«اللسان الجغرافي»... حالة حميدة لا تدعو للقلق

تتسبب فيه عوامل جينية ومرَضية وغذائية

«اللسان الجغرافي»... حالة حميدة لا تدعو للقلق
TT

«اللسان الجغرافي»... حالة حميدة لا تدعو للقلق

«اللسان الجغرافي»... حالة حميدة لا تدعو للقلق

اللسان الجغرافي، المعروف أيضاً بالتهاب اللسان المهاجر الحميد، هو حالة غير خبيثة، ولكنها في بعض الأحيان غير مريحة تؤثر على سطح اللسان. ويأتي اسم «اللسان الجغرافي» من المظهر الشبيه بالخريطة للبقع الحمراء الناعمة التي يمكن أن تظهر على سطح اللسان.

اللسان الجغرافي

قد وصف الدكتور جوناثان هاتشينسون من المستشفى الملكي في لندن، لأول مرة اللسان الجغرافي في عام 1878 وسماه هذا الاسم geographic tongue، لأن الحالات التي فحصها آنذاك كانت تشبه خريطة الإمبراطورية البريطانية حينها.

ما اللسان الجغرافي؟ يتميز اللسان الجغرافي بفقدان الهياكل الدقيقة الشبيهة بالشعر والمسماة الحليمات على سطح اللسان. وهذه البقع تكون ناعمة وحمراء، غالباً مع حواف مرتفعة قليلاً، ويمكن أن تتغير في الحجم والشكل والموقع بمرور الوقت. والحالة حميدة عموماً. كما تزداد مادة الكيراتين في مناطق أخرى لتصبح بيضاء اللون ولا تسبب أي مشكلات صحية خطيرة.

الأعراض والأسباب

> الأعراض. العرض الأكثر وضوحاً للسان الجغرافي هو وجود بقع حمراء ناعمة على اللسان. ويمكن أن تتسبب هذه البقع أحياناً في إحساس بالحرقان، خاصة عند تناول الأطعمة الحارة أو الحمضية. ومع ذلك، فإن العديد من الأشخاص الذين يعانون من اللسان الجغرافي لا يشعرون بأي أعراض على الإطلاق. ولكن بعض الأشخاص قد تصبح لديهم «فوبيا» (رهاب) سرطان الفم بسبب هذه البقع التي قد يتغير مكانها. وهنا تكفي عملية تطمين الشخص من قبل الطبيب المختص بأنها حالة غير خبيثة للسيطرة على فوبيا سرطان الفم.

> الأسباب وعوامل الخطر. السبب الدقيق للسان الجغرافي غير معروف، ولكن يُعتقد أنه يرتبط بعوامل جينية، وكذلك بحالات مثل الصدفية، الحساسية، السكري. وقد يلعب الضغط العاطفي وبعض نقص الفيتامينات والمعادن (مثل الزنك، الحديد، حمض الفوليك، فيتامينب بي 6 وبي 12) أيضاً دوراً في حدوثه.

التشخيص والعلاج

تشخيص اللسان الجغرافي يتضمن عادة، فحصاً سريرياً للسان ومراجعة التاريخ الطبي للمريض. ونظراً لأن الحالة حميدة وتختفي عادة من تلقاء نفسها، فإن العلاج ليس ضرورياً. ومع ذلك، إذا كانت الأعراض مزعجة، يمكن تجنب الأطعمة الحارة أو الحمضية واستخدام المسكنات الموضعية أو غسولات الفم المضادة للهستامين لتخفيف الانزعاج. يجب طمأنة المريض حول الطبيعة الحميدة للحالة. ويجب استبعاد حالة نقص التغذية لدى جميع المرضى الذين يعانون من أعراض اللسان الجغرافي. ولذلك، يجب إجراء تحليل الدم الكامل (CBC) وتقييم مستويات فيتامين بي 12، وحمض الفوليك (الفولات) في الدم الكامل المصحح، والفريتين (الحديد). بالإضافة إلى ذلك، قد يكون اختبار الزنك مفيداً نظراً لأن اللسان الجغرافي المصحوب بأعراض يستجيب للعلاج الموضعي بالزنك. وهذا ما اقترحه البروفسور مايك ويلسون من جامعة كارديف في ويلز- المملكة المتحدة في كتابه المنشور في أبريل (نيسان) الماضي باستعمال غسول فم الزنك، يجب إعطاء الزنك على شكل كبريتات الزنك القابلة للذوبان، 125 ملغم مذابة في الماء وتستخدم كغسول للفم لمدة تتراوح بين 2-3 دقائق كل 8 ساعات لمدة 3 أشهر.

التعايش مع اللسان الجغرافي

على الرغم من أن اللسان الجغرافي يمكن أن يكون مصدر قلق بسبب مظهره والانزعاج العرضي، من المهم أن نتذكر أنه ليس حالة خطيرة. يعيش معظم الأشخاص الذين يعانون من اللسان الجغرافي حياة طبيعية وصحية دون أي مضاعفات.

وإذا لاحظت أي تغييرات في لسانك أو شعرت بانزعاج مستمر، فمن الجيد دائماً استشارة مقدم الرعاية الصحية لاستبعاد الأسباب المحتملة الأخرى والحصول على التوجيه المناسب. واللسان الجغرافي هو مثال مثير للاهتمام على كيفية أن الجسم البشري يمكن أن يظهر أحياناً بأعراض غير عادية، ولكنها غير ضارة. ومن خلال فهم المزيد عن هذه الحالة، يمكننا تقدير تعقيدات صحتنا الفموية وأهمية الفحوصات الدورية للأسنان.


مقالات ذات صلة

أفضل 5 أنواع من الدهون مفيدة لصحتك

صحتك يحتوي الأفوكادو على مزيج من الألياف والفيتامينات والمعادن (بيكسباي)

أفضل 5 أنواع من الدهون مفيدة لصحتك

اتباع نظام غذائي غني بالأطعمة التي تحتوي على الدهون غير المشبعة يُساعد على الوقاية من الأمراض المزمنة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك يُفيد تناول التوت مرضى القلب بشكل كبير من خلال تقليل الالتهاب (بيكساباي)

تأثير تناول التوت على مرضى القلب

يُفيد تناول التوت مرضى القلب بشكل كبير من خلال تقليل الالتهاب، وخفض ضغط الدم الانقباضي، وخفض مستوى الكوليسترول الضار (LDL).

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك تمثل نتائج الدراسة خطوة واعدة نحو تطوير أدوات أكثر دقة لتشخيص اضطرابات النوم (أرشيفية- د.ب.أ)

الذكاء الاصطناعي يحدد مصدر الشخير ويمهّد لعلاج أكثر دقة

اقترح باحثون إطاراً تكاملياً جديداً يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتصنيف مصادر الشخير.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك يحتوي الموز على مادةٍ قد تطغى على مضادات الأكسدة الموجودة في التوت (بكسباي)

دراسة: لا تتناول الموز مع التوت لهذا السبب!

أفادت دراسة حديثة إلى أن إضافة الموز إلى عصير التوت قد تؤثّر سلباً على القيمة الغذائية لعصير الفاكهة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الذكاء الاصطناعي يمهد لعلاج أكثر دقة لمرضى السرطان (جامعة هارفارد)

الذكاء الاصطناعي يساعد في دقة علاج السرطان

طوّر باحثون في كلية الطب بجامعة هارفارد الأميركية أداة مبتكرة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، قادرة على التنبؤ مسبقاً بمدى استجابة مرضى السرطان للعلاج المناعي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

اكتشاف أقدم «أشباه نجوم» يزيد على العلماء معضلات فهم الكون

وكالة «ناسا» تُظهر النجم الشبيه بالشمس وكوكبين عملاقين يدوران حوله (د.ب.أ)
وكالة «ناسا» تُظهر النجم الشبيه بالشمس وكوكبين عملاقين يدوران حوله (د.ب.أ)
TT

اكتشاف أقدم «أشباه نجوم» يزيد على العلماء معضلات فهم الكون

وكالة «ناسا» تُظهر النجم الشبيه بالشمس وكوكبين عملاقين يدوران حوله (د.ب.أ)
وكالة «ناسا» تُظهر النجم الشبيه بالشمس وكوكبين عملاقين يدوران حوله (د.ب.أ)

رصد التلسكوب الفضائي «إقليدس» أقدم «أشباه النجوم» أو «النجوم الزائفة»، وهي الأجرام الأشدُّ سطوعاً في الكون، مما أضاف بُعداً جديداً في محاولة فهم هذا اللغز الكوني الذي يؤرق العلماء.

ويذكر أن النجم الزائف أو شبه النجم (Qusar) هو نواة مجرَّة بدائية تحتوي على ثقوب سوداء هائلة الكتلة، تبتلع المادة المحيطة بها بوتيرة عالية. وتؤدي هذه العملية إلى إطلاق طاقة تجعل هذه الأجرام أكثر لمعاناً من آلاف مليارات الشموس، حسب «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويسعى العلماء منذ سنوات إلى رصد هذه النجوم الزائفة، بسبب سطوعها الاستثنائي، ولأن النظر في عمق الكون يعني في الوقت نفسه النظر إلى الماضي، بسبب الوقت الذي يتطلبه الضوء للوصول إلى الأرض. لذا، من شأن أعمال المراقبة هذه أن تساعد العلماء على فهم المراحل الأولى الغامضة من عمر الكون.

وفي دراسة نُشرت الاثنين في مجلة علوم الفلك والفيزياء الفلكية (Astronomy and Astrophysics)، أعلن فريق دولي من علماء الفلك أن التلسكوب «إقليدس» التابع لوكالة الفضاء الأوروبية رصد 31 شبه نجم، من بينها اثنان هما الأقدم المعروفان حتى الآن.

وانبعث الضوء من هذين الجرمين عندما كان عمر الكون الذي يُقدر حالياً بنحو 13.8 مليار سنة، لا يتجاوز 670 مليون سنة فقط، وهذا يعني أنهما أقدم بنحو عشرين مليون سنة من أقدم شبح نجم كان معروفاً سابقاً، والذي أعلن الفريق نفسه اكتشافه، وذلك عام 2021.

وقال دامينغ يانغ، الباحث الرئيسي في الدراسة وطالب الدكتوراه في جامعة «لايدن» الهولندية، إن البحث عن هذه الأجرام كان يعتمد سابقاً على التلسكوبات الأرضية، ولكن إطلاق «إقليدس» في عام 2023 «أحدث تحولاً جذرياً في هذا المجال».

وأوضح أن التلسكوب تمكن في عامين فقط من مضاعفة عدد أشباه النجوم المرصودة. ويعود تاريخ هذين الجرمين إلى حقبة تشكِّل النجوم والمجرات الأولى مع انقشاع الغبار الكوني الذي كان يملأ الكون المبكر. ويتعامل العلماء مع هذه الأجرام كعوامل مساعدة على فهم التاريخ المبكر للكون، ولكنها تطرح عليهم تساؤلات إضافية.

ومع تطور التلسكوبات وقدرتها على النظر أعمق في الكون، وبالتالي أبعد في الماضي، يتبيَّن وجود مجرَّات وأجرام أكبر حجماً وتطوراً مما كان متوقعاً وفقاً للنماذج النظرية عن عمر الكون.

ويقول جوزيف حناوي، المشارك في الدراسة: «كل خطوة نخطوها نحو الماضي تجعل اللغز أشد تعقيداً».

ويضيف: «هذه الوحوش الكونية» التي تبلغ كتلتها مليارات أضعاف كتلة الشمس، كانت موجودة في المراحل الأولى من عمر الكون، والعلماء «لا يفهمون بعد كيف تمكنت من اكتساب هذه الكتل الضخمة بهذه السرعة».

ويأمل الباحثون في العثور على أشباه نجوم أقدم، تعود إلى زمن كان فيه عمر الكون نحو 630 مليون سنة فقط، بحثاً عن أدلة تساعد في حل هذا اللغز. ويعتزم الفريق دراسة هذه الأجرام المكتَشفة حديثاً باستخدام التلسكوب الفضائي «جيمس ويب» للحصول على معلومات أكثر تفصيلاً حول خصائصها ونشأتها. وفي نهاية المطاف، يأمل العلماء في جمع هذه البيانات لتكوين ما يصفه جوزيف حناوي بأنه «سجل تاريخي لأشباه النجوم في المليار سنة الأولى من عمر الكون».


باحثون: لقاح تجريبي قد يقي من 3 فيروسات تنفسية

ممرض يقوم بتحضير جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كوفيد - 19» (رويترز)
ممرض يقوم بتحضير جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كوفيد - 19» (رويترز)
TT

باحثون: لقاح تجريبي قد يقي من 3 فيروسات تنفسية

ممرض يقوم بتحضير جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كوفيد - 19» (رويترز)
ممرض يقوم بتحضير جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كوفيد - 19» (رويترز)

أفاد ‌باحثون بأن لقاحاً تجريبياً قد يوفر الحماية من «جائحة ثلاثية» من الإنفلونزا الموسمية، وفيروس كوفيد – 19، والفيروس المخلوي التنفسي.

وذكر الباحثون في الدراسة التي نشرت بدورية «ساينس أدفانسز» أن اللقاح الثلاثي حفّز مناعة وقائية من الأمراض التنفسية الثلاثة لدى الفئران والنموس.

وقال جوناثان لوفيل، قائد الدراسة بجامعة نيويورك ‌في بوفالو، في ‌بيان: «كانت استجابة الأجسام المضادة ‌مماثلة لتلك التي تنتجها اللقاحات التي تستهدف فيروساً واحداً فقط، مما يشير إلى أن دمج اللقاحات الثلاثة في جرعة واحدة لم يُضعف فعاليتها».

ويتكون اللقاح أحادي الجرعة، وفقاً لوكالة «رويترز»، من جسيمات كروية دقيقة من الكوبالت والبورفيرين، ومغطاة بغلاف ‌خارجي من ‌الشحم الفسفوري، وهو مزيج يُعرف باسم «كوبوب». وتساعد ‌البروتينات الفيروسية المرتبطة بالجسيمات الدقيقة ‌في تدريب الجهاز المناعي على التعرّف على الفيروسات ومقاومتها.

وأشار الباحثون إلى أن نهج «كوبوب» يختلف عن لقاحات كوفيد - 19 الأكثر ‌استخداماً، والتي تعتمد على تقنية الحمض النووي الريبوزي المرسال، نظراً لاستخدامه البروتينات الفيروسية بدلاً من التعليمات الوراثية المخزنة في الحمض النووي.

ويؤكد الباحثون ضرورة إجراء دراسات إضافية لتحديد ما إذا كانت التفاعلات الدقيقة بين مكونات اللقاح المختلفة قد تؤثر على الاستجابة المناعية في ظل اختلاف الجرعات.

وقال لوفيل: «نأمل توسيع نطاق هذه المنصة لتوفير الحماية من نطاق أوسع من الفيروسات التنفسية في المستقبل».


بعد الجينوم... هل حان وقت «الأطلس البروتيني»؟

هل حان وقت الأطلس البروتيني العربي
هل حان وقت الأطلس البروتيني العربي
TT

بعد الجينوم... هل حان وقت «الأطلس البروتيني»؟

هل حان وقت الأطلس البروتيني العربي
هل حان وقت الأطلس البروتيني العربي

عندما أُعلن عن فك الشيفرة الجينية للبشر مطلع هذا القرن، اعتقد كثيرون أن العلماء باتوا يمتلكون المفتاح الكامل لفهم أسرار جسم الإنسان. لكن السنوات التالية كشفت أن الجينات وحدها لا تكفي لفهم القصة كاملة؛ فالجين يمثل التعليمات البيولوجية المكتوبة، أما البروتينات فهي التي تنفذ تلك التعليمات وتؤدي معظم الوظائف الحيوية داخل الخلايا والأنسجة والأعضاء.

ولهذا السبب، يتجه اهتمام العلماء اليوم بصورة متزايدة نحو التدقيق فيما يُعرف بـ«البروتيوم» (Proteome)؛ أي مجموعة البروتينات الموجودة داخل الجسم وكيفية توزيعها وتفاعلها وتغيرها في الصحة والمرض. وفي خطوة قد تمثل محطة مهمة في هذا المجال، نُشرت في يونيو (حزيران) 2026، دراسة واسعة في مجلة «Nature» قادها الباحث الصيني ليانغ يو (Liang Yue) من جامعة الطب في هانغتشو بالصين (Hangzhou Medical University, China)، بالتعاون مع فريق دولي من الباحثين، نجح في بناء واحدة من أكثر الخرائط المكانية للبروتينات شمولاً حتى اليوم.

وشملت الدراسة أكثر من 13 ألف بروتين موزعة على آلاف العينات المأخوذة من أعضاء وأنسجة بشرية مختلفة، إضافة إلى 25 نوعاً من الأورام السرطانية و58 نوعاً من الأنسجة الرئيسية و251 نوعاً فرعياً، في محاولة لرسم ما يشبه «الأطلس البروتيني المكاني» لجسم الإنسان.

من الجينوم إلى البروتيوم

> الجينات والبروتينات: إذا كان الجينوم يمثل مجموعة الجينات التي يحملها الإنسان، فإن البروتيوم يمثل مجموعة البروتينات التي تنتجها تلك الجينات وتنفذ وظائفها داخل الجسم. وبعبارة مبسطة، تخبرنا الجينات بما يمكن أن يحدث بيولوجياً، بينما تكشف البروتينات ما يحدث فعلياً في لحظة معينة.

وتكتسب البروتينات أهمية خاصة لأنها تشكل المحرك الحقيقي لمعظم العمليات الحيوية؛ فهي تشارك في إنتاج الطاقة، وبناء الخلايا والأنسجة، وتنظيم الاستجابات المناعية، ونقل الإشارات العصبية، إضافة إلى دورها في النمو والشفاء ومقاومة الأمراض. كما أن توزيعها يختلف من عضو إلى آخر، ويتغير بصورة مستمرة تبعاً للعمر والبيئة ونمط الحياة والحالة الصحية.

والأهم من ذلك أن كثيراً من الأمراض يترك بصمته الأولى على البروتينات قبل ظهور الأعراض السريرية، أو حتى قبل حدوث تغيرات يمكن رصدها على مستوى الجينات. ولذلك، أصبحت دراسة البروتيوم تمثل نافذة جديدة لفهم آليات المرض، واكتشاف المؤشرات الحيوية المبكرة، وتطوير علاجات أكثر دقة وتخصيصاً.

ولهذا، ينظر عدد متزايد من العلماء إلى البروتيوم بوصفه الخطوة التالية بعد الجينوم في رحلة استكشاف جسم الإنسان، وربما أحد أهم مفاتيح الطب الشخصي خلال العقود المقبلة.

> دراسة جديدة: ماذا أضافت الدراسة الجديدة؟ اعتمد الباحثون على تقنيات متقدمة لتحليل البروتينات ورسم مواقعها الدقيقة داخل الأنسجة البشرية، وذلك ضمن مشروع دولي واسع شاركت فيه مؤسسات بحثية مرموقة ومتخصصة في علوم البروتيوم والبيولوجيا المكانية، من بينها جامعة ويستليك (Westlake University)، وعدد من المراكز البحثية الرائدة في الصين وأوروبا.

ولم يقتصر العمل على تحديد البروتينات الموجودة في الجسم؛ بل سعى إلى فهم أماكن وجودها وعلاقاتها بالخلايا المحيطة بها، وكيفية تغيرها خلال مراحل النمو المختلفة، وفي الحالات المرضية. وبذلك، انتقلت الدراسة من مجرد «قائمة للبروتينات» إلى خريطة مكانية دقيقة توضح كيفية توزع هذه الجزيئات داخل الأنسجة البشرية.

ويرى الباحثون أن هذه الخريطة قد تساعد في اكتشاف مؤشرات حيوية جديدة للأمراض، وتحديد أهداف علاجية أكثر دقة، وفهم الآليات البيولوجية الكامنة وراء كثير من الاضطرابات المعقدة. كما يمكن أن تسهم في تطوير علاجات موجهة تعتمد على الخصائص البروتينية الفريدة لكل نسيج أو مرض، وهو ما قد يفتح آفاقاً جديدة أمام الطب الشخصي والتشخيص المبكر خلال السنوات المقبلة.

أطلس بروتيني عربي

> خصائص بروتينات العرب: إذا كان العقد الماضي قد شهد سباقاً عالمياً نحو بناء خرائط الجينوم، فقد يكون العقد المقبل عصر «الأطالس البروتينية». وهنا يبرز سؤال لا يخص العلماء وحدهم؛ بل صناع القرار الصحي في العالم العربي أيضاً: هل سنكتفي بما حققناه في مجال الجينوم؟ أم سنشارك في رسم الخريطة التالية للطب الدقيق؟

لقد حققت دول عربية عدة إنجازات مهمة في هذا المجال؛ فأطلقت السعودية مشروع الجينوم السعودي، وطورت قطر برنامج الجينوم القطري، كما وسعت الإمارات استثماراتها في الطب الدقيق والدراسات السكانية الجينية. وأسهمت هذه المبادرات في بناء قواعد بيانات وراثية تعد من بين الأهم في المنطقة، ووفرت أساساً علمياً لفهم كثير من الخصائص الوراثية والأمراض الشائعة بين السكان العرب.

غير أن التطورات الأخيرة في علوم البروتينات تطرح سؤالاً جديداً: هل تكفي معرفة الجينات لفهم صحة الإنسان العربي ومستقبله المرضي؟

ورغم التقدم الملحوظ في مشاريع الجينوم، لا يزال العالم العربي يفتقر إلى مشروع بروتيومي واسع النطاق يهدف إلى بناء أطلس بروتيني عربي، أو دراسة الخصائص البروتينية للسكان العرب بصورة منهجية وشاملة. وما زال معظم الأبحاث الحالية يتركز في دراسات متفرقة تستهدف أمراضاً محددة؛ مثل السرطان والسكري وأمراض القلب، من دون وجود قاعدة بيانات بروتينية عربية متكاملة يمكن أن تدعم الجيل المقبل من الطب الشخصي والعلاجات الموجهة.

ومع تزايد الاعتماد العالمي على الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الحيوية، قد يصبح امتلاك خرائط بروتينية عربية دقيقة ليس مجرد مشروع بحثي طموح؛ بل ضرورة استراتيجية لضمان أن تُبنى أدوات التشخيص والعلاج المستقبلية على بيانات تمثل المجتمعات العربية نفسها، لا أن تعتمد حصراً على بيانات مستمدة من شعوب أخرى تختلف وراثياً وبيئياً وغذائياً.

> لماذا نحتاج إلى أطلس بروتيني عربي؟ تكمن أهمية أي أطلس بروتيني عربي مستقبلي في أنه قد يساعد في فهم الصورة البيولوجية الحقيقية للأمراض الأكثر انتشاراً في المنطقة؛ مثل السكري وأمراض القلب والسمنة وبعض أنواع السرطان. فبينما تتشابه الجينات البشرية بدرجة كبيرة بين الشعوب، فإن أنماط التعبير البروتيني قد تختلف تبعاً للعوامل الوراثية المحلية والبيئة والغذاء ونمط الحياة، وهي عوامل تؤثر بصورة مباشرة في كيفية ظهور المرض وتطوره واستجابة المرضى للعلاج.

وتزداد أهمية هذا الأمر في العالم العربي الذي يشهد معدلات مرتفعة من الأمراض المزمنة، إلى جانب خصائص سكانية وجينية مميزة في بعض المجتمعات. ومن هنا، فإن فهم البصمة البروتينية للسكان العرب قد يكشف مؤشرات حيوية جديدة للتشخيص المبكر، ويساعد في تطوير علاجات أكثر دقة وملاءمة لاحتياجات المرضى في المنطقة.

كما أن معظم قواعد البيانات البروتينية العالمية الحالية بُني اعتماداً على عينات من أوروبا وأميركا الشمالية وشرق آسيا، في حين لا يزال تمثيل السكان العرب محدوداً نسبياً. ومع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى مجالات التشخيص والطب الدقيق، تزداد أهمية امتلاك بيانات حيوية تمثل المجتمعات العربية نفسها، لأن دقة النماذج الطبية المستقبلية ستعتمد إلى حد كبير على نوعية البيانات التي دُربت عليها.

ومن هذا المنطلق، قد لا يكون الأطلس البروتيني العربي مجرد مشروع علمي جديد؛ بل خطوة استراتيجية لضمان مشاركة العالم العربي في رسم ملامح الجيل القادم من الطب الشخصي، بدلاً من الاكتفاء بدور المستفيد من نتائج أبحاث أُجريت على مجتمعات أخرى.

وتشير دراسة «نيتشر» إلى أن الطب العالمي قد بدأ بالفعل الانتقال التدريجي من عصر الجينوم إلى عصر البروتيوم. وإذا كان العقد الماضي قد شهد إطلاق مشاريع الجينوم الوطنية في عدد من الدول العربية، فقد يشهد العقد المقبل سباقاً عالمياً لبناء الأطالس البروتينية التي ستشكل أحد الأسس الرئيسية للطب الدقيق والذكاء الاصطناعي الطبي.

لقد ساعدنا الجينوم في فهم ما نحمله من استعدادات وراثية، لكن البروتيوم قد يساعدنا في فهم ما يحدث فعلياً داخل أجسامنا في الصحة والمرض. ومن خلاله، قد يصبح بالإمكان اكتشاف الأمراض في مراحل أبكر، وتصميم علاجات أكثر دقة، وفهم الفروق البيولوجية الدقيقة بين الأفراد والمجتمعات.

وبالنسبة للعالم العربي، لا يتعلق الأمر بمجرد مواكبة اتجاه علمي جديد؛ بل بالمشاركة في بناء المعرفة الحيوية التي ستعتمد عليها أنظمة الرعاية الصحية المستقبلية. وكما أدركت المنطقة أهمية الاستثمار في الجينوم خلال السنوات الماضية، فقد يكون الوقت قد حان للتفكير في الخطوة التالية.

وربما لا يكون السؤال الذي تطرحه هذه الدراسة اليوم: هل نحتاج إلى أطلس بروتيني عربي؟ بل السؤال الأكثر إلحاحاً: هل سنشارك في صناعة مستقبل الطب الدقيق؟ أم سنكتفي باستخدام ما يطوره الآخرون؟ يسهل الأطلس اكتشاف مؤشرات حيوية جديدة للأمراض وتحديد أهداف

علاجية أكثر دقة