الأجسام البشرية «الاحتياطية» المصنّعة بشكل أخلاقي قد تحدث ثورة بمجال الطب

تعزز جهود تطوير الأدوية وتخفف من أزمة نقص الأعضاء

شكل تصويري حول انتاج اعضاء بشرية :(الى اليسار- انتاج الغدد الثديية، الكبد، الامعاء). (الى اليمين
 -
شكل تصويري حول انتاج اعضاء بشرية :(الى اليسار- انتاج الغدد الثديية، الكبد، الامعاء). (الى اليمين -
TT

الأجسام البشرية «الاحتياطية» المصنّعة بشكل أخلاقي قد تحدث ثورة بمجال الطب

شكل تصويري حول انتاج اعضاء بشرية :(الى اليسار- انتاج الغدد الثديية، الكبد، الامعاء). (الى اليمين
 -
شكل تصويري حول انتاج اعضاء بشرية :(الى اليسار- انتاج الغدد الثديية، الكبد، الامعاء). (الى اليمين -

لماذا نسمع عن اختراقات طبية تحققت على الفئران، لكن نادراً ما نراها تتحول إلى علاجات فعالة لأمراض بشرية؟ لماذا لا ينال إلا عدد ضئيل فقط من الأدوية، التي تدخل التجارب السريرية، موافقة الجهات التنظيمية؟ ولماذا نرى قائمة انتظار زراعة الأعضاء طويلة بهذا الشكل؟

نقص دراسات الأجسام البشرية

تكمن الإجابة عن هذه التساؤلات، وما تحمله من تحديات، إلى حد كبير في سبب جذري مشترك: النقص الحاد في الأجسام البشرية المصنّعة بشكل أخلاقي.

قد يكون من المزعج أن نصف الأجسام البشرية بمصطلحات تجارية أو مادية، ومع ذلك، تبقى الحقيقة التي لا مفر منها أن المواد البيولوجية البشرية تُعد سلعة أساسية بمجال الطب، وأن النقص المستمر فيها يشكل أزمة كبيرة تعيق التحرك قدماً.

ويشكل هذا الخلل بين العرض والطلب، السبب الجوهري وراء أزمة نقص الأعضاء، مع وجود أكثر من 100 ألف مريض في الولايات المتحدة وحدها، ينتظرون زراعة عضو صلب. كما يجبرنا هذا الخلل على الاعتماد بشكل مفرط على الحيوانات في الأبحاث الطبية، وهي ممارسة يتعذر عليها محاكاة الكثير من الجوانب الفسيولوجية البشرية الكبرى، وتستلزم إلحاق الأذى بكائنات تشعر بالألم.

بالإضافة إلى ذلك، يبقى لزاماً التحقق من سلامة وفاعلية أي دواء تجريبي، من خلال تجارب سريرية تُجرى على أجسام بشرية حية، وهي تجارب مكلفة وتعرض المرضى للخطر، وقد يستغرق إنجازها عقداً أو أكثر. ومع ذلك، يبلغ أقل من 15 في المائة منها فقط مرحلة الموافقة. كما يقول باحثو جامعة ستانفورد الأميركية: كارستن تي تشارلزورث، باحث ما بعد الدكتوراه في معهد بيولوجيا الخلايا الجذعية والطب التجديدي، وهنري تي غريلي، أستاذ القانون وأخلاقيات العلوم الحيوية، ومدير مركز القانون والعلوم البيولوجية، وهيروميتسو ناكاوتشي، أستاذ علم الوراثة في معهد بيولوجيا الخلايا الجذعية والطب التجديدي، وأستاذ متميز في معهد العلوم بطوكيو في مجلة «تكنولوجي ريفيو».

أعضاء احتياطية

وقد يكون هذا التوجه مخرجاً من هذا المأزق الأخلاقي والعلمي، في ظل توفير التطورات الحديثة في التكنولوجيا الحيوية، وسبيلاً لإنتاج أجسام بشرية حية، لكن دون المكونات العصبية التي تتيح لنا التفكير أو الوعي أو الشعور بالألم.

قد يبدو هذا الاحتمال مقلقاً للكثيرين، لكن إذا تمكن الباحثون وصانعو السياسات من تنسيق هذه التقنيات، وتطوير إطار عمل مناسب، فقد نتمكن يوماً ما من بناء «أجسام احتياطية»، بشرية وغير بشرية، على حد سواء.

وقد تُحدث هذه الأجسام ثورة بمجالي البحث الطبي وتطوير الأدوية، عبر تقليل الحاجة إلى التجارب على الحيوانات، وإنقاذ حياة الكثير من المرضى من قوائم انتظار زراعة الأعضاء، علاوة على تمكيننا من إنتاج أدوية وعلاجات أكثر فاعلية ـ كل ذلك من دون تجاوز الخطوط الأخلاقية، التي يتمسك بها معظم الناس.

خلايا جذعية وهياكل بشرية

رغم أن الأمر قد يبدو وكأنه من عالم الخيال العلمي، فإن التقدم التكنولوجي الحديث قد دفع هذا المفهوم إلى «مجال المعقولية»، فالخلايا الجذعية متعددة القدرات، وهي أحد أول أنواع الخلايا التي تتكون في أثناء النمو، لديها القدرة على إنتاج كل نوع من أنواع الخلايا الموجودة في جسم الإنسان البالغ.

وفي الآونة الأخيرة، استعان الباحثون بهذه الخلايا الجذعية لتكوين هياكل تشبه إلى حد بعيد التطور المبكر للأجنة البشرية الحقيقية. في الوقت نفسه، فإن تكنولوجيا الرحم الصناعية تشهد تطوراً سريعاً، كما أن هناك مسارات أخرى قد تفتح الباب أمام نمو أجنة خارج جسم الإنسان.

تتيح هذه التقنيات، إلى جانب الأساليب الجينية المعروفة التي يمكن استخدامها لعرقلة تطور الدماغ، تخيّل فكرة بناء «أجسام بشرية احتياطية» أو ما يُعرف بـ(Bodyoids)؛ أي مصدر غير محدود محتمل لأجسام بشرية، يجري تطويرها بالكامل خارج الجسم البشري من خلايا جذعية، لكنها تفتقر إلى الوعي أو القدرة على الإحساس بالألم.

وتشير دراسات إلى أن الأجنة المكونة من خلايا جذعية، بدلاً من اتحاد بويضة وحيوان منوي، قد تولّد استجابة حمل قصيرة الأمد في القردة.

بالتأكيد، تبقى هناك الكثير من العقبات التقنية لتحقيق هذا التصور، لكنَّ ثمة أسباباً تدعو إلى الاعتقاد بأن هذه الأجسام الاحتياطية يمكن أن تُحدث تحولاً جذرياً بمجال البحث الطبي البيولوجي، عبر معالجة القيود الحرجة التي تعانيها النماذج الحالية للأبحاث وتطوير الأدوية والطب. ومن بين الكثير من الفوائد المحتملة، ستوفر مثل هذه الأجسام مصدراً شبه غير محدود من الأعضاء والأنسجة والخلايا لاستخدامها في عمليات الزراعة.

وقد يصبح من الممكن كذلك توليد أعضاء مباشرة من خلايا المريض نفسه، ما يعني استنساخ المادة البيولوجية لشخص ما لضمان توافق الأنسجة المزروعة، بشكل مثالي، مع جهاز المناعة لديه، وبالتالي القضاء على الحاجة إلى تناول أدوية كبح المناعة مدى الحياة.

بجانب ما سبق، يمكن استخدام الأجسام الاحتياطية المشتقة من خلايا المريض في اختبار الأدوية بشكل شخصي، الأمر الذي يتيح للأطباء تقييم تأثير التدخلات المختلفة على نموذج بيولوجي يعكس بدقة جينات وفسيولوجيا المريض نفسه، بل يمكننا أن نتخيل استخدام الأجسام الاحتياطية الحيوانية في الزراعة، باعتبارها بديلاً عن استخدام الكائنات الحية التي تشعر بالألم.

تساؤلات ومحاذير

بطبيعة الحال، فإن الاحتمالات المثيرة لا تعني بالضرورة أنها مؤكدة، فنحن لا نعلم ما إذا كانت النماذج الجنينية، التي جرى إنشاؤها حديثاً من الخلايا الجذعية، يمكن أن تؤدي إلى ولادة كائنات بشرية حية أو حتى فئران. ولا نعلم متى، أو ما إذا كان سيجري التوصل إلى تقنية فعالة لنجاح الحمل الكامل لأجسام بشرية خارج جسم الإنسان.

كما لا يمكننا الجزم بما إذا كانت هذه الأجسام يمكن أن تبقى على قيد الحياة دون أن تطور دماغاً أو مناطق دماغية ترتبط بالوعي، أو ما إذا كانت ستكون نماذج بيولوجية دقيقة تمثل البشر الحقيقيين، في غياب هذه الوظائف الدماغية.

وحتى إن نجح كل ذلك، قد لا يكون مجدياً من الناحية العملية أو الاقتصادية، «زراعة» هذه الأجسام الاحتياطية، ربما لسنوات مقبلة، حتى تصل إلى مستوى من النضج يجعلها مفيدة لأغراضنا.

في الواقع، يتطلب كل تساؤل من هذه التساؤلات أبحاثاً مكثفة ووقتاً طويلاً. ومع ذلك، نعتقد أن هذه الفكرة قد أصبحت الآن معقولة بما فيه الكفاية، لتبرير مناقشة جدواها التقنية ودلالاتها الأخلاقية.

اعتبارات أخلاقية وتداعيات مجتمعية

يمكن أن تسهم الأجسام الاحتياطية في حل الكثير من المشكلات الأخلاقية في الطب الحديث، عبر توفير سبل لتجنّب الألم والمعاناة غير الضروريين. على سبيل المثال، يمكن أن توفر بديلاً أخلاقياً للطريقة التي نستغل بها الحيوانات في الأبحاث والغذاء، من خلال إنتاج اللحوم أو منتجات أخرى دون أي معاناة أو وعي من الحيوانات.

إلا أنه عندما نتحدث عن الأجسام الاحتياطية البشرية، على وجه التحديد، تكتسب القضايا مستوى أكبر من التعقيد، فالكثيرون سيجدون هذا المفهوم مقززاً أو مروعاً، ولأسباب وجيهة؛ إذ إننا بداخلنا، نحمل احتراماً فطرياً للحياة البشرية بجميع أشكالها، ولا نسمح بإجراء أبحاث موسعة على أشخاص فقدوا الوعي بالكامل، أو حتى لم يمتلكوه يوماً في بعض الحالات.

في الوقت ذاته، نعلم أن دراسة جسم الإنسان توفر فوائد كبيرة، ونجني الكثير من المعرفة من وراء الكثير من الأجساد المتوفاة، التي تُستخدم اليوم لأغراض التعليم والبحث فقط، بعد الحصول على الموافقة اللازمة. وفي المختبرات، ندرس الخلايا والأنسجة التي جرى الحصول عليها، بموافقة، من أجسام الموتى والأحياء.

وفي الفترة الأخيرة، بدأنا في الاستعانة بما يطلق عليه «الجثث المتحركة»، التي تعود لأشخاص أُعلِن عن وفاتهم قانونياً، بعد فقدانهم جميع وظائف الدماغ، بينما تظل أعضاؤهم الأخرى تعمل بمساعدة ميكانيكية.

وقد جرى ربط كلى خنازير معدلة وراثياً أو زرعها في هذه الجثث النشطة فسيولوجياً، لفحص مدى فاعليتها في جسم الإنسان الحي.

في كل هذه الحالات، لم يكن هناك، من الناحية القانونية، كائن بشري حي جرى استخدامه في البحث. ومن المقرر أن تقع الأجسام الاحتياطية البشرية ضمن نفس الفئة.

ومع ذلك، تبقى هناك قضايا مهمة يجب أخذها بعين الاعتبار؛ أُولاها الموافقة، فالخلايا التي تُستخدم في صنع هذه الأجسام يجب أن تأتي من شخص ما، ويجب التأكد من أن هذا الشخص قد وافق على هذا الاستخدام بالتحديد، والذي يُحتمل أن يكون مثيراً للجدل.

ومع ذلك، ربما تكمن المسألة الأعمق في أن هذه الأجسام قد تُضعف من قيمة البشر الحقيقيين، الذين يفتقرون إلى الوعي أو الإحساس.

حتى الآن، تمسكنا بمعيار يتطلب منا معاملة جميع البشر الذين وُلدوا أحياء بوصفهم أشخاصاً كاملين، يحق لهم الحياة ونيل الاحترام. والتساؤل المطروح هنا: هل ستطمس الأجسام الاحتياطية - التي جرى إنشاؤها دون حمل أو حتى آباء وأمهات - هذا الخط الفاصل؟ أم أننا سنعدّ الجسم الاحتياطي إنساناً كاملاً جديراً بالقدر ذاته من الاحترام؟

وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا؟ لمجرد أنه يشبهنا؟ حتى الدمى شديدة الواقعية يمكن أن تفي بهذا الشرط.

لأنه يشبهنا وحيّ؟ أم لأنه حي وله نفس الحمض النووي الخاص بنا؟ كل هذه تساؤلات تتطلب تفكيراً عميقاً.

وحتى وقت قريب، كانت فكرة صنع شيء مثل الجسم الاحتياطي تُصنف ضمن الخيال العلمي أو التأمل الفلسفي، لكن الآن، أصبحت هذه الفكرة على الأقل ممكنة علمياً - وربما ثورية - وقد حان الوقت لاستكشافها.

أما الفوائد المحتملة - سواء للمرضى من البشر أو الكائنات الحيوانية التي تشعر بالألم - فتبدو عظيمة. ويجب على الحكومات والشركات والمؤسسات الخاصة أن تبدأ في التفكير في الأجسام الاحتياطية بوصفها مساراً محتملاً للاستثمار. ولا حاجة للبدء بالبشر، وإنما يمكننا أولاً استكشاف جدوى هذا النهج باستخدام القوارض أو غيرها من الحيوانات المخصصة للبحث.

ومع تقدمنا، ستكون القضايا الأخلاقية والاجتماعية على القدر ذاته من الأهمية، على الأقل، بقدر أهمية القضايا العلمية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الإعلان عن ولادة النعجة «دوللي» المستنسخة في تسعينات القرن الماضي، أثار موجة من ردود الفعل الهيستيرية، ورافقته تكهنات عن جيوش من العبيد المستنسخين. وعليه، ينبغي الانتباه إلى أن القرارات الصائبة تتطلب الاستعداد المسبق.

والمؤكد أن الطريق نحو إنجاز إمكانات الأجسام الاحتياطية لن يخلو من التحديات، وقد لا يكون ممكناً على الإطلاق، أو حتى إن أمكن، فقد لا نسلك نهاية المطاف هذا الطريق.

وفي كل الأحوال، فإن الحذر مطلوب، وكذلك الرؤية الطموحة، فالفرصة القائمة اليوم قيّمة للغاية لدرجة يتعذر علينا تجاهلها.


مقالات ذات صلة

دراسة: مشاكل الوزن تعود بعد أقل من عامين من التوقف عن تناول أدوية السمنة

صحتك أدوية السمنة تُستخدم لمساعدة الأشخاص على فقدان الوزن الزائد (جامعة هارفارد)

دراسة: مشاكل الوزن تعود بعد أقل من عامين من التوقف عن تناول أدوية السمنة

أظهر تحليل واسع لأبحاث سابقة أنه عندما يتوقف المرضى عن تناول أدوية إنقاص الوزن فإن الآثار المفيدة لهذه ​الأدوية على الوزن والمشاكل الصحية تتبدد في غضون عامين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك ممارسة الرياضة بانتظام مثل الجري أو ركوب الدراجات يمكن أن تساعد في تهدئة ذهنك وتخفيف القلق (بيكسلز)

القلق الاجتماعي... ما هو؟ وما أبرز العلاجات؟

يشعر الكثير منّا بالتوتر في المواقف الاجتماعية، سواءً كان ذلك قبل إلقاء عرض تقديمي أو عند مقابلة شخص جديد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك تُظهر أبحاثٌ أن ارتفاع مستوى الحركة يرتبط على المدى الطويل بتراجع معدلات الإصابة بالسرطان وأمراض القلب والأوعية الدموية والخرف والاكتئاب (بيكسباي)

ما أهمية تمارين الحركة مع التقدم في العمر؟

مع التقدم في السن إذا شعرت بوجع خفيف عند النهوض من السرير كلما جلست بالسيارة فقد حان الوقت لإعطاء تمارين الحركة أولوية بروتينك اليومي

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك مرض ألزهايمر يُعد نوعاً من الخرف يُؤثر على الذاكرة والتفكير والسلوك (رويترز)

اختبار دم منزلي قد يساعد الناس في اكتشاف إصابتهم بمرض ألزهايمر

كشفت أحدث الأبحاث أن فحص دم جديداً و«مبتكراً» قد يساعد في الكشف عن العلامات التحذيرية الرئيسية لمرض ألزهايمر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك قد يؤدي اتباع نظام غذائي غني بالدهون على المدى الطويل إلى تغيرات بيولوجية في الكبد (بيكسباي)

علماء: طعامك قد يغير حالة كبدك... اعرف لماذا

يحذر العلماء من أن الكبد قد يكون بالفعل في طور التغير بسبب ما نأكله يومياً. فقد يؤدي اتباع نظام غذائي غني بالدهون إلى خطر الإصابة بالسرطان.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الذكاء الاصطناعي في المدارس يثير مخاوف إضعاف التعليم

الذكاء الاصطناعي في المدارس يثير مخاوف إضعاف التعليم
TT

الذكاء الاصطناعي في المدارس يثير مخاوف إضعاف التعليم

الذكاء الاصطناعي في المدارس يثير مخاوف إضعاف التعليم

تتجه حكومات عدة إلى نشر برامج الدردشة الآلية في المدارس. ويُحذِّر بعض الخبراء من أن هذه الأدوات قد تُضعف عملية التعليم والتعلم.

الذكاء الاصطناعي في التعليم

في أوائل نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أعلنت «مايكروسوفت» أنها ستُزوِّد ​​أكثر من مائتي ألف طالب ومعلم في الإمارات العربية المتحدة بأدوات وتدريبات في مجال الذكاء الاصطناعي.

وبعد أيام، أعلنت شركة خدمات مالية في كازاخستان عن اتفاقية مع «أوبن إيه آي» لتوفير خدمة «تشات جي بي تي التعليمية» (ChatGPT Edu)، الخدمة المُخصصة للمدارس والجامعات، لـ165 ألف مُعلِّم في كازاخستان.

وفي الشهر الماضي، أعلنت «إكس إيه آي» (xAI) شركة الذكاء الاصطناعي التابعة لإيلون ماسك، عن مشروع أكبر مع السلفادور لتطوير نظام تعليمي قائم على الذكاء الاصطناعي، باستخدام برنامج الدردشة الآلي «غروك» التابع للشركة، لأكثر من مليون طالب في آلاف المدارس هناك.

وبدعم جزئي من شركات التكنولوجيا الأميركية، تتسابق الحكومات حول العالم لنشر الذكاء الاصطناعي التوليدي؛ من حيث الأنظمة والتدريب في المدارس والجامعات.

قدرات تعليمية متميزة

يقول بعض رواد التكنولوجيا في الولايات المتحدة، إن روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي -القادرة على إنشاء رسائل بريد إلكتروني شبيهة بالرسائل البشرية، وإعداد اختبارات صفَّية، وتحليل البيانات، وكتابة رموز برمجية- يمكن أن تُشكل إضافة قيِّمة للتعلُّم. ويجادلون بأن هذه الأدوات تُوفر وقت المعلمين، وتُخصِّص تجربة التعلم للطلاب، وتُساعد في إعداد الشباب لاقتصاد قائم على الذكاء الاصطناعي.

مخاطر على تنمية الشباب

لكن بعض منظمات الأطفال والصحة تُحذِّر من أن الانتشار السريع لمنتجات الذكاء الاصطناعي الجديدة قد يُشكل مخاطر على تنمية الشباب ورفاهيتهم:

- إضعاف التفكير النقدي: فقد وجدت دراسة حديثة أجرتها «مايكروسوفت» وجامعة «كارنيغي ميلون» أن روبوتات الدردشة الشائعة المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تُضعف التفكير النقدي؛ إذ يُمكن لهذه الروبوتات أن تُنتج أخطاءً ومعلومات مُضللة تبدو وكأنها موثوقة.

- انتشار الغش: كما يُواجه بعض المعلمين مشكلة انتشار الغش الطلابي بمساعدة الذكاء الاصطناعي.

كومبيوترات المدارس لم تحسِّن المهارات المعرفية

لطالما سعى خبراء وادي السيليكون سنوات إلى إدخال أدوات تكنولوجية -مثل أجهزة الكومبيوتر المحمولة وتطبيقات التعلم- إلى الفصول الدراسية، واعدين بتحسين فرص الحصول على التعليم وإحداث ثورة في عملية التعلُّم.

ومع ذلك، لم تُسفر الجهود العالمية لتوسيع نطاق استخدام أجهزة الكومبيوتر في المدارس -وهو برنامج يُعرف باسم «حاسوب محمول لكل طفل»- عن تحسين المهارات المعرفية للطلاب أو تحصيلهم الدراسي، وفقاً لدراسات أجراها أساتذة وخبراء اقتصاديون في مئات المدارس في بيرو.

تراجع مهارات الطلاب

والآن، بينما يُقدِّم بعض مُروِّجي التكنولوجيا حججاً مماثلة بشأن إتاحة استخدام الذكاء الاصطناعي في مجال التعليم، تُطالب منظمات حقوق الطفل -مثل «اليونيسف»-بتوخي الحذر، وتُطالب بتوفير مزيد من الإرشادات للمدارس.

وكتب ستيفن فوسلو، اختصاصي السياسات الرقمية في «اليونيسف»، في منشور حديث: «مع برنامج (حاسوب محمول لكل طفل)، شملت التداعيات السلبية هدراً للموارد وضعفاً في نتائج التعلُّم. وقد يُؤدي الاستخدام غير المُوجَّه لأنظمة الذكاء الاصطناعي إلى تراجع مهارات الطلاب والمعلمين».

تجارب تعليمية أميركية

وتتعاون الأنظمة التعليمية في جميع أنحاء العالم بشكل متزايد مع شركات التكنولوجيا لتطوير أدوات الذكاء الاصطناعي وبرامج التدريب.

وفي الولايات المتحدة؛ حيث تُقرر الولايات والمناطق التعليمية عادة ما يتم تدريسه، أدخلت بعض الأنظمة المدرسية البارزة أخيراً روبوتات محادثة شائعة الاستخدام لأغراض التعليم والتعلُّم. في ولاية فلوريدا وحدها، أطلقت مدارس مقاطعة ميامي-ديد العامة، ثالث أكبر نظام تعليمي في الولايات المتحدة، برنامج الدردشة الآلي «جيميناي» من «غوغل» لأكثر من مائة ألف طالب في المرحلة الثانوية. كما قدمت مدارس مقاطعة بروارد العامة، سادس أكبر منطقة تعليمية في البلاد، برنامج الدردشة الآلي «كوبايلوت» من «مايكروسوفت» لآلاف المعلمين والموظفين.

تجارب عالمية

خارج الولايات المتحدة، أعلنت «مايكروسوفت» في يونيو (حزيران) عن شراكة مع وزارة التعليم في تايلاند لتوفير دروس مجانية عبر الإنترنت في مهارات الذكاء الاصطناعي لمئات الآلاف من الطلاب. وبعد أشهر عدة، أعلنت «مايكروسوفت» أنها ستوفر أيضاً تدريباً في مجال الذكاء الاصطناعي لـ150 ألف معلم في تايلاند. وتعهدت منظمة «أوبن إيه آي» بإتاحة برنامج «تشات جي بي تي» للمعلمين في المدارس الحكومية في جميع أنحاء الهند.

مبادرة استونيا- نهج مختلف

وتتبنى استونيا (إحدى دول البلطيق) نهجاً مختلفاً، من خلال مبادرة وطنية جديدة واسعة النطاق في مجال تعليم الذكاء الاصطناعي، تُسمى «قفزة الذكاء الاصطناعي». وجاء إطلاق البرنامج جزئياً استجابة لاستطلاع رأي أُجري حديثاً، أظهر أن أكثر من 90 في المائة من طلاب المدارس الثانوية في استونيا يستخدمون بالفعل برامج الدردشة الآلية الشائعة مثل «تشات جي بي تي» لأداء واجباتهم المدرسية، ما أثار مخاوف من أن بعض الطلاب بدؤوا في تفويض مهامهم الدراسية إلى الذكاء الاصطناعي.

- الإجابة عن الاستفسارات بدلاً من الإجابات المباشرة: ضغطت استونيا على عمالقة التكنولوجيا الأميركية لتكييف تقنيات الذكاء الاصطناعي الخاصة بهم مع الاحتياجات والأولويات التعليمية المحلية. وقد تعاون باحثون من جامعة «تارتو» مع شركة «أوبن إيه آي» لتعديل خدمة الشركة باللغة الاستونية المخصصة للمدارس، بحيث تجيب على استفسارات الطلاب بأسئلة بدلاً من تقديم إجابات مباشرة.

- التثقيف بالمزايا والمخاطر: يهدف برنامج «قفزة الذكاء الاصطناعي» الذي طُبِّق هذا العام الدراسي إلى تثقيف المعلمين والطلاب حول استخدامات أدوات الذكاء الاصطناعي، وحدودها وتحيزاتها ومخاطرها. وفي مرحلته التجريبية، تلقى المعلمون في استونيا تدريباً على برنامجَي الدردشة الآليين «تشات جي بي تي» و«جيميناي».

تطوير الذكاء الاصطناعي للتناغم مع النُّظم التعليمية

وقال إيفو فيساك، الرئيس التنفيذي لمؤسسة «ليب»، وهي مؤسسة استونية غير ربحية تُساعد في إدارة برنامج التعليم الوطني: «إنها معرفة أساسية بالذكاء الاصطناعي... يكمن جوهر الأمر في الفهم الواضح أن هذه الأدوات قد تكون مفيدة، ولكنها في الوقت نفسه قد تُسبب كثيراً من الضرر».

كما نظَّمت استونيا أخيراً يوماً تدريبياً وطنياً لطلاب بعض المدارس الثانوية. وأوضح فيساك أن بعض هؤلاء الطلاب يستخدمون الآن برامج الدردشة الآلية في مهام مثل توليد الأسئلة لمساعدتهم في الاستعداد للاختبارات المدرسية. وأضاف: «لو ركَّزت هذه الشركات جهودها؛ ليس فقط على الترويج لمنتجات الذكاء الاصطناعي؛ بل أيضاً على تطوير هذه المنتجات بالتعاون مع الأنظمة التعليمية حول العالم، لأصبحت بعض هذه المنتجات مفيدة للغاية».

مشروع آيسلندا التجريبي

في هذا العام الدراسي، بدأت آيسلندا مشروعها التجريبي الوطني للذكاء الاصطناعي في المدارس. ويُجري الآن مئات المعلمين في أنحاء البلاد تجارب على برنامج الدردشة الآلي «جيميناي»، أو «كلود» من «أنثروبيك» في مهام مثل تخطيط الدروس، بهدف اكتشاف استخدامات مفيدة وتحديد أوجه القصور.

- باحثون جامعيون يدققون في تجارب الذكاء الاصطناعي: سيقوم باحثون في جامعة آيسلندا بدراسة كيفية استخدام المعلمين لبرامج الدردشة الآلية. ولن يستخدم الطلاب برامج الدردشة الآلية في الوقت الحالي، جزئياً، بسبب مخاوفهم من أن الاعتماد عليها في الفصول الدراسية قد يُضعف عناصر مهمة من عملية التعليم والتعلم.

وسيقوم باحثون في جامعة آيسلندا بدراسة كيفية استخدام المعلمين لبرامج الدردشة الآلية. وقالت ثورديس سيغورداردوتير، مديرة مديرية التعليم والخدمات المدرسية في آيسلندا: «إذا قلَّ استخدامك لقدراتك العقلية أو تفكيرك النقدي -أو أي شيء يجعلنا أكثر إنسانية- فهذا بالتأكيد ليس ما نريده».

- تجارب المعلمين: تقول تينا أرناردوتير وفريدا جيلفادوتير (وهما معلمتان مشاركتان في البرنامج التجريبي بمدرسة ثانوية خارج ريكيافيك) إن أدوات الذكاء الاصطناعي ساعدتهما على إنشاء دروس تفاعلية بسرعة أكبر.

استخدمت السيدة أرناردوتير -وهي معلمة إدارة أعمال وريادة أعمال- برنامج «كلود» لإنشاء لعبة استكشاف مهني لمساعدة طلابها على تحديد ما إذا كانوا أكثر ملاءمة لوظائف المبيعات أو التسويق أو الإدارة.

من جهتها قالت جيلفادوتير -وهي معلمة لغة إنجليزية- إنها حمَّلت بعض قوائم المفردات، ثم استخدمت برنامج الدردشة الآلية للمساعدة في إنشاء تمارين لطلابها.

وأضافت جيلفادوتير: «لدي ألعاب كلمات تتضمن ملء الفراغات، وألعاب مطابقة الكلمات، وألعاب تحدي السرعة. لذلك أشعر أنهم أكثر استعداداً قبل خوضهم الامتحان».

- مشكلة الثقة العمياء بالذكاء الاصطناعي: أضافت جيلفادوتير أنها قلقة من أن تُنتج برامج الدردشة الآلية معلومات مضللة، لذا قامت بفحص الألعاب والدروس المُصممة بواسطة الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقتها، قبل أن تطلب من طلابها تجربتها.

وقالت جيلفادوتير وأرناردوتير إنهما قلقتان أيضاً من أن بعض الطلاب قد أصبحوا يعتمدون بشكل مفرط على أدوات الذكاء الاصطناعي خارج المدرسة، أو يثقون بها ثقة عمياء.

وأكدتا أن هذا الأمر زاد من تصميم المعلمات الآيسلنديات على مساعدة الطلاب في تعلم التقييم النقدي لبرامج الدردشة الآلية واستخدامها.

وقالت السيدة أرناردوتير: «إنهم يثقون بالذكاء الاصطناعي ثقة عمياء. ربما يفقدون الحافز لبذل الجهد في التعلم، ولكن علينا أن نعلمهم كيف يتعلمون باستخدام الذكاء الاصطناعي».

ولا يزال المعلمون يفتقرون إلى الدراسات الدقيقة التي تُوجه استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في المدارس. وقد بدأ الباحثون للتو في تتبع الآثار طويلة المدى لبرامج الدردشة الآلية على المراهقين وطلاب المدارس.

افتقار المعلمين الى الدراسات حول الذكاء الاصطناعي

يفتقر المعلمون حالياً إلى دراسات دقيقة كافية لتوجيه استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في المدارس. وقال درو بنت، مسؤول التعليم في شركة «أنثروبيك»: «تجرب مؤسسات كثيرة الذكاء الاصطناعي. لقد وصلنا الآن إلى مرحلة نحتاج فيها إلى التأكد من أن هذه الأمور مدعومة بنتائج ملموسة، وأن نحدد ما ينجح وما لا ينجح».

* ساهمت كيت كونغر في إعداد هذا التقرير، خدمة «نيويورك تايمز».


كيف تَعلَّم الذكاء الاصطناعي قراءة الضحك بوصفه إشارة صحية

ضحكة الإنسان إشارة صحية عابرة للثقافات
ضحكة الإنسان إشارة صحية عابرة للثقافات
TT

كيف تَعلَّم الذكاء الاصطناعي قراءة الضحك بوصفه إشارة صحية

ضحكة الإنسان إشارة صحية عابرة للثقافات
ضحكة الإنسان إشارة صحية عابرة للثقافات

في كل صباح، ينتابنا ضحكٌ خفيف أو ابتسامة خجولة تخرج من أعماق الجسد، قبل أن يستحضر العقل سببها. ربما كان قصة طريفة مرَّت في الذهن، أو مشهداً عابراً على شاشة الهاتف، أو تفاعلاً اجتماعياً بسيطاً مع إنسان آخر. ولكن هذا السلوك البسيط ظلَّ طويلاً في هامش الطب، بوصفه انفعالاً اجتماعياً لا مكان له في غرف التشخيص المزدحمة بالأرقام والفحوص.

غير أن العلم الحديث -وخصوصاً خلال العقد الأخير- بدأ يعيد النظر في هذه النظرة. فالضحك لم يعد يُفهم اليوم بوصفه صوتاً عابراً أو حركة تلقائية للوجه؛ بل استجابة فسيولوجية معقَّدة تُحدِث تغيُّرات داخل الجسد قبل أن يعيها العقل الواعي.

الضحك استجابة بيولوجية تلقائية تسبق التفكير الواعي

الضحك ليس مزحة... بل فسيولوجيا دقيقة

عندما يضحك الإنسان ضحكة صادقة، يدخل الجسد في حالة بيولوجية متكاملة تشبه إعادة ضبط داخلية لأنظمة متداخلة. ففي تلك اللحظات، ينخفض مستوى هرمونات التوتر، وعلى رأسها الكورتيزول (Cortisol) المرتبط بالإجهاد المزمن واضطراب المناعة. وفي المقابل، يزداد إفراز الإندورفينات (Endorphins)، وهي مواد طبيعية يفرزها الدماغ تعمل كمسكنات ألم داخلية، وتمنح إحساساً بالارتياح وتحسِّن المزاج.

ويشبِّه بعض الباحثين الضحك بتمرين بدني خفيف، ولكنه تمرين يحدث من الداخل؛ إذ يحسِّن الضحك العميق تدفُّق الهواء الغني بالأكسجين إلى الرئتين والدماغ، ويحفِّز القلب والعضلات دون إجهاد، كما يساعد على إرخاء العضلات بعد انقباضها، في دورة شدٍّ واسترخاء طبيعية تعيد للجسد توازنه الفيزيولوجي.

ماذا يحدث في جهاز المناعة عندما نضحك؟

لا يقتصر أثر الضحك على الجهاز العصبي؛ بل يمتد إلى جهاز المناعة نفسه، فحسب مراجعات علمية صادرة عن «مايو كلينك»، يسهم الضحك الصادق في تعزيز تدفُّق بعض الأجسام المضادَّة (Antibodies)، وتحسين أداء الخلايا الدفاعية، ولا سيما الخلايا القاتلة الطبيعية، كما يساعد على خفض مستويات الالتهاب المزمن المرتبط بكثير من الأمراض.

وتتأكد هذه النتائج عبر بحوث تطبيقية حديثة، فقد نشرت «المجلة الطبية البريطانية» (BMJ) في أغسطس (آب) 2024 دراسة سريرية، أظهرت أن تمارين الضحك العلاجية أسهمت في تخفيف أعراض جفاف العين الوظيفي، وحققت نتائج قريبة من بعض التدخلات العلاجية التقليدية. وقد نقلت هذه الدراسة الضحك من إطار الرفاهية النفسية إلى مجال البحث السريري التطبيقي، مؤكدة أنه قد يشكِّل مؤشراً بيولوجياً مساعداً لفهم صحة الإنسان بوصفه كُلّاً متكاملاً.

الضحك والدماغ: رسالة تسبق التفكير

الضحك ليس دائماً قراراً واعياً يتخذه العقل؛ بل كثيراً ما يكون استجابة عصبية تسبق الإدراك الواعي. فقبل أن يُحلِّل الدماغ سبب الطرافة، تكون شبكات عصبية عميقة قد بدأت بالفعل بإطلاق «استجابة الضحك»، وكأن الجسد يلتقط الإشارة قبل أن يصوغها العقل في كلمات.

داخل الدماغ، تتفاعل عدة مناطق في آنٍ واحد: مناطق ترتبط بالعاطفة والشعور بالمكافأة، وأخرى مسؤولة عن الحركة والتواصل الاجتماعي. ولهذا لم يعد الضحك في نظر علوم الأعصاب مجرد إحساس لطيف؛ بل أصبح سلوكاً دالّاً يمكن أن يعكس المزاج العام، ودرجة الارتياح النفسي، وقدرة الدماغ على التكيف مع الضغوط.

الدماغ بين الضحك والخوارزمية: تفاعل العاطفة مع الذكاء الاصطناعي

حين يفهم الذكاء الاصطناعي الضحكة

في السنوات الأخيرة، بدأ الذكاء الاصطناعي يتعامل مع الضحك بوصفه بيانات سلوكية قابلة للتحليل. فباستخدام تقنيات التعلُّم العميق، باتت الخوارزميات قادرة على تحليل مكوِّنات الضحك الصوتية والبصرية، وربطها بأنماط نفسية وعصبية معقَّدة.

وفي دراسة بحثية نُشرت على منصة «أركايف» (arXiv) في يوليو (تموز) 2024، طوَّر باحثون نموذجاً يعتمد على الدمج بين الصوت والصورة للتعرُّف على الضحك في سياقات اجتماعية مختلفة، محققين دقة أعلى من النماذج التقليدية، مع إمكانات واضحة لاستخدامه في تقييم الصحة النفسية والتفاعل الاجتماعي.

كما تشير بحوث في اللغويات الحاسوبية (Computational Linguistics) نُشرت عام 2025، إلى أن نماذج لغوية متقدمة أصبحت قادرة على تحليل الفكاهة وتوقُّع الاستجابة العاطفية لها؛ بل وإحداث استجابات ضحك قريبة إحصائياً من تلك التي تولِّدها النكات البشرية.

من نيويورك إلى مختبرات الذكاء الصحي

في هذا السياق، تبرز جامعات نيويورك بوصفها مراكز رائدة في البحوث التي تربط بين الذكاء الاصطناعي والصحة. فقد نظَّم «مركز لانغون الصحي» بجامعة نيويورك (NYU Langone Health) في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 مؤتمراً بحثياً بعنوان تسخير قوة الذكاء الاصطناعي لتحويل الرعاية الصحية، ركَّز على استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل بيانات المرضى، وقراءة الإشارات غير اللفظية، مثل نبرة الصوت وتعابير الوجه والضحك، ضمن التقييم الصحي الشامل.

كما يعمل قسم التحليل التنبؤي والذكاء الاصطناعي (Predictive Analytics & Artificial Intelligence) في جامعة نيويورك، على تطوير نماذج رقمية تدعم القرار الطبي، عبر دمج البيانات السريرية التقليدية مع مؤشرات سلوكية ونفسية، في اتجاه يعكس تحوّلاً واضحاً نحو طبٍّ أكثر شمولاً وإنسانية.

تناغم العقل والجسد

ضحكة واحدة ليست وصفة سحرية للشفاء، ولكنها تذكيرٌ صامت للجسد بأن الطريق إلى الصحة يبدأ من التناغم بين العقل والجسم. فالضحك ليس لحظة بهجة عابرة؛ بل جسرٌ دقيق يصل الجسد بالعقل، ويصل الطبيعة الإنسانية بالتقنيات المستقبلية التي تسعى إلى جعل الرعاية الصحية أكثر إنصاتاً لما لا تقوله الأرقام وحدها.

وكما قال ابن سينا: «الطب علمٌ تُعرف به أحوال بدن الإنسان... لتُحفظ به الصحة، ويُستردَّ به زوالها».


تراجع مهارات التفكير النقدي في النظم الذكية سيعزز البحث عن «عقول إبداعية»

تراجع مهارات التفكير النقدي في النظم الذكية سيعزز البحث عن «عقول إبداعية»
TT

تراجع مهارات التفكير النقدي في النظم الذكية سيعزز البحث عن «عقول إبداعية»

تراجع مهارات التفكير النقدي في النظم الذكية سيعزز البحث عن «عقول إبداعية»

إليكم ما يتوقعه بعض الخبراء في جوانب التطويرات في الذكاء الاصطناعي في عام 2026.

لم يظهر الذكاء الاصطناعي لأول مرة في عام 2025، ولكنه كان العام الذي بدأ فيه بالانتشار على نطاق واسع. في بداية العام، كان لدى «تشات جي بي تي» ما بين 300 و400 مليون مستخدم أسبوعياً. وبحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تضاعف هذا العدد. وفي الوقت نفسه، شهد استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي الأخرى، بما في ذلك «بيربليكسيتي»، و«جيمناي» من «غوغل» قفزات مماثلة.

والآن، وفي عام 2026، يتساءل الناس عما يخبئه المستقبل. وقد تحدثت مجلة «فاست كومباني» مع عدد من المحللين وخبراء الصناعة لمعرفة توقعاتهم لما يمكن توقعه مع استمرار انتشار تأثير الذكاء الاصطناعي في عام 2026.

«الفقاعة لن تنفجر»

بينما يواصل المتشائمون في «وول ستريت» الحديث بصوت عالٍ عن فقاعة الذكاء الاصطناعي، يقول دان آيفز من شركة «ويدبوش» Wedbush (شركة خدمات مالية - المحرر) إن هذه المخاوف مبالغ فيها، وإن سوق الذكاء الاصطناعي ستنمو بالفعل في عام 2026. ويضيف أن ثورة الذكاء الاصطناعي الموجهة للمستهلكين لم تبدأ فعلياً بعد، وأن الصعود المتوقع للروبوتات في السنوات المقبلة، بالإضافة إلى الفرص الواعدة لاستخدامها في الشركات وتوسعها العالمي، سيدفع سوق التكنولوجيا نحو مزيد من النمو.

وكتب آيفز: «ثورة الذكاء الاصطناعي هذه بدأت للتو، ونعتقد أنه ينبغي شراء أسهم شركات التكنولوجيا والشركات الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، نظراً لرؤيتنا بأن هذا هو العام الثالث من دورة تمتد لعشر سنوات من تطور هذه الثورة». وأضاف: «نتوقع أن ترتفع أسهم شركات التكنولوجيا بنسبة 20 في المائة أخرى في عام 2026 مع وصول المرحلة التالية من ثورة الذكاء الاصطناعي إلى ذروتها».

قفزة في «التفكير الكسول»

ليست كل التوقعات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي في عام 2026 متفائلة إلى هذا الحد. فقد حذرت شركة «غارتنر» لأبحاث السوق، من ازدياد اعتماد الناس على روبوتات الدردشة وقبولهم التلقائي لكل ما تُنتجه هذه الأجهزة. وتتوقع الشركة التحليلية أنه بحلول عام 2026، سيحدث «تراجع في مهارات التفكير النقدي نتيجة استخدام الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي». وتقول إن ذلك سيدفع نصف المؤسسات العالمية إلى اشتراط وضع تقييمات لمهارات «خالية من الذكاء الاصطناعي».

وتكتب «غارتنر»: «مع تسارع وتيرة الأتمتة، ستصبح القدرة على التفكير باستقلالية وإبداع نادرة بشكل كبير، ولكنها في الوقت نفسه ذات قيمة كبيرة».

الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي سينتشر في محركات البحث

تُعدّ روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي التوليدي الوسيلة التي يتفاعل بها كثير من الناس مع الذكاء الاصطناعي. فهي لا تتطلب أي معرفة تقنية (مع أن معرفة كيفية صياغة الرسائل تجعلها أكثر كفاءة)، وهي مجانية.

أما بالنسبة لأدوات مثل«تشات جي بي تي» و«بيربليكسيتي» ، فعادةً ما يتطلب الوصول إليها زيارة موقع ويب مستقل. مع ذلك، تتوقع شركة «ديلويت» أنه في عام 2026 وما بعده، سيزداد استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي المدمج في التطبيقات الحالية، مثل محركات البحث، بشكل ملحوظ. وتوضح الشركة الاستشارية: «في الاستخدام اليومي سيكون الوصول إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي داخل محرك البحث (عندما ينتج عن البحث توليفة من النتائج) أكثر شيوعاً بنسبة 300 في المائة من استخدام أي أداة مستقلة للذكاء الاصطناعي التوليدي».

صعود الروبوتات

على الرغم من أن الروبوتات الشبيهة بالبشر في عام 2026 قد لا تصل إلى المستويات التي يتوقعها إيلون ماسك، فمن المرجح أن نشهد زيادة كبيرة في الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وفقاً لشركة «ديلويت». ومن المتوقع أن يصل عدد الروبوتات الصناعية إلى 5.5 مليون روبوت.

هذه بداية موجة جديدة، قد تشهد زيادة في الشحنات السنوية حتى تصل إلى مليون روبوت سنوياً بحلول عام 2030. وتعزو الشركة هذه الزيادة إلى نقص العمالة و«التطورات الهائلة في القدرة الحاسوبية».

«تسونامي» من الدعاوى القانونية

تواجه شركات الذكاء الاصطناعي بالفعل عدداً من الدعاوى القضائية، أبرزها قضايا يدّعي فيها المدّعون أن الذكاء الاصطناعي دفع أشخاصاً إلى الانتحار. وقد سلّط ذلك الضوء على غياب الضوابط التي تحكم هذا القطاع. لكن حتى الآن، لم تُبدِ الإدارة الاميركية اهتماماً يُذكر بوضع معايير صارمة لشركات الذكاء الاصطناعي، رغم أن بعض الولايات تحاول القيام بذلك.

تتوقع شركة «غارتنر» أنه بحلول نهاية عام 2026، سيتجاوز عدد الدعاوى القضائية المتعلقة بـ«الوفاة بسبب الذكاء الاصطناعي» 2000 دعوى. وتضيف الشركة أن الجانب الإيجابي لهذه المأساة هو أنها قد تدفع الجهات التنظيمية أخيراً إلى التركيز على قضايا السلامة.

وتكتب «غارتنر»: «يمكن أن تفشل أنظمة الصندوق الأسود - نماذج الذكاء الاصطناعي التي تتسم عمليات اتخاذ القرار فيها بالغموض أو صعوبة التفسير - لا سيما في القطاعات الحساسة مثل الرعاية الصحية والتمويل والسلامة العامة. وستصبح قابلية التفسير والتصميم الأخلاقي والبيانات النظيفة أموراً لا تقبل المساومة».

*مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا»