«استراتيجيات علمية» لتعزيز وصول المزارعين الأفارقة إلى بذور عالية الإنتاج

البذور عالية الإنتاجية تُسهم في تعزيز الأمن الغذائي وزيادة دخل المزارعين بقارة أفريقيا (رويترز)
البذور عالية الإنتاجية تُسهم في تعزيز الأمن الغذائي وزيادة دخل المزارعين بقارة أفريقيا (رويترز)
TT

«استراتيجيات علمية» لتعزيز وصول المزارعين الأفارقة إلى بذور عالية الإنتاج

البذور عالية الإنتاجية تُسهم في تعزيز الأمن الغذائي وزيادة دخل المزارعين بقارة أفريقيا (رويترز)
البذور عالية الإنتاجية تُسهم في تعزيز الأمن الغذائي وزيادة دخل المزارعين بقارة أفريقيا (رويترز)

تواجه دول في أفريقيا، لا سيما المناطق الجافة والريفية بمنطقة أفريقيا جنوب الصحراء، تحديات كبيرة في تحسين الإنتاجية الزراعية، بسبب محدودية الوصول إلى بذور عالية الإنتاجية. وعلى الرغم من الجهود الكبيرة في تطوير أصناف معدّلة تتحمّل الجفاف وتزيد العائدات الزراعية عالمياً، لا يزال المزارعون في الكثير من البلدان الأفريقية يواجهون صعوبات كبيرة في الحصول عليها.

وتُعدّ هذه البذور المحسّنة التي طُوّرت لتكون أكثر مقاومة للظروف المناخية القاسية، مفتاحاً مهماً لتعزيز الأمن الغذائي وزيادة دخل المزارعين في القارة. لكن لا تزال الكثير من المناطق النائية في أفريقيا تعاني نقصاً في الوصول إليها، ما يعوق جهود تحسين الإنتاجية الزراعية، وفق دورية «نيتشر أفريقيا» في 2 فبراير (شباط) 2025.

المزارع الصغير من كينيا، مايكل واتشيرا، كان من بين الذين أُتيح لهم استخدام بذور الذرة عالية الإنتاجية، وحقّق نجاحاً كبيراً بعد زراعتها، إذ تتطلّب هذه البذور كمية أقل من المياه، ما ساعده على زيادة إنتاجه بشكل ملحوظ؛ حيث زرع فداناً واحداً بالبذور المحسّنة، فارتفع محصوله من 13 كيساً فقط إلى 40 كيساً، يزن كل منها 90 كيلوغراماً.

وفي السياق، كشفت دراسة أُجريت على 34 دولة في أفريقيا جنوب الصحراء عن أن الفيضانات والجفاف خلال السنوات الأخيرة أدت إلى انخفاض كبير في إنتاج الذرة والأرز والذرة الرفيعة في المنطقة. وأظهرت الدراسة أن القطاع الزراعي في أفريقيا يحتاج إلى حلول مستدامة لمواجهة المخاطر المناخية التي تؤثر في أدائه.تحديات توزيع البذور

يشير مدير إنتاج البذور في مؤسسة التكنولوجيا الزراعية الأفريقية في زيمبابوي، جونغا مونيارادزي، إلى أن الكثير من الأصناف الواعدة من المحاصيل الأساسية، مثل الذرة، لا تصل إلى صغار المزارعين بسبب تحديات أنظمة توزيع البذور في أفريقيا.

فعلى سبيل المثال، لا يزال هناك أكثر من 120 صنفاً من الذرة الذكية مناخياً، طُورت بمراكز الأبحاث التابعة لـ«المجموعة الاستشارية للبحوث الزراعية الدولية» (CGIAR)، غير مستغلّة بالشكل الكافي.

وأضاف: «على الرغم من أن هذه الأصناف مقاومة للجفاف وذات إنتاجية عالية، فإنها لم تصل إلى صغار المزارعين بسبب قلة الوعي، وضعف شبكات التوزيع، وعدم توفر البذور بشكل مستمر، فضلًا عن غياب اللوائح المنسقة بين الدول الأفريقية المختلفة»، حسب «نيتشر أفريقيا».

وأشار إلى أن غياب التنسيق التنظيمي بين الدول الأفريقية يؤدي إلى خلق عقبات أمام حركة البذور عبر الحدود، إذ تمثّل إجراءات الشهادات وضبط الجودة والتسجيل تحديات كبيرة، وغالباً ما تحتاج الأصناف الجديدة إلى المرور بمراحل اختبار واعتماد منفصلة في كل دولة على حدة.

استراتيجيات علميةولمواجهة هذه المشكلات، يشير مونيارادزي إلى ضرورة تكثيف الجهود الحكومية والخاصة لدعم قطاع البذور في أفريقيا، وتشجيع الاستثمارات العامة والخاصة في إنتاج البذور محلياً، لضمان توفرها للمزارعين في الوقت المناسب خلال مواسم الزراعة.

كما يدعو الحكومات الأفريقية إلى زيادة الاستثمارات في البحث والتطوير للإسراع في استنباط ونشر الأصناف المحسّنة، مشدداً على أهمية إشراك صغار المزارعين في برامج التربية التشاركية لضمان توافق الأصناف الجديدة مع احتياجاتهم وتفضيلاتهم، مما يعزّز معدلات تبنيها ويضمن تحقيق التنمية الزراعية المستدامة في القارة.

تجربة مصرية

ويرى رئيس المشروع القومي لتطوير الأرز بوزارة الزراعة المصرية، الدكتور حمدي الموافي، أن مصر، بما لديها من إمكانات علمية وفنية في مجال تطوير البذور، يمكن أن تلعب دوراً مهماً في تحسين إنتاجية الأرز في أفريقيا، خاصة من خلال سلالات الأرز المصري الهجين، الذي يتميّز بإنتاجية عالية وصفات ممتازة، لكنه يحتاج إلى خبرة كبيرة في الإنتاج، مما يعزّز من الوجود المصري في القارة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «متوسط إنتاجية الأرز في مصر تخطى 10 أطنان للهكتار، ومن المتوقع أن يصل إلى 11 طناً للهكتار، وهو أعلى إنتاج في وحدة المساحة على مستوى العالم»، مشيراً إلى أن مصر طبّقت استراتيجيات لتعزيز إنتاج الأرز، عبر تحسين البذور ومقاومة الآفات والحشائش، وحقّقت أعلى كفاءة مقارنةً بالدول المنتجة للأرز عالمياً.

ويقترح الموافي إنشاء محطات بحثية مصرية للأرز في مختلف الدول الأفريقية، لنقل الخبرة المصرية مباشرة وعلى أرض الواقع، بالتعاون مع الاتحاد الأفريقي والبنك الأفريقي.

وحسب المركز القومي للبحوث الزراعية في مصر، تُعد مصر الدولة الأولى عالمياً في إنتاجية الفدان من القمح والأرز. كما تحتل مرتبة متقدمة في محصول الفدان من الذرة، بفضل تطوير سلالات هجينة من بذور التقاوي ذات الإنتاجية المرتفعة والمقاومة للآفات والتغيرات المناخية.

وتتبنّى الحكومة المصرية «المشروع القومي لإنتاج البذور»، بالشراكة مع عدد من الشركات الأجنبية، بهدف دعم القطاع الزراعي ورفع الكفاءة الإنتاجية للمحاصيل الزراعية المصرية، وإنتاج التقاوي محلياً بجودة عالية تقاوم الآفات والتغيرات المناخية، بدلًا من استيرادها من الخارج، وذلك لتحقيق الاكتفاء الذاتي.


مقالات ذات صلة

طرق طبيعية لتحسين إنتاجية المحاصيل وتجنب أضرار المبيدات الكيميائية

علوم منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة تشجع المزارعين على المكافحة البيولوجية للآفات الزراعية (الفاو)

طرق طبيعية لتحسين إنتاجية المحاصيل وتجنب أضرار المبيدات الكيميائية

تواجه الزراعة الحديثة تحديات متعددة من أبرزها مكافحة الأعشاب والحشائش الضارة التي تنافس المحاصيل على الموارد الأساسية مثل الضوء والماء والمغذيات،

محمد السيد علي (القاهرة)
علوم مزارع يحمل في كفيه حفنة من الفحم الحيوي والتراب

«الفحم الحيوي» حل مثالي لإنقاذ الزراعة في أفريقيا من تغيّر المناخ

تواجه الزراعة في أفريقيا ضغوطاً غير مسبوقة بفعل تغيّر المناخ ويسلط العلماء الضوء على حل قديم لكنه لا يزال غير مستغل بالشكل المطلوب وهو الفحم الحيوي

محمد السيد علي (القاهرة)
علوم البطاطس أقرب إلى الطماطم على المستوى الجيني (رويترز)

دراسة: البطاطس تطورت من الطماطم قبل 9 ملايين سنة!

ظهرت ثمرة البطاطس الحديثة لأول مرة منذ نحو 10 آلاف عام في جبال الأنديز قبل أن تصبح محصولاً رئيسياً يستهلكه المليارات من البشر حول العالم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق النترات المستخلصة من البول لريّ محاصيل مزروعة على الأسطح (جامعة برشلونة المستقلة)

أسمدة طبيعية من البول البشري بديلاً للكيميائية

إعادة استخدام البول البشري يمكن أن يُسهم في إنتاج أسمدة مستدامة تدعم الزراعة الحضرية، مع تحقيق فوائد بيئية كبيرة مثل تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
علوم المبيدات الخضراء تُحسّن كفاءة مكافحة الآفات الزراعية دون الإضرار بالبيئة (جامعة جورجتاون)

«المبيدات الخضراء»... حلول أكثر أماناً وفعالية لحماية المحاصيل والبيئة

تلعب المبيدات الزراعية دوراً حيوياً في مكافحة الآفات والحشرات والأمراض النباتية التي تهدد نمو وجودة المحاصيل. ومع ذلك، فإن استخدامها قد يؤدي إلى مشكلات بيئية

محمد السيد علي (القاهرة)

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
TT

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

انطلق عصر الذكاء الاصطناعي بوعودٍ واسعة النطاق ونقاشاتٍ حول إمكانياتٍ لا حدود لها، كما تكتب لويز ك. ألين(*).

تفاؤل وخيبة

والآن، وبعد سنواتٍ من الخبرة العملية، لا يزال الخبراء متفائلين بشأن التأثير طويل الأمد للذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، يتفق معظم الناس على أن مساهماته في الحياة اليومية كانت مخيِّبة للآمال، إن لم تكن أسوأ من ذلك.

وحتى بصفتي واحدة من العاملات في القيادة التقنية بهذا المجال، لا بد لي من الاعتراف بأن استياء المستهلكين من الذكاء الاصطناعي له ما يبرره إلى حد كبير، فقد اتسمت تجربة المواطن الأميركي العادي مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، حتى الآن، بتراجع الجودة وازدياد انعدام الثقة.

قصص وهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

تعجّ وسائل التواصل الاجتماعي بأشخاصٍ وقصصٍ وهمية، وتمتلئ الأسواق الإلكترونية بشكلٍ متزايد بعمليات الاحتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تفشل مبادرات الشركات في تحقيق التوقعات المالية، بل إن عدداً منها زاد من صعوبة حياة العاملين.

لقد بات فشل أدوات الذكاء الاصطناعي العام في تحقيق الضجة الإعلامية الكبيرة التي أثيرت حولها، أمراً مُسلَّماً به عالمياً، حتى إن قاموس ميريام-ويبستر نفسه أعلن اختياره كلمة «هراء» ككلمة عام 2025.

«التحديد الدقيق والموجّه»

ومع ذلك، تتاح للجمهور، الآن، فرصة لتغيير هذا الواقع في عام 2026. ويبدأ ذلك بتوظيف مفهوم «التحديد الدقيق (specificity)» ككلمة تُعرِّف ما هو مقبل.

وفي حقيقة الأمر، فإن شركات التكنولوجيا وباحثي الذكاء الاصطناعي بالغوا في تقدير القدرات الفعلية لهذه التقنية منذ البداية، فقد ركّز هؤلاء الرواد على الإمكانات الكامنة، بدلاً من النتائج العملية. لقد صوّروا الذكاء الاصطناعي على أنه ضرورة يجب على الشركات اتباعها لمواكبة التطورات، بدلاً من كونه أداةً يمكن للمؤسسات والأفراد استخدامها لتحقيق أهداف محددة.

التكنولوجيا وسيلة وليست غاية

لتطوير هذه التقنية وتحقيق رؤيتهم لمستقبل مُحسَّن بالذكاء الاصطناعي، سيتعيّن على القادة التوقف عن مناشدة الجمهور لتغيير الخطاب حول الذكاء الاصطناعي.

إن الطريق إلى الأمام بسيط للغاية، إذ يحتاج قادة التكنولوجيا إلى العودة إلى أساسيات المنتج. عليهم أن يتقبلوا فكرة أن التكنولوجيا وسيلة لتحقيق غاية، وليست غاية في حد ذاتها، وهذا يعني إعادة تركيز استراتيجيات التطوير والتواصل على حلول للمشاكل الحقيقية.

خطوات التحديد الدقيق «الموجّه»

1. التصميم الموجَّه للأفراد لا «المستخدمين»

إن إغراء بناء أدوات عامة الأغراض مفهوم، لكن القيام بذلك باستخدام التكنولوجيا الحالية يُضعف فائدتها. وستكون أدوات الذكاء الاصطناعي، اليوم، أكثر فاعلية عندما تُصمم خصوصاً لأفراد محددين في أدوار محددة. يجب أن تُوجه هذه المعرفة عملية ابتكار المنتج، والتدريب، والتسويق، وتكتيكات المبيعات.

2. التركيز على النتائج بدلاً من القدرات

الذكاء الاصطناعي ليس مختلفاً عن أي منتج آخر. لن يستخدمه الناس إلا إذا حل مشكلة موجودة لديهم بالفعل. ويفشل كثير من أدوات الذكاء الاصطناعي في تحقيق هذا الهدف، فهي تركز على ما يمكن للنموذج فعله، بدلاً من التمعن في فهم أسباب أهمية ما يفعله.

3. التوقف عن تقديم وعود خيالية

قد يُمثل الذكاء الاصطناعي، اليوم، مستقبلاً يمكن فيه تحقيق التحسين الشامل، لكن هذا ليس صحيحاً. يجب أن تعكس خطط تطوير المنتجات هذه الحقيقة. إنّ الوضوح والمباشرة بشأن ما هو متاح الآن وما سيكون متاحاً في المستقبل يُساعدان على تخفيف الإرهاق الناتج عن الضجة الإعلامية واستعادة الثقة.

حان وقت إعادة النظر

بصفتي مديرة للمنتجات، شاهدتُ عدداً من الأمثلة على الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي، خلال السنوات القليلة الماضية.

ومع ذلك، أُدرك أن أسباب انعدام ثقة الجمهور أو عدم اهتمامه الواسع النطاق تقع في معظمها على عاتق قطاع التكنولوجيا، ذلك أن رغبة هذا القطاع في إنجاز كل شيء دفعة واحدة، خلقت بيئةً لا يثق فيها الناس بقدرة التكنولوجيا على القيام بأي شيء مفيد.

إنها حقيقةٌ يصعب تقبّلها، لكن أي قائد تقني يُنكر ذلك يُخدع نفسه. ومع ذلك، لم يفت الأوان بعدُ لتصحيح الوضع. إذا كان القادة على استعداد لتقبُّل هذه الحقيقة وإعادة توجيه استراتيجياتهم نحو «التحديد»، فسيكون هناك متسع من الوقت لإعادة النظر، وإعادة التقييم، وتحقيق رؤية مستقبلٍ مُحسَّن. يجب أن يحدث هذا قريباً، وإلا فسيضيع مستقبل الذكاء الاصطناعي هباءً.

*مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا»


مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟


أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
TT

أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر

سترسل وكالة الطيران والفضاء الاميركية ناسا، أربعة رواد فضاء في مهمة أرتميس 2 في رحلة تستغرق 10 أيام حول القمر للتمهيد لهبوط على سطحه في المستقبل وإقامة قواعد دائمة عليه.