العيادات الذكية... هل ستُحدد مستقبل الطب؟

تجربة سعودية رائدة تفتح أبواب الغد

العيادات الذكية... هل ستُحدد مستقبل الطب؟
TT

العيادات الذكية... هل ستُحدد مستقبل الطب؟

العيادات الذكية... هل ستُحدد مستقبل الطب؟

في عالم يُسابق الزمن نحو التحول الرقمي، لم تعد التكنولوجيا ترفاً أو خياراً بل أصبحت الركيزة الجوهرية في إعادة تشكيل مشهد الرعاية الصحية عالمياً، ومع زيادة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذكية، تتجه أنظار العالم إلى التجارب الجريئة التي تُعيد تعريف العلاقة بين المريض والمنظومة الطبية.

أول عيادة ذكية كاملة في السعودية

وفي خطوة رائدة تعكس طموحات «رؤية السعودية 2030»، أُعلن أخيراً عن إطلاق أول عيادة ذكية بالكامل في المملكة، تستخدم الذكاء الاصطناعي ليس فقط بصفتها مساعداً طبياً، بل مكوّن أساسي في عمليات التشخيص، واتخاذ القرار العلاجي، والمتابعة الدقيقة لحالة المريض.

هذه العيادة لا تُمثل مجرد تحديث للبنية التحتية، بل تُقدم نموذجاً جديداً لطب المستقبل؛ حيث تندمج الكفاءة الطبية مع قدرة الخوارزميات على تحليل البيانات واستشراف المخاطر في وقت قياسي، وبأقل هامش للخطأ.

فهل نحن أمام بداية ثورة طبية عربية بطابع سعودي؟ وهل تصبح العيادات الذكية، بكل ما تحمله من ابتكارات، الخيار المفضل لعلاج أكثر دقة وسرعة وإنصافاً؟ لكن... ما الذي يجعل هذه العيادة «ذكية» فعلاً؟ وهل يمكن أن تصبح نموذجاً للرعاية الصحية في المستقبل القريب؟

الرياض: بداية التجربة

في خطوة تُعد الأولى من نوعها على مستوى الشرق الأوسط، شهدت العاصمة الرياض تدشين أول عيادة ذكية متكاملة، ضمن مشروع تجريبي طموح أطلقته وزارة الصحة السعودية بالتعاون مع الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (SDAIA)، في إطار توجه وطني نحو رقمنة الخدمات الصحية ورفع كفاءة الرعاية الأولية.

وقد جرى ربط العيادة الذكية بمنصة وطنية موحدة للسجلات الصحية الإلكترونية، تتيح الوصول الفوري إلى بيانات المريض الطبية المحدثة، وتحليلها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، ما يُسهم في تسريع عملية التشخيص، واقتراح خطط علاجية دقيقة ومخصصة لكل حالة.

ويهدف هذا المشروع التجريبي إلى تقييم فاعلية النظم الذكية في بيئة العيادات الواقعية، من حيث جودة الأداء، وسرعة تقديم الخدمة، ومستوى رضا المرضى، تمهيداً لتوسيع نطاق التجربة وتعميمها على عدد من المدن والمراكز الصحية في المراحل اللاحقة.

من الورقة والقلم... إلى الخوارزمية

في النموذج التقليدي للرعاية الصحية، يمر المريض برحلة طويلة تبدأ بالفحص السريري، ثم التحاليل، ثم الانتظار للحصول على النتائج، وصولاً إلى مرحلة التشخيص ووضع الخطة العلاجية... رحلة قد تمتد لساعات أو أيام، وتعتمد بدرجة كبيرة على توافر الطبيب وخبرته.

أما في العيادة الذكية، فقد أعادت التكنولوجيا رسم هذه الرحلة بالكامل، مختزلة إياها إلى دقائق معدودة.

تفاعل المريض والطبيب عبر النظم الذكية

يبدأ كل شيء عندما يُدخل المريض أعراضه عبر واجهة ذكية تفاعلية، سواء من جهاز لوحي داخل العيادة أو عبر تطبيق متصل، فيقوم النظام، المدعوم بتقنيات التعلّم العميق (Deep Learning)، بتحليل هذه الأعراض لحظياً، ويُقارنها بملايين الحالات والسجلات السريرية المخزّنة في قاعدة بيانات ضخمة، ليُولّد قائمة بالتشخيصات المحتملة، مرتّبة حسب درجة الاحتمال.

ثم يُعرض على الطبيب ملخّص دقيق يشمل:

- ترشيحات تشخيصية مدعومة بالبيانات

- اقتراحات لفحوصات تكميلية إذا لزم الأمر

- خطة علاجية مستندة إلى أدلة علمية وتجارب سريرية لحالات مماثلة

لكن الدور لا يتوقف عند هذا الحد، فالنظام يتابع مسار تحسّن المريض بعد بدء العلاج، من خلال جمع البيانات الحيوية أو التغذية الراجعة من المريض، ويُطلق تنبيهات فورية للطبيب في حال رصد أي مؤشرات لتدهور الحالة أو ظهور آثار جانبية، دون الحاجة إلى تكرار زيارة العيادة.

بهذا تتحوّل الرعاية الصحية من نموذج تفاعلي تقليدي إلى نظام استباقي ذكي، يحاكي المنطق الطبي البشري... لكن بسرعة غير مسبوقة، وبدقة تتغذّى على كل حالة سابقة

أرقام تتحدث: ماذا تُقدم العيادة الذكية؟

لا تكتفي العيادات الذكية برسم صورة مستقبلية للرعاية الصحية، بل بدأت بالفعل تقديم نتائج ملموسة على أرض الواقع. وتشير البيانات الأولية الصادرة عن تجربة التشغيل الأولى في مدينة الرياض إلى مؤشرات واعدة تؤكد الفاعلية العالية لهذا النموذج الجديد:

- تسريع عملية التشخيص بنسبة تصل إلى 50 في المائة مقارنة بالعيادات التقليدية؛ حيث أسهمت أتمتة الخطوات الأولية وتحليل البيانات اللحظي في تقليص زمن الانتظار، وتحديد التشخيص بشكل فوري.

- تحسّن دقة التوصيات العلاجية بنسبة 35 في المائة، نتيجة قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على ربط المعطيات الدقيقة المتناثرة في السجل الطبي للمريض، وتحليلها ضمن سياق شامل لا يُمكن للطبيب وحده أن يغطيه في وقت قصير.

- تعزيز تجربة المريض بشكل تفاعلي ومستمر، خاصة لدى المصابين بالأمراض المزمنة، مثل السكري وارتفاع ضغط الدم؛ حيث بات بإمكان المرضى تلقي إشعارات وتنبيهات دورية عبر تطبيقات ذكية مرتبطة بسجلهم الصحي، تتضمن نصائح، وتذكيرات بالأدوية، وتنبيهات عند حدوث تغيّرات غير طبيعية في الحالة.

رصد استباقي ودعم متواصل

ولا تُشير هذه الأرقام فقط إلى تحسين الأداء، بل تعكس تحولاً نوعياً في فلسفة الرعاية الصحية، من نموذج يعتمد على ردّ الفعل، إلى نظام قائم على الرصد الاستباقي والدعم المستمر للمريض

كما أن هذه الخطوة تُسهم في تخفيف الضغط على المستشفيات الكبرى، عبر تقديم بديل ذكي للرعاية الأولية، مدعوم بالتحليل الفوري، وسجلات المرضى الإلكترونية، وربما قريباً... الذكاء الاصطناعي التوليدي.

لماذا السعودية؟ ولماذا الآن؟

لم تأتِ تجربة العيادات الذكية في المملكة بمحض المصادفة، بل هي جزء من رؤية شمولية ومحددة الأهداف، وضعتها القيادة السعودية ضمن إطار «رؤية السعودية 2030»، التي تسعى إلى تحويل المملكة إلى مركز إقليمي رائد في مجالات التقنية والابتكار، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في القطاع الصحي.

ويأتي إطلاق هذه المبادرة في وقت حاسم، تتزايد فيه الضغوط على الأنظمة الصحية حول العالم، خصوصاً مع النقص العالمي في الكوادر الطبية المؤهلة، وارتفاع الطلب على خدمات الرعاية الصحية في المناطق البعيدة والنائية. وهنا، تلعب العيادات الذكية دوراً محورياً في:

- تعويض النقص البشري عبر أنظمة ذكية تعمل على مدار الساعة دون كلل.

- إتاحة رعاية صحية متقدمة للمواطنين في جميع مناطق المملكة، دون الحاجة إلى التنقل أو انتظار مواعيد طويلة.

-تقليل التكاليف التشغيلية على المدى البعيد من خلال تقنيات دقيقة تُقلل من التشخيصات الخاطئة والعلاجات غير الفعالة.

في هذا السياق، لا تبدو السعودية فقط مستهلكة للتقنية، بل صانعة لمستقبلها الصحي الرقمي، وخريطة الطريق أصبحت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.

بين الذكاء الاصطناعي والقرار الطبي

وعلى الرغم من الإمكانات الهائلة التي تمتلكها الأنظمة الذكية في تحليل البيانات وتقديم التوصيات، يظل الطبيب البشري هو صاحب القرار النهائي والمرجعية الأخلاقية والسريرية في كل ما يتعلق بصحة المريض، فالعيادة الذكية لا تهدف إلى استبدال الطبيب، بل إلى تعزيز كفاءته، وتوسيع قدراته التشخيصية.

من خلال توفير أدوات تحليل متقدمة، ومؤشرات تنبؤية دقيقة، تُساعد هذه الأنظمة الطبيب على تجاوز التخمينات والقرارات المعتمدة على الحدس أو الوقت الضيق، ما يُقلّل من الأخطاء، ويُسرّع التشخيص، ويُخصص العلاج بما يتناسب مع الحالة الفريدة لكل مريض.

إنها شراكة متكاملة بين الإنسان والآلة؛ حيث يُمارس الطبيب دوره الإنساني، والإكلينيكي، والتواصلي، في حين يعمل الذكاء الاصطناعي مساعداً لا يكلّ، يقرأ الأرقام والمعطيات بلغة الإحصاء والمنطق، ويقدّمها للطبيب على هيئة خيارات مدروسة تدعمه لا تُقيّده.

وفي الختام: ليست العيادات الذكية مجرد واجهة برَّاقة للتطور التكنولوجي في الطب، بل تُمثل استجابة استراتيجية لأسئلة كبرى حول مستقبل الرعاية الصحية المستدامة، في زمن تتكاثر فيه التحديات: من نمو سكاني متسارع، إلى ضغط متزايد على البنية التحتية الصحية، وصولاً إلى الحاجة لتوفير خدمات عالية الجودة بتكلفة أقل وفي وقت أقصر.

في هذا السياق، تبرز العيادات الذكية بصفتها أحد الحلول الجذرية لا التحسينية؛ فهي تُعيد تعريف علاقة الإنسان بالطب، وتقدّم نموذجاً يعتمد على الوقاية المبكرة، والمتابعة المستمرة، واتخاذ القرار بناءً على تحليل دقيق للبيانات، وليس فقط على الأعراض الظاهرة.

نحن أمام بداية مرحلة جديدة من الطب: مرحلة يصبح فيها المرض أقل غموضاً، والتشخيص أكثر دقة، والمريض شريكاً نشطاً في رحلة علاجه، بدعم من عقل إلكتروني لا يكلّ، ولا ينسى، ولا يتوقف عن التعلم.

إنها ليست ثورة في الأدوات فحسب، بل في الفلسفة الطبية ذاتها.

* المراجع العلمية:

- Saudi AI Health Initiative: https://www.saudiaimedical.org- Journal of Smart Healthcare: https://www.jsmarthealth.com- Nature Digital Medicine: https://www.nature.com/npjdigitalmed


مقالات ذات صلة

ماسك ينفي علمه بتوليد «غروك» صوراً إباحية لأطفال

العالم موقع الذكاء الاصطناعي «غروك» على هاتف محمول وحاسوب محمول (إ.ب.أ)

ماسك ينفي علمه بتوليد «غروك» صوراً إباحية لأطفال

قال إيلون ماسك، اليوم الأربعاء، إنه غير مطّلع على أي «صور عارية لقاصرين» تم توليدها بواسطة أداة الذكاء الاصطناعي «غروك» التابعة لشركة «إكس».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا يسهم في تسريع إنجاز المهام اليومية وتقليل الأعمال الروتينية وتعزيز كفاءة الإنتاجية داخل بيئات العمل «كلود»

«كلود كوورك»... أداة جديدة تعتمد الذكاء الاصطناعي لتنفيذ المهام المكتبية

تقوم الأداة بتحليل المحتوى والتخطيط للتنفيذ ثم إتمام المهمة ورفع المخرجات في نفس المكان دون الحاجة لسلسلة من التعليمات التفصيلية.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا يرى البعض أن الذكاء الاصطناعي يهدد ملايين الوظائف التقليدية (رويترز)

كيف يمكن أن يؤثر الذكاء الاصطناعي على البطالة والتوظيف في 2026؟

مع التسارع غير المسبوق في تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، تتزايد التساؤلات حول تأثير هذه الثورة التكنولوجية على سوق العمل العالمي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

لا يكتفي التحليل بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
الاقتصاد قفز الذكاء الاصطناعي من المركز العاشر إلى المركز الثاني بعد الجرائم الإلكترونية خلال العام الحالي بحسب المقياس السنوي للشركات (رويترز)

الذكاء الاصطناعي ثاني أكبر تهديد للشركات في العالم

ذكرت شركة التأمين الألمانية العملاقة «آليانز»، أن الذكاء الاصطناعي أصبح أكبر التهديدات التي تواجهها الشركات في العالم.

«الشرق الأوسط» (برلين)

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

لم يعد السؤال في الطب الحديث: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض، بل أصبح السؤال الأعمق والأخطر: هل يمكنه توقّع مسار المرض قبل أن يُظهر الجسد أولى علامات التمرّد، ففي الطب ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، بل في ضيق الزمن.

إشارات الأمراض المتسللة داخل الجسد

إن كثيراً من الأمراض لا تبدأ صاخبة، بل تتسلّل همساً داخل الجسد، وتترك إشارات دقيقة لا يلتقطها الفحص التقليدي، ولا ينتبه إليها الطبيب إلا حين تتحوّل إلى أعراض واضحة، وأحياناً متأخرة. وهنا تحديداً، لا يَعِد الذكاء الاصطناعي بإجابات أسرع فحسب، بل برؤية مختلفة: أن يقرأ الإشارات الصامتة قبل أن تتحوّل إلى شكوى، وأن يفهم المرض كمسارٍ زمني لا كلحظة تشخيص، وكأن الطب ينتقل من التقاط «صورة» للجسد إلى قراءة «قصته». وهذا التحوّل لا يمثّل مجرد تطوّر تقني، بل يمثل تغييراً في فلسفة الطب نفسها: من علاج ما حدث إلى محاولة فهم ما هو في طريقه إلى الحدوث.

الانتقال من «لقطة» الحالة إلى «قصة» المرض

على مدى السنوات الماضية، عمل الذكاء الاصطناعي في الطب بوصفه أداة مساعدة فورية؛ يحلّل صورة أشعة، ويقرأ نتيجة تحليل مِخبري، أو يقترح تشخيصاً في لحظة زمنية محددة. وكان أداؤه، في جوهره، أشبه بالتقاط «صورة ثابتة» للحالة الصحية، ثم التوقّف عندها. غير أنّ الطب، بطبيعته، لا يعيش في الصور، بل في الزمن. اليوم، تتقدّم نماذج ذكاء اصطناعي جديدة لا تنظر إلى المرض على أنه حدث معزول، بل كسردٍ زمني متصل، نماذج لا تكتفي بسؤال: ما الذي يعانيه المريض الآن، بل تحاول الإجابة عن أسئلة أعمق وأكثر جرأة: كيف بدأت القصة الصحية، وكيف تطوّرت خطوةً خطوة، وإلى أي اتجاه يسير هذا المسار إن تُرك دون تدخّل، وماذا يتغيّر في المستقبل لو اتُّخذ قرار علاجي مختلف اليوم. وبهذا التحوّل، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد «عدسة تشخيص» تلتقط اللحظة، بل يتحوّل إلى نظام توقّع وتخطيط يحاكي الجسد عبر الزمن، ويختبر الاحتمالات قبل أن يختبرها المريض في واقعه.

حين تُساند الخوارزميات القرار الطبي

محاكاة المستقبل الصحي... السيناريوهات الافتراضية

تعتمد هذه النماذج الذكية على قراءة سلاسل زمنية طويلة من بيانات المريض، تشمل صوراً طبية متعاقبة، ونتائج مخبرية عبر الزمن، وسِجلات الأدوية، واستجابات العلاج، وفترات التحسّن والتدهور. ومن خلال هذا التراكم، لا يكتفي النموذج بالتحليل، بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد، كما لو كان نظاماً حياً يتعلّم من تاريخه. وبهذا التمثيل، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة تطوّرات مستقبلية محتملة، لا على توقّع مسار واحد فقط، بل على استكشاف عدة مسارات متوازية.

وهنا تبرز إحدى أقوى قدرات هذه النماذج: القدرة على طرح أسئلة «ماذا لو؟»، قبل أن يطرحها المرض على جسد المريض؛ ماذا لو بدأ التدخّل العلاجي قبل ظهور الأعراض السريرية، وماذا لو اختير دواء أقل شدّة لكن في توقيت أدق، وماذا لو تأخّر القرار العلاجي أسبوعين فقط.

وما كان يعتمد سابقاً على الخبرة السريرية والحدس الطبي يمكن، اليوم، محاكاته رقمياً، اعتماداً على أنماط مستخلَصة من ملايين الحالات البشرية، ليقدّم للطبيب خريطة احتمالات بدل إجابة واحدة جامدة، ويعيد القرار الطبي إلى موقعه الطبيعي: قرار إنساني... مدعوم برؤية زمنية أوسع.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صحتك من نومك

في مطلع عام 2026، ظهر مثال لافت يوضّح كيف يمكن لبيانات تبدو «غير طبية» في ظاهرها أن تتحوّل إلى نافذة مبكرة على المرض. ففي يناير (كانون الثاني) الحالي، أعلن فريق بحثي من معهد ستانفورد للطب «Stanford Medicine»، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم «SleepFM»، بقيادة الدكتور إيمانويل مينيو، وبمشاركة الأستاذ جيمس زو. ونُشرت نتائج هذا العمل في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، مطلع العام نفسه.

وتكمن الفكرة، على بساطتها، في تحليل بيانات ليلة نوم واحدة فقط، مثل أنماط التنفّس، ونبض القلب، وإشارات الدماغ، وحركة الجسد، لا لفهم جودة النوم فحسب، بل للتنبؤ بمخاطر صحية مستقبلية قد تمتد لسنوات. ووفق ما أظهرته الدراسة، استطاع النموذج توقّع مخاطر أكثر من 130 حالة صحية مختلفة؛ من بينها أمراض القلب والكلى وبعض الاضطرابات العصبية، بدقة تفوقت على نماذج تقليدية تعتمد على فحوصات طبية متفرقة أو بيانات لحظية.

هنا يتغيّر معنى النوم نفسه، فلم يعد مجرد «استراحة للجسد»، بل تحوّل إلى لغة بيولوجية صامتة، لغة يقرأها الذكاء الاصطناعي بدقة؛ لأن كثيراً من الأمراض لا تبدأ بالألم، بل بتغيّرات فيسيولوجية دقيقة تسبق إحساس المريض بمرضه بوقتٍ طويل.

أين تتألّق هذه النماذج؟

تتجلّى القيمة الحقيقية للنماذج الزمنية للذكاء الاصطناعي في مواجهة الأمراض التي لا تُعلن عن نفسها مبكراً، بل تتقدّم ببطءٍ وصمت، وتراهن على عامل واحد: الزمن.

- السرطان إذ قد يحدّد توقيت التدخّل الفرق بين فرصة النجاة وتراجعها.

- أمراض القلب التي تتقدّم في الخفاء، قبل أن تظهر على هيئة نوبة مفاجئة.

- السكري حيث لا يكون الخطر في لحظة واحدة، بل في تراكم أضرار صغيرة على مدى سنوات.

- الأمراض العصبية التدريجية حيث لا يصبح المرض وحده التحدّي، بل يصبح الزمن نفسه العدوّ الأول.

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نعرف أين يقف المريض اليوم. فالطب الحديث يحتاج إلى أدوات قادرة على رؤية المسار كاملاً: من أين بدأ الخلل، وكيف يتقدّم، وأين يمكن إيقافه، قبل أن يفرض نفسه أمراً واقعاً.

عودة إلى جذور الطب... مع قوة البيانات

المفارقة أن هذا التقدم التقني لا يبتعد بالطب عن جوهره، بل يعيده، بطريقة غير مباشرة، إلى أصوله الفلسفية الأولى. ففي الطب الكلاسيكي، لم يكن المرض حدثاً طارئاً يظهر فجأة، بل هو مسار متصل، ولم يكن العلاج وصفة ثابتة، بل هو قرار حيّ يتغيّر مع تغيّر حال المريض وزمنه.

والذكاء الاصطناعي، في صورته الناضجة، لا يناقض هذا الفهم الإنساني، بل يعيد ترجمته إلى لغة البيانات والمحاكاة الدقيقة؛ فهو لا يكتفي بالتقاط «لقطة» للجسد في لحظة واحدة، بل يسعى إلى فهم «قصة الجسد» عبر الزمن، ويضع أمام الطبيب سيناريوهات مختلفة بشأن كيف يمكن أن تتغيّر النهاية... قبل أن تُكتب. وبهذا المعنى، لا يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، بل يعيد إليه ما سلبه ضغط الزمن: الرؤية الأوسع، والمسافة التأملية، وحرية القرار.

التحدّي الفلسفي والأخلاقي: من يقرّر؟

مع هذا التطوّر المتسارع، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على توقّع المسار الصحي قبل أن يتكشّف، فأين يبقى موقع حرية القرار الإنساني. يحذّر الباحثون بوضوحٍ من الانزلاق إلى وهم الحتمية الرقمية، فهذه النماذج، مهما بلغت دقّتها، يجب ألا تعمل منفردة. التنبؤ ليس قدراً محتوماً، والبيانات، مهما اتّسعت، لا تستطيع اختزال تعقيد الإنسان في معادلة، فالقرار الطبي الحقيقي لا يُبنى على الأرقام وحدها، بل يتشكّل عند تقاطع العلم مع السياق النفسي والاجتماعي والإنساني للمريض، حيث تلعب القيم والظروف والاختيارات الشخصية دوراً لا يمكن تفويضه لخوارزمية. وبهذا المعنى، يظل الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم، يساعد الطبيب على توسيع أفق القرار، لكنه لا يملك، وينبغي ألا يُمنح، حق الاختيار.

خاتمة: بوصلة أم قائد بلا ضمير؟

نقف، اليوم، أمام لحظة فاصلة في تاريخ الطب، فإمّا أن يصبح الذكاء الاصطناعي بوصلة تنير الطريق أمام الطبيب، تساعده على رؤية الصورة الكاملة قبل فوات الأوان، وإمّا في حال غياب الوعي والإشراف، أن يتحوّل إلى قائد بلا ضمير يختزل الإنسان في أرقام. فالطب، في جوهره، ليس مجرد البحث عن الإجابة الصحيحة، بل اتخاذ القرار الحكيم في اللحظة المناسبة. وحين تُستخدم هذه التقنيات بمسؤولية، قد تصبح أعظم أداة أعادت للطبيب ما كاد يفقده تحت ضغط السرعة والبيانات: القدرة على استشراف المستقبل الصحي قبل أن يتحوّل إلى ماضٍ لا يمكن تغييره.


رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
TT

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد فحص الباحثون صور الرنين المغناطيسي لـ26 رائد فضاء قبل وبعد رحلتهم الفضائية.

ووجدت الدراسة أن الدماغ يتحرك «إلى الأعلى والخلف داخل الجمجمة» بعد رحلة الفضاء، مع تسجيل أكبر قدر من هذا التحرك في المناطق الحسية والحركية.

وأفادت الدراسة بوجود «تشوهات معقدة وغير متساوية في شكل بعض مناطق الدماغ، تختلف بين الأجزاء العلوية والسفلية».

وقارن الباحثون أيضاً النتائج بصور الرنين المغناطيسي لـ24 مشاركاً مدنياً على الأرض، خضعوا لتجربة تحاكي انعدام الجاذبية عبر الاستلقاء لفترات طويلة مع إمالة الرأس إلى الأسفل.

ووجد العلماء تغيرات مماثلة في شكل وموضع أدمغة المشاركين المدنيين، لكن التغيرات كانت أكثر وضوحاً لدى رواد الفضاء، خاصة لدى من قضوا فترات أطول في الفضاء.

وأكد فريق الدراسة أن «آثار تشوهات الدماغ المرتبطة برحلات الفضاء على الصحة والأداء البشري تتطلب مزيداً من البحث لتمهيد الطريق لاستكشاف الفضاء بشكل أكثر أماناً»، مضيفاً أنه «على الرغم من أن معظم تشوهات الدماغ تعافت خلال ستة أشهر بعد الرحلة، لكن بعضها استمر».

وصرحت راشيل سيدلر، الأستاذة في قسم علم وظائف الأعضاء التطبيقي وعلم الحركة بجامعة فلوريدا والمشاركة في إعداد الدراسة: «نحن بحاجة إلى فهم هذه التغيرات وآثارها للحفاظ على سلامة رواد الفضاء وصحتهم وضمان طول أعمارهم».

وفي حديثها عن تأثير مدة الإقامة في الفضاء على الدماغ، قالت سيدلر: «أظهر الأشخاص الذين قضوا عاماً كاملاً في الفضاء أكبر قدر من التغيرات. مع ذلك، لوحظت بعض التغيرات لدى الأشخاص الذين قضوا أسبوعين فقط».

وسبق أن ذكرت دراسة أجريت عام 2023 أن الرحلات الفضائية التي تستمر 6 أشهر أو أكثر تؤثر سلباً على أدمغة رواد الفضاء، مشيرة إلى أن أفراد الطاقم قد يحتاجون إلى الانتظار لمدة 3 سنوات على الأقل قبل العودة إلى الفضاء مرة أخرى.

وكشفت الدراسة التي قامت بمسح أدمغة 30 رائد فضاء عن أن بطينات المخ، أو التجاويف داخل الدماغ المليئة بالسائل النخاعي، توسعت بشكل كبير داخل أدمغة رواد الفضاء الذين ذهبوا إلى محطة الفضاء الدولية في مهمات استمرت 6 أشهر على الأقل.


كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟
TT

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

في سعينا لتحديد شخصية المصاب بالاعتلال النفسي أو «السايكوباث» (Psychopath)، يمكننا ملاحظة بعض السلوكيات مبكراً، غالباً خلال الدقائق الأولى من اللقاء، كما كتب جيف هادن(*).

ميول متميزة

ووفقاً لما يطرحه العلم، فإن هؤلاء الأشخاص يميلون إلى إظهار ميول معينة تُميزهم عن غيرهم. ومع أن تشخيص الاعتلال النفسي بشكل قاطع يتطلب تقييماً دقيقاً، فإن هناك عدة علامات قد تُشير إلى أن شخصاً ما قد يكون مريضاً نفسياً، بناءً على أنماط سلوكية.

1. الهوس بالمتعة والمال والسلطة: تُشير الأبحاث إلى أن المختلين عقلياً أكثر ميلاً للحديث عن موضوعات تتعلق بالطعام والجنس والمال، وهي موضوعات تركز على المتعة الجسدية أو الثروة المادية. وهم غالباً ما يتجنبون النقاشات حول الأسرة أو الدين أو القضايا الروحانية، أي تلك المجالات التي ينخرط في الحديث عنها عادةً الأشخاص المتعاطفون. إذا كان شخص ما مهووساً بشكل مفرط بهذه الموضوعات، فقد يكون ذلك مؤشراً تحذيرياً.

النرجسية وغياب التعاطف

2. النرجسية المفرطة: غالباً ما يُظهر المختلون عقلياً شعوراً مبالغاً فيه بقيمتهم الذاتية، فقد يتباهون بأهدافهم الطموحة، لكنهم يعجزون عن تقديم خطط عملية لتحقيقها. وفي حين يركز الأشخاص الناجحون على العمليات الرئيسية للوصول إلى أهدافهم، يميل المرضى النفسيون في المقابل إلى التصرف كأنهم قد حققوا أهدافهم بالفعل، دون أدنى اعتبار للجهد المطلوب لبلوغها.

3. غياب التعاطف غير اللفظي: يُظهر التعاطف عادةً من خلال الإشارات غير اللفظية، مثل تقليد تعبيرات وجه الآخرين أو إيماءاتهم. إلا أن المرضى النفسيين يعجزون عن ذلك. على سبيل المثال، قد لا يُقلدون ابتسامتك عندما تكون سعيداً، أو لا يتجهمون عندما تروي قصة حزينة.

الركض وراء المكافآت

4. التركيز المفرط على المكافأة: يميل دماغ الشخص المريض نفسياً إلى السعي وراء المكافآت بأي ثمن تقريباً، إذ ترتفع لديه استجابة الدوبامين عند المكافآت، ما يدفعه إلى تحقيق أهدافه دون التفكير ملياً في العواقب. وفي حين يسعى الجميع إلى المكافآت، غالباً ما يتجاهل المرضى النفسيون المخاطر والأخطار المصاحبة لسعيهم وراءها. وقد يطغى هوسهم بالمكافأة على إحساسهم بالمسؤولية الأخلاقية، ما يجعلهم متهورين في تصرفاتهم.

5. الازدهار في ظل قيادة سيئة: غالباً ما يزدهر المرضى النفسيون في بيئات سامة وعالية التوتر، كما ويزدهرون تحت قيادة رؤساء صعاب المراس، ومتغطرسين، وذوي مطالب كثيرة، أو يفتقرون إلى النزاهة.

ويتميز المرضى النفسيون بهدوئهم، وشجاعتهم، وقدرتهم على التعامل مع هذه البيئات دون حصول اضطراب عاطفي، مثل الذي يصيب الآخرين. غالباً ما تدفعهم هذه القدرة إلى الأمام في حياتهم المهنية، إذ يبقون بمنأى عن التحديات التي تثبط عزيمة معظم الموظفين.

التعامل بوعي

إذا وجدت نفسك تعمل مع شخص يُشتبه في كونه مختلاً عقلياً فمن المهم التعامل مع الموقف بوعي، إذ يُجيد المرضى النفسيون التلاعب؛ لذا من الضروري التركيز على الأفعال لا الأقوال. ابحث عن سُبل لخلق مواقف مُربحة للطرفين، إذ غالباً ما يكون هؤلاء المرضى أكثر استعداداً للتعاون إذا رأوا مكاسب شخصية.

وبفهم هذه المؤشرات المبكرة والحفاظ على الذكاء العاطفي، يُمكنك التعامل مع المرضى النفسيين بفاعلية أكبر.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».