الأجسام البشرية «الاحتياطية» المصنّعة بشكل أخلاقي قد تحدث ثورة بمجال الطب

تعزز جهود تطوير الأدوية وتخفف من أزمة نقص الأعضاء

شكل تصويري حول انتاج اعضاء بشرية :(الى اليسار- انتاج الغدد الثديية، الكبد، الامعاء). (الى اليمين
 -
شكل تصويري حول انتاج اعضاء بشرية :(الى اليسار- انتاج الغدد الثديية، الكبد، الامعاء). (الى اليمين -
TT

الأجسام البشرية «الاحتياطية» المصنّعة بشكل أخلاقي قد تحدث ثورة بمجال الطب

شكل تصويري حول انتاج اعضاء بشرية :(الى اليسار- انتاج الغدد الثديية، الكبد، الامعاء). (الى اليمين
 -
شكل تصويري حول انتاج اعضاء بشرية :(الى اليسار- انتاج الغدد الثديية، الكبد، الامعاء). (الى اليمين -

لماذا نسمع عن اختراقات طبية تحققت على الفئران، لكن نادراً ما نراها تتحول إلى علاجات فعالة لأمراض بشرية؟ لماذا لا ينال إلا عدد ضئيل فقط من الأدوية، التي تدخل التجارب السريرية، موافقة الجهات التنظيمية؟ ولماذا نرى قائمة انتظار زراعة الأعضاء طويلة بهذا الشكل؟

نقص دراسات الأجسام البشرية

تكمن الإجابة عن هذه التساؤلات، وما تحمله من تحديات، إلى حد كبير في سبب جذري مشترك: النقص الحاد في الأجسام البشرية المصنّعة بشكل أخلاقي.

قد يكون من المزعج أن نصف الأجسام البشرية بمصطلحات تجارية أو مادية، ومع ذلك، تبقى الحقيقة التي لا مفر منها أن المواد البيولوجية البشرية تُعد سلعة أساسية بمجال الطب، وأن النقص المستمر فيها يشكل أزمة كبيرة تعيق التحرك قدماً.

ويشكل هذا الخلل بين العرض والطلب، السبب الجوهري وراء أزمة نقص الأعضاء، مع وجود أكثر من 100 ألف مريض في الولايات المتحدة وحدها، ينتظرون زراعة عضو صلب. كما يجبرنا هذا الخلل على الاعتماد بشكل مفرط على الحيوانات في الأبحاث الطبية، وهي ممارسة يتعذر عليها محاكاة الكثير من الجوانب الفسيولوجية البشرية الكبرى، وتستلزم إلحاق الأذى بكائنات تشعر بالألم.

بالإضافة إلى ذلك، يبقى لزاماً التحقق من سلامة وفاعلية أي دواء تجريبي، من خلال تجارب سريرية تُجرى على أجسام بشرية حية، وهي تجارب مكلفة وتعرض المرضى للخطر، وقد يستغرق إنجازها عقداً أو أكثر. ومع ذلك، يبلغ أقل من 15 في المائة منها فقط مرحلة الموافقة. كما يقول باحثو جامعة ستانفورد الأميركية: كارستن تي تشارلزورث، باحث ما بعد الدكتوراه في معهد بيولوجيا الخلايا الجذعية والطب التجديدي، وهنري تي غريلي، أستاذ القانون وأخلاقيات العلوم الحيوية، ومدير مركز القانون والعلوم البيولوجية، وهيروميتسو ناكاوتشي، أستاذ علم الوراثة في معهد بيولوجيا الخلايا الجذعية والطب التجديدي، وأستاذ متميز في معهد العلوم بطوكيو في مجلة «تكنولوجي ريفيو».

أعضاء احتياطية

وقد يكون هذا التوجه مخرجاً من هذا المأزق الأخلاقي والعلمي، في ظل توفير التطورات الحديثة في التكنولوجيا الحيوية، وسبيلاً لإنتاج أجسام بشرية حية، لكن دون المكونات العصبية التي تتيح لنا التفكير أو الوعي أو الشعور بالألم.

قد يبدو هذا الاحتمال مقلقاً للكثيرين، لكن إذا تمكن الباحثون وصانعو السياسات من تنسيق هذه التقنيات، وتطوير إطار عمل مناسب، فقد نتمكن يوماً ما من بناء «أجسام احتياطية»، بشرية وغير بشرية، على حد سواء.

وقد تُحدث هذه الأجسام ثورة بمجالي البحث الطبي وتطوير الأدوية، عبر تقليل الحاجة إلى التجارب على الحيوانات، وإنقاذ حياة الكثير من المرضى من قوائم انتظار زراعة الأعضاء، علاوة على تمكيننا من إنتاج أدوية وعلاجات أكثر فاعلية ـ كل ذلك من دون تجاوز الخطوط الأخلاقية، التي يتمسك بها معظم الناس.

خلايا جذعية وهياكل بشرية

رغم أن الأمر قد يبدو وكأنه من عالم الخيال العلمي، فإن التقدم التكنولوجي الحديث قد دفع هذا المفهوم إلى «مجال المعقولية»، فالخلايا الجذعية متعددة القدرات، وهي أحد أول أنواع الخلايا التي تتكون في أثناء النمو، لديها القدرة على إنتاج كل نوع من أنواع الخلايا الموجودة في جسم الإنسان البالغ.

وفي الآونة الأخيرة، استعان الباحثون بهذه الخلايا الجذعية لتكوين هياكل تشبه إلى حد بعيد التطور المبكر للأجنة البشرية الحقيقية. في الوقت نفسه، فإن تكنولوجيا الرحم الصناعية تشهد تطوراً سريعاً، كما أن هناك مسارات أخرى قد تفتح الباب أمام نمو أجنة خارج جسم الإنسان.

تتيح هذه التقنيات، إلى جانب الأساليب الجينية المعروفة التي يمكن استخدامها لعرقلة تطور الدماغ، تخيّل فكرة بناء «أجسام بشرية احتياطية» أو ما يُعرف بـ(Bodyoids)؛ أي مصدر غير محدود محتمل لأجسام بشرية، يجري تطويرها بالكامل خارج الجسم البشري من خلايا جذعية، لكنها تفتقر إلى الوعي أو القدرة على الإحساس بالألم.

وتشير دراسات إلى أن الأجنة المكونة من خلايا جذعية، بدلاً من اتحاد بويضة وحيوان منوي، قد تولّد استجابة حمل قصيرة الأمد في القردة.

بالتأكيد، تبقى هناك الكثير من العقبات التقنية لتحقيق هذا التصور، لكنَّ ثمة أسباباً تدعو إلى الاعتقاد بأن هذه الأجسام الاحتياطية يمكن أن تُحدث تحولاً جذرياً بمجال البحث الطبي البيولوجي، عبر معالجة القيود الحرجة التي تعانيها النماذج الحالية للأبحاث وتطوير الأدوية والطب. ومن بين الكثير من الفوائد المحتملة، ستوفر مثل هذه الأجسام مصدراً شبه غير محدود من الأعضاء والأنسجة والخلايا لاستخدامها في عمليات الزراعة.

وقد يصبح من الممكن كذلك توليد أعضاء مباشرة من خلايا المريض نفسه، ما يعني استنساخ المادة البيولوجية لشخص ما لضمان توافق الأنسجة المزروعة، بشكل مثالي، مع جهاز المناعة لديه، وبالتالي القضاء على الحاجة إلى تناول أدوية كبح المناعة مدى الحياة.

بجانب ما سبق، يمكن استخدام الأجسام الاحتياطية المشتقة من خلايا المريض في اختبار الأدوية بشكل شخصي، الأمر الذي يتيح للأطباء تقييم تأثير التدخلات المختلفة على نموذج بيولوجي يعكس بدقة جينات وفسيولوجيا المريض نفسه، بل يمكننا أن نتخيل استخدام الأجسام الاحتياطية الحيوانية في الزراعة، باعتبارها بديلاً عن استخدام الكائنات الحية التي تشعر بالألم.

تساؤلات ومحاذير

بطبيعة الحال، فإن الاحتمالات المثيرة لا تعني بالضرورة أنها مؤكدة، فنحن لا نعلم ما إذا كانت النماذج الجنينية، التي جرى إنشاؤها حديثاً من الخلايا الجذعية، يمكن أن تؤدي إلى ولادة كائنات بشرية حية أو حتى فئران. ولا نعلم متى، أو ما إذا كان سيجري التوصل إلى تقنية فعالة لنجاح الحمل الكامل لأجسام بشرية خارج جسم الإنسان.

كما لا يمكننا الجزم بما إذا كانت هذه الأجسام يمكن أن تبقى على قيد الحياة دون أن تطور دماغاً أو مناطق دماغية ترتبط بالوعي، أو ما إذا كانت ستكون نماذج بيولوجية دقيقة تمثل البشر الحقيقيين، في غياب هذه الوظائف الدماغية.

وحتى إن نجح كل ذلك، قد لا يكون مجدياً من الناحية العملية أو الاقتصادية، «زراعة» هذه الأجسام الاحتياطية، ربما لسنوات مقبلة، حتى تصل إلى مستوى من النضج يجعلها مفيدة لأغراضنا.

في الواقع، يتطلب كل تساؤل من هذه التساؤلات أبحاثاً مكثفة ووقتاً طويلاً. ومع ذلك، نعتقد أن هذه الفكرة قد أصبحت الآن معقولة بما فيه الكفاية، لتبرير مناقشة جدواها التقنية ودلالاتها الأخلاقية.

اعتبارات أخلاقية وتداعيات مجتمعية

يمكن أن تسهم الأجسام الاحتياطية في حل الكثير من المشكلات الأخلاقية في الطب الحديث، عبر توفير سبل لتجنّب الألم والمعاناة غير الضروريين. على سبيل المثال، يمكن أن توفر بديلاً أخلاقياً للطريقة التي نستغل بها الحيوانات في الأبحاث والغذاء، من خلال إنتاج اللحوم أو منتجات أخرى دون أي معاناة أو وعي من الحيوانات.

إلا أنه عندما نتحدث عن الأجسام الاحتياطية البشرية، على وجه التحديد، تكتسب القضايا مستوى أكبر من التعقيد، فالكثيرون سيجدون هذا المفهوم مقززاً أو مروعاً، ولأسباب وجيهة؛ إذ إننا بداخلنا، نحمل احتراماً فطرياً للحياة البشرية بجميع أشكالها، ولا نسمح بإجراء أبحاث موسعة على أشخاص فقدوا الوعي بالكامل، أو حتى لم يمتلكوه يوماً في بعض الحالات.

في الوقت ذاته، نعلم أن دراسة جسم الإنسان توفر فوائد كبيرة، ونجني الكثير من المعرفة من وراء الكثير من الأجساد المتوفاة، التي تُستخدم اليوم لأغراض التعليم والبحث فقط، بعد الحصول على الموافقة اللازمة. وفي المختبرات، ندرس الخلايا والأنسجة التي جرى الحصول عليها، بموافقة، من أجسام الموتى والأحياء.

وفي الفترة الأخيرة، بدأنا في الاستعانة بما يطلق عليه «الجثث المتحركة»، التي تعود لأشخاص أُعلِن عن وفاتهم قانونياً، بعد فقدانهم جميع وظائف الدماغ، بينما تظل أعضاؤهم الأخرى تعمل بمساعدة ميكانيكية.

وقد جرى ربط كلى خنازير معدلة وراثياً أو زرعها في هذه الجثث النشطة فسيولوجياً، لفحص مدى فاعليتها في جسم الإنسان الحي.

في كل هذه الحالات، لم يكن هناك، من الناحية القانونية، كائن بشري حي جرى استخدامه في البحث. ومن المقرر أن تقع الأجسام الاحتياطية البشرية ضمن نفس الفئة.

ومع ذلك، تبقى هناك قضايا مهمة يجب أخذها بعين الاعتبار؛ أُولاها الموافقة، فالخلايا التي تُستخدم في صنع هذه الأجسام يجب أن تأتي من شخص ما، ويجب التأكد من أن هذا الشخص قد وافق على هذا الاستخدام بالتحديد، والذي يُحتمل أن يكون مثيراً للجدل.

ومع ذلك، ربما تكمن المسألة الأعمق في أن هذه الأجسام قد تُضعف من قيمة البشر الحقيقيين، الذين يفتقرون إلى الوعي أو الإحساس.

حتى الآن، تمسكنا بمعيار يتطلب منا معاملة جميع البشر الذين وُلدوا أحياء بوصفهم أشخاصاً كاملين، يحق لهم الحياة ونيل الاحترام. والتساؤل المطروح هنا: هل ستطمس الأجسام الاحتياطية - التي جرى إنشاؤها دون حمل أو حتى آباء وأمهات - هذا الخط الفاصل؟ أم أننا سنعدّ الجسم الاحتياطي إنساناً كاملاً جديراً بالقدر ذاته من الاحترام؟

وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا؟ لمجرد أنه يشبهنا؟ حتى الدمى شديدة الواقعية يمكن أن تفي بهذا الشرط.

لأنه يشبهنا وحيّ؟ أم لأنه حي وله نفس الحمض النووي الخاص بنا؟ كل هذه تساؤلات تتطلب تفكيراً عميقاً.

وحتى وقت قريب، كانت فكرة صنع شيء مثل الجسم الاحتياطي تُصنف ضمن الخيال العلمي أو التأمل الفلسفي، لكن الآن، أصبحت هذه الفكرة على الأقل ممكنة علمياً - وربما ثورية - وقد حان الوقت لاستكشافها.

أما الفوائد المحتملة - سواء للمرضى من البشر أو الكائنات الحيوانية التي تشعر بالألم - فتبدو عظيمة. ويجب على الحكومات والشركات والمؤسسات الخاصة أن تبدأ في التفكير في الأجسام الاحتياطية بوصفها مساراً محتملاً للاستثمار. ولا حاجة للبدء بالبشر، وإنما يمكننا أولاً استكشاف جدوى هذا النهج باستخدام القوارض أو غيرها من الحيوانات المخصصة للبحث.

ومع تقدمنا، ستكون القضايا الأخلاقية والاجتماعية على القدر ذاته من الأهمية، على الأقل، بقدر أهمية القضايا العلمية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الإعلان عن ولادة النعجة «دوللي» المستنسخة في تسعينات القرن الماضي، أثار موجة من ردود الفعل الهيستيرية، ورافقته تكهنات عن جيوش من العبيد المستنسخين. وعليه، ينبغي الانتباه إلى أن القرارات الصائبة تتطلب الاستعداد المسبق.

والمؤكد أن الطريق نحو إنجاز إمكانات الأجسام الاحتياطية لن يخلو من التحديات، وقد لا يكون ممكناً على الإطلاق، أو حتى إن أمكن، فقد لا نسلك نهاية المطاف هذا الطريق.

وفي كل الأحوال، فإن الحذر مطلوب، وكذلك الرؤية الطموحة، فالفرصة القائمة اليوم قيّمة للغاية لدرجة يتعذر علينا تجاهلها.


مقالات ذات صلة

دراسة: الجهاز المناعي يمكن إعادة برمجته لإنتاج أجسام مضادة نادرة

صحتك قد يكون العلماء قد فتحوا الباب أمام طريقة جديدة لإعادة برمجة الجهاز المناعي، بحيث يصبح الجسم قادراً على إنتاج أجسام مضادة قوية ونادرة بشكل دائم، والاستجابة بسرعة أكبر عند التعرض للأمراض (رويترز)

دراسة: الجهاز المناعي يمكن إعادة برمجته لإنتاج أجسام مضادة نادرة

ربما يكون الباحثون قد توصلوا إلى طريقة جديدة لجعل الجسم يصنع البروتينات المفيدة بما في ذلك بعض الأجسام المضادة شديدة الفاعلية التي عادة ما يصعب إنتاجها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك يأمل الباحثون أن تؤدي هذه التقنية لا تزال في مرحلة الاختبار المعملي إلى علاجات في المستقبل (رويترز)

تطور في تعديل الجينات قد يؤدي إلى علاج لـ«متلازمة داون»

طور باحثون نسخة ‌معدلة من أداة تعديل الجينات المعروفة باسم (كريسبر)، قد تكون قادرة على «إبطال» عمل الكروموسوم الإضافي ​الذي يتسبب في متلازمة داون.

«الشرق الأوسط» (بوسطن)
صحتك الساعات الذكية لرصد التغيرات في صحة الدماغ

الساعات الذكية لرصد التغيرات في صحة الدماغ

يُعدّ الحفاظ على مستوى عال من الصحة الدماغية، التي تشمل الوظائف المعرفية (الإدراكية) والعاطفية (الوجدانية)، من أشد ما تمس حاجة المرء إليه كي يستمتع بحياته.

د. عبير مبارك (الرياض)
صحتك 7 أنواع للراحة

7 أنواع للراحة

ربما يبدو النوم لليلة كاملة مثل انتصار صغير، لكن ليس من المضمون أو الأكيد مع ذلك ألا نشعر بالثقل والخمول

«الشرق الأوسط» (كمبردج - ولاية ماساشوستس الأميركية)
صحتك «الهيموفيليا»... من التشخيص المتأخر إلى آفاق العلاج الجيني

«الهيموفيليا»... من التشخيص المتأخر إلى آفاق العلاج الجيني

قد يبدو الجرح الصغير أمراً عابراً في حياة معظم الناس، فما هي إلاّ لحظةُ ألمٍ قصيرة يعقبها شفاء سريع، لكن بالنسبة لآخرين قد يتحول إلى مشكلة تتجاوز ما تراه العين

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات
TT

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

لطالما رغب المبرمج المصري عاصم صبري في نموذج ذكاء اصطناعي يُمثل ثقافته. لكن المشكلة تكمن في عدم عثوره على نموذج مثل هذا. ويقول صبري: «صناعة الذكاء الاصطناعي في مصر... غير موجودة». لذا قام ببناء نموذجه الخاص: «حورس»، نسبةً إلى إله السماء المصري القديم.

«حورس» على منصة «Hugging Face»

«حورس» للذكاء الاصطناعي

يقول صبري إن الهدف كان التوقف عن «الاعتماد على نماذج أخرى، مثل النماذج الأميركية أو الصينية»، والتوجه بدلاً من ذلك عن شكل النموذج الذي يُركز بشكل أكبر على الثقافة المصرية. ولجعل «حورس» يعمل، قام بتدريبه باستخدام وحدات معالجة الرسومات من «غوغل كولاب» Google Colab ومزودي خدمات سحابية آخرين، إلى جانب مجموعات بيانات مفتوحة المصدر. وقد حقق النموذج، الذي تم إصداره في أوائل أبريل (نيسان) الحالي، أكثر من 800 عملية تنزيل في أسبوعه الأول على منصة «Hugging Face».

انحصار لغوي

ويُعدّ صبري واحداً من بين عدد متزايد من المطورين الذين يسعون لتصحيح خللٍ مزمن في مجال الذكاء الاصطناعي. فالنماذج تتقن الإنجليزية، وإلى حدٍّ أقل، الصينية، لكنها أقل كفاءةً بكثير في معظم اللغات الأخرى. واللغات التي تُصنّف على أنها لغات أقلية، هي في الواقع لغات الأغلبية العالمية. ومع ذلك، وبفضل طريقة تدريب النماذج (على كميات هائلة من البيانات المُستخرجة من الإنترنت)، بالإضافة إلى اقتصاديات صناعة التكنولوجيا، تبقى الإنجليزية هي اللغة المهيمنة.

فجوة اللغات

في عام 2023، نشرت الباحثة علياء بهاتيا، بالتعاون مع زميل لها في مركز الديمقراطية والتكنولوجيا، دراسةً تُشير إلى أن اللغات غير القياسية «ضاعت في الترجمة» بسبب تأثيرات التنعيم والحوافز التجارية التي تُشكّل شركات التكنولوجيا الكبرى. ففي خضمّ التهافت على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي، أعطت الشركات الأولوية لدعم اللغة الإنجليزية، ويعود ذلك جزئياً إلى محدودية بيانات التدريب، ولم تبذل جهداً يُذكر لسدّ هذه الفجوة.

لسنوات، عزّزت الاعتبارات الاقتصادية هذه المشكلة. فتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي مُكلف، ولا تملك الشركات حافزاً يُذكر لتطوير نماذج تدعم مجموعات لغوية أصغر حجماً دون عائد واضح.

نماذج محلية

وقد بدأ هذا الوضع بالتغيّر أخيراً، أدى صعود نماذج الذكاء الاصطناعي المحلية، بالتزامن مع تشديد شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى لحدود الرموز الرقمية، إلى فتح المجال أمام الشركات الصغيرة. يقول صبري: «قبل عامين، لم يكن الذكاء الاصطناعي بمثل هذه الكفاءة، ولم تكن نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر. أما الآن، فيمكننا بناء نماذجنا الخاصة من الصفر».

ومع ذلك، لا تزال هناك عقبات. وتشير بهاتيا إلى أن «بعض العوائق لا تزال قائمة فيما يتعلق بالحوسبة، والبنية التحتية، والتمويل»، وهو ما يمثل مجتمعاً «عائقاً كبيراً». ومع ذلك، فإن التقدم واضح.

من اميركا اللاتينية إلى آسيا

وما يتبلور ليس نظاماً بيئياً رسمياً بقدر ما هو شبكة عالمية غير رسمية من النماذج ذات التركيز المحلي: Apertus السويسرية، و Latam-GPT في أميركا اللاتينية، وN-ATLaS النيجيرية، و Sahabat-AI الإندونيسية، وSEA-LION السنغافورية، وGreenMind الفيتنامية، وOpenThaiGPT التايلاندية، وTeuken 7B الأوروبية. يقدم كل منها بديلاً للنماذج السائدة من «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«علي بابا».

جهود شعبية

لا تزال بعض الجهود شعبية، مثل جهود صبري. بينما تحظى جهود أخرى بدعم مؤسسي. وعلى سبيل المثال، يُعدّ مشروع «أبيرتوس» ثمرة تعاون بين جامعتين سويسريتين والمركز الوطني السويسري للحوسبة الفائقة، الذي ساهم بأكثر من 10 ملايين ساعة معالجة رسومية، أي ما يعادل عشرات الملايين من الدولارات في الحوسبة التجارية.

إلا أن معظم المشاريع تعمل على نطاق أصغر بكثير من ذلك. ومع ذلك، فإن القدرة على تدريب ونشر نماذج محلية بتكلفة منخفضة نسبياً تُغيّر قواعد اللعبة. فقد سجّلت نسخة مُحسّنة من برنامج «لاما 3.2» التابع لشركة «ميتا»، الذي تم تدريبه على 14,500 زوج من الأمثلة القانونية الهندية، ما يزيد قليلاً على 1000 عملية تنزيل منذ أوائل أبريل (نيسان). وهذا جانب مُتخصص، لكنه ذو أهمية. وكان من الصعب تبرير الاستثمار فيه اقتصادياً حتى وقت قريب.

توسيع السوق

يشير هذا الإقبال المبكر إلى وجود سوق أوسع من السوق السائد. كما أنه يطرح تساؤلاً أمام كبرى شركات الذكاء الاصطناعي. تقول بهاتيا: «ما تقدمه هذه البدائل هو دليل على إمكانية بناء أنظمة تمثل بشكل أفضل أغلبية المستخدمين واللغات في العالم، طالما أن شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى ترغب فعلاً في الاستفادة من هذه التجارب والتعلم منها».

* مجلة «فاست كومباني».


«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي

«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي
TT

«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي

«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي

لطالما قورن الذكاء الاصطناعي بالذكاء البشري، لكن هذه المقارنة قد لا تكون الأنسب؛ فما يُجيده الذكاء الاصطناعي حالياً يُمكن أن يُساعد في التنبؤ بالوظائف التي قد يحلّ محلّها.

تلميذ رياضيات متفوق

يمكنك أن تقول اليوم ما تريد عن إمكانية وصول الذكاء الاصطناعي يوماً ما إلى ذكاء الإنسان. على سبيل المثال أصبح الذكاء الاصطناعي بالفعل تلميذاً مُتفوقاً في الرياضيات؛ ففي الصيف الماضي، أجاب نظام ذكاء اصطناعي من تطوير «غوغل» و«أوبن إيه آي» إجابة صحيحة على خمسة من أصل ستة أسئلة مُعقدة في أولمبياد الرياضيات الدولي، وهي مُسابقة سنوية لأفضل طلاب المدارس الثانوية في العالم.

قصور وسذاجة

مع ذلك، قد يكون المنطق السليم للذكاء الاصطناعي ما زال قاصراً بعض الشيء؛ فبعد بضعة أشهر، لاحظ أنورادها ويرامان، مهندس برمجيات في سريلانكا، أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الرائدة تُعاني في الإجابة عن سؤالٍ بسيطٍ للغاية، قد يبدو مُضحكاً للبعض. فعندما أخبر عدداً من برامج الدردشة الآلية أنه بحاجة إلى أخذ سيارته بهدف تصليحها في ورشة تبعد 50 متراً فقط، وسألها إن كان عليه المشي أم القيادة، نصحته البرامج بالمشي!

«الذكاء المتذبذب»

إنّ الطريقة الغريبة التي يبدو بها الذكاء الاصطناعي عبقرياً في لحظة، وغبياً في أخرى، هي ما يُطلِق عليه الباحثون والمهندسون والاقتصاديون مصطلح «الذكاء المتذبذب» (jagged intelligence) (حرفياً «الذكاء المسنّن» أي غير الانسيابي - المحرِّر) . وهم يستخدمون هذا المصطلح لتفسير سبب تقدّم الذكاء الاصطناعي بسرعة في بعض المجالات، كالرياضيات وبرمجة الحاسوب، بينما لا يزال يُكافح لتحقيق تقدّم في مجالات أخرى.

قد يُساعد هذا المصطلح، الشائع الاستخدام بين مُطوّري الذكاء الاصطناعي ومُحلّلي آثاره، في إعادة صياغة النقاش الدائر حول ما إذا كانت هذه الأنظمة تُصبح بذكاء البشر، أو حتى أذكى منهم.

أفضل... وأقل ذكاء

ويرى الباحثون أن الذكاء الاصطناعي شيء مختلف تماماً؛ فهو أفضل بكثير من البشر في بعض المهام، وأقل ذكاءً بكثير في مهام أخرى. كما يُمكن أن يُساعد فهم نقاط القوة والضعف هذه الاقتصاديين على فهم أفضل لما يعنيه الذكاء الاصطناعي لمستقبل العمل؛ إذ وبينما يوجد سببٌ للقلق لدى المُبرمجين المبتدئين بشأن وظائفهم على سبيل المثال، فليس من الواضح - على الأقل في الوقت الراهن - كيف سيؤثر الذكاء الاصطناعي على أنواع العمل الأخرى.

لكن مُراقبة المجالات التي يبدأ فيها الذكاء الاصطناعي بتحقيق تحسينات سريعة قد تُساعد في التنبؤ بأنواع الوظائف التي ستتأثر بهذه التقنية.

وقال ويرامان: «يختلف أداء هذه الأنظمة، وليس من السهل التنبؤ بموعد عجزها عن أداء مهام يستطيع الإنسان القيام بها».

الدماغ البشري: ترابط المعارف وقدرات حل المشكلات

وقد صاغ مصطلح «الذكاء المتذبذب» أندريه كارباثي، أحد الباحثين المؤسسين لشركة «أوبن ايه آي»، والرئيس السابق لقسم تكنولوجيا القيادة الذاتية في شركة «تسلا»، وأحد أبرز المعلقين على صعود الذكاء الاصطناعي على وسائل التواصل الاجتماعي. وكتب على وسائل التواصل الاجتماعي عام 2024: «بعض الأشياء تعمل بكفاءة عالية (وفقاً للمعايير البشرية)، بينما تفشل بعضها الآخر فشلاً ذريعاً (أيضاً وفقاً للمعايير البشرية)، وليس من السهل دائماً التمييز بينهما».

وكتب أن هذا يختلف عن الدماغ البشري، «حيث تترابط كثير من المعارف وقدرات حل المشكلات ترابطاً وثيقاً وتتحسن بشكل خطي معاً، من الولادة إلى البلوغ».

التأثير على الوظائف

منذ أن بدأت «أوبن أيه آي» في مجال الذكاء الاصطناعي. مع ازدهار قطاع التكنولوجيا في عام 2022، تذبذبت تصريحات المسؤولين التنفيذيين في شركات التكنولوجيا بين التحذير من أن ابتكاراتهم الجديدة قد يكون لها تأثير مدمّر على وظائف ذوي الياقات البيضاء، والتقليل من شأن تأثيرها طويل الأمد على التوظيف.

حتى الآن، وخارج قطاع التكنولوجيا، لا توجد سوى أدلّة متفرقة تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح سبباً في فقدان الوظائف. ولكن بالنظر إلى سرعة تطور هذه التكنولوجيا، يرى العديد من خبراء التكنولوجيا أن مسألة استبدال الذكاء الاصطناعي لأنواع أخرى من العاملين في وظائف ذوي الياقات البيضاء ليست مسألة «هل سيحدث ذلك؟»، بل «متى سيحدث؟».

قبل بضع سنوات فقط، كانت هذه الأنظمة لا تزال في بداياتها، تُظهر مهارات برمجية بدائية للغاية. يقول أليكس إيماس، الخبير الاقتصادي في كلية بوث للأعمال بجامعة شيكاغو: «لقد شهدت هذه الأنظمة تحسينات هائلة. في كل مرة يُطرَح فيها إصدار جديد رئيسي، يُفاجأ الناس بقدراته الهائلة». لكن التكنولوجيا التي تُضيف إلى ما يمكن للعاملين القيام به دون استبدالهم لها سوابق كثيرة، وهذا ما يتوقعه بعض باحثي الذكاء الاصطناعي والاقتصاديين.

أهمية العنصر البشري

منذ ستينات القرن الماضي، كانت الآلة الحاسبة الجيبية قادرة على الجمع والطرح والضرب بسرعة تفوق سرعة الإنسان بكثير. لكن هذا لم يكن يعني أن الآلة الحاسبة يمكن أن تحل محل المحاسب. أما الآن؛ فبإمكان أنظمة مثل «كلود» من أنثروبيك و«كودكس» من «أوبن إيه آي» كتابة برامج حاسوبية بسرعة أكبر بكثير أيضاً. لكنها لا تجيد فهم كيفية اندماج كل جزء من الرموز الكومبيوترية في تطبيق برمجي أكبر؛ فهي تحتاج إلى مساعدة بشرية في ذلك.

يقول الدكتور إيماس: «إذا كانت الوظيفة تتضمن مجموعة من المهام المختلفة - ومعظم الوظائف كذلك - فستتم أتمتة بعض المهام، بينما لن تُؤتمت أخرى. وفي هذه الحالة، قد يتوفر للعامل وقت أطول للقيام بأمور أهم».

في الشهر الماضي، أطلق فرانسوا شوليه، الباحث البارز في مجال الذكاء الاصطناعي، اختباراً رقمياً جديداً يُسمى «ARC-AGI 3»، ويطلب الاختبار حلولاً لمئات الألغاز الشبيهة بالألعاب دون تقديم أي تعليمات لحلها. يستطيع أي شخص عادي غير مُدرَّب حل جميع الألغاز، لكن أنظمة الذكاء الاصطناعي الرائدة تعجز عن إتقان أي منها، وفقاً لاختبارات أجراها شوليه.

يقول خبراء مثل شوليه إنه بمجرد أن يُدرك الناس أن الذكاء الاصطناعي ذكاء غير مُتطوّر، فإنهم يُطوّرون فهماً أفضل لكيفية تطوّر الذكاء الاصطناعي في السنوات المقبلة، وما قد يكون له من تأثير على سوق العمل. ويقول الدكتور إيماس: «سيعتمد هذا على المهام التي يُؤتمتها، وكيف ومتى».

حدود نتاجات الذكاء الاصطناعي

إن نظم الذكاء الاصطناعي، مثل «كلود» و«تشات جي بي تي» تتعلم مهاراتها، من خلال تحديد الأنماط في البيانات الرقمية، بما في ذلك مقالات ويكيبيديا، والأخبار، وبرامج الحاسوب، وغيرها من النصوص المُجمّعة من الإنترنت.. لكن هذا لا يكفي.

لا تُمثّل الإنترنت سوى جزء ضئيل من المعرفة البشرية، فهي تُسجّل ما يفعله الناس في العالم الرقمي، ولكنها تحتوي على معلومات قليلة نسبياً عمّا يحدث في العالم المادي.

لا تخطيط ولا أفكار جديدة

وهذا يعني أن هذه الأنظمة قادرة على كتابة رسائل البريد الإلكتروني، والإجابة عن الأسئلة، والتعليق على أي موضوع تقريباً، وتوليد رموز برمجية. ولكن نظراً لأن أنظمة الذكاء الاصطناعي تُعيد إنتاج الأنماط التي تجدها في البيانات الرقمية، فإنها لا تُجيد التخطيط المُسبق، أو توليد أفكار جديدة، أو التعامل مع مهام لم تُصادفها من قبل.

* لا يمتلك الذكاء الاصطناعي ذكاءً عاماً بل مجموعة واسعة من المهارات المختلفة*

يقول شوليه: «لا يمتلك الذكاء الاصطناعي ذكاءً عاماً، بل يمتلك مجموعة واسعة من المهارات المختلفة».

والآن، تُعلّم شركات مثل «أنثروبيك» و«أوبن ايه آي» هذه الأنظمة مهارات إضافية باستخدام تقنية تُسمى التعلّم المُعزّز. فمن خلال حلّ آلاف المسائل الرياضية، على سبيل المثال، يُمكنها تعلّم أيّ الطرق تُؤدي إلى الإجابة الصحيحة وأيّها لا تُؤدي إليها.

«نعم» في الرياضيات... «لا» في الكتابة الإبداعية

يُجدي هذا الأسلوب نفعاً في مجالاتٍ كالرياضيات وبرمجة الحاسوب، حيث تستطيع شركات الذكاء الاصطناعي تحديد السلوك الجيد والسيئ بوضوح؛ فإجابة المسألة الرياضية إما صحيحة أو خاطئة، وكذلك الأمر بالنسبة لبرنامج الحاسوب، فإما أن يجتاز اختبار الأداء أو يفشل.

لكن التعلم المعزز لا يُجدي نفعاً في مجالاتٍ كالكتابة الإبداعية أو الفلسفة أو حتى بعض العلوم، حيث يصعب التمييز بين الجيد والسيئ.

يقول جوشوا غانز، الخبير الاقتصادي في كلية روتمان للإدارة بجامعة تورنتو: «البرمجة - التي يُبدي الجميع حماساً لها حالياً - لا تُمثل كل ما يفعله الذكاء الاصطناعي. ففي البرمجة، يسهل استخدام حلقة التغذية الراجعة لتحديد ما يُجدي وما لا يُجدي».

تطور التكنولوجيا

أما بالنسبة للمستخدمين؛ فغالباً ما يصعب عليهم تحديد ما يُجيده الذكاء الاصطناعي وما لا يُجيده. وعندما يُدرك الناس تماماً نقاط قوة وضعف الأنظمة، تتغير التكنولوجيا.

قال الدكتور غانز: «إنّ عدم استقرار الذكاء الاصطناعي يعني أن المشكلات قد تنشأ من أي مكان. هناك ثغرات، ولا نعرف دائماً أين تكمن». لكن العامل الحاسم هو أن الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. فالعديد من نقاط الضعف التي أشار إليها الدكتور كارباثي وآخرون في عامي 2024 وبداية 2025 لم تعد موجودة. وستكتشف الشركات أوجه قصور أخرى وتعمل على إصلاحها أيضاً... لذا فان «ثغرات التكنولوجيا تتقلص»، كما قال الدكتور إيماس.

* خدمة «نيويورك تايمز».


منصة فضائية بأذرع آلية لتزويد الأقمار الاصطناعية بالوقود

منصة «ميدنايت» من شركة «إم دي إيه»
منصة «ميدنايت» من شركة «إم دي إيه»
TT

منصة فضائية بأذرع آلية لتزويد الأقمار الاصطناعية بالوقود

منصة «ميدنايت» من شركة «إم دي إيه»
منصة «ميدنايت» من شركة «إم دي إيه»

يبدو أن الجميع يطمح للسيطرة على الفضاء. ولكن المشكلة تتمثل في أنه وكلما زاد عدد الأقمار الاصطناعية التي تطلقها الجيوش وتعتمد عليها، ازدادت الحاجة إلى نظام رقابي فعَّال لحماية تلك الأقمار، كما كتبت لورين سي. ويليامز(*).

منصة دعم فضائية

وهنا يأتي دور نظام جديد لقمر اصطناعي مزود بذراع آلية قادرة على تزويد الأقمار بالوقود اللازم: منصة«ميدنايت» من شركة «إم دي إيه» MDA Midnight الكندية هذه، التي كُشف عنها النقاب في ندوة الفضاء في كولورادو هذا الأسبوع. وقالت هولي جونسون، نائبة رئيس قسم الروبوتات والعمليات الفضائية في الشركة، لموقع «ديفنس وان»: «يستطيع هذا القمر الاصطناعي المزوَّد بذراع آلية، الاقتراب من السفن الفضائية الأخرى لفحصها، ومراقبة محيطها، واستكشاف الأجسام المقتربة، والدفاع ضد التهديدات المحتملة عند الحاجة».

التزويد بالوقود بسلامة

وأضافت جونسون أن هذه المنصة تستطيع أيضاً تزويد الأقمار الاصطناعية الأخرى بالوقود باستخدام ذراعه مع الحفاظ على مسافة آمنة من القمر الاصطناعي الذي يحتاج إلى التزويد بالوقود، وضمان استمرارية عمله.

وتابعت: «يتصل الذراع بواجهة تزويد الأقمار الاصطناعية بالوقود، بينما ستعوِّض الروبوتات معدلات الانحراف النسبي لهاتين المنصتين، لتأمين تزوبد القمر الاصطناعي بالوقود بسلاسة تامة».

10 آلاف قمر اصطناعي

وأضافت جونسون: «هناك مساعٍ حثيثة للحصول على مزيد من المعلومات حول الأجسام الموجودة في الفضاء - بما في ذلك ما يزيد عن 10 آلاف قمر اصطناعي - وما تقوم به، ومن يملكها، وأي تهديدات محتملة... ولكن الجزء المفقود من الوعي بالمجال الفضائي كان القدرة على اتخاذ أي إجراء حيال ذلك».

التنافس مع الصين

يأتي إطلاق هذا المنتج بعد أن أعرب الجنرال ستيفن وايتينغ قائد القيادة الفضائية الأميركية عن مخاوفه بشأن تجارب الصين الأخيرة في تزويد الأقمار الاصطناعية بالوقود؛ كما شدَّد في الآونة الأخيرة على ضرورة القدرة على نقل الأقمار الاصطناعية.

وقال وايتينغ أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ الشهر الماضي: «ما يقلقني هو أنه إذا طوَّروا هذه القدرة، فسيكون لديهم القدرة على المناورة لتحقيق التفوق كما فعلت الولايات المتحدة لعقود - براً وبحراً وجوَّاً - حيث استخدمنا المناورة لصالحنا». وأضاف: «نحن بحاجة إلى تطوير قدراتنا الخاصة في حرب المناورة لضمان قدرتنا على الاستفادة من المزايا التي طوَّرتها القوات المشتركة على مدى عقود في الفضاء، كما فعلنا في مجالات أخرى».

* مجلة «ديفنس وان»، خدمات «ترييون ميديا».