الصين تسلّح محطتها الفضائية بـ«حرّاس آليين»

لاعتراض الأجسام المشبوهة وإعادة توجيهها برفق بعيداً عن «تيانغونغ»

الصين تسلّح محطتها الفضائية بـ«حرّاس آليين»
TT

الصين تسلّح محطتها الفضائية بـ«حرّاس آليين»

الصين تسلّح محطتها الفضائية بـ«حرّاس آليين»

كشفت الصين عن مبادرة غير مسبوقة تهدف إلى حماية محطتها الفضائية «تيانغونغ» Tiangong، في خطوة استراتيجية تمثل نقلة نوعية في عسكرة الفضاء. وتقوم هذه المبادرة المبتكرة على نشر حراس آليين، مزوّدين بمحركات دفع ومسلحين بالذكاء الاصطناعي، مهمتهم اعتراض الأجسام المشبوهة وإعادة توجيهها برفق بعيداً عن المحطة.

أسلوب رفيق لدرء الاختراقات

وبخلاف الأساليب التقليدية للدفاع الفضائي، مثل الأسلحة الموجهة أو القذائف، التي قد تُخلّف وراءها حطاماً مدارياً كارثياً، تطرح الصين أسلوباً فريداً يشبه «جيو- جيتسو» jiu-jitsu (المصارعة اليابانية برفق) في الفضاء، وهو نهج لطيف وفعّال لحماية أصولها حول مدار الأرض.

وجاء الإعلان على لسان سون تشيبين، العالِم في المركز الوطني الصيني لعلوم الفضاء، وذلك خلال محاضرة ألقاها في جامعة نانجينغ للعلوم والتكنولوجيا. وتزامن الإعلان مع تصاعد القلق العالمي حول الأمن المداري، خاصةً في ظل تقارير وزارة الدفاع الأميركية التي تشير إلى تنفيذ بكين عمليات قتالية عبر الأقمار الاصطناعية، في المدار الأرضي المنخفض.

وينبئ هذا الإعلان عن تحول جوهري في سياسة الصين الفضائية، من الاستكشاف السلمي إلى التحكم النشط في «المجال المداري».

ورغم تأكيد بكين أن هذه الإجراءات جاءت رداً على استفزازات حديثة - منها حادثة تتعلق بأحد أقمار «ستارلينك» - فإن السياق الأوسع يكشف عن سباق محموم لفرض الهيمنة في الفضاء. وقد أجرت محطة تيانغونغ مناورات لتفادي الاصطدام بأحد أقمار «ستارلينك»؛ ما دفع الصين إلى تقديم احتجاج رسمي لدى الأمم المتحدة.

ومع ذلك، لا يمكن فصل هذه الأحداث عن التوجه العالمي المتزايد نحو عسكرة الفضاء، الذي يشارك فيه كذلك كل من الولايات المتحدة وروسيا.

فلسفة عقلانية ومدروسة

يعكس قرار الصين نشر حراس آليين فلسفة عقلانية ومدروسة، فعلى الأرض، يؤدي تدمير جسم طائر إلى سقوطه بفعل الجاذبية؛ ما يعني انتهاء التهديد. أما في الفضاء، فإن تدمير الأجسام قد يؤدي إلى انتشار شظايا بسرعات عالية، تُحوّل المدار حقلَ ألغامٍ دائم الخطر - ما يُعرف بـ«تأثير كيسلر».

وبالتالي، فإن نهج الصين القائم على «إعادة التوجيه اللطيف»، يُعد خياراً ذكياً للحد من مخاطر الحطام المداري وتحقيق الاستدامة في الفضاء.

• تأثير كيسلر The Kessler Effect: تهديد دائم في الفضاء. «تأثير كيسلر»، الذي صاغه العالمان في وكالة «ناسا»، دونالد جي. كيسلر وبورتون جي. كور- بالاي عام 1978، يصف سيناريو كارثياً تتسبب فيه شظايا ناتجة من تصادم فضائي، في سلسلة من التصادمات المتتالية؛ ما يؤدي إلى تكوّن سرب غير قابل للسيطرة من الحطام الفضائي.

وتتحرك هذه الشظايا بسرعات تفوق سرعة الرصاصة المنطلقة من بندقية بعشر مرات، وتحمل طاقة الحركة المكتسبة من الجسم الأم؛ ما يجعل منها خطراً بالغاً على الأجسام المدارية الأخرى.

ومع مرور الوقت، يمكن أن تتسبب هذه السلسلة التفاعلية في تحويل المدار الأرضي المنخفض، منطقةً خطرة وغير صالحة للاستخدام لعقود أو حتى قرون؛ ما يهدد مستقبل الاستكشاف الفضائي، وتشغيل الأقمار الاصطناعية، وشبكات الاتصالات العالمية.

• الحل الصيني: الحراس الآليون. على عكس الإجراءات التدميرية، تقدم بكين حلاً غير هجومي عبر الحراس الآليين، الذين يمثلون بديلاً عملياً وذكياً. وبفضل تزويدهم بمحركات دفع وأنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة، جرى تصميم هؤلاء الحراس الآليين لاعتراض الأجسام المشبوهة، والاقتراب منها، ثم إعادة توجيهها بلطف بعيداً عن محطة «تيانغونغ» الفضائية.

ويقلل هذا النهج من احتمالية توليد حطام جديد، ويتماشى مع الهدف الأوسع المتمثل في الحفاظ على استدامة العمليات في الفضاء. ويجسد هذا المفهوم فلسفة «الغصن الذي ينحني مع الريح» ـ أي المرونة والفاعلية، بدلاً من الاعتماد على القوة الغاشمة.

أمن الفضاء

• التداعيات على أمن الفضاء. يمثل نشر الحراس الآليين نقطة تحوّل حاسمة في الطريقة التي تتعامل بها الدول مع أمن الفضاء. عبر اتخاذ تدابير استباقية، وتقر بكين سابقة جديدة في مجال حماية الأصول المدارية، في إطار بيئة أصبحت أشد تنافساً.

وتبرز هذه الخطوة كذلك تصاعد حدة التنافس بين القوى الفضائية؛ ما يثير تساؤلات حول مستقبل إدارة الفضاء وحوكمة المدار وسيطرة الدول على مجاله.

• عسكرة الفضاء. لا تقتصر محاولات عسكرة الفضاء على الصين؛ فالولايات المتحدة وروسيا بدورهما اتخذتا خطوات لتأكيد هيمنتهما على هذا الصعيد الحيوي. وتسلط التطورات الأخيرة، مثل عمليات الاشتباك بين الأقمار الاصطناعية، وتقدم تقنيات الأسلحة المضادة للأقمار، الضوء على وجود اتجاه متسارع نحو تعزيز النفوذ الاستراتيجي في الفضاء.

وفي ظل هذا التنافس المتصاعد، تزداد الحاجة إلى آليات حوكمة فعّالة لضمان إدارة عادلة وآمنة لهذا الفضاء المشترك.

• تحديات واعتبارات أخلاقية. رغم أن الحراس الآليين الصينيين يُمثلون طفرة تكنولوجية، فإن نشرهم يثير مجموعة من التساؤلات الأخلاقية والعملية: كيف سيميّزون بين الأجسام غير الضارة، وتلك التي تُشكل تهديداً؟ ما البروتوكولات التي ستنظم تعاملهم مع الأصول التابعة لدول أخرى؟ كيف سيؤثر وجودهم على علاقات التعاون الفضائي بين الدول؟ وتستلزم الإجابة عن هذه الأسئلة فهماً دقيقاً للتكنولوجيا والدبلوماسية في آن واحد.

• آفاق المستقبل. في ظل احتدام التنافس في الفضاء، قد تُمهّد ابتكارات مثل الحراس الآليين الصينيين الطريق أمام أطر جديدة لأمن مدار الأرض. ويجب أن توازن هذه الأطر بين متطلبات الدفاع الوطني والأهداف الأوسع المرتبطة بالاستدامة والتعايش السلمي.

ومن الممكن أن تسهم المبادرات التعاونية، مثل جهود الحد من الحطام الفضائي وتدابير الشفافية، على نحو محوري في صياغة مستقبل استكشاف الفضاء.

وأخيراً، يشكل تطوير بكين حراساً آليين لحماية محطة «تيانغونغ» الفضائية، إنجازاً مهماً على صعيد تطور الدفاع الفضائي. ومن خلال اعتماد نهج غير تدميري، تتيح هذه الأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، حلاً مستداماً لمواجهة تحديات الحطام المداري و«تأثير كيسلر».

ومع ذلك، فإن هذا التطور يعكس كذلك اشتداد التنافس بين الدول المعنية بالفضاء، ويؤكد على الحاجة الملحة إلى الحوكمة الفعالة والتعاون الدولي.ومع توسع البشرية في استكشاف الحدود الفضائية، فإن مثل هذه الابتكارات ستحدد شكل الأمن الفضائي، في توازن دقيق بين التقدم التكنولوجي والاعتبارات الأخلاقية.

* مجلة «فاست كومباني»

- خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

وزراء دفاع في أوروبا يسعون إلى تعزيز التعاون في الفضاء

أوروبا وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس (الثاني من اليمين) يقف لالتقاط صورة جماعية مع نظرائه (من اليسار) مارتن فايستر من سويسرا وكلاوديا تانر من النمسا ويوريكو باكيس من لوكسمبورغ في وزارة الدفاع في برلين - 18 مايو 2026 (أ.ب)

وزراء دفاع في أوروبا يسعون إلى تعزيز التعاون في الفضاء

قال وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس بعد اجتماع مع نظرائه من النمسا وسويسرا ولوكسمبورغ في برلين، الاثنين، إن القدرات الدفاعية في الفضاء تكتسب أهمية متزايدة.

«الشرق الأوسط» (برلين)
علوم ثلاث عواصف شمسية تم رصدها تتجه نحو الأرض عام 2023 (أرشيفية - رويترز)

مهمة فضائية أوروبية - صينية لدراسة تأثير العواصف الشمسية على الأرض

تُقلع، الثلاثاء، مركبة فضائية أوروبية - صينية مشتركة لدراسة آثار اصطدام العواصف الشمسية بالدرع المغناطيسية لكوكب الأرض.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق تقارير تتحدث عن كويكب بحجم حافلة سيقترب من الأرض مطلع الأسبوع المقبل (رويترز)

كويكب بحجم حافلة يمر على مسافة قريبة جداً من الأرض… هل هناك خطر؟

خلال الأيام المقبلة، يستعدُّ الفلكيون لرصد مرور كويكب صغير نسبياً، لكنه لافت من حيث قربه الاستثنائي من كوكبنا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا صورة لإيلون ماسك تظهر إلى جانب شعار شركته «سبيس إكس» (رويترز)

تقرير: «غوغل» و«سبيس إكس» تبحثان وضع مراكز بيانات في الفضاء

شركة «غوغل» التابعة لمجموعة «ألفابت» تجري محادثات مع شركة «​سبيس إكس» المملوكة لإيلون ماسك بشأن صفقة لإطلاق صواريخ.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق في الفضاء أيضاً قد تقودنا المصادفة إلى أقصر الطرق (شاترستوك)

«طريق سرّي» نحو المريخ قد يختصر الرحلة إلى 153 يوماً

كشف علماء فلك عن ممرّ فضائي جديد قد يختصر مئات الأيام من زمن الرحلة إلى كوكب المريخ، من خلال الاستفادة من مسار طبيعي تسلكه بعض الكويكبات بين الكواكب.

«الشرق الأوسط» (لندن)

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صمت هاتفك... هل تكشف طريقة استخدامك الشاشة عن مرضك قبل الطبيب؟

ماذا ترى الخوارزمية داخل هاتفك؟
ماذا ترى الخوارزمية داخل هاتفك؟
TT

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صمت هاتفك... هل تكشف طريقة استخدامك الشاشة عن مرضك قبل الطبيب؟

ماذا ترى الخوارزمية داخل هاتفك؟
ماذا ترى الخوارزمية داخل هاتفك؟

لم يعد الهاتف الذكي مجرد وسيلة للاتصال أو نافذة للترفيه، بل بدأ يتحول تدريجياً إلى ما يشبه «المرآة البيولوجية الصامتة» التي تعكس تفاصيل دقيقة عن صحة الإنسان الجسدية والنفسية والعصبية.

وفي بلدٍ مثل المملكة العربية السعودية، حيث تتجاوز أعداد اشتراكات الهواتف عدد السكان، ويقترب استخدام الإنترنت من مستوى الانتشار الكامل تقريباً، أصبحت الهواتف الذكية جزءاً ملازماً للحياة اليومية؛ ما يجعلها مصدراً هائلاً للبيانات السلوكية والصحية غير المرئية.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صمت هاتفك

الذكاء الاصطناعي «يقرأ المؤشرات من الشاشة»

الذكاء الاصطناعي لم يعد يكتفي بتحليل الصور الطبية أو نتائج المختبرات، بل بدأ يقرأ الإنسان من طريقته اليومية في استخدام الشاشة نفسها: سرعة الكتابة، وقوة الضغط على الأزرار، وعدد الأخطاء الإملائية، ونمط الحركة على الهاتف، وساعات النشاط والصمت الرقمي، وحتى التردد القصير قبل لمس الشاشة... كلها تحولت إشاراتٍ رقمية قد تحمل معنى طبياً خفياً.

والمثير أن بعض هذه التغيرات قد تظهر قبل أشهر من ملاحظة الأعراض السريرية التقليدية؛ ما يفتح الباب أمام جيل جديد من «الطب غير المرئي»، حيث قد يتحول الهاتف الذي نحمله في جيوبنا أداةً تلتقط إشارات المرض بصمت قبل أن يلتقطها الطبيب، وربما حتى قبل أن يشعر بها المريض نفسه.

ماذا ترى الخوارزمية داخل هاتفك؟

في دراسة حديثة نُشرت في يناير (كانون الثاني) 2026 في مجلة الطب الرقمي (npj Digital Medicine) التابعة لمجموعة «نيتشر» (Nature)، قاد الباحث الدكتور أندرو كامبل (Andrew Campbell) من كلية دارتموث الأميركية (Dartmouth College) فريقاً بحثياً لدراسة العلاقة بين أنماط استخدام الهواتف الذكية والتغيرات النفسية والإدراكية المبكرة لدى الإنسان.

لكن الباحثين هذه المرة لم يفتشوا داخل الدم أو الدماغ، بل داخل السلوك اليومي الصامت الذي يتركه الإنسان على شاشة هاتفه.

الذكاء الاصطناعي بدأ يحلل سرعة الكتابة، وتكرار تصحيح الكلمات، وطريقة لمس الشاشة، وتغير أوقات استخدام الهاتف، واضطراب الإيقاع اليومي، وحتى طبيعة التفاعل الاجتماعي عبر التطبيقات المختلفة.

مؤشرات الإدراك والحركية

ثم قارنت الخوارزميات هذه الأنماط ببيانات سريرية ونفسية، لتكشف عن ارتباطات دقيقة بحالات مثل الاكتئاب، والإرهاق النفسي، واضطرابات النوم، والتراجع الإدراكي المبكر، بل وحتى بعض المؤشرات العصبية المرتبطة بمرض باركنسون (Parkinson’s Disease).

واللافت، أن بعض هذه الإشارات ظهر قبل فترات متفاوتة من ظهور الأعراض السريرية الواضحة؛ ما يشير إلى أن الهاتف الذكي قد يتحول مستقبلاً نظام إنذار صحي مبكراً يعمل بصمت داخل الحياة اليومية للإنسان.

حين يكشف الصمت الرقمي عمَّا لا يقوله الإنسان

من «البيانات الضخمة» إلى «الهمسات الرقمية»

التحول الأعمق هنا أن الطب لم يعد يعتمد فقط على التحاليل المختبرية أو الصور الشعاعية، بل بدأ ينظر إلى السلوك اليومي الرقمي بوصفه مصدراً طبياً جديداً للمعلومات. فالخوارزمية لم تعد تهتم فقط بما يكتبه الإنسان، بل بطريقة الكتابة نفسها: كيف يكتب؟ متى يتوقف؟ كم مرة يتردد أو يخطئ؟ وهل تغيّر نمطه المعتاد بصورة مفاجئة؟

هذه التفاصيل الصغيرة، التي تبدو عابرة في الحياة اليومية، بدأت تتحول تدريجياً «بصماتٍ سلوكية» يمكن للذكاء الاصطناعي تحليلها وربطها بالحالة النفسية والعصبية للإنسان.

وفي جامعة ستانفورد الأميركية (Stanford University)، يعمل باحثون على تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على ربط التغيرات الدقيقة في التفاعل مع الهاتف الذكي بالحالة العصبية والنفسية للمستخدم. كما تدرس مشاريع أوروبية حديثة إمكانية استخدام الهواتف الذكية للكشف المبكر عن التدهور الإدراكي لدى كبار السن، من خلال مراقبة التحولات السلوكية اليومية بصورة غير مباشرة ومن دون تدخل طبي تقليدي.

وكأن الهاتف لم يعد مجرد جهاز نحمله في جيوبنا، بل تحوّل تدريجياً إلى ما يشبه «المستشعر البيولوجي الصامت» الذي يراقب إيقاع حياتنا اليومية، ويلتقط تغيرات قد لا يلاحظها الإنسان نفسه.

هل تصبح طريقة لمس الشاشة جزءاً من الفحص الطبي؟

المثير، أن كثيراً من هذه الإشارات تبدو للبشر تفاصيل عابرة لا تحمل أهمية تُذكر، لكنها بالنسبة لأنظمة الذكاء الاصطناعي قد تمثل «همسات رقمية» تكشف عن تغيرات صحية مبكرة يصعب ملاحظتها بالعين المجردة.

فزيادة زمن التوقف قبل الكتابة، أو تغير سرعة لمس الشاشة، أو تراجع النشاط الليلي، أو اختلاف إيقاع التفاعل مع الهاتف... كلها قد تتحول داخل الخوارزميات مؤشراتٍ أولية على اضطرابات عصبية أو نفسية ناشئة.

ولهذا؛ بدأ بعض الباحثين يطرحون سؤالاً كان يبدو قبل سنوات أقرب إلى الخيال العلمي: هل يمكن أن تصبح طريقة استخدام الهاتف الذكي جزءاً من الفحص السريري الروتيني في المستقبل؟

أي أن الذكاء الاصطناعي قد يتمكن يوماً ما من اكتشاف بوادر الاكتئاب، أو التدهور الإدراكي، أو بعض الأمراض العصبية، ليس عبر التحاليل التقليدية وحدها، بل من خلال التغيرات اليومية الدقيقة التي يتركها الإنسان على شاشة هاتفه دون أن ينتبه إليها.

الوجه المظلم... حين يتحول الهاتف مراقباً صحياً دائماً

لكن هذا التقدم العلمي يفتح في الوقت نفسه باباً أخلاقياً بالغ الحساسية. فإذا أصبحت طريقة استخدام الهاتف تحمل مؤشرات صحية ونفسية وعصبية، فمن يملك هذه البيانات فعلاً؟ ومن يحق له تحليلها أو الوصول إليها؟

والأكثر تعقيداً، أن كثيراً من الناس قد لا يدركون أصلاً أن طريقة الكتابة، أو سرعة لمس الشاشة، أو أنماط التفاعل اليومية مع الهاتف، قد تتحول مستقبلاً إلى ما يشبه «الملف الطبي غير المرئي».

ولهذا؛ يحذّر خبراء أخلاقيات الذكاء الاصطناعي من أن التوسع غير المنظم في هذا النوع من التحليل قد يقود إلى شكل جديد من «المراقبة الصحية الصامتة»، حيث تتحول الحياة الرقمية اليومية مصدرَ تقييمٍ مستمر للحالة النفسية والعصبية والسلوكية للإنسان، أحياناً من دون وعي كامل منه.

وهنا يظهر أحد أكثر التحديات حساسية في طب المستقبل: كيف يمكن الاستفادة من هذه التقنيات للكشف المبكر وتحسين الرعاية الصحية، من دون أن تتحول في المقابل أدواتٍ تقترب من الحياة الداخلية للإنسان أكثر مما ينبغي؟

فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت دقته، لا يثير أسئلة طبية فقط... بل يفرض أيضاً أسئلة جديدة حول الخصوصية، وحدود المراقبة، ومعنى الحرية الشخصية في العصر الرقمي.

الهاتف الذي يراقبك بصمت

الطب المقبل... حين يكشف الصمت الرقمي عمَّا لا يقوله الإنسان

ورغم هذه المخاوف الأخلاقية، يرى كثير من الباحثين أن الاستخدام المسؤول لهذه الأنظمة قد يغيّر مستقبل الطب الوقائي بصورة جذرية، خصوصاً في الأمراض التي يعتمد نجاح علاجها على الاكتشاف المبكر والتدخل السريع.

وربما تكمن المفارقة الأكثر إثارة في أن الهاتف الذكي لا «يفهم» الإنسان بالمعنى الإنساني الحقيقي، لكنه قد يصبح قادراً على ملاحظة تغيراته الصامتة قبل أن يلاحظها أقرب الناس إليه، وربما قبل أن يدركها الإنسان نفسه.

وفي طب المستقبل، قد لا يقتصر التقييم الطبي على نتائج التحاليل أو الأعراض الظاهرة فقط، بل قد تصبح الأنماط الرقمية اليومية جزءاً من الصورة السريرية الكاملة، تماماً كما تُستخدم اليوم المؤشرات الحيوية أو الصور الشعاعية.

وهنا، قد يتغير معنى الفحص الطبي ذاته. فبدل أن يسأل الطبيب عمّا يشعر به المريض، قد تبدأ الأنظمة الذكية في تحليل ما لا يقوله الإنسان مباشرة: تغير إيقاعه الرقمي، وصمته المفاجئ، واختلاف عاداته اليومية الدقيقة.

وربما سيأتي يوم لا يسأل فيه النظام الذكي: «ماذا تشعر؟»، بل يطرح سؤالاً أكثر هدوءاً... وأكثر قلقاً: «لماذا تغيّرت طريقة استخدامك هاتفك؟».


دراسة جينية تفتح باباً جديداً لعلاج اضطراب «ثنائي القطب»

دراسة جينية تفتح باباً جديداً لعلاج اضطراب «ثنائي القطب»
TT

دراسة جينية تفتح باباً جديداً لعلاج اضطراب «ثنائي القطب»

دراسة جينية تفتح باباً جديداً لعلاج اضطراب «ثنائي القطب»

تمكّن باحثون وللمرة الأولى من تحديد الأسس الجينية المحددة لحالة الهوس، وهي السمة الأساسية التي تميّز اضطراب ثنائي القطب. ويقدّم هذا الاكتشاف فهماً أعمق لأحد أكثر اضطرابات الصحة النفسية تعقيداً، وقد يسهِم في تحسين التشخيص والعلاج بشكل مبكر وأكثر دقة.

أُجريت الدراسة بتعاون باحثين من كلية كينغز لندن وجامعة فلورنسا في إيطاليا ونُشرت في 27 يناير (كانون الثاني) 2026 في مجلة «Biological Psychiatry»، حيث يصيب الاضطراب ثنائي القطب bipolar disorder نحو 2 في المائة من سكان العالم، ويتميّز بتقلّبات حادة في المزاج ومستويات الطاقة والنشاط.

«ثنائي القطب»

ما الذي يميّز الاضطراب ثنائي القطب (الهوس الاكتئابي) عن غيره؟ رغم أن المصابين بالاضطراب قد يمرّون بنوبات اكتئاب أو ذهان وأعراض أخرى، فإن الهوس mania هو ما يميّز هذا المرض عن غيره من الاضطرابات النفسية. وخلال نوبات الهوس قد يشعر الشخص بطاقة عالية أو تهيّج شديد مع قلة الحاجة إلى النوم، وتسارع في الأفكار والكلام، وأحياناً ضعف في الحكم على الأمور أو سلوكيات اندفاعية أو أعراض ذهانية.

وحتى الآن، كان من الصعب دراسة بيولوجيا الهوس بدقة لأن كثيراً من المصابين بالاضطراب ثنائي القطب يعانون أيضاً الاكتئاب؛ ما جعل من الصعب على العلماء تحديد التغيرات البيولوجية الخاصة بالهوس وحده.

تحليل وراثي واسع النطاق

ولتجاوز هذه العقبة؛ حلّل فريق البحث بيانات من دراسات وراثية دولية واسعة النطاق شملت أكثر من 27 ألف شخص مصاب باضطراب ثنائي القطب الشديد وأكثر من 576 ألف شخص خضعوا لدراسات حول الاكتئاب. واستخدم الباحثون أسلوباً إحصائياً متقدماً سمح لهم بفصل الإشارات الجينية المرتبطة بالهوس عن تلك المرتبطة بالاكتئاب.

بعبارة أبسط، تعامل الباحثون مع الأمر وكأنهم يزيلون «الضجيج» من الصورة. فقد استبعدوا التأثيرات الجينية المرتبطة بالاكتئاب من الصورة الكاملة للاضطراب ثنائي القطب ليتبقى فقط ما يخص الهوس وحده. وبهذه الطريقة تمكّنوا لأول مرة من النظر إلى الهوس على حدة وفهمه كحالة بيولوجية مستقلة، وليس مجرد جزء مختلط مع الاكتئاب أو أعراض أخرى.

الهوس يشكّل اللبّ الجيني للاضطراب

وأظهرت النتائج أن الهوس يفسّر أكثر من 80 في المائة من التباين الجيني في الاضطراب ثنائي القطب؛ ما يؤكد دوره المحوري في هذا المرض. كما حدّد الباحثون 71 متغيراً جينياً مرتبطاً تحديداً بالهوس، من بينها 18 منطقة جينية لم تكن مرتبطة سابقاً بالاضطراب ثنائي القطب.

وتبيّن أن الكثير من هذه الجينات مرتبط بقنوات الكالسيوم ذات البوابات الجهدية voltage-gated calcium channels، وهي عناصر أساسية في تواصل الخلايا العصبية وتنظيم المزاج. وتعدّ هذه النتيجة مهمة لأنها تشير إلى مسارات بيولوجية واضحة يمكن استهدافها علاجياً.

بصمة جينية مختلفة عن بقية الاضطرابات

وعند مقارنة البصمة الجينية للهوس بسمات أخرى تبيّن أن الهوس يشترك جينياً بدرجة أقل مع تعاطي المواد المخدّرة، وبدرجة أكبر مع مؤشرات مرتبطة بالرفاه النفسي والتحصيل التعليمي مقارنة بالاضطراب ثنائي القطب ككل. ويشير ذلك إلى أن للهوس توقيعاً بيولوجياً مميزاً وليس مجرد النقيض للاكتئاب.

وتكتسب هذه النتائج أهمية كبيرة على المستوى الطبي. فكثير من المصابين بالاضطراب ثنائي القطب يطلبون المساعدة لأول مرة خلال نوبات اكتئاب، حيث قد يبدو المرض مشابهاً للاكتئاب الشديد أو الفصام. ونتيجة لذلك؛ قد يستغرق التشخيص الصحيح ما يصل إلى عشر سنوات.

ومن خلال تحديد الخصائص الجينية الخاصة بالهوس تقرّب هذه الدراسة العلماء من اكتشاف مؤشرات بيولوجية مبكرة للاضطراب ثنائي القطب؛ ما قد يقلّل من طول رحلة التشخيص ويساعد المرضى على الحصول على العلاج المناسب في وقت أبكر.

لماذا يتأخر تشخيص الاضطراب ثنائي القطب؟

كما قد تسهم النتائج في تحسين تصنيف الاضطراب ثنائي القطب وعلاجه. فالأطباء يميّزون حالياً بين أنواعه المختلفة مثل النوع الأول والنوع الثاني واضطراب المزاج الدوري cyclothymia اعتماداً على نمط نوبات المزاج عبر الزمن. وقد يساعد الفهم الأدق لبيولوجيا الهوس على تحسين هذه التصنيفات وتطوير رعاية أكثر تخصيصاً.

وتسلّط الدراسة الضوء أيضاً على مسارات علاجية محتملة، لا سيما تلك المرتبطة بقنوات الكالسيوم، وتشير إلى أن أدوية معروفة مثل الليثيوم lithium قد تعمل من خلال هذه الأنظمة البيولوجية.

نحو تشخيص مبكر وعلاج أدق

وقال الدكتور جوزيبي بييرباولو ميرولا، من معهد الطب النفسي وعلم النفس وعلوم الأعصاب كلية كينغز لندن والمؤلف الرئيسي للدراسة، إن هذا البحث يمثّل خطوة حاسمة إلى الأمام، مضيفاً أنه من خلال عزل البنية الجينية للهوس أصبح بإمكاننا فهم ما يميّزه بوضوح؛ ما يفتح الباب أمام علاجات أكثر دقة وتخصيصاً.

من جانبه، أشار البروفسور جيروم برين، من كلية كينغز لندن والمشارك المراسل، إلى أن الهوس ظل لفترة طويلة صعب الدراسة بحد ذاته، وقال: «تمنحنا نتائجنا صورة أوضح عن بيولوجيا الهوس، وقد تساعد الأطباء على التعرف إلى الاضطراب ثنائي القطب في وقت أبكر وتحسين نتائج العلاج للمرضى».


«الهندسة البيولوجية»: هل يستطيع العلماء إعادة كتابة رموز الجينوم المعقَّدة؟

«الهندسة البيولوجية»: هل يستطيع العلماء إعادة كتابة رموز الجينوم المعقَّدة؟
TT

«الهندسة البيولوجية»: هل يستطيع العلماء إعادة كتابة رموز الجينوم المعقَّدة؟

«الهندسة البيولوجية»: هل يستطيع العلماء إعادة كتابة رموز الجينوم المعقَّدة؟

ماذا لو توقف علم الأحياء عن كونه مجالاً للدراسة، وبدأ يتحول إلى مجال للتصميم؟ هذه تحديداً هي الفرضية التي ينطلق منها كتاب أدريان وولفسون الجديد، «حول مستقبل الأنواع: تأليف الحياة بواسطة الذكاء البيولوجي الاصطناعي»On the Future of Species: Authoring Life by Means of Artificial Biological Intelligence، الصادر في 28 أبريل (نيسان)، عن مطبعة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.

«تخليق» بيولوجي

في ثنايا كتابه، يطرح وولفسون وجهة نظره بأن التطورات في الذكاء الاصطناعي وتخليق الحمض النووي، تدفع علم الأحياء باتجاه تطوير نموذج هندسي، نموذج يستطيع فيه العلماء توليد تسلسلات جينية جديدة، وصولاً في نهاية المطاف إلى بناء كائنات حية حسب الطلب. ويُطلق على هذه القدرة الناشئة اسم «الذكاء البيولوجي الاصطناعي» (ABI) ـ مصطلح يشمل الأنظمة القادرة على تصميم وبناء الكائنات الحية، وفي النهاية «تشغيلها».

غير أن ثمة مشكلة أساسية تعترض هذه الرؤية: لم يُنتج التطور البيولوجي أنظمة نظيفة ومنظمة، بل أنتج جينومات تشكلت عبر مليارات السنين من التغيرات التدريجية، تتولى مسؤولية وظائف متداخلة، مع قليل من البنية المنظمة، التي يعتمد عليها المهندسون.

من ناحيتهم، حاول بعض باحثي البيولوجيا التركيبية «إعادة هيكلة» الشيفرة الجينية (على ذات النحو الذي يستعين به المهندسون في هيكلة شيفرة الحاسوب)، من خلال إعادة تنظيم الجينومات، لتيسير فهمها والتعامل معها.

بيد أن التساؤل الذي يفرض نفسه هنا: إلى أي مدى يمكن لهذا النهج أن ينجح؟ وما الذي يتطلبه الأمر لجعل علم الأحياء قابلاً للتنبؤ بدرجة كافية لجهود الهندسة؟

حوار علمي

في حوار مع مجلة «آي إي إي إي سبكترم» الصادرة عن مجلة المهندسين الكهربائيين الأميركية، يوضح وولفسون إمكانات وحدود تصميم الحياة.

* إنك تصف الجينوم بأنه «شيفرة معقدة» ناتجة عن التطور. ما الذي يجعل علم الأحياء بطبيعته متعارضاً مع مبادئ الهندسة التقليدية؟

- وولفسون: في الآلات التي يصنعها الإنسان، عادة ما تكون المكونات مستقلة، ولكل منها وظيفة محددة سلفاً. وإذا تعطل أحد المكونات، فماذا تتوقع؟ يمكنك ببساطة استبداله، أو في بعض الحالات إصلاحه. غير أنه للأسف، لا تسير الأمور على هذا النحو في علم الأحياء؛ فنحن هنا نتحدث عن شبكة معقدة ذات سلوكيات ناشئة، مبنية على مساهمات شديدة الصغر من الكثير من المكونات.

ويتطلب علم الأحياء القوة والقدرة على التعامل مع أي تلف أو عطب بكفاءة، ناهيك عن أنه لطالما اعتمد على بنى قائمة مسبقاً. وبالتالي، لا يمكنه أبداً إعادة ابتكار نفسه. وفي جوهرها، تتألف الآلات البيولوجية من تشابك معقد بين التاريخ والتصميم الحالي، ولدينا مكونات تصميمية قد يجدها المهندس مثيرة للسخرية. على سبيل المثال، لو نظرنا إلى الجينوم البشري من منظور هندسي، لقلنا: «يا إلهي، ما هذه الفوضى العارمة!»، لأنه بُني بطريقة نفعية وتدريجية، دون أي تخطيط أو نية مسبقة.

* كيف يحاول علماء الأحياء التركيبية تحسين هذه الرموز؟ هل يمكنك شرح كيف يعيد الباحثون هيكلة الجينومات؟

- وولفسون: يعتبر درو إندي رائداً في هذا المجال، وقد أخذ عاثية بكتيرية bacteriophage وقال: «ماذا لو تعاملنا معها باعتبارها شيفرة برمجية معقدة، ونظفناها وأعدنا هيكلتها وتنظيمها في شكل يتيح استخدامها بسهولة أكبر؟» للأسف، داعبت هذه الفكرة ذهنه قبل وقت طويل من ظهور التقنيات، التي سهَّلت هذه العملية. ومع ذلك، يظل إندي رائداً في هذا النهج البرمجي للجينومات، وفكرة إمكانية إعادة هيكلتها. لم تجر أي تعديلات على الجينومات منذ نحو أربعة مليارات سنة - تخيّل لو كان لديك جزء من شيفرة حاسوبية لم يدخل عليه أي تعديلات منذ أربعة مليارات سنة.

* إلى أي مدى وصل الباحثون في هذا المسعى؟

- وولفسون: لعلَّ أفضل مثال على ذلك مشروع جينوم الخميرة الاصطناعي، المعروف باسم Sc2.0، الذي اضطلع في إطاره جيف باكي بدور رائد داخل مدينة نيويورك. استغرق الأمر منه قرابة 15 عاماً، وعكف على تجميع كل هذه الكروموسومات الاصطناعية ببطء في كائن حي واحد.

الحقيقة أن ما فعله يتجاوز مجرد إعادة الهيكلة؛ إنه إعادة تصميم فعلياً. على سبيل المثال، تحتوي الخميرة على 16 كروموسوماً، وقد نجح في بناء كروموسوم اصطناعي جديد تماماً، الكروموسوم السابع عشر.

وفي عمل منفصل، أظهر أنه يمكن دمج الكروموسومات الستة عشر في كروموسومين ضخمين، في إعادة تشكيل هائلة لطريقة تخزين المادة الوراثية.

ومع ذلك، فإنه عندما تبدأ بالتلاعب بهذه الجينومات وإعادة تشكيلها، فإنك حتماً ستُدخل أخطاءً في الشيفرة. وفي الغالب تُعيق هذه الأخطاء الأداء والنمو. في الواقع، ليس الأمر أنك لا تستطيع إعادة التصميم كلياً دون إحداث عائق أمام النمو، بل إنك تحتاج فقط إلى استثمار الوقت لتحديد الطريقة الأمثل لإنجاز ذلك.

وبالطبع، لم يكن الذكاء الاصطناعي متاحاً عندما بدأ باكي عمله، وهو يُسهّل كل ذلك كثيراً. الواضح أن الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير هائل، على قدرتنا على تحويل الحمض النووي، إلى مادة هندسية تنبؤية.

ذكاء بيولوجي اصطناعي مدعوم بالذكاء الاصطناعي

* بالحديث عن الذكاء الاصطناعي، بالنظر إلى أنك تطرح مفهوم الذكاء البيولوجي الاصطناعي، ما القدرات المحددة التي سيمنحنا إياها الذكاء الاصطناعي، والتي نفتقر إليها اليوم؟

- وولفسون: قبل الذكاء الاصطناعي، لم نكن نمتلك القدرة على تصميم الحمض النووي على نطاق واسع. لم نكن قادرين على ابتكار تسلسلات حمض نووي جديدة كلياً، تؤدي وظائف على مستوى الكائن الحي. الآن، لدينا ما يُسمى بنماذج لغة الجينوم، والتي تُشبه إلى حد ما برامج الدردشة الآلية، التي نستخدمها لمعالجة النصوص. غير أنه بدلاً من معالجة أحرف الأبجدية الإنجليزية الستة والعشرين، فإنها تُعالج الأحرف الأربعة للغة الحمض النووي.

عندما نعالج لغة الحمض النووي، نحتاج إلى نطاق سياقي واسع للغاية، لأنه على عكس النص، حيث يتركز معظم المعنى في الجمل أو الفقرات، فإنه في الحمض النووي، يمكن للمناطق البعيدة أن تتواصل فيما بينها. لذلك، نحتاج إلى ذكاء اصطناعي قادر على تمييز هذه العلاقات عن بُعد. في حالة نموذج لغة الجينوم Evo 2، يجري استخدام بنيةً ذات نطاق سياقي يبلغ مليون زوج قاعدي؛ بمعنى أنه قادر على رصد كيفية تفاعل أزواج القواعد المتباعدة بمليون قاعدة.

* تصميم الشيفرة ليس سوى نصف المعركة. كيف يتغلب الباحثون على معضلة تصنيع الحمض النووي على نطاق واسع؟

- وولفسون: من العوامل الجوهرية الأخرى التي لم تكن متوفرة سابقاً، القدرة على كتابة الحمض النووي على نطاق واسع بسرعة وكفاءة وبتكلفة منخفضة، وبأي درجة من التعقيد. عندما تجمع بين هاتين القدرتين، التصميم والبناء، تصبح مهندساً. لقد نجحنا في خفض التكلفة باستخدام تكنولوجيا تُسمى «سايدويندر» Sidewinder، والتي تُمكّننا من بناء الحمض النووي بطريقة متوازية على نطاق واسع، مما يقلص على نحو كبير تكلفة بناء الحمض النووي. وهذا وحده يعزز جدوى استخدام الحمض النووي كمادة هندسية.

* بعد تصميم الحمض النووي وتصنيعه، ما الذي يتطلبه الأمر لتشغيل كائن حي؟

- وولفسون: ربما يكون هذا الجزء الأصعب؛ لأننا لا نملك حالياً أي فكرة عن كيفية بناء خلية اصطناعية. من جهته، أثبت كريغ فينتر أنه بالإمكان تدمير الجينوم داخل بكتيريا، والاستعاضة عنه بآخر جديد. بعبارة أخرى، تتصرف الخلية كحاسوب نانوي، ويتصرف الجينوم كبرنامج حاسوبي. غبر أن إدخال الجينومات إلى الخلايا ليس بالأمر الهين.

يشير مصطلح «الذكاء البيولوجي الاصطناعي» إلى إمكانية التصميم والبناء، لكنه يتضمن كذلك القدرة على تحويل ذلك إلى كائن حي. إذا توفرت لديك كل هذه الإمكانات، فأنت بذلك تتقن علم الأحياء باعتباره تكنولوجيا. وفجأة، يصبح الحمض النووي مادة قابلة للبرمجة، ويمكنك التلاعب بها.

علم الأحياء كمادة هندسية مستقبلية

* إذا ما أتقن الباحثون هذه المهارة، فما الذي سيصبح ممكناً؟

- وولفسون: أتوقع أنه في غضون 50 عاماً، سيصبح علم الأحياء المادة الهندسية المفضلة، وسيختار الكثيرون ممن يقرأون هذا المقال العمل مهندسين حيويين. يستطيع علم الأحياء توفير معظم الوظائف التي توفرها المواد. مثلاً، يتمتع خيط العنكبوت بقوة شد تعادل قوة الفولاذ. وعند إعادة تصميمه باستخدام الذكاء الاصطناعي، قد تصل قوته إلى خمسة أضعاف قوة الفولاذ. وبالطبع، تتمتع البيولوجيا بميزة إضافية تتمثل في قدرتها على إنتاج مواد ذكية. تخيل إذن لو كان لدينا شكل ذكي من الفولاذ. كيف سيستفيد المهندس من ذلك في المباني؟

* ما أصعب مشكلة فنية تحول دون تصميم كائن حي وظيفي متعدد الخلايا من الصفر؟

- وولفسون: أعتقد أنها معرفتنا غير الكافية بقواعد الحياة. وهنا، يبرز الذكاء الاصطناعي باعتباره أداةً رائعةً لفكّ رموز هذه القواعد؛ فهو يحلل قواعد بيانات ضخمة ويستطيع استخلاص الأنماط منها. لن نتمكن من تصميم كائن حي معقد متعدد الخلايا حتى نتقن لغة الحمض النووي بطلاقة أكبر. ويتطلب إنجاز ذلك فهم قواعد الحياة، وفهمها يتطلب بدوره منا تحليل قواعد بيانات أشد تعقيداً ودقة. علينا أن نبحث في قواعد الحياة. وفي كل مرة ندمر فيها نوعاً من الكائنات الحية، ندمر صفحةً من كتاب القواعد، بينما نحن بحاجة إلى جمع كل المعلومات في كتاب متكامل.

* أخيراً، مع بدء رحلتك في هندسة الحياة، ما احتمالات الفشل الواقعية؟

- وولفسون: يمكنني تفسير «احتمالات الفشل» بطريقتين: إحداها نوع من الأعطال الميكانيكية؛ فمع إزالة كل هذا التداخل، يصبح النظام هشاً، لأن الآلات البيولوجية مصممة بحيث لا تتعطل، ولديها آليات أمان متداخلة.

أما الطريقة الأخرى التي قد تفشل بها هذه المساعي، فترتبط بخطورتها، خاصة ونحن لا نفهم النظم البيئية، ويصعب حسابها للغاية. لذا، إذا أطلقنا كائنات معدلة وراثياً في نظم بيئية معقدة، فقد يسفر ذلك عن فوضى عارمة. ومن الواضح أن هذه التقنيات بحد ذاتها خطيرة بطبيعتها، إذا وقعت في الأيدي الخطأ. لذلك، نحتاج إلى تعلم كيفية استخدامها بأمان ومسؤولية وأخلاقية وشفافية وإنصاف، بما يعود بالنفع على المجتمع.