن الذكاء الاصطناعي يؤثر في الآراء عبر طريقة عرض المعلومات حتى عندما تكون الحقائق صحيحة وغير مضللة.

نسيم رمضان (لندن)
علوم لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

تراجع ثقة الأميركيين بعد انتشار القصص الوهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)

«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

مسيرة «أبل» خلال 50 عاماً تعكس قدرة استثنائية على الابتكار وإعادة الابتكار، من مرآب صغير إلى شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية.

نسيم رمضان (لندن)
علوم نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

«قمم خبراء» تتحدث عن الأخلاقيات... لكن المعاناة تبقى خارج النقاش

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)

دراسة: أقدم كلب معروف ظهر قبل 15 ألفاً و800 عام

امرأة تُقبّل كلبها أثناء مشاهدتهما غروب الشمس في مالطا (رويترز)
امرأة تُقبّل كلبها أثناء مشاهدتهما غروب الشمس في مالطا (رويترز)
TT

دراسة: أقدم كلب معروف ظهر قبل 15 ألفاً و800 عام

امرأة تُقبّل كلبها أثناء مشاهدتهما غروب الشمس في مالطا (رويترز)
امرأة تُقبّل كلبها أثناء مشاهدتهما غروب الشمس في مالطا (رويترز)

تُعرف الكلاب دوماً بأنها رفيقة وفية للإنسان منذ أن جعلها أول الحيوانات المستأنسة، وهي تنحدر منذ زمن بعيد من الذئاب الرمادية، لكن التساؤلات حول متى وأين ولماذا بالضبط حدث هذا لا تزال دون إجابة.

وتقدم الأبحاث الجينية الحديثة الآن نظرة فاحصة على هذا بما في ذلك تحديد أقدم كلب معروف ويعود إلى 15 ألفاً و800 عام.

وقال الباحثون إن هذا الكلب، الذي عُرف من خلال عظام عُثر عليها في موقع صخري في بينار باشي بتركيا كان يستخدمه الصيادون قديماً، أقدم بنحو خمسة آلاف سنة من أقدم حيوان ينتمي لفصيلة الكلاب معروف سابقاً وتم التأكد منه وراثياً.

وأضافوا أن تاريخ كلب بينار باشي وعدة كلاب أخرى، تم تحديدها في مواقع أخرى في أوروبا تعود إلى العصر نفسه تقريباً، تُظهر أن تلك الحيوانات كانت منتشرة على نطاق واسع وجزءا لا يتجزأ من الثقافة البشرية قبل آلاف السنين من ظهور الزراعة.

وجرى استعراض النتائج الجديدة في ورقتين علميتين نُشرتا، الأربعاء، في مجلة «نيتشر»، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال وليام مارش الباحث في مختبر علم الجينوم القديم بمعهد فرنسيس كريك في لندن والمشارك في إعداد إحدى الدراستين إن أدلة الحمض النووي تشير إلى أن الكلاب كانت موجودة في مناطق مختلفة في غرب أوراسيا منذ 18 ألف عام، وكانت بالفعل مختلفة جينياً تماماً عن الذئاب.

وأضاف مارش: «نتصور أن مجموعتي الكلاب والذئاب انفصلتا قبل ذلك بكثير، على الأرجح قبل ذروة العصر الجليدي الأخير أي قبل 24 ألف عام. ومع ذلك، لا يزال هناك الكثير من عدم اليقين».

طريقة جديدة للتمييز وراثياً

كان الكلب، الذي ينحدر من سلالة ذئاب قديمة منفصلة عن الذئاب الحديثة، أول حيوان استأنسه الإنسان قبل حيوانات أخرى مثل الماعز والأغنام والماشية والقطط.

وقال عالم الوراثة أندرس بيرجستروم من جامعة إيست أنجليا في إنجلترا، المؤلف الرئيسي للدراسة الأخرى: «ظلت الكلاب رفيقة للبشر حين مروا بتحولات كبيرة في نمط الحياة وظهرت مجتمعات معقدة».

وأضاف بيرجستروم: «من المثير للاهتمام أيضاً أنه، على عكس معظم الحيوانات المستأنسة الأخرى، لا يكون للكلاب دائماً أدوار أو أغراض محددة بوضوح بالنسبة للبشر. ربما يكون دورها الأساسي في كثير من الأحيان هو مجرد الرفقة».

وأجرى بيرجستروم وفريقه بحثاً مستفيضاً عن الكلاب في العصور القديمة في أوروبا باستخدام طريقة جديدة للتمييز وراثياً بين الذئاب والكلاب من بين 216 من البقايا القديمة يتراوح عمرها بين 46 ألف سنة وألفي سنة من بلجيكا والدنمارك وفرنسا وألمانيا وهولندا واسكتلندا والسويد وسويسرا وتركيا. وهذه أكبر دراسة من نوعها لهذه البقايا حتى الآن.

عظام الفك العلوي لكلب عُثر عليها في كهف بسويسرا ويعود تاريخها إلى نحو 14 ألف عام (رويترز)

وتمكن الباحثون من تحديد 46 كلباً و95 ذئباً. ونظراً لأن الهياكل العظمية للكلاب والذئاب كانت متشابهة جداً في المراحل المبكرة من استئناس الكلاب، فإن الدراسات الجينية ضرورية للتمييز بينها في البقايا القديمة.

وأقدم الكلاب التي حددها فريق بيرجستروم يعود تاريخه إلى 14 ألفاً و200 عام من موقع كهف كيسلرلوخ في سويسرا. وتبين أن أقدم الكلاب الأوروبية التي حددتها هذه الدراسة تشترك في الأصل مع الكلاب في آسيا وبقية العالم مما يدل على أن هذه المجموعات المختلفة من الكلاب لم تنشأ من حالات استئناس منفصلة.

أسئلة دون إجابة

ويعد كلب بينار باشي، في الدراسة التي عمل عليها مارش، دليلاً على منزلته الكبيرة لدى الصيادين الذين كانوا يربون الكلاب.

وقال مارش: «في بينار باشي، توجد مدافن للبشر والكلاب ودُفنت الكلاب بجوار البشر».

وهناك أدلة أيضاً على أن سكان بينار باشي كانوا يطعمون كلابهم السمك.

وحددت هذه الدراسة خمسة كلاب يعود تاريخها إلى ما بين 15 ألفاً و800 و14 ألفاً و300 سنة، بما في ذلك بقايا كلاب من كهف جوف بالقرب من تشيدر في إنجلترا.

عظام فك كلب عمرها 14 ألفاً و300 عام عُثر عليها في كهف بإنجلترا (أ.ب)

وخلصت الدراسة إلى أن كلاب بينار باشي وكهف جوف أكثر ارتباطاً بأسلاف السلالات الأوروبية والشرق أوسطية الحالية مثل البوكسر والسلوقي، مقارنة بالسلالات القطبية مثل الهاسكي السيبيري.

ووفقاً للباحثين، فإلى جانب الرفقة ربما ساعدت الكلاب القديمة البشر في الصيد أو الحراسة، نوعاً ما كنظام إنذار في العصر الجليدي. وقالوا إنه على عكس عدد من سلالات الكلاب في عصرنا الحالي، من المرجح أن تلك الكلاب القديمة كانت لا تزال تشبه إلى حد كبير الذئاب المنحدرة منها.

وأوضح بيرجستروم أن «الأسئلة المتعلقة بمتى وأين وسبب ترويض البشر للكلاب تظل دون إجابة إلى حد كبير... نعتقد أن ذلك حدث على الأرجح في مكان ما في آسيا لكن لا يزال يتعين تحديد المكان بدقة أكبر».


لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
TT

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

انطلق عصر الذكاء الاصطناعي بوعودٍ واسعة النطاق ونقاشاتٍ حول إمكانياتٍ لا حدود لها، كما تكتب لويز ك. ألين(*).

تفاؤل وخيبة

والآن، وبعد سنواتٍ من الخبرة العملية، لا يزال الخبراء متفائلين بشأن التأثير طويل الأمد للذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، يتفق معظم الناس على أن مساهماته في الحياة اليومية كانت مخيِّبة للآمال، إن لم تكن أسوأ من ذلك.

وحتى بصفتي واحدة من العاملات في القيادة التقنية بهذا المجال، لا بد لي من الاعتراف بأن استياء المستهلكين من الذكاء الاصطناعي له ما يبرره إلى حد كبير، فقد اتسمت تجربة المواطن الأميركي العادي مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، حتى الآن، بتراجع الجودة وازدياد انعدام الثقة.

قصص وهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

تعجّ وسائل التواصل الاجتماعي بأشخاصٍ وقصصٍ وهمية، وتمتلئ الأسواق الإلكترونية بشكلٍ متزايد بعمليات الاحتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تفشل مبادرات الشركات في تحقيق التوقعات المالية، بل إن عدداً منها زاد من صعوبة حياة العاملين.

لقد بات فشل أدوات الذكاء الاصطناعي العام في تحقيق الضجة الإعلامية الكبيرة التي أثيرت حولها، أمراً مُسلَّماً به عالمياً، حتى إن قاموس ميريام-ويبستر نفسه أعلن اختياره كلمة «هراء» ككلمة عام 2025.

«التحديد الدقيق والموجّه»

ومع ذلك، تتاح للجمهور، الآن، فرصة لتغيير هذا الواقع في عام 2026. ويبدأ ذلك بتوظيف مفهوم «التحديد الدقيق (specificity)» ككلمة تُعرِّف ما هو مقبل.

وفي حقيقة الأمر، فإن شركات التكنولوجيا وباحثي الذكاء الاصطناعي بالغوا في تقدير القدرات الفعلية لهذه التقنية منذ البداية، فقد ركّز هؤلاء الرواد على الإمكانات الكامنة، بدلاً من النتائج العملية. لقد صوّروا الذكاء الاصطناعي على أنه ضرورة يجب على الشركات اتباعها لمواكبة التطورات، بدلاً من كونه أداةً يمكن للمؤسسات والأفراد استخدامها لتحقيق أهداف محددة.

التكنولوجيا وسيلة وليست غاية

لتطوير هذه التقنية وتحقيق رؤيتهم لمستقبل مُحسَّن بالذكاء الاصطناعي، سيتعيّن على القادة التوقف عن مناشدة الجمهور لتغيير الخطاب حول الذكاء الاصطناعي.

إن الطريق إلى الأمام بسيط للغاية، إذ يحتاج قادة التكنولوجيا إلى العودة إلى أساسيات المنتج. عليهم أن يتقبلوا فكرة أن التكنولوجيا وسيلة لتحقيق غاية، وليست غاية في حد ذاتها، وهذا يعني إعادة تركيز استراتيجيات التطوير والتواصل على حلول للمشاكل الحقيقية.

خطوات التحديد الدقيق «الموجّه»

1. التصميم الموجَّه للأفراد لا «المستخدمين»

إن إغراء بناء أدوات عامة الأغراض مفهوم، لكن القيام بذلك باستخدام التكنولوجيا الحالية يُضعف فائدتها. وستكون أدوات الذكاء الاصطناعي، اليوم، أكثر فاعلية عندما تُصمم خصوصاً لأفراد محددين في أدوار محددة. يجب أن تُوجه هذه المعرفة عملية ابتكار المنتج، والتدريب، والتسويق، وتكتيكات المبيعات.

2. التركيز على النتائج بدلاً من القدرات

الذكاء الاصطناعي ليس مختلفاً عن أي منتج آخر. لن يستخدمه الناس إلا إذا حل مشكلة موجودة لديهم بالفعل. ويفشل كثير من أدوات الذكاء الاصطناعي في تحقيق هذا الهدف، فهي تركز على ما يمكن للنموذج فعله، بدلاً من التمعن في فهم أسباب أهمية ما يفعله.

3. التوقف عن تقديم وعود خيالية

قد يُمثل الذكاء الاصطناعي، اليوم، مستقبلاً يمكن فيه تحقيق التحسين الشامل، لكن هذا ليس صحيحاً. يجب أن تعكس خطط تطوير المنتجات هذه الحقيقة. إنّ الوضوح والمباشرة بشأن ما هو متاح الآن وما سيكون متاحاً في المستقبل يُساعدان على تخفيف الإرهاق الناتج عن الضجة الإعلامية واستعادة الثقة.

حان وقت إعادة النظر

بصفتي مديرة للمنتجات، شاهدتُ عدداً من الأمثلة على الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي، خلال السنوات القليلة الماضية.

ومع ذلك، أُدرك أن أسباب انعدام ثقة الجمهور أو عدم اهتمامه الواسع النطاق تقع في معظمها على عاتق قطاع التكنولوجيا، ذلك أن رغبة هذا القطاع في إنجاز كل شيء دفعة واحدة، خلقت بيئةً لا يثق فيها الناس بقدرة التكنولوجيا على القيام بأي شيء مفيد.

إنها حقيقةٌ يصعب تقبّلها، لكن أي قائد تقني يُنكر ذلك يُخدع نفسه. ومع ذلك، لم يفت الأوان بعدُ لتصحيح الوضع. إذا كان القادة على استعداد لتقبُّل هذه الحقيقة وإعادة توجيه استراتيجياتهم نحو «التحديد»، فسيكون هناك متسع من الوقت لإعادة النظر، وإعادة التقييم، وتحقيق رؤية مستقبلٍ مُحسَّن. يجب أن يحدث هذا قريباً، وإلا فسيضيع مستقبل الذكاء الاصطناعي هباءً.

*مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا»


مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟