الأجسام البشرية «الاحتياطية» المصنّعة بشكل أخلاقي قد تحدث ثورة بمجال الطب

تعزز جهود تطوير الأدوية وتخفف من أزمة نقص الأعضاء

شكل تصويري حول انتاج اعضاء بشرية :(الى اليسار- انتاج الغدد الثديية، الكبد، الامعاء). (الى اليمين
 -
شكل تصويري حول انتاج اعضاء بشرية :(الى اليسار- انتاج الغدد الثديية، الكبد، الامعاء). (الى اليمين -
TT

الأجسام البشرية «الاحتياطية» المصنّعة بشكل أخلاقي قد تحدث ثورة بمجال الطب

شكل تصويري حول انتاج اعضاء بشرية :(الى اليسار- انتاج الغدد الثديية، الكبد، الامعاء). (الى اليمين
 -
شكل تصويري حول انتاج اعضاء بشرية :(الى اليسار- انتاج الغدد الثديية، الكبد، الامعاء). (الى اليمين -

لماذا نسمع عن اختراقات طبية تحققت على الفئران، لكن نادراً ما نراها تتحول إلى علاجات فعالة لأمراض بشرية؟ لماذا لا ينال إلا عدد ضئيل فقط من الأدوية، التي تدخل التجارب السريرية، موافقة الجهات التنظيمية؟ ولماذا نرى قائمة انتظار زراعة الأعضاء طويلة بهذا الشكل؟

نقص دراسات الأجسام البشرية

تكمن الإجابة عن هذه التساؤلات، وما تحمله من تحديات، إلى حد كبير في سبب جذري مشترك: النقص الحاد في الأجسام البشرية المصنّعة بشكل أخلاقي.

قد يكون من المزعج أن نصف الأجسام البشرية بمصطلحات تجارية أو مادية، ومع ذلك، تبقى الحقيقة التي لا مفر منها أن المواد البيولوجية البشرية تُعد سلعة أساسية بمجال الطب، وأن النقص المستمر فيها يشكل أزمة كبيرة تعيق التحرك قدماً.

ويشكل هذا الخلل بين العرض والطلب، السبب الجوهري وراء أزمة نقص الأعضاء، مع وجود أكثر من 100 ألف مريض في الولايات المتحدة وحدها، ينتظرون زراعة عضو صلب. كما يجبرنا هذا الخلل على الاعتماد بشكل مفرط على الحيوانات في الأبحاث الطبية، وهي ممارسة يتعذر عليها محاكاة الكثير من الجوانب الفسيولوجية البشرية الكبرى، وتستلزم إلحاق الأذى بكائنات تشعر بالألم.

بالإضافة إلى ذلك، يبقى لزاماً التحقق من سلامة وفاعلية أي دواء تجريبي، من خلال تجارب سريرية تُجرى على أجسام بشرية حية، وهي تجارب مكلفة وتعرض المرضى للخطر، وقد يستغرق إنجازها عقداً أو أكثر. ومع ذلك، يبلغ أقل من 15 في المائة منها فقط مرحلة الموافقة. كما يقول باحثو جامعة ستانفورد الأميركية: كارستن تي تشارلزورث، باحث ما بعد الدكتوراه في معهد بيولوجيا الخلايا الجذعية والطب التجديدي، وهنري تي غريلي، أستاذ القانون وأخلاقيات العلوم الحيوية، ومدير مركز القانون والعلوم البيولوجية، وهيروميتسو ناكاوتشي، أستاذ علم الوراثة في معهد بيولوجيا الخلايا الجذعية والطب التجديدي، وأستاذ متميز في معهد العلوم بطوكيو في مجلة «تكنولوجي ريفيو».

أعضاء احتياطية

وقد يكون هذا التوجه مخرجاً من هذا المأزق الأخلاقي والعلمي، في ظل توفير التطورات الحديثة في التكنولوجيا الحيوية، وسبيلاً لإنتاج أجسام بشرية حية، لكن دون المكونات العصبية التي تتيح لنا التفكير أو الوعي أو الشعور بالألم.

قد يبدو هذا الاحتمال مقلقاً للكثيرين، لكن إذا تمكن الباحثون وصانعو السياسات من تنسيق هذه التقنيات، وتطوير إطار عمل مناسب، فقد نتمكن يوماً ما من بناء «أجسام احتياطية»، بشرية وغير بشرية، على حد سواء.

وقد تُحدث هذه الأجسام ثورة بمجالي البحث الطبي وتطوير الأدوية، عبر تقليل الحاجة إلى التجارب على الحيوانات، وإنقاذ حياة الكثير من المرضى من قوائم انتظار زراعة الأعضاء، علاوة على تمكيننا من إنتاج أدوية وعلاجات أكثر فاعلية ـ كل ذلك من دون تجاوز الخطوط الأخلاقية، التي يتمسك بها معظم الناس.

خلايا جذعية وهياكل بشرية

رغم أن الأمر قد يبدو وكأنه من عالم الخيال العلمي، فإن التقدم التكنولوجي الحديث قد دفع هذا المفهوم إلى «مجال المعقولية»، فالخلايا الجذعية متعددة القدرات، وهي أحد أول أنواع الخلايا التي تتكون في أثناء النمو، لديها القدرة على إنتاج كل نوع من أنواع الخلايا الموجودة في جسم الإنسان البالغ.

وفي الآونة الأخيرة، استعان الباحثون بهذه الخلايا الجذعية لتكوين هياكل تشبه إلى حد بعيد التطور المبكر للأجنة البشرية الحقيقية. في الوقت نفسه، فإن تكنولوجيا الرحم الصناعية تشهد تطوراً سريعاً، كما أن هناك مسارات أخرى قد تفتح الباب أمام نمو أجنة خارج جسم الإنسان.

تتيح هذه التقنيات، إلى جانب الأساليب الجينية المعروفة التي يمكن استخدامها لعرقلة تطور الدماغ، تخيّل فكرة بناء «أجسام بشرية احتياطية» أو ما يُعرف بـ(Bodyoids)؛ أي مصدر غير محدود محتمل لأجسام بشرية، يجري تطويرها بالكامل خارج الجسم البشري من خلايا جذعية، لكنها تفتقر إلى الوعي أو القدرة على الإحساس بالألم.

وتشير دراسات إلى أن الأجنة المكونة من خلايا جذعية، بدلاً من اتحاد بويضة وحيوان منوي، قد تولّد استجابة حمل قصيرة الأمد في القردة.

بالتأكيد، تبقى هناك الكثير من العقبات التقنية لتحقيق هذا التصور، لكنَّ ثمة أسباباً تدعو إلى الاعتقاد بأن هذه الأجسام الاحتياطية يمكن أن تُحدث تحولاً جذرياً بمجال البحث الطبي البيولوجي، عبر معالجة القيود الحرجة التي تعانيها النماذج الحالية للأبحاث وتطوير الأدوية والطب. ومن بين الكثير من الفوائد المحتملة، ستوفر مثل هذه الأجسام مصدراً شبه غير محدود من الأعضاء والأنسجة والخلايا لاستخدامها في عمليات الزراعة.

وقد يصبح من الممكن كذلك توليد أعضاء مباشرة من خلايا المريض نفسه، ما يعني استنساخ المادة البيولوجية لشخص ما لضمان توافق الأنسجة المزروعة، بشكل مثالي، مع جهاز المناعة لديه، وبالتالي القضاء على الحاجة إلى تناول أدوية كبح المناعة مدى الحياة.

بجانب ما سبق، يمكن استخدام الأجسام الاحتياطية المشتقة من خلايا المريض في اختبار الأدوية بشكل شخصي، الأمر الذي يتيح للأطباء تقييم تأثير التدخلات المختلفة على نموذج بيولوجي يعكس بدقة جينات وفسيولوجيا المريض نفسه، بل يمكننا أن نتخيل استخدام الأجسام الاحتياطية الحيوانية في الزراعة، باعتبارها بديلاً عن استخدام الكائنات الحية التي تشعر بالألم.

تساؤلات ومحاذير

بطبيعة الحال، فإن الاحتمالات المثيرة لا تعني بالضرورة أنها مؤكدة، فنحن لا نعلم ما إذا كانت النماذج الجنينية، التي جرى إنشاؤها حديثاً من الخلايا الجذعية، يمكن أن تؤدي إلى ولادة كائنات بشرية حية أو حتى فئران. ولا نعلم متى، أو ما إذا كان سيجري التوصل إلى تقنية فعالة لنجاح الحمل الكامل لأجسام بشرية خارج جسم الإنسان.

كما لا يمكننا الجزم بما إذا كانت هذه الأجسام يمكن أن تبقى على قيد الحياة دون أن تطور دماغاً أو مناطق دماغية ترتبط بالوعي، أو ما إذا كانت ستكون نماذج بيولوجية دقيقة تمثل البشر الحقيقيين، في غياب هذه الوظائف الدماغية.

وحتى إن نجح كل ذلك، قد لا يكون مجدياً من الناحية العملية أو الاقتصادية، «زراعة» هذه الأجسام الاحتياطية، ربما لسنوات مقبلة، حتى تصل إلى مستوى من النضج يجعلها مفيدة لأغراضنا.

في الواقع، يتطلب كل تساؤل من هذه التساؤلات أبحاثاً مكثفة ووقتاً طويلاً. ومع ذلك، نعتقد أن هذه الفكرة قد أصبحت الآن معقولة بما فيه الكفاية، لتبرير مناقشة جدواها التقنية ودلالاتها الأخلاقية.

اعتبارات أخلاقية وتداعيات مجتمعية

يمكن أن تسهم الأجسام الاحتياطية في حل الكثير من المشكلات الأخلاقية في الطب الحديث، عبر توفير سبل لتجنّب الألم والمعاناة غير الضروريين. على سبيل المثال، يمكن أن توفر بديلاً أخلاقياً للطريقة التي نستغل بها الحيوانات في الأبحاث والغذاء، من خلال إنتاج اللحوم أو منتجات أخرى دون أي معاناة أو وعي من الحيوانات.

إلا أنه عندما نتحدث عن الأجسام الاحتياطية البشرية، على وجه التحديد، تكتسب القضايا مستوى أكبر من التعقيد، فالكثيرون سيجدون هذا المفهوم مقززاً أو مروعاً، ولأسباب وجيهة؛ إذ إننا بداخلنا، نحمل احتراماً فطرياً للحياة البشرية بجميع أشكالها، ولا نسمح بإجراء أبحاث موسعة على أشخاص فقدوا الوعي بالكامل، أو حتى لم يمتلكوه يوماً في بعض الحالات.

في الوقت ذاته، نعلم أن دراسة جسم الإنسان توفر فوائد كبيرة، ونجني الكثير من المعرفة من وراء الكثير من الأجساد المتوفاة، التي تُستخدم اليوم لأغراض التعليم والبحث فقط، بعد الحصول على الموافقة اللازمة. وفي المختبرات، ندرس الخلايا والأنسجة التي جرى الحصول عليها، بموافقة، من أجسام الموتى والأحياء.

وفي الفترة الأخيرة، بدأنا في الاستعانة بما يطلق عليه «الجثث المتحركة»، التي تعود لأشخاص أُعلِن عن وفاتهم قانونياً، بعد فقدانهم جميع وظائف الدماغ، بينما تظل أعضاؤهم الأخرى تعمل بمساعدة ميكانيكية.

وقد جرى ربط كلى خنازير معدلة وراثياً أو زرعها في هذه الجثث النشطة فسيولوجياً، لفحص مدى فاعليتها في جسم الإنسان الحي.

في كل هذه الحالات، لم يكن هناك، من الناحية القانونية، كائن بشري حي جرى استخدامه في البحث. ومن المقرر أن تقع الأجسام الاحتياطية البشرية ضمن نفس الفئة.

ومع ذلك، تبقى هناك قضايا مهمة يجب أخذها بعين الاعتبار؛ أُولاها الموافقة، فالخلايا التي تُستخدم في صنع هذه الأجسام يجب أن تأتي من شخص ما، ويجب التأكد من أن هذا الشخص قد وافق على هذا الاستخدام بالتحديد، والذي يُحتمل أن يكون مثيراً للجدل.

ومع ذلك، ربما تكمن المسألة الأعمق في أن هذه الأجسام قد تُضعف من قيمة البشر الحقيقيين، الذين يفتقرون إلى الوعي أو الإحساس.

حتى الآن، تمسكنا بمعيار يتطلب منا معاملة جميع البشر الذين وُلدوا أحياء بوصفهم أشخاصاً كاملين، يحق لهم الحياة ونيل الاحترام. والتساؤل المطروح هنا: هل ستطمس الأجسام الاحتياطية - التي جرى إنشاؤها دون حمل أو حتى آباء وأمهات - هذا الخط الفاصل؟ أم أننا سنعدّ الجسم الاحتياطي إنساناً كاملاً جديراً بالقدر ذاته من الاحترام؟

وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا؟ لمجرد أنه يشبهنا؟ حتى الدمى شديدة الواقعية يمكن أن تفي بهذا الشرط.

لأنه يشبهنا وحيّ؟ أم لأنه حي وله نفس الحمض النووي الخاص بنا؟ كل هذه تساؤلات تتطلب تفكيراً عميقاً.

وحتى وقت قريب، كانت فكرة صنع شيء مثل الجسم الاحتياطي تُصنف ضمن الخيال العلمي أو التأمل الفلسفي، لكن الآن، أصبحت هذه الفكرة على الأقل ممكنة علمياً - وربما ثورية - وقد حان الوقت لاستكشافها.

أما الفوائد المحتملة - سواء للمرضى من البشر أو الكائنات الحيوانية التي تشعر بالألم - فتبدو عظيمة. ويجب على الحكومات والشركات والمؤسسات الخاصة أن تبدأ في التفكير في الأجسام الاحتياطية بوصفها مساراً محتملاً للاستثمار. ولا حاجة للبدء بالبشر، وإنما يمكننا أولاً استكشاف جدوى هذا النهج باستخدام القوارض أو غيرها من الحيوانات المخصصة للبحث.

ومع تقدمنا، ستكون القضايا الأخلاقية والاجتماعية على القدر ذاته من الأهمية، على الأقل، بقدر أهمية القضايا العلمية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الإعلان عن ولادة النعجة «دوللي» المستنسخة في تسعينات القرن الماضي، أثار موجة من ردود الفعل الهيستيرية، ورافقته تكهنات عن جيوش من العبيد المستنسخين. وعليه، ينبغي الانتباه إلى أن القرارات الصائبة تتطلب الاستعداد المسبق.

والمؤكد أن الطريق نحو إنجاز إمكانات الأجسام الاحتياطية لن يخلو من التحديات، وقد لا يكون ممكناً على الإطلاق، أو حتى إن أمكن، فقد لا نسلك نهاية المطاف هذا الطريق.

وفي كل الأحوال، فإن الحذر مطلوب، وكذلك الرؤية الطموحة، فالفرصة القائمة اليوم قيّمة للغاية لدرجة يتعذر علينا تجاهلها.


مقالات ذات صلة

تغيّرات تتجاوز المظهر... ماذا يحدث لجسمك عند فقدان كثير من الوزن؟

صحتك فوائد فقدان الوزن لا تقتصر على الصحة البدنية بل تمتد لتشمل الصحة النفسية (بيكسبز)

تغيّرات تتجاوز المظهر... ماذا يحدث لجسمك عند فقدان كثير من الوزن؟

عندما يتخلص الجسم من الوزن الزائد، تبدأ سلسلة من التغيرات الإيجابية التي قد تكون ملحوظة أحياناً وخفية في أحيان أخرى، وتشمل النوم والمزاج والقدرات الذهنية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك يُعدّ القرنفل مكوّناً داعماً لعلاج البروستاتا ضمن نمط غذائي صحي وليس علاجاً أساسياً أو بديلاً عن التدخل الطبي (بيكسباي)

ما أفضل توقيت لتناول القرنفل لالتهاب البروستاتا؟

لا يوجد توقيت محدد علمياً لتناول القرنفل لعلاج التهاب البروستاتا.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك يحتوي إكليل الجبل على مركّبات تساعد على توسيع الأوعية الدموية وتحسين تدفق الدم (بيكسباي)

استبدال الأعشاب بالملح... تأثير سريع على ضغط الدم

يُعدّ تقليل استهلاك الملح واستبدال الأعشاب به خطوة بسيطة لكنها فعّالة لخفض ضغط الدم.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك الأشخاص الذين يضعون صحتهم في مقدمة أولوياتهم يميلون أيضاً إلى البحث عن الطبيعة (بيكسلز)

دراسة جديدة: عادة يومية قد تُسهّل اتباع نظام غذائي صحي

ما نختاره من أطعمة لا يتحدد بالمعرفة وحدها، بل يتأثر بعوامل متعددة، من بينها الحالة النفسية ومستوى التوتر وحتى شعورنا بالارتباط بالعالم من حولنا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)

«دموع الفرح»...ما هي؟ وما فوائدها النفسية؟

للبكاء آثار إيجابية على صحتنا النفسية، ويمكن أن يساعدنا على التحكم بمشاعرنا وتنظيمها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية
TT

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية

سواء رغبنا في ذلك أم لا، فقد تسلل الذكاء الاصطناعي إلى أماكن العمل، ويتعرض كل الموظفين لضغوط لاستخدامه. ومع ذلك، ووفقاً لدراسة جديدة، قد يكون من الأفضل تجنب طلب المساعدة من الذكاء الاصطناعي في إدارة شؤونك العاطفية، كما كتبت سارة بريغل(*).

ذكاء اصطناعي «متملق»

نُشرت الدراسة المكونة من جزأين، بعنوان «الذكاء الاصطناعي المتملق يقلل من النيّات الاجتماعية الإيجابية ويعزز الاعتماد»، أخيراً في مجلة «ساينس». وأظهرت التجربة أن استخدام روبوتات الدردشة للحصول على نصائح شخصية والتعامل مع المواقف العاطفية قد يكون ضاراً، لأن النظام مصمَّم ليقول للناس ما يريدون سماعه. كما قد يؤدي استخدام روبوتات الدردشة إلى تعزيز السلوكيات المقلقة بدلاً من مساعدة الناس على تحمل مسؤولية أفعالهم، والاعتذار.

عدم تحمل المسؤولية... وعدم الاعتذار

قد يؤدي استخدام روبوتات الدردشة إلى تعزيز السلوكيات المقلقة بدلاً من مساعدة الناس على تحمل مسؤولية أفعالهم والاعتذار.

استطلاعات ودراسات

وأظهر استطلاع رأي أجرته شركة «Cognitive FX» أخيراً أن نحو 38 في المائة من الأميركيين يستخدمون روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي أسبوعياً للحصول على الدعم النفسي، فيما وجدت دراسة حديثة أجراها مركز «بيو» للأبحاث أن 12 في المائة من المراهقين يستخدمون الذكاء الاصطناعي للحصول على المشورة. ووفقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة «كايزر فاميلي فاونديشن (KFF)»، فإن عدم وجود تأمين صحي يُعدّ أيضاً عاملاً مُحفزاً للاستخدام، حيث إن البالغين غير المُؤمّنين صحياً ​​أكثر استخداماً له من أولئك المُؤمّنين ​​(30 في المائة مقابل 14 في المائة).

رصد انتشار «التملّق»

في الدراسة الأخيرة، بحث الباحثون مدى انتشار التملق -الذي يُعرَّف بأنه «ميل نماذج اللغة الكبيرة القائمة على الذكاء الاصطناعي إلى الموافقة المفرطة على آراء المستخدمين، أو التملق لهم، أو إضفاء الشرعية عليهم»- عبر 11 نموذجاً رائداً للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك «جي بي تي 40» و«كلود» و«جيميناي».

أجرى الباحثون ثلاث تجارب شملت 2405 مشاركين.

* في الدراسة الأولى، زوّد الباحثون نظام الذكاء الاصطناعي بسلسلة من الأسئلة لطلب المشورة، ومنشورات من منتدى «هل أنا المخطئ AITA؟» على موقع «ريديت»، وسلسلة من الأوصاف حول الرغبة في إيذاء الآخرين أو النفس، ثم قارنوا ردود الذكاء الاصطناعي، بالأحكام البشرية. وبشكل عام، كانت النماذج أكثر ترجيحاً بنسبة 49 في المائة من الإنسان لتأييد تصرفات المستخدم، حتى لو كانت ضارة أو غير قانونية.

* في الدراسة الثانية، تخيّل المشاركون أنهم في سيناريو موصوف في منشور «AITA»، حيث حُكم على تصرفاتهم بأنها خاطئة. ثم قرأوا رداً كتبه إنسان يقول إنهم مخطئون، أو رداً كتبه الذكاء الاصطناعي يقول إنهم على صواب.

* في الدراسة الثالثة، ناقش المشاركون صراعاً حقيقياً في حياتهم مع ذكاء اصطناعي أو إنسان.

ثقة أكثر بردود الذكاء الاصطناعي

المثير للقلق أن المشاركين وثقوا وفضّلوا ردود الذكاء الاصطناعي المتملقة التي أكدت تصرفاتهم. كما ازداد اقتناعهم بصحة تصرفاتهم الأصلية، مؤكدين بذلك معتقداتهم السابقة بدلاً من أن يتحدى برنامج الدردشة الآلي تفكيرهم في الموقف بشكل مختلف. وأشارت الدراسة إلى أن تأكيد معتقداتهم جعلهم أقل ميلاً للاعتذار بعد التحدث مع برنامج الدردشة الآلي.

وأوضحت الدراسة: «في تجاربنا على البشر، فإن تفاعلاً واحداً فقط مع ذكاء اصطناعي متملق، قلَّل من رغبة المشاركين في تحمل المسؤولية وإصلاح النزاعات الشخصية، فيما زاد من قناعتهم بصواب موقفهم».

مدى الضرر

مع أن تلقي النصائح من الذكاء الاصطناعي ليس بالأمر الجديد، إلا أن هذه الدراسة تُظهر مدى ضرره. فبينما تُحفز خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي التفاعل من خلال إثارة غضب المستخدمين، يُضعف الذكاء الاصطناعي قدرتنا على الاعتذار وتحمل مسؤولية إيذاء الآخرين. وكما أشار مؤلفو الدراسة، فإن هذا يعني أن «الخاصية التي تُسبب الضرر هي نفسها التي تُحفز التفاعل».

* مجلة «فاست كومباني».


كيف تحوّل بيضةَ دجاجة مصنعاً للأدوية؟

عملية دقيقة لحقن صبغة في شريان جنين للدجاج
عملية دقيقة لحقن صبغة في شريان جنين للدجاج
TT

كيف تحوّل بيضةَ دجاجة مصنعاً للأدوية؟

عملية دقيقة لحقن صبغة في شريان جنين للدجاج
عملية دقيقة لحقن صبغة في شريان جنين للدجاج

توجد أمام الباحثة إستر أولواغبينغا، بيضةٌ على حامل ثلاثي أزرق، وقد قُطعت نافذة مثلثة صغيرة في قشرتها. وعندما وضعت أولواغبينغا الفتحة تحت المجهر، كشفت عن جنين الدجاجة في الداخل.

أجنة الدجاج المختبرية

في يومه الثالث، تطوّر الجنين إلى سحابة ضبابية، بقلب نابض بحجم رأس الدبوس.

وتتدفق الخلايا عبر شرايين قرمزية اللون بشكل متقطع، كحركة المرور في ساعة الذروة.

إستر أولواغبينغا Esther Oluwagbenga، عالمة في شركة ناشئة للتكنولوجيا الحيوية تُدعى «نيون بايو» (Neion Bio)، وهي واحدة من العلماء القلائل في العالم الذين يمتلكون مهارة الحقن في شريان جنين الدجاجة. تقول أولواغبينغا: «عندما رأيت أحدهم يفعل ذلك لأول مرة، اندهشت. أردت حقاً أن أتعلم كيف أفعل ذلك. لكن الأمر كان أكثر تعقيداً مما كنت أتصور. أتدرب (على ذلك) مرتين على الأقل أسبوعياً».

حقنة في شريان الجنين

لإثبات هذه العملية الاستثنائية، تأخذ أنبوباً بلاستيكياً طويلاً من خطاف رف وتضع أحد طرفيه في فمها. أما الطرف الآخر، فيحتوي على إبرة محملة بصبغة زرقاء.

وبينما تنظر الباحثة إلى الجنين على شاشة الكمبيوتر، تُدخل الإبرة عبر نافذة قشرة البيضة، إلى داخل الجنين، ثم إلى شريان. وبنفخة خفيفة، تدفع الصبغة إلى الوعاء الدموي. وما أن ينبض لب الكتكوت، حتى يتحول جهازه الدوري لوحةً زرقاء.

الباحثة فستر أولواغبينغا

بيض الدجاج مصانع للأدوية

تُوظّف أولواغبينغا هذه المهارة الجديدة في مهمة شركة «نيون بايو»، وهي: تحويل بيض الدجاج مصانعَ للأدوية. فهي وزملاؤها يُجرون هندسة وراثية على الطيور لإنتاج مركبات طبية.

محاولات علمية دؤوبة

حاول العلماء على مدى ثلاثة عقود إنتاج الأدوية في البيض، ولكن النتائج كانت ضئيلة حتى الآن. ولم تُجز إدارة الغذاء والدواء الأميركية سوى دواء واحد مُنتَج من الدجاج للاستخدام في الولايات المتحدة، هو دواء «كانوما» Kanuma لعلاج اضطراب كبدي نادر، حصل على الموافقة في عام 2016، بتكلفة سنوية للمريض الواحد تبلغ 310000 دولار.

3 مركبات طبية

ولكن منذ ذلك الحين، سهّلت سلسلة من الاكتشافات عملية هندسة الدجاج. يقول كين-إيتشي نيشيجيما، عالم الأحياء بجامعة ناغويا في اليابان: «لقد تحسّن الوضع بشكل كبير».

وخرجت شركة «نيون بايو»، التي تأسست عام 2024، من مرحلة التأسيس السري يوم الخميس لتعلن عن اتفاقية لتطوير ثلاثة مركبات مع شركة أدوية كبرى. ولم تُحدّد الشركة في إعلانها الأدوية التي ستعمل عليها.

تكلفة علاج متدنية

وقال سام ليفين، أحد مؤسسي الشركة، إن استخدام البيض في صناعة الأدوية قد يُخفّض تكلفتها إلى عُشر أو حتى جزء من مائة من تكلفتها الحالية.

وأضاف: «إنها سلسلة إمداد طبي تعتمد على الحبوب الزراعية والماء».

حيوانات لإنتاج الأدوية

أما العديد من الأدوية الأكثر مبيعاً في العالم، مثل دواء السرطان كيترودا ودواء التهاب المفاصل هيوميرا، فهي عبارة عن بروتينات كبيرة ومعقدة، ولا يستطيع العلماء تصنيعها بالتفاعلات الكيميائية؛ لذا يقومون بهندسة خلايا من مبيض الهامستر الصيني لإنتاج هذه الأدوية.

الهامستر الصيني

كان اختيار مبيض الهامستر الصيني محض صدفة تاريخية. ففي أوائل القرن العشرين، رغب علماء في جامعات بكين في الحصول على حيوانات للدراسة. ولعدم تمكنهم من الحصول على فئران المختبر من الغرب، قاموا باصطياد الهامستر من الحقول المحيطة بالمدينة.

وفي نهاية المطاف، أثبت الهامستر فائدته الكبيرة لدرجة أن العلماء الأميركيين تمكنوا من الحصول عليه. وفي خمسينات القرن الماضي، اكتشف عالم الوراثة ثيودور باك أن خلايا مبيضه تقوم بأمر نادر الحدوث بين خلايا الثدييات (اللبائن): سهولة إنمائها مختبرياً.

واستخدم العلماء خلايا المبيض لدراسة الحمض النووي، وفي ثمانينات القرن الماضي، اكتشفوا كيفية هندستها بإضافة جينات أخرى، ثم استخلاص البروتينات المُصنّعة من تلك الجينات.

واليوم، تُزرع خلايا الهامستر الصيني في خزانات فولاذية ضخمة، لإنتاج دواء كيترودا والعديد من الأدوية الأخرى. لكن إنتاج الأدوية من هذه الخلايا ليس بالأمر الهين.

للحفاظ على نمو الخلايا في خزاناتها؛ يتعين على الفنيين إضافة مزيج معقد من المكونات والتخلص من النفايات الناتجة. قد تصل تكلفة تصنيع غرام واحد من الدواء إلى مئات أو آلاف الدولارات. وحتى المرافق اللازمة لزراعة الخلايا باهظة الثمن. في العام الماضي، بدأت شركة «ميرك» في بناء مصنع في ولاية ديلاوير لإنتاج دواء «كيترودا»، وستنفق الشركة مليار دولار على بنائه.

تهيئة حقنة الشريان الجنيني

التوجه إلى بيض الدجاج

في تسعينات القرن الماضي، تساءل بعض العلماء عما إذا كان بيض الدجاج قد يوفر طريقة أفضل لإنتاج بعض هذه الأدوية. على عكس خلايا مبيض الهامستر الصيني، يُعدّ بيض الدجاج مصدراً غنياً بالبروتين؛ إذ يحتوي بياض البيضة الواحدة على 6 غرامات من البروتين. يقول جاي يونغ هان، عالم الأحياء في جامعة سيول الوطنية: «يمكن للبيض أن يعمل كمفاعلات حيوية مكتفية ذاتياً».

لكن تحويل البيض مصانعَ للأدوية لم يكن بالأمر السهل؛ إذ كانت التقنية معقدة للغاية.

وقال مايكل ماكغرو، عالم الأحياء في معهد روزلين بإدنبره، اسكوتلندا، والعضو في المجلس الاستشاري لشركة «نيون بايو»: «كانت التقنية بالغة الصعوبة». في معظم الأحيان، فشلت هذه التقنية في هندسة الحمض النووي للدجاج بشكل صحيح؛ ما أدى إلى سنوات من التجربة والخطأ لإنتاج طيور قادرة على إنتاج دواء بكفاءة.

وأسهم ماكغرو في تطوير أساليب أفضل. فقد استغل حقيقة أن الخلايا الجذعية للحيوانات المنوية والبويضات تدور في مجرى الدم في المراحل المبكرة من نمو جنين الطائر، ولا تهاجر إلى أعضائه التناسلية إلا لاحقاً. وقد ابتكر ماكغرو طرقاً لاستخلاص هذه الخلايا الجرثومية الأولية من أجنة الدجاج، ثم تنميتها بالملايين.

دجاج معدل وراثياً

سمح هذا التقدم للعلماء بإجراء تعديلات دقيقة على الحمض النووي للخلايا الجرثومية الأولية. في السنوات الأخيرة، أسس عدد من العلماء شركات للاستفادة من هذه التقنيات الجديدة، من بينها شركة «أفينوجين»، التي أسسها هان، وشركة «نيون بايو».

أخيراً... فقست الكتاكيت الأولى

لإنتاج أول قطيع من الدجاج المعدل وراثياً، أدخل فريق «نيون بايو»، جينات في الخلايا الجرثومية الأولية لإنتاج دواء في بياض البيض. وحقنت أولواغبينغا وزملاؤها الخلايا المعدلة في مجرى دم أجنة الدجاج. ثم أغلقوا قشرة البيض بإحكام وانتظروا حتى تنقر الكتاكيت طريقها للخروج.

فقست الكتاكيت الأولى في سبتمبر (أيلول) الماضي. والآن، يمتلك فريق «نيون» قطيعاً من 50 ديكاً من سلالة ليغورن المعدلة وراثياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»


هل يكشف صوتك مرضك؟

حين يصبح الصوت مرآة للصحة
حين يصبح الصوت مرآة للصحة
TT

هل يكشف صوتك مرضك؟

حين يصبح الصوت مرآة للصحة
حين يصبح الصوت مرآة للصحة

قد لا يكون الصوت مجرد وسيلة للتعبير، بل نافذة بيولوجية دقيقة تحمل إشارات خفية عن حالة الإنسان الصحية. فاهتزاز الأحبال الصوتية، وتغيّر الإيقاع، وحتى الترددات غير المسموعة للأذن البشرية قد تعكس تغيرات فسيولوجية معقدة داخل الجسم، لا يلاحظها الإنسان، لكنها تترك أثراً يمكن رصده، وتحليله.

وفي هذا السياق، بدأ الذكاء الاصطناعي يقترب من الصوت بوصفه «بياناً طبياً» جديداً، حيث تعمل الخوارزميات على تحليل نبرة الكلام بدقة غير مسبوقة، بحثاً عن أنماط دقيقة قد ترتبط بأمراض عصبية، أو تنفسية، أو حتى نفسية، في تحول يفتح باباً مختلفاً تماماً لفهم العلاقة بين الصوت والصحة.

حين يصبح الصوت بصمة صحية للجسد

ماذا تقول الأبحاث الحديثة؟

في أحدث ما توصلت إليه الأبحاث، أظهرت دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة «الطب الرقمي» (npj Digital Medicine)، قادها الباحث تشن زيي (Ziyi Chen) من كلية الطب بجامعة هارفارد (Harvard Medical School)، أن تحليل الكلام العفوي يمكن أن يتحول إلى مؤشر رقمي دقيق لتقييم القدرات الإدراكية. وقد نجحت الخوارزميات في ربط خصائص الصوت بوظائف الدماغ، مع قدرة ملحوظة على اكتشاف التدهور المعرفي في مراحله المبكرة.

ويأتي هذا التطور امتداداً لنتائج سابقة، إذ أشارت دراسة نُشرت عام 2025 في مجلة «الطب الرقمي» (npj Digital Medicine) التابعة لمجموعة «نتشر» (Nature)، أعدّها باحثون من جامعة ستانفورد (Stanford University) الأميركية، إلى أن تحليل تسجيلات صوتية قصيرة يمكن أن يكشف مؤشرات على اضطرابات عصبية ونفسية، اعتماداً على أنماط دقيقة في الترددات الصوتية، وسرعة الكلام، والتغيرات في النبرة.

وتكشف هذه النتائج مجتمعة عن تحول نوعي في فهم الصوت البشري؛ إذ لم يعد مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبح أداة تحليل يمكن أن تعكس الحالة العصبية، والوظائف الإدراكية للإنسان.

كيف يمكن للصوت أن يكشف المرض؟

يرتبط الصوت البشري ارتباطاً وثيقاً بالجهاز العصبي الذي يتحكم بدقة في حركة عضلات الحنجرة، ونمط التنفس، وتنسيق اللسان والشفتين أثناء الكلام. وعندما تتأثر هذه الأنظمة نتيجة اضطراب عصبي أو مرض عضوي، تظهر تغيرات دقيقة في خصائص الصوت، غالباً ما تكون خفية، ولا يمكن ملاحظتها بسهولة بالسمع البشري.

غير أن ما لا تلتقطه الأذن تستطيع الخوارزميات تحليله. إذ تقوم أنظمة الذكاء الاصطناعي بفحص آلاف السمات الصوتية داخل تسجيل واحد، من ترددات دقيقة إلى اختلافات طفيفة في الإيقاع والتنفس، لتحديد أنماط قد تعكس تغيرات بيولوجية داخل الجسم.

وبذلك يتحول الصوت من مجرد وسيلة للتواصل إلى إشارة فسيولوجية قابلة للتحليل، وتحمل في طياتها معلومات قد تساعد على الكشف المبكر عن اضطرابات صحية قبل أن تظهر أعراضها بوضوح.

حين يتحول الهاتف إلى طبيب صامت

هل يصبح الهاتف أداة تشخيص؟

مع التقدم المتسارع في تقنيات تحليل الصوت، لم يعد هذا التصور مجرد احتمال نظري، بل يقترب تدريجياً من التطبيق العملي. فقد يتحول الهاتف الذكي إلى نقطة مراقبة صحية أولية قادرة على التقاط إشارات صوتية دقيقة خلال المكالمات، أو أثناء قراءة نص بسيط.

وفي هذا السياق، يمكن لتطبيق صحي مدعوم بالذكاء الاصطناعي أن يحلل صوت المستخدم في الخلفية، ويرصد تغيرات طفيفة في النبرة أو الإيقاع قد لا يلاحظها الشخص نفسه، ثم يرسل تنبيهاً مبكراً بوجود مؤشرات تستدعي المتابعة الطبية.

ولا تكمن أهمية هذا النموذج في دقته التقنية فحسب، بل في قدرته على نقل التشخيص المبكر من العيادة إلى الحياة اليومية، بحيث يصبح الاكتشاف جزءاً من الروتين، ولا يكون حدثاً متأخراً بعد ظهور الأعراض.

لكن هل يمكن الوثوق بالصوت؟

رغم هذا التقدم، يطرح استخدام الصوت كأداة تشخيص تحديات مهمة. فالصوت يتأثر بعوامل متعددة لا ترتبط بالمرض وحده، مثل الحالة النفسية، والبيئة المحيطة، وحتى ثقافة الكلام وطبيعته لدى كل فرد. كما أن الاعتماد المفرط على التحليل الصوتي قد يحمل خطر تفسير الإشارات خارج سياقها السريري.

وهنا لا يكمن التحدي في دقة الخوارزمية فقط، بل في قدرتها على فهم الإنسان في تعقيده الكامل، وهو ما يظل حتى اليوم خارج نطاق أي نموذج حسابي.

ماذا يعني ذلك للطب؟

رغم أن هذه الأبحاث لا تزال في مراحلها المبكرة، فإنها تشير بوضوح إلى اتجاه جديد في الطب يقوم على تحليل الإشارات الحيوية التي ينتجها الجسم بشكل يومي دون تدخل مباشر، في انتقال تدريجي من الفحوصات المتقطعة إلى المراقبة المستمرة.

وفي هذا الإطار قد لا يبقى التشخيص معتمداً فقط على اختبارات تُجرى داخل المختبرات، بل يمتد ليشمل بيانات تُجمع من حياة الإنسان اليومية، مثل صوته، وحركته، ونمط تنفسه، ضمن منظومة تحليل ذكية تعمل في الخلفية.

وقد يأتي وقت يصبح فيه الصوت أحد المؤشرات الحيوية المعتمدة للصحة، إلى جانب تحاليل الدم، والفحوصات التقليدية، وليس بديلاً عنها، بل يكون مكملاً لها، ويضيف بعداً جديداً لفهم الإنسان في مراحله المبكرة.

لكن السؤال الأعمق ليس ما إذا كان الصوت يستطيع كشف المرض...

بل ما إذا كنا مستعدين للإصغاء لما يقوله الجسد قبل أن يصرخ بالألم.