حين تُفسّر الآلة أحلامنا المتقطعة… خوارزميات النوم تُلاحق «شهيقاً لم يكتمل»

الذكاء الاصطناعي لفكّ لغز انقطاع النفس الانسدادي خلال النوم

غالباً ما يلجأ المصابون بانقطاع التنفس في أثناء النوم إلى ارتداء قناع للأكسجين
غالباً ما يلجأ المصابون بانقطاع التنفس في أثناء النوم إلى ارتداء قناع للأكسجين
TT

حين تُفسّر الآلة أحلامنا المتقطعة… خوارزميات النوم تُلاحق «شهيقاً لم يكتمل»

غالباً ما يلجأ المصابون بانقطاع التنفس في أثناء النوم إلى ارتداء قناع للأكسجين
غالباً ما يلجأ المصابون بانقطاع التنفس في أثناء النوم إلى ارتداء قناع للأكسجين

في سكونٍ يشبه الحلم... هناك من يختنق دون أن يدري

في سكون الليل، حين يُغلق الإنسان عينيه ظناً منه أنه مقبل على راحةٍ مستحقة، تبدأ داخل جسده أحداثٌ خفيّة لا يشعر بها؛ أنفاسه تتباطأ... ثم تختفي فجأة، كأن الليل ابتلع شهيقه. يعود الزفير بعد لحظات، متقطّعاً، متوتراً، كما لو أن الجسد انتزع نفسه من الغرق دون أن يستيقظ صاحبه.

لكن خلف هذا «الصمت»، يستغيث الدماغ بلا صوت، ويصارع القلبُ بلا وعي، وتتأذى أعضاء لا تُرى.

هكذا تبدأ حكاية انقطاع النفس الانسدادي في أثناء النوم (Obstructive Sleep Apnea – OSA). واحدٌ من أكثر الاضطرابات شيوعاً وأقلّها تشخيصاً، مرضٌ صامت يهدد مئات الملايين حول العالم، ويتسلل إلى حياتهم من فراشهم... لا من فيروس ولا جرح.

ومع ازدياد الوعي بخطورة هذا الاضطراب، بدأ السباق العلمي لفهمه بعمق.

ذكاء اصطناعي يقرأ «لغة النوم»

وأخيراً، أعلن فريق من مستشفى ماونت سايناي (Mount Sinai Health System) في نيويورك ابتكاراً ثورياً: نموذج ذكاء اصطناعي لا يكتفي برصد الأعراض السطحية، بل يُحاول قراءة «لغة النوم» نفسها -تلك اللغة التي لا يتحدثها البشر، لكنها محفورة في الإشارات العصبية، ونمط التنفس، ورنين الجسم في أثناء الراحة.

إنها محاولة جريئة لتفكيك الشهيق المقطوع، وفهم الرسائل الصامتة التي يرسلها الجسد من أعماق نومه. وبين الخوارزميات، والمجسّات، ومخططات النوم، يُولد فصلٌ جديد من الطب: فصلٌ تحاول فيه الآلة أن تفسّر ما لا نراه... وما لم نكن نفهمه حتى الآن.

ما انقطاع النفس الليلي؟

إنه اضطراب خفيّ، لكنه شديد التأثير، يُصيب الإنسان في لحظات ضعفه القصوى... حين يكون نائماً.

وانقطاع النفس الانسدادي في أثناء النوم هو حالة يتوقف فيها التنفّس بشكلٍ متكرر خلال النوم، إمّا بسبب انسداد جزئي أو كلِّي في مجرى الهواء العلوي، أو نتيجة خلل في الإشارات العصبية التي تنظم التنفس.

وقد يحدث هذا الانقطاع عشرات أو حتى مئات المرات في الليلة الواحدة، دون أن يشعر المصاب بذلك. وفي كل مرة، يختنق الجسد، تنخفض نسبة الأكسجين في الدم، ويُطلق الدماغ إشارات استغاثة تؤدي إلى استيقاظ جزئي مفاجئ، يُكسر به النوم العميق... ثم يعود المريض للنوم كأن شيئاً لم يحدث.. والنتيجة؟ نوم مجزّأ، مضطرب، غير مُرَمِّم.

ومع مرور الوقت، يُصاب المريض بأعراض تتراكم كغبار الليل على صحته:

- تعب مزمن لا يزول حتى بعد ساعات من النوم.

- ضعف في التركيز والذاكرة، يؤثر على الأداء في العمل والدراسة.

- نعاس نهاري شديد (Daytime Sleepiness) قد يؤدي إلى حوادث مرورية أو مهنية خطيرة.

- اضطرابات في ضغط الدم، وعدم انتظام ضربات القلب، ومضاعفات في الدماغ والمزاج.

ورغم أن الشخير هو أكثر الأعراض شيوعاً، فإنه ليس مقياساً كافياً، فكثير من المصابين لا يشخرون، والعكس بالعكس.

ولماذا يصعب تشخيصه؟

لأن المريض نائم. فلا يشعر بالاختناق، ولا يتذكّر استيقاظه المتكرر، بل يشتكي فقط من إرهاق غير مفهوم.

ولذلك، يعتمد التشخيص الدقيق حتى اليوم على ما تُعرف بـ«دراسة النوم» (Polysomnography)، وهو اختبار يتطلب قضاء ليلة كاملة في مختبر خاص، موصولاً بأجهزة تراقب التنفس، وموجات الدماغ، وحركة العضلات، ومستوى الأكسجين. لكنَّ هذه التجربة مرهقة نفسياً وجسدياً، ومكلفة مادياً، ولا تتوفّر بسهولة في كل المراكز الصحية.

وهنا يبرز السؤال الحاسم: «هل يمكن أن نُعيد هذه الليلة إلى غرفة المريض... بلا أسلاك، ولا مختبر، ولا عناء؟» حين يدخل الذكاء الاصطناعي غرفة النوم

في هذا السياق، خرج باحثو Mount Sinai بمشروع علمي جديد قد يبدو اسمه معقداً للوهلة الأولى: «الذكاء الاصطناعي الموجَّه بالإشارات الفسيولوجية للنوم» (Physiology-Guided Sleep AI).

لكن فكرته في غاية البساطة: أن تُوكل مهمة مراقبة النوم وتحليله بالكامل إلى خوارزمية ذكية، دون الحاجة إلى مختبرات نوم، أو أسلاك، أو فنيين يراقبون المريض طوال الليل.

ما الذي يفعله هذا النموذج؟ يحلل نوم الإنسان لحظة بلحظة، في الخلفية، دون أن يُزعجه أو يوقظه، ويُعطي تقريراً دقيقاً عن:

- متى توقف النفس؟

- كم مرة؟

- ما مدى خطورة التوقف؟

- كيف أثّر ذلك على القلب، والمخ، والأكسجين؟

- وهل يحتاج المريض إلى تدخّل عاجل... أم مجرد متابعة؟

كيف «تعلّم» هذا الذكاء «فهم» النوم؟

قد يبدو غريباً أن نتحدث عن «تعلّم الآلة» للنوم، لكن هذا بالضبط ما حدث. إذ درّب الباحثون النموذج الذكي على أكثر من مليون ساعة من نوم بشري مسجّل، تم جمعها من مرضى خضعوا لاختبارات نوم دقيقة في مراكز متخصّصة حول العالم. وخلال هذا التدريب، تعرّف الذكاء الاصطناعي على إشارات بيولوجية متنوّعة، تُسجَّل من جسد النائم خلال الليل، من بينها:

- موجات الدماغ (EEG): لتحديد متى يدخل الإنسان نوماً عميقاً، ومتى يتقلب بين مراحل النوم واليقظة.

- معدّل التنفّس: لرصد لحظات التوقف أو ضيق مجرى الهواء.

- حركة العين والعضلات: لفهم ما إذا كان المريض يمرّ بمرحلة الأحلام (REM) أو يعاني من اضطرابات حركة.

- ضربات القلب: لالتقاط أي تغيّرات مفاجئة أو اضطراب في النبض.

- مستوى الأكسجين في الدم: لمعرفة مدى تأثر الجسم بانقطاع التنفّس.

كل هذه الإشارات تُدمَج داخل نموذج متعدد الوسائط، يستطيع قراءتها في وقت واحد، ليُكوّن ما يشبه خريطة حية لجسد النائم... كأن خوارزمية ذكية تراقب وتفسّر ما يجري في الخلفية، بصمت ودقة.

وما يميز هذا النموذج هو استخدامه تقنية تُعرف باسم المحوّلات (Transformers)، وهي نفس التقنية التي تقف وراء أدوات مثل ChatGPT، لكنها هنا مخصصة لتحليل النوم.

التنبؤ بمؤشرات الخطورة

النموذج لا يكتفي بتصنيف مراحل النوم بدقة (Sleep Stage Classification)، بل يتنبأ بثلاثة مؤشرات أساسية تُعد مفاتيح لفهم خطورة الحالة:

- العبء التهووي (Ventilatory Burden)، أي كم مرة واجه الجسم صعوبة في التنفّس في أثناء الليل.

- العبء الناقص للأكسجين (Hypoxic Burden)، مدى انخفاض الأكسجين في الدم وتأثيره على الأعضاء.

- شدة الاستيقاظ الليلي (Arousal Intensity)، عدد المرات التي اضطر فيها الدماغ للاستيقاظ «جزئياً» لإنقاذ الجسم.

وتساعد هذه المؤشرات الثلاثة النموذج على التنبؤ بخطر:

- توقف التنفس الحاد (Severe Apnea).

- النعاس النهاري المُفرط (Daytime Sleepiness).

- وأحياناً حتى خطر الوفاة المفاجئة في أثناء النوم (Sudden Mortality Risk).

ومع تطور هذه التقنية، لم يعد تشخيص اضطرابات النوم حلماً بعيداً، بل قد يصبح واقعاً بسيطاً... جهاز صغير على الوسادة، يراقبك بهدوء، ويفهم نمط نومك، ويُنبهك قبل أن يختنق جسدك بصمت.

هذا ليس خيالاً علمياً، بل حقيقة بدأت تتجسد مع نتائج الدراسة الحديثة التي نُشرت في مجلة «Sleep» -المجلة العلمية المرموقة المتخصصة في طب النوم- بتاريخ 13 مارس (آذار) 2025، بعنوان: «محوّل تأسيسي يستفيد من بيانات دراسة النوم متعددة القنوات طوال الليل لتصنيف مراحل النوم بدقة»، (A foundational transformer leveraging full night, multichannel sleep study data accurately classifies sleep stages).

أدوات تحليل منزلية

وتطرح هذه النتائج سؤالاً جوهرياً أمام الأطباء والمختصين هو: هل نحن على بُعد سنوات قليلة فقط من تشخيص النوم باستخدام ساعة ذكية؟ هل سنرى أجهزة منزلية تُغني عن المختبرات التقليدية، وتضع أدوات التحليل في يد المريض نفسه؟

هنا يظهر مفهوم «الطبيب المعزّز بالذكاء الاصطناعي» (AI-Augmented Physician): طبيب لا تُلغيه الآلة، بل تُضاعف من قدراته... يستخدم الخوارزمية أداةً، لكنه يحتفظ بعينه، وأذنه، وضميره... لأن التشخيص ليس أرقاماً فقط، بل مشاعر، وخوف، وثقة بين مريض وطبيبه.

وكما قال آلان تورنغ (Alan Turing) ذات يوم: «الآلة قد تفكر، لكنها لا تحب... ومن لا يحب، لا يشفق». وفي زمن أصبحت فيه الآلة تتابع أنفاسنا في نومنا، يبقى علينا نحن أن نراجع علاقتنا بالنوم... وبالجسد... وبالذكاء الذي لم يعد حكراً على الإنسان.

ربما آن الأوان ألا نُغمض أعيننا عن هذه الثورة.

مقولة ابن سينا حول النوم

وفي الختام إليكم اقتباس مختار من ابن سينا عن النوم: «النوم سكون القوى النفسانية والحسية، به تُستجمع الأرواح وتستريح الأعضاء، ويعود البدن إلى اعتداله»، (ابن سينا، القانون في الطب).


مقالات ذات صلة

الولايات المتحدة​ صورة تخيلية نشرها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على منصة «تروث سوشيال» تظهره وهو يغرس العلم الأميركي في أرض كتب عليها «غرينلاند أرض أميركية 2026» وبجانبه نائبه جي دي فانس ووزير خارجيته ماركو روبيو

من غزة إلى غرينلاند... ترمب يوجه رسائل بصور الذكاء الاصطناعي

ينشر الرئيس دونالد ترمب باستمرار، سواء عبر حسابه في تروث سوشال أو حساب البيت الأبيض، صوراً مولّدة عبر الذكاء الاصطناعي. هذه جولة عليها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد العاصمة السعودية الرياض (واس)

كيف تضع السعودية نفسها في قلب اقتصاد الذكاء الاصطناعي؟

قبل أن تحسم رهانات الذكاء الاصطناعي بوادي السيليكون والعواصم الصناعية الكبرى كانت السعودية تتحرك على مسار موازٍ مدفوعة بمزيج نادر من رأس المال، والطاقة، والطموح

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا شعار شركة «أوبن إيه آي» (رويترز)

«أوبن إيه آي» تعتزم إطلاق أول جهاز ذكاء اصطناعي من تطويرها هذا العام

أعلن كريس ليهان كبير مسؤولي الشؤون العالمية في شركة «أوبن إيه آي» يوم الاثنين أن الشركة تعتزم الكشف عن أول جهاز ذكاء اصطناعي من تطويرها في 2026

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد الرئيس التنفيذي لـ«بلاك روك» لاري فينك (الشرق الأوسط)

لاري فينك من دافوس: في عصر الذكاء الاصطناعي «الثقة» هي العملة الأصعب

قال الرئيس التنفيذي لـ«بلاك روك» لاري فينك، إن قدرة المنتدى الاقتصادي العالمي على الاستمرار والتأثير مرهونة بإعادة بناء الثقة وتوسيع دائرة المشاركة والحوار.

«الشرق الأوسط» (دافوس)

كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر
TT

كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر

طوّر علماء جامعة هارفارد الولايات المتحدة الأميركية أداة علمية مذهلة تتيح للخلايا الحية الاحتفاظ بذكريات من ماضيها على غرار كبسولة زمنية بيولوجية. وقد يساعد هذا الابتكار في فهم كيفية مقاومة الخلايا السرطانية للعلاج، وكيف تتطور الخلايا الجذعية، وكيف تؤثر الأحداث المبكرة في سلوك الخلية لاحقاً.

«خزائن الزمن»

تصف الدراسة التي نُشرت في مجلة Science في 15 يناير (كانون الثاني) 2026 تقنية جديدة تُعرف باسم خزائن الزمن Vaults Time، وهي وحدات تخزين دقيقة داخل الخلايا تجمع وتحفظ سجلات جزيئية لنشاط الجينات عبر الزمن.

ويكمن سر هذا الاكتشاف في تراكيب خلوية غامضة تُسمّى «الفُولْتات» Vaults، وهي هياكل أسطوانية الشكل موجودة بالآلاف داخل معظم الخلايا البشرية. وعلى الرغم من اكتشافها في ثمانينات القرن الماضي، فإن دورها ظل غير معروف حتى اليوم. والآن وجد الباحثون طريقة لمنحها وظيفة جديدة وقوية.

كيف تعمل «خزائن الزمن»؟

تتواصل الجينات داخل الخلية عبر إنتاج جزيئات تُسمّى الحمض النووي الريبي الرسول (mRNA) التي تحمل التعليمات اللازمة لصنع البروتينات. لكن هذه الجزيئات قصيرة العمر؛ ما يجعل من الصعب على العلماء معرفة ما كانت تفعله الخلية في الماضي.

ولحل هذه المشكلة؛ أعاد الباحثون تصميم أحد بروتينات الهياكل الأسطوانية أو «الفُولْت» بحيث يتمكن من التعرّف على جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول والتقاطها أثناء إنتاجها. وبمجرد التقاطها تُخزَّن هذه الجزيئات داخل «الفُولْت» لتشكّل سجلاً محفوظاً لنشاط الجينات في وقت سابق.

ويمكن تشغيل عملية التسجيل أو إيقافها ببساطة عبر إضافة دواء معيّن أو سحبه تماماً مثل زر التسجيل. وأظهرت التجارب أن خزائن الزمن قادرة على جمع الحمض النووي الريبي الرسول خلال فترة 24 ساعة والاحتفاظ به لمدة لا تقل عن أسبوع من دون إلحاق أي ضرر بالخلية أو تغيير سلوكها.

ويقول قائد الدراسة فيي تشين من قسم الخلايا الجذعية وعلم الأحياء التجديدي جامعة هارفارد، إن الخلايا كانت طبيعية تماماً ولم يتغير شكل الفولتات أو حجمها. بل كانت سعيدة بحمل هذا المحتوى.

طريقة جديدة لدراسة الخلايا عبر الزمن

وتقليدياً، يدرس العلماء الخلايا بطريقتين، إما بمراقبتها مباشرة تحت المجهر أو بتحليل محتواها في لحظة زمنية واحدة. ولكلتا الطريقتين حدودها؛ إذ تتيح الأولى تتبع عدد محدود من الجزيئات بينما قد تفشل الأخرى في كشف ما حدث في السابق.

وخلال العقد الماضي طُوّرت أدوات تسجيل جينية تعتمد غالباً على «تقنية كريسبر» تُحدث علامات دائمة في الحمض النووي لتوثيق أحداث معينة. غير أن هذه الأدوات تتطلب من العلماء تحديد ما يريدون تتبعه مسبقاً.

أما خزائن الزمن، فتقدّم نهجاً مختلفاً؛ إذ تحتفظ بعينة واسعة وغير متحيزة من جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول؛ ما يمنح صورة أشمل عن تاريخ نشاط الخلية.

ويقول راندال بلات، مهندس بيولوجي في المعهد التقني الفيدرالي العالي في زيوريخ، غير المشارك بالدراسة، إن هذه التقنية تقرّبنا كثيراً من القدرة على تسجيل ما تفعله الخلايا البشرية باستمرار عبر الزمن.

تسليط الضوء على مقاومة السرطان للعلاج

ومن أكثر التطبيقات الواعدة، أبحاث السرطان. فقد استخدم الفريق هذه التقنية لدراسة ما يُعرف بـ الخلايا السرطانية العنيدة أو المستعصية Persister cells، وهي مجموعة صغيرة من الخلايا التي تنجو من العلاج رغم عدم امتلاكها طفرات جينية تفسّر هذه المقاومة. وتصبح مقاومة للمضادات الحيوية أيضاً عن طريق التحول إلى حالة من الخمول أو السكون.

وبفحص جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول المخزّنة داخل خزائن الزمن، اكتشف الباحثون أن مئات الجينات كانت نشطة بشكل غير طبيعي في هذه الخلايا قبل بدء العلاج. وعندما تم تثبيط بعض هذه الجينات أصبحت أدوية السرطان أكثر فاعلية في قتل الخلايا.

وقد يساعد هذا الاكتشاف في تفسير سبب عودة بعض أنواع السرطان بعد العلاج، ويفتح المجال أمام تطوير استراتيجيات تمنع ظهور المقاومة من الأساس.

آفاق جديدة في أبحاث الخلايا الجذعية

كما بدأ الباحثون أيضاً في استخدام خزائن الزمن لدراسة كيفية تحوّل الخلايا الجذعية إلى خلايا متخصصة، وهي عملية تدريجية يصعب تتبعها بالوسائل التقليدية.

ويرى الخبراء أن هذه التقنية قد تصبح أداة مكمّلة مهمة للأدوات الجينية الحالية، حتى إن بعضهم يتوقع إمكانية تطوير الفولتات مستقبلاً لتخزين بروتينات أو جزيئات أخرى وليس الحمض النووي الريبي فقط.

ويقول عالم الجينوم جاي شندور من جامعة واشنطن إن تحويل هذه الهياكل الغامضة إلى كبسولات زمنية خلوية يتطلّب قدراً كبيراً من الإبداع، وهو يفتح الباب أمام أنواع جديدة تماماً من التجارب البيولوجية.

ومع استمرار استكشاف إمكانات خزائن الزمن، فقد تساعد هذه الذاكرة الخلوية العلماء على كشف كيف تشكّل التجارب الماضية المحفوظة في أعماق خلايانا الصحة والمرض ومستقبل الطب.


باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»

باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»
TT

باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»

باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»

تقول برينا هين Brenna Henn، عالمة الوراثة في جامعة كاليفورنيا-ديفيس: «في مختبري، نحن نهتم بتوصيف التنوع البشري، وخاصةً لدى السكان الذين يعيشون في أفريقيا، أو المتحدرين منها. وأحد الأمور التي أردنا معالجتها هو التركيز المفرط على الطب الجيني الشخصي. والفكرة هي أنه عند إجراء تسلسل الجينوم، يمكن بعد ذلك دراسته بالنسبة لأمراض القلب أو السل -اختر مرضك المفضل- وسنتمكن من إعطائك درجة تُشير إلى مدى احتمالية إصابتك بهذه الأمراض».

نتائج متحيزة للجنس الأبيض

يُجرى معظم هذا العمل على الأوروبيين أو أحفادهم في الولايات المتحدة. عندما نُطبّق هذه الدرجات على مجموعات سكانية أخرى، لا تكون النتائج بنفس الكفاءة. وهذه مشكلة كبيرة، لأننا نُطوّر أداة سريرية لا تُجدي نفعاً إلا مع نصف الأشخاص الذين يراجعون أي عيادة في الولايات المتحدة.

وأحد أهدافنا هو فهم سبب ذلك. هل يعود ذلك إلى وجود طفرات فريدة لدى هؤلاء الأشخاص غير موجودة لدى الأوروبيين؟ أم أن لديهم نفس أنواع الجينات، ولكن تفاعلهم مع البيئة يختلف؟

دراسة الجينوم الأفريقي

في عام 2019، حصلتُ على منحةٍ للباحثين في بداية مسيرتهم المهنية من المعاهد الوطنية للصحة. جمعنا نحو 3600 جينوم من مجموعات سكانية من أصول أفريقية، سواء في القارة الأفريقية، أو في الأميركتين. وقدّمْنا 80 عينة جمعناها في جنوب أفريقيا من مجموعةٍ بالغة الأهمية تُدعى الخويسان Khoisan التي يتميز أفرادها بتنوّعٍ جينيٍّ يفوق أيّ مجموعةٍ بشريةٍ أخرى. أستمتعُ بوجودي في هذه المجتمعات، وأُحبّ التحدث مع أهلها.

نموذج لتطور الإنسان المبكر

ساعدتنا هذه البيانات في وضع نموذجٍ جديدٍ لتطور الإنسان المبكر في أفريقيا. لطالما ساد اعتقادٌ بأنّ الإنسان نشأ في موقعٍ واحدٍ فقط في أفريقيا. لكنّ ظهور جنسنا البشريّ على الأرجح كان أوسع نطاقاً في أفريقيا.

ورغم أن منحتي كانت قابلة للتجديد كل خمس سنوات، فقد تعطلت الموافقة عليها ثم ظل الطلب معلقاً من ديسمبر (كانو الأول) 2024 إلى سبتمبر (أيلول) 2025.

إخفاقات التمويل أوقفت الأبحاث

ثم قيل لنا: «لا يمكن تحديد سياسة معينة. ولكن نظراً لأن طلبكم يتضمن تعاوناً مع جنوب أفريقيا، فلن يتم تمويله». هذا كل ما جاء في البريد الإلكتروني.

إنني أشعر بخيبة أمل شديدة. كان أحد أهدافنا نشر قاعدة بيانات ضخمة للجينومات الأفريقية. سيكون هذا المورد متاحاً لآلاف الباحثين في مجال الطب الحيوي في الولايات المتحدة، والعالم. الآن لا أملك المال الكافي لاستضافة البيانات، أو إجراء التحليلات. لديّ 200 تيرابايت من البيانات مُخزّنة على خادم كمبيوتري في كيبيك. إنه لأمرٌ مؤسفٌ للغاية.

* باختصار خدمة «نيويورك تايمز»


مشاريع أحلام معمارية لعام 2026

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026
TT

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026

نادراً ما يُتاح للمهندسين المعماريين اختيار المشاريع التي يعملون عليها؛ وذلك لاعتماد مجال الهندسة المعمارية على كبار المطورين العقاريين المتمتعين بميزانيات ضخمة.

وقد طلبت المجلة من مهندسين معماريين ومصممين من كبرى الشركات العالمية التفكير في أنواع المشاريع التي يتمنون تنفيذها، بغض النظر عن الزبائن والميزانيات، وربما عن الواقع أيضاً. وشارك سبعة مهندسين معماريين مشاريع بناء يتمنون العمل عليها في عام 2026.

أحلام معمارية

إليكم السؤال الذي طرحناه على لجنة من المصممين وقادة الهندسة المعمارية: ما هو مشروع أحلامكم لعام 2026؟

* «إعادة تصور حي حضري». يقول ترينت تيش، مدير مؤسسة KPF لبناء المدن إن مشروع أحلامي ليس مجرد مَعلم بارز في الأفق أو مشهد مبهر، بل هو نظام مستدام طويل الأمد، مشروع يُعاد فيه استخدام هيكله، وتُحسّن مواده ويُعاد تدويرها بدلاً من استبدالها، ويتحسن أداؤه بمرور الوقت. حيث لا تُخفى استراتيجيات الاستدامة في الأقبية أو على أسطح المباني، بل تُصبح جزءاً لا يتجزأ من التجربة المعمارية.

مشروع أحلامي هو إعادة تصور حي حضري، يُعاد تصميمه بدقة متناهية (بدلاً من هدمه)، حيث تُمنح مبانيه المتدهورة حياة جديدة من خلال تحسينات دقيقة، وتدخلات بسيطة، واهتمام بالحرفية وأداء المبنى.

* «أماكن متكاملة - حلول للأزمات الراهنة». مشروع أحلامي، كما يقول ديفيد بولزين، المدير التنفيذي للتصميم لمؤسسة «كانون ديزاين»، هو تصميم يتجاوز نطاق المبنى الواحد، ليشمل نطاق الحي بأكمله؛ بهدف ابتكار أسلوب حياة جديد. لدينا القدرة على تجاوز التجزئة التي أوجدناها في البيئة العمرانية، والتوجه نحو أماكن متكاملة لا يقتصر فيها الأمر على عيش الناس وعملهم وترفيههم في المكان نفسه، بل يتيح لهم أيضاً الابتكار والتعلم والاهتمام بأنفسهم وببعضهم بعضاً. يتضمن هذا النهج حلولاً للأزمات الراهنة كالسكن، والحصول على الغذاء والرعاية، وغيرها: التفكير في بناء المجتمع وما يحتاج إليه الناس من حولهم لضمان حياة آمنة وحيوية ومُدعمة.

بورصة المناخ و«جنة الأرض»

* «بورصة نيويورك للمناخ». مشروع أحلامي الذي أطمح إليه - كما يقول كولين كوب، شريك في شركة SOM- أن يبدأ العمل فيه مع نهاية هذا العام - بورصة نيويورك للمناخ New York Climate Exchange في جزيرة «غوفيرنيرز». سيكون بلا شك أكثر المشاريع استدامةً على الإطلاق في المدينة، ومثالاً على المسار الذي يجب أن يسلكه التصميم في العقد المقبل.

* رؤية ملموسة لـ«جنة على الأرض». يقول لوك ليونغ، رئيس استوديو الهندسة المستدامة في شركة SOM، إن مشروعي الطموح ذو فلسفة تصميمية راسخة على البساطة والاستدامة والتعبير الواضح عن الوظائف الهندسية، سيُشكّل هذا المشروع مختبراً حياً على نطاقٍ واسع، من الأحياء إلى المناطق، وربما حتى على مستوى الدولة، مُجسّداً التخطيط الحضري المُراعي للإنسان والمُستجيب للمناخ.

وسيُبيّن المشروع كيف يُمكن للهندسة المعمارية أن تُسهِم في خلق بيئات مبنية أكثر صحة، ودفع عجلة خفض الانبعاثات الكربونية، وتعزيز رفاهية الإنسان، ودعم النظم البيئية المزدهرة، وتقديم نماذج قابلة للتطبيق لمدن مرنة في جميع أنحاء العالم - رؤية ملموسة لـ«جنة على الأرض» في بيئة مبنية.

اندماج التخصصات ومجمعات التعلم

* «كسر الحواجز بين البرامج والتخصصات». لطالما تشكّلت محفظة مشاريع شركتنا انطلاقاً من فكرة الهندسة المعمارية كبنية تحتية اجتماعية ومدنية، وليست مجرد كيانات معزولة.

مشروعنا الطموح لعام 2026 - كما تقول كلير وايز، المؤسسة والمديرة الرئيسية لشركة WXY للهندسة المعمارية والتصميم الحضري - هو مشروعٌ يُتيح لنا كسر الحواجز بين التخصصات والبرامج المُقيِّدة، بما يعود بالنفع على مُستخدمي المساحات التي نُصمِّمها. قد يتخذ هذا المشروع شكل حيٍّ جديد متعدد الاستخدامات، أو مبنى سكني مُصمَّم خصيصاً لرعاية الأطفال، أو أكواخٍ وسط الغابات، أو بنية تحتية حضرية مُعاد ابتكارها. لكنّه سيسترشد، كما هو الحال في جميع أعمالنا، بفكرة الإدارة طويلة الأمد والتعاون الوثيق مع المجتمع وزملائنا في مجالات الهندسة المعمارية والهندسة المدنية وغيرها. نهتمّ بشكلٍ خاص بالمشاريع التي يُسهِم فيها التصميم في بناء القدرات وتعزيز الثقة، والتي لا يُقاس نجاحها بما يُبنى فحسب، بل بما يُتيحه من إمكانات على المدى البعيد.

* «أماكن ووجهات للتعلم والتجمُّع». يقول نيك ليهي، الرئيس التنفيذي المشارك والمدير التنفيذي لشركة «بيركنز إيستمان»، إن هناك حاجة مُتزايدة إلى مُحفِّزات ثقافية ومجتمعية تُقرِّب الناس، لا سيما في المجتمعات التي تفتقر إلى وجهات للتعلم والتجمُّع. يُمكن للتصميم أن يُعزِّز الشعور بالانتماء والارتباط بالجوانب المادية للهندسة المعمارية، وهو أمرٌ بالغ الأهمية في عصرنا هذا الذي يُفضِّل الإشباع الفوري. للطلبات والرغبات.

* مجلة «فاست كومباني»