«مايكروسوفت» تبتكر «حالة جديدة من المادة» لتشغيل الكمبيوتر الكمومي

تسهل تصميمه خلال سنوات بدلاً من عقود

الشرائح الإلكترونية الحاوية على «كيوبتات طوبولوجية»
الشرائح الإلكترونية الحاوية على «كيوبتات طوبولوجية»
TT

«مايكروسوفت» تبتكر «حالة جديدة من المادة» لتشغيل الكمبيوتر الكمومي

الشرائح الإلكترونية الحاوية على «كيوبتات طوبولوجية»
الشرائح الإلكترونية الحاوية على «كيوبتات طوبولوجية»

إن أي شخص حضر فصل العلوم في الصف الثالث يعرف أن هناك ثلاث حالات أساسية للمادة: الصلبة والسائلة والغازية.

الشرائح الإلكترونية الحاوية على «كيوبتات طوبولوجية»

أساسيات صنع الكومبيوتر الكمومي

غير أن شركة مايكروسوفت تقول الآن إنها خلقت حالة جديدة للمادة في سعيها لصنع الكمبيوتر الكمومي، آلة الحوسبة العملاقة، التي يمكن أن تسرع من تطوير كل شيء من البطاريات إلى الأدوية إلى الذكاء الاصطناعي.

وأعلن علماء «مايكروسوفت» يوم امس الأربعاء، إنهم بنوا ما يعرف باسم «كيوبت طوبولوجي» (topological qubit) الذي يمكن تسخيره لحل المشاكل الرياضية والعلمية والتكنولوجية.

ومع هذا التطور، ترفع «مايكروسوفت» الرهان في المجال الذي يعتقد أنه سيكون السباق التكنولوجي الأكبر القادم، إلى ما هو أبعد من سباق اليوم على الذكاء الاصطناعي.أذ طارد العلماء حلم تصميم الكومبيوتر الكمومي - وهو الجهاز الذي يمكنه استغلال السلوك الغريب والقوي للغاية للجسيمات دون الذرية الدقيقة أو الأجسام الباردة للغاية - منذ ثمانينيات القرن العشرين.

التنافس مع «غوغل»

وقد اشتدت الضغوط في ديسمبر (كانون الأول) الماضي عندما كشفت «غوغل» عن كمبيوتر كمومي تجريبي يحتاج إلى خمس دقائق فقط لإكمال حساب لا تستطيع معظم أجهزة الكمبيوتر العملاقة إنهاؤه في عشرة سبتلييون (10 أس 24) سنة - أي فترة أطول من عمر الكون المعروف.

وقد تتفوق تكنولوجيا الكم من «مايكروسوفت» على الأساليب قيد التطوير في «غوغل». وكجزء من بحثها، قامت الشركة ببناء كيوبتات طوبولوجية متعددة داخل نوع جديد من شرائح الكمبيوتر التي تجمع بين نقاط قوة أشباه الموصلات التي تعمل على تشغيل أجهزة الكمبيوتر الكلاسيكية مع الموصلات الفائقة التي تستخدم عادة لبناء كمبيوتر كمومي.

«الكيُوبِت أو بِت كمومي (qubit أو qbit) في الحوسبة الكمومية - وحدة المعلومات الكمومية، وهي المقابل الكمومي للبِت التقليدي في تقنية المعلومات».

عندما يتم تبريد مثل هذه الشريحة إلى درجات حرارة منخفضة للغاية، فإنها تتصرف بطرق غير عادية وقوية تعتقد «مايكروسوفت» أنها ستسمح لها بحل المشكلات التكنولوجية والرياضية والعلمية التي لم تتمكن الآلات الكلاسيكية من حلها أبداً. وقالت الشركة إن التكنولوجيا ليست متقلبة مثل التقنيات الكمومية الأخرى، ما يجعل من السهل استغلال قوتها.

تشكيك وتفاؤل

يتساءل البعض عما إذا كانت «مايكروسوفت» قد حققت هذا الإنجاز، وقال العديد من الأكاديميين البارزين إن أجهزة الكمبيوتر الكمومية لن تتحقق بالكامل لعقود من الزمان. لكن علماء «مايكروسوفت» قالوا إن أساليبهم ستساعدهم في الوصول إلى خط النهاية في وقت أقرب.

تشيتان ناياك قرب أجهزة تبريد مكونات الكمبيوتر الكمومي

وقال تشيتان ناياك، الباحث التقني في «مايكروسوفت»، الذي قاد الفريق الذي بنى التكنولوجيا: «ننظر إلى هذا على أنه أمر بعيد لسنوات، وليس عقوداً».

تضيف تكنولوجيا «مايكروسوفت»، التي تم تفصيلها في ورقة بحثية نُشرت في مجلة «نتشر» أمس الأربعاء، زخماً جديداً لسباق يمكن أن يعيد تشكيل المشهد التكنولوجي. وبالإضافة إلى تسريع التقدم عبر العديد من المجالات التكنولوجية والعلمية، يمكن أن يكون الكمبيوتر الكمومي قوياً بما يكفي لكسر التشفير الذي يحمي الأسرار الوطنية.

تنافس أميركي صيني أوروبي

ومن المقرر أن يكون لأي تقدم آثار جيوسياسية. إذ في حين تستكشف الولايات المتحدة الحوسبة الكمومية في المقام الأول من خلال شركات مثل «مايكروسوفت» وموجة من الشركات الناشئة، قالت الحكومة الصينية إنها تستثمر 15.2 مليار دولار في التكنولوجيا. وقد التزم الاتحاد الأوروبي بمبلغ 7.2 مليار دولار.

وتبنى الحوسبة الكمومية على عقود من الأبحاث في فرع من الفيزياء يسمى ميكانيكا الكم، ولا تزال تقنية تجريبية. وبعد الخطوات الأخيرة التي اتخذتها «مايكروسوفت» و«غوغل» وغيرهما، يبدو العلماء واثقين من أن التكنولوجيا سوف تفي في نهاية المطاف بوعدها. وقال فرانك ويلكزيك، عالم الفيزياء النظرية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «الحوسبة الكمومية هي احتمال مثير للفيزياء، وللعالم».

عمل الكمبيوتر التقليدي

لفهم الحوسبة الكمومية، من المفيد معرفة كيفية عمل الكمبيوتر التقليدي.

يعتمد الهاتف الذكي أو الكمبيوتر المحمول أو الكمبيوتر المكتبي على شرائح صغيرة مصنوعة من أشباه الموصلات، وهي مواد توصل الكهرباء في بعض المواقف ولكن ليس كلها. وتخزن هذه الشرائح الأرقام وتعالجها، وتضيفها، وتضربها، وما إلى ذلك. وتقوم هذه الرقائق بإجراء هذه الحسابات من خلال التلاعب بـ«بتّات» من المعلومات. كل بت يحمل إما 1 أو 0.

عمل الكمبيوتر الكمومي

ويعمل الكمبيوتر الكمومي بشكل مختلف، إذ يعتمد البِت الكمومي، أو الكيوبت، على السلوك الغريب للجسيمات دون الذرية أو المواد الغريبة المبردة إلى درجات حرارة منخفضة للغاية.

عندما يكون الجسيم صغيراً للغاية أو شديد البرودة، يمكنه أن يتصرف مثل جسمين منفصلين في نفس الوقت. ومن خلال تسخير هذا السلوك، يمكن للعلماء بناء كيوبت يحمل مزيجاً من 1 و 0. وهذا يعني أن كيوبتين يمكنهما حمل أربع قيم في وقت واحد. ومع نمو عدد الكيوبتات، يصبح الكمبيوتر الكمومي أقوى بشكل كبير.

تستخدم الشركات مجموعة متنوعة من التقنيات لبناء هذه الآلات. ففي الولايات المتحدة، تقوم معظم الشركات، بما في ذلك «غوغل»، ببناء كيوبتات باستخدام المواد فائقة التوصيل، وهي مواد توصل الكهرباء دون فقدان الطاقة التي تنقلها. وتصنع هذه الموصلات الفائقة عن طريق تبريد المعادن إلى درجات حرارة منخفضة للغاية.

مدير «القاعة النقّية» في مختبرات «مايكروسوفت» في ريدموند

راهنت «مايكروسوفت» على نهج لا يتبعه سوى عدد قليل من الشركات الأخرى: الجمع بين أشباه الموصلات والموصلات الفائقة. وقد تم اقتراح المبدأ الأساسي - إلى جانب اسم البت الكمومي الطوبولوجي - لأول مرة في عام 1997 من قبل أليكسي كيتاييف، وهو فيزيائي أميركي روسي الأصل.

بدأت الشركة العمل على هذا المشروع غير المعتاد في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عندما لم يعتقد العديد من الباحثين أن مثل هذه التكنولوجيا ممكنة. إنه أطول مشروع بحثي لشركة مايكروسوفت.

جهاز تجريبي

لقد أنشأت الشركة الآن جهازاً واحداً يتكون من جزء من زرنيخيد الإنديوم indium arsenide (نوع من أشباه الموصلات) وجزء من الألمنيوم (موصل فائق في درجات حرارة منخفضة). عندما يتم تبريده إلى نحو 400 درجة تحت الصفر، فإنه يُظهر نوعاً من السلوك الآخر الذي قد يجعل أجهزة الكمبيوتر الكمومية ممكنة.

آراء متباينة للخبراء

وقال فيليب كيم، أستاذ الفيزياء بجامعة هارفارد، إن ابتكار «مايكروسوفت» الجديد كان مهماً لأن البتات الكمومية الطوبولوجية يمكن أن تسرع من تطوير أجهزة الكمبيوتر الكمومية. وأضاف: «إذا نجح كل شيء، فقد يكون بحث (مايكروسوفت) ثورياً».

لكن جيسون أليسيا، أستاذ الفيزياء النظرية في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، تساءل عما إذا كانت الشركة قد بنت بالفعل بتاً كمومياً طوبولوجياً، قائلاً إن سلوك الأنظمة الكمومية غالباً ما يكون من الصعب إثباته.

وأضاف أليسيا: «إن البت الكمومي الطوبولوجي ممكن من حيث المبدأ، ويتفق الناس على أنه هدف يستحق العناء. لكن علينا التحقق، مع ذلك، من أن الجهاز يتصرف بكل الطرق السحرية التي تتوقعها النظرية؛ وإلا، فقد يتبين أن الواقع أقل تفاؤلاً لنجاح الحوسبة الكمومية. ولحسن الحظ، أصبحت (مايكروسوفت) الآن مستعدة للمحاولة».

قالت «مايكروسوفت» إنها قامت ببناء ثمانية كيوبتات طوبولوجية فقط، وأنها لم تتمكن بعد من إجراء حسابات من شأنها تغيير طبيعة الحوسبة. لكن باحثي الشركة يرون ذلك كخطوة نحو بناء شيء أقوى بكثير.

أخطاء وانهيارات

وفي الوقت الحالي، لا تزال التكنولوجيا ترتكب الكثير من الأخطاء بحيث لا تكون مفيدة حقاً، على الرغم من أن العلماء يطورون طرقاً للحد من تلك الأخطاء.

في العام الماضي، أظهرت «غوغل» أنه مع زيادة عدد الكيوبتات، يمكنها تقليل عدد الأخطاء بشكل كبير من خلال تقنيات رياضية معقدة. وقال العديد من العلماء إن تصحيح الأخطاء سيكون أقل تعقيداً وأكثر كفاءة إذا تمكنت «مايكروسوفت» من إتقان كيوبتاتها الطوبولوجية.

ورغم أن الكيوبت يمكن أن يحمل قيماً متعددة في نفس الوقت، فإنه مثقل بمشكلة متأصلة. إذ عندما يحاول الباحثون قراءة المعلومات المخزنة في كيوبت، فإنه «يفقد تماسكه» وينهار متحولاً إلى بت كلاسيكي يحمل قيمة واحدة فقط: 1 أو 0.

وهذا يعني أنه إذا حاول شخص ما قراءة كيوبت، فإنه يفقد قوته الأساسية. لذا يحتاج العلماء إلى التغلب على مشكلة أساسية: كيف يمكن صنع جهاز كمبيوتر إذا تعطل كلما استخدمته؟

إن طرق تصحيح الأخطاء التي تتبعها «غوغل» هي وسيلة للتعامل مع هذه المشكلة. إلا أن «مايكروسوفت» تعتقد أنها يمكن أن تحل المشكلة بشكل أسرع لأن كيوبتات الطوبولوجيا تتصرف بشكل مختلف ومن الناحية النظرية أقل عرضة للانهيار عندما يقرأ شخص ما المعلومات التي تخزنها. وقال ناياك: «إنه يشكل كيوبتاً جيداً حقاً».

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

أخيراً... يمكنك تغيير عنوان «جيميل» دون فقدان بياناتك

تكنولوجيا يتحول العنوان القديم إلى عنوان ثانوي يستمر في استقبال الرسائل (شاترستوك)

أخيراً... يمكنك تغيير عنوان «جيميل» دون فقدان بياناتك

«غوغل» تتيح تغيير عنوان «جيميل» دون فقدان البيانات في خطوة تعيد تعريف الهوية الرقمية مع قيود تتعلق بالأمان والتحديث الخارجي.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا دمج العدسات الطبية في التصميم يجعل النظارات الذكية أقرب إلى الاستخدام اليومي بدلاً من كونها جهازاً إضافياً (ميتا)

«ميتا» تطور نظارات ذكية تدعم العدسات الطبية لتوسيع الاستخدام اليومي

تدعم نظارات "ميتا" الذكية العدسات الطبية لتوسيع الاستخدام لكنها تواجه تحديات في القيمة اليومية والخصوصية واعتماد المستخدمين على نطاق واسع.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يمكن للروبوتات تعلم مهارات حركية معقدة باستخدام بيانات بشرية غير مكتملة بدلاً من الاعتماد على بيانات مثالية (المصدر)

تعليم روبوت بشري مهارات لعب التنس… من بيانات غير كاملة

تُظهر دراسة أن الروبوتات يمكنها تعلم مهارات حركية معقدة من بيانات غير مكتملة ما يفتح آفاقاً جديدة لتدريب الذكاء الاصطناعي.

نسيم رمضان (لندن)
خاص النمو المتسارع للبيانات يفرض تحديات جديدة على البنية التحتية من حيث الكفاءة والاستدامة (غيتي)

خاص الذكاء الاصطناعي وواقع البيانات... هل تواكب البنية التحتية هذا التسارع؟

يفرض تسارع الذكاء الاصطناعي ضغطاً على البنية التحتية، حيث يصبح تخزين البيانات وكفاءته واستدامته عاملاً حاسماً في القدرة على التوسع.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تتيح «غوغل» ميزة استيراد الذاكرة في «جيميناي» لنقل التفضيلات والسياق الشخصي من تطبيقات ذكاء اصطناعي أخرى (شاترستوك)

«غوغل» تتيح نقل سجل المحادثات والتفضيلات إلى «جيميناي»

«غوغل» تطلق استيراد الذاكرة في «جيميناي»، لنقل السياق والتفضيلات بين تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتعزيز تجربة شخصية مستمرة للمستخدمين.

نسيم رمضان (لندن)

الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة

الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة
TT

الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة

الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة

حديثاً، طرح أحد المدرسين على الطلاب سؤالاً بسيطاً حول الذكاء الاصطناعي، خلال تدريسه لأحد مواضيع العلوم الإنسانية: «هل لاحظتم أنكم تُصبحون أكثر تعلقاً ببرامج الدردشة الآلية المُفضلة لديكم؟ على سبيل المثال: هل تجدون أنفسكم تُرددون كلمتَي: «من فضلك»، و«شكراً»، لبرامج الدردشة الآلية أكثر من ذي قبل؟». أومأ جميع الطلاب تقريباً بالموافقة.

ثم سأل المدرس: «لماذا؟»، حينها رفعت إحدى الطالبات يدها وقالت: «حتى يتذكر الذكاء الاصطناعي عندما يسيطر أنني كنت لطيفة معه». وضحك الطلاب، ولكن ليس كلهم، كما كتب ويل جونسون*.

الخوف والتهويل حول الذكاء الاصطناعي

تميل المناقشات العامة حول الذكاء الاصطناعي إلى التأرجح بشدة بين التهويل الواعد والكارثة. فمن جهة، نرى وعوداً بإنتاجية وإبداع غير مسبوقين. ومن جهة أخرى، لا يخلو الأمر من تحذيرات بشأن البطالة الجماعية، وفقدان القدرة على التأثير البشري، وحتى انقراض جنسنا البشري.

في استطلاع رأي وطني أجريناه في ديسمبر (كانون الأول) شمل أكثر من 1600 أميركي، أفاد نحو 4 من كل 10 أشخاص بقلقهم البالغ إزاء التهديد الوجودي الذي يمثله الذكاء الاصطناعي للبشرية. ويُضاهي مستوى هذا القلق مستوى القلق الذي يشعر به كثيرون حيال تغير المناخ. والجدير بالذكر أن هذا القلق يتجاوز السن والدخل والعِرق والجنس والانتماء السياسي.

وتستحق هذه المخاوف اهتماماً جاداً، لذا ينبغي للحكومات وشركات التكنولوجيا مواصلة الاختبارات والإشراف والضمانات الصارمة، للتأكد من التطوير المسؤول لنماذج اللغة الضخمة.

ولكن التركيز حصرياً على أسوأ السيناريوهات قد يُغفل سؤالاً أكثر هدوءاً، وربما أكثر أهمية: هل يُساعد الذكاء الاصطناعي الناس على أن يصبحوا أكثر وعياً بأهدافهم؟

الذكاء الاصطناعي: الغاية والهدف

لاستكشاف هذا السؤال، قدَّمنا ​​مقياساً جديداً في استطلاع رأي شمل بالغين أميركيين: «مقياس الذكاء الاصطناعي من أجل غاية وهدف محددين»، AI for Meaningful Purpose Scale» (AMPS)».

يسأل المقياس عما إذا كان الناس يشعرون بأن الذكاء الاصطناعي يُساعدهم على تحقيق أهداف مهمة بالنسبة لهم، وتطوير مهارات يجدونها ذات مغزى، والبقاء على اتصال بقيمهم وشعورهم بالاتجاه.

على سبيل المثال: هل يُساعد الذكاء الاصطناعي المعلمين على قضاء وقت أطول مع الطلاب بدلاً من الأعمال الورقية؟ هل يُساعد مقدمي الرعاية على التعامل مع الأنظمة الصحية المعقدة؟ هل يُتيح لكبار السن فرصاً جديدة للإبداع والتعلم والتواصل؟ وهل يُساعد الشباب -الذين يُعتبرون اليوم الجيل الأكثر قلقاً في التاريخ الحديث- على إيجاد مسار حياة يبدو حقيقياً وقابلاً للتحقيق؟

تباين رأي الأجيال

كان التباين بين الأجيال لافتاً للنظر. فقد كان الشباب أكثر ترجيحاً بـ«نعم» بمرتين تقريباً من الجيل الأسبق، للقول بأن الذكاء الاصطناعي يدعم هذه الأهداف الأعمق. وكان الرجال أكثر ترجيحاً بمرتين من النساء، للحصول على درجة عالية في مقياس «AMPS».

ومن المرجح أن تعكس هذه الفجوة اختلافات في درجة الوصول المتاحة للتكنولوجيا، والتشجيع، والخيارات المبكرة، أكثر من كونها اختلافات جوهرية في الاهتمام أو القدرة. وهذه التفاوتات ليست قدراً محتوماً، ولكنها مؤشرات مبكرة. وإذا حدث وأصبح الذكاء الاصطناعي عاملاً مُضاعفاً لقوة الحياة الهادفة، فلن يحدث ذلك تلقائياً أو بشكل عادل.

كيف يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يُؤثر في الرفاهية؟

لكن ما أثار دهشتنا أكثر هو مدى ارتباط درجات مقياس «AMPS» بمؤشرات أوسع للرفاهية. كان الأشخاص الحاصلون على درجات عالية في مقياس «AMPS» يعبِّرون بأكثر من الضعف عن شعور قوي لديهم بالاعتداد وقدرة التأثير الشخصي، والتواصل الاجتماعي، والأمل في المستقبل. بعبارة أخرى: كانوا يبدون أكثر أملاً في ازدهار حياتهم.

وهذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي يجعل الناس سعداء بطريقة سحرية، ولكنه يشير إلى أنه عندما يستخدم الناس الذكاء الاصطناعي بطرق تتوافق مع ما يهمهم حقاً، فإنهم يشعرون بمزيد من الكفاءة والتوجيه.

وجهات نظر متضاربة

ظهرت إحدى أكثر النتائج إثارة للاهتمام عند دراسة كيفية امتلاك الناس وجهات نظر متضاربة حول الذكاء الاصطناعي. كانت الأجيال الأكبر سناً التي كانت قلقة للغاية بشأن التهديد الوجودي للذكاء الاصطناعي، أقل عرضة بنسبة أقل من النصف لاستخدامه في خدمة ما يهمهم حقاً. أما بين الشباب، فلم يكن القلق بشأن الذكاء الاصطناعي مؤشراً على عدم الانخراط فيه.

وكان أفراد جيل الشباب قلقين بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي تماماً مثل كبار السن، ومع ذلك، كانوا لا يزالون يستخدمونه بنشاط للتعلم والنمو والسعي وراء أهدافهم.

مهارة تقبُّل حقيقتين متناقضتين

يُظهر لنا هذا أن الأجيال الشابة تبدو أكثر استعداداً لتقبُّل حقيقتين تبدوان متناقضتين في آن واحد: أن الذكاء الاصطناعي قد يشكل مخاطر جسيمة، وأنه لا يزال بإمكانه أن يكون أداة قوية لحياة كريمة. قد تُصبح هذه القدرة على التعايش مع التوتر -دون تفاؤل ساذج أو خوف مُشلّ- إحدى أهم مهارات عصر الذكاء الاصطناعي.

كيف سيبدو مستقبل الذكاء الاصطناعي؟

لن يتحدد مستقبل الذكاء الاصطناعي بما سيؤول إليه تطوير الآلات فحسب؛ بل إن كيفية استخدام البشر لها، والغايات التي يسعون لتحقيقها، ستؤثر أيضاً على مسار تطوره وتُشكّله.

إذا تعاملنا مع الذكاء الاصطناعي كمجرد تهديد، أو أداة لزيادة الكفاءة، فإننا نُفوّت فرصة ثمينة. ولكن إذا استخدمناه بوعي، فبإمكانه أن يُعزز الإنتاجية؛ بل والغاية أيضاً. فهو يمنح الناس شعوراً بالقدرة على التأثير، ويُضفي الأمل والتواصل في زمنٍ يندر فيه كل ذلك.

إذن، السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُغير حياتنا، فقد غيّرها بالفعل. السؤال هو: هل سنُصمم الذكاء الاصطناعي -ونُعلّم الناس استخدامه- بطرقٍ تُعزز إحساسنا بالمعنى والغاية بدلاً من أن تُمحوهما؟

* مجلة «فاست كومباني».


الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟

الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟
TT

الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟

الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟

يدور كثير من المناقشات حول ميزانيات التسويق اليوم في الشركات والمؤسسات، في سؤال واحد: هل نستثمر في توظيف كاتب؟ أم نترك للذكاء الاصطناعي كتابة المحتوى؛ خصوصاً أن النسخ المُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي سريعة وغير مكلفة، كما يزعم مصمموها أنها تتحسن في محاكاة أسلوب الكتابة البشري؟ هكذا تساءلت ديانا كيلي ليفي*.

أسلوب الكتابة البشري- إنساني

هنا تكمن المشكلة؛ إذ قد يبدو أسلوب كتابة الذكاء الاصطناعي بشرياً، ولكن الكُتّاب الحقيقيين يدركون أن الصحافة ليست مجرد أسلوب كتابة؛ بل هي ممارسة مبنية على العلاقات مع المصادر، والخبرة في الموضوع، والتجربة العملية. وهي الممارسة التي تُنتج تفاصيل مُدهشة أو عبارة مؤثرة تُثير مشاعر القارئ.

بين محتوى المقال وعمق التفاعل

لقد ثبت أن الذكاء الاصطناعي قادر على محاكاة بنية المقال، ولكنه لا يُحاكي حدس شخص أمضى سنوات في إجراء مقابلات مع الخبراء، والاستماع إلى مخاوف الجمهور، والتعاون مع محررين ذوي خبرة، وفهم ما يُبقي القراء مُتفاعلين.

وغالباً ما يشعر الجمهور عندما يبدو المحتوى عاماً ومكرراً؛ لأنهم يرغبون في تعلم شيء جديد أو الاستمتاع. ونادراً ما تحقق النقاط المتكررة في مجال الذكاء الاصطناعي أياً من هذين الهدفين.

قيمة الصحافيين

هنا تكمن قيمة الصحافيين؛ إذ يعمل كثير من كتّاب ومحرري المجلات السابقين الآن مع الشركات التجارية كمسوقين للمحتوى. وهم يستخدمون مهاراتهم الصحافية لصياغة قصص تجذب الانتباه، وتشرح المواضيع المعقدة، وتترك القراء متشوقين للمزيد.

الصحفي- الخيار الأمثل

إليكم 6 أسباب تجعل الصحافي الخيار الأمثل لفريق المحتوى لديكم:

1- الصحافيون مدرَّبون على الكتابة للناس، لا لمحركات البحث:

تُعلّمك دراسة الصحافة -وسنوات العمل في غرف الأخبار وعلى صفحات المجلات– الكتابة للشخص الجالس أمامك. وهذا يعني كتابة فقرات افتتاحية آسرة تجذب القراء. ويعني أيضاً الانتقالات المنطقية التي تحافظ على انسيابية القراءة. ويتجلى ذلك في فقرات ختامية تجمع كل شيء معاً برؤية واضحة.

2- يتمتع الصحافيون بانضباط فطري:

تُدرّب ثقافة غرف الأخبار الصحافيين على الالتزام بالمواعيد النهائية كأمر لا يقبل المساومة. ويلازمهم هذا الانضباط في جميع المشاريع. ويعتبر الصحافيون سرعة التسليم معياراً أساسياً في العمل. لذا، ينبغي على المؤسسات التي تبحث عن محتوى عالي الجودة يلتزم بالمواعيد النهائية أن تفكر في توظيف صحافيين سابقين.

سهولة القراءة ومتعتها

3- تحويل المواضيع المعقدة إلى مقالات سهلة القراءة وممتعة:

يعرف الصحافيون كيفية تحويل المواضيع التقنية المعقدة إلى مقالات يفهمها القارئ العادي ويتذكرها. إذا كانت مؤسستك تعمل في مجال الصحة، أو التمويل، أو القانون، أو الصيدلة، أو تكنولوجيا الأعمال، أو أي مجال يتطلب تعلماً سريعاً، فإن هذه المهارة لا تُقدّر بثمن.

4- يعرف الصحافيون كيفية إيجاد المصادر واستخدامها:

لم يكن هناك وقت أفضل من الآن لإضافة مزيد من اقتباسات الخبراء إلى المحتوى الإعلامي. ويعرف الصحافيون كيفية تحديد المصادر المناسبة، وإجراء المقابلات، ودمج تلك الأفكار في المحتوى بطريقة سلسة وطبيعية. قد تستغرق هذه المهارات سنوات لتطويرها، ولكنها تُحسّن المحتوى بشكل ملحوظ.

عناوين جذابة

5- يعتقد الصحافيون أن كتابة العناوين رياضة أولمبية:

ما الفرق بين المحتوى الذي يجتذب الناس والمحتوى الذي يمرون به مرور الكرام؟ العناوين. يُدرك الصحافيون الذين عملوا في الصحف والمجلات مدى أهمية العنوان المناسب لجذب انتباه القارئ، وحثّه على شراء المنشور.

إنّ القدرة الفطرية على فهم المشاعر التي تدفع القارئ للنقر على مقال أو فتح رسالة إخبارية من أي مؤسسة، تنبع من سنوات من التجربة والملاحظات التحريرية.

6- إتقان أسلوب المؤسسة في التعامل والحفاظ على جاذبية المحتوى:

إنّ العمل في منشورات ومجالات مختلفة، ومع جمهور متنوع، يُعلّم الصحافيين المخضرمين تغيير النبرة والأسلوب باستمرار. عندما تُوظّف صحافياً للكتابة لمؤسستك، فإنك ستُقدّر إضفاءه طابعاً شخصياً على المحتوى، مع الحفاظ على النبرة والأسلوب المُحددين في وثائق المؤسسة.

يمكن لنماذج اللغة الكبيرة اتباع دليل لتطوير الأسلوب، ولكنها لا تستطيع مُحاكاة ما يحدث عندما يستمع الصحافي إلى قصة شخص ما، ويُحوّل تلك المُحادثة إلى محتوى يتفاعل معه جمهورك، ويرغب في قراءته مُجدداً.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».


تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية
TT

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية

سواء رغبنا في ذلك أم لا، فقد تسلل الذكاء الاصطناعي إلى أماكن العمل، ويتعرض كل الموظفين لضغوط لاستخدامه. ومع ذلك، ووفقاً لدراسة جديدة، قد يكون من الأفضل تجنب طلب المساعدة من الذكاء الاصطناعي في إدارة شؤونك العاطفية، كما كتبت سارة بريغل(*).

ذكاء اصطناعي «متملق»

نُشرت الدراسة المكونة من جزأين، بعنوان «الذكاء الاصطناعي المتملق يقلل من النيّات الاجتماعية الإيجابية ويعزز الاعتماد»، أخيراً في مجلة «ساينس». وأظهرت التجربة أن استخدام روبوتات الدردشة للحصول على نصائح شخصية والتعامل مع المواقف العاطفية قد يكون ضاراً، لأن النظام مصمَّم ليقول للناس ما يريدون سماعه. كما قد يؤدي استخدام روبوتات الدردشة إلى تعزيز السلوكيات المقلقة بدلاً من مساعدة الناس على تحمل مسؤولية أفعالهم، والاعتذار.

عدم تحمل المسؤولية... وعدم الاعتذار

قد يؤدي استخدام روبوتات الدردشة إلى تعزيز السلوكيات المقلقة بدلاً من مساعدة الناس على تحمل مسؤولية أفعالهم والاعتذار.

استطلاعات ودراسات

وأظهر استطلاع رأي أجرته شركة «Cognitive FX» أخيراً أن نحو 38 في المائة من الأميركيين يستخدمون روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي أسبوعياً للحصول على الدعم النفسي، فيما وجدت دراسة حديثة أجراها مركز «بيو» للأبحاث أن 12 في المائة من المراهقين يستخدمون الذكاء الاصطناعي للحصول على المشورة. ووفقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة «كايزر فاميلي فاونديشن (KFF)»، فإن عدم وجود تأمين صحي يُعدّ أيضاً عاملاً مُحفزاً للاستخدام، حيث إن البالغين غير المُؤمّنين صحياً ​​أكثر استخداماً له من أولئك المُؤمّنين ​​(30 في المائة مقابل 14 في المائة).

رصد انتشار «التملّق»

في الدراسة الأخيرة، بحث الباحثون مدى انتشار التملق -الذي يُعرَّف بأنه «ميل نماذج اللغة الكبيرة القائمة على الذكاء الاصطناعي إلى الموافقة المفرطة على آراء المستخدمين، أو التملق لهم، أو إضفاء الشرعية عليهم»- عبر 11 نموذجاً رائداً للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك «جي بي تي 40» و«كلود» و«جيميناي».

أجرى الباحثون ثلاث تجارب شملت 2405 مشاركين.

* في الدراسة الأولى، زوّد الباحثون نظام الذكاء الاصطناعي بسلسلة من الأسئلة لطلب المشورة، ومنشورات من منتدى «هل أنا المخطئ AITA؟» على موقع «ريديت»، وسلسلة من الأوصاف حول الرغبة في إيذاء الآخرين أو النفس، ثم قارنوا ردود الذكاء الاصطناعي، بالأحكام البشرية. وبشكل عام، كانت النماذج أكثر ترجيحاً بنسبة 49 في المائة من الإنسان لتأييد تصرفات المستخدم، حتى لو كانت ضارة أو غير قانونية.

* في الدراسة الثانية، تخيّل المشاركون أنهم في سيناريو موصوف في منشور «AITA»، حيث حُكم على تصرفاتهم بأنها خاطئة. ثم قرأوا رداً كتبه إنسان يقول إنهم مخطئون، أو رداً كتبه الذكاء الاصطناعي يقول إنهم على صواب.

* في الدراسة الثالثة، ناقش المشاركون صراعاً حقيقياً في حياتهم مع ذكاء اصطناعي أو إنسان.

ثقة أكثر بردود الذكاء الاصطناعي

المثير للقلق أن المشاركين وثقوا وفضّلوا ردود الذكاء الاصطناعي المتملقة التي أكدت تصرفاتهم. كما ازداد اقتناعهم بصحة تصرفاتهم الأصلية، مؤكدين بذلك معتقداتهم السابقة بدلاً من أن يتحدى برنامج الدردشة الآلي تفكيرهم في الموقف بشكل مختلف. وأشارت الدراسة إلى أن تأكيد معتقداتهم جعلهم أقل ميلاً للاعتذار بعد التحدث مع برنامج الدردشة الآلي.

وأوضحت الدراسة: «في تجاربنا على البشر، فإن تفاعلاً واحداً فقط مع ذكاء اصطناعي متملق، قلَّل من رغبة المشاركين في تحمل المسؤولية وإصلاح النزاعات الشخصية، فيما زاد من قناعتهم بصواب موقفهم».

مدى الضرر

مع أن تلقي النصائح من الذكاء الاصطناعي ليس بالأمر الجديد، إلا أن هذه الدراسة تُظهر مدى ضرره. فبينما تُحفز خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي التفاعل من خلال إثارة غضب المستخدمين، يُضعف الذكاء الاصطناعي قدرتنا على الاعتذار وتحمل مسؤولية إيذاء الآخرين. وكما أشار مؤلفو الدراسة، فإن هذا يعني أن «الخاصية التي تُسبب الضرر هي نفسها التي تُحفز التفاعل».

* مجلة «فاست كومباني».