«مايكروسوفت» تبتكر «حالة جديدة من المادة» لتشغيل الكمبيوتر الكمومي

تسهل تصميمه خلال سنوات بدلاً من عقود

الشرائح الإلكترونية الحاوية على «كيوبتات طوبولوجية»
الشرائح الإلكترونية الحاوية على «كيوبتات طوبولوجية»
TT
20

«مايكروسوفت» تبتكر «حالة جديدة من المادة» لتشغيل الكمبيوتر الكمومي

الشرائح الإلكترونية الحاوية على «كيوبتات طوبولوجية»
الشرائح الإلكترونية الحاوية على «كيوبتات طوبولوجية»

إن أي شخص حضر فصل العلوم في الصف الثالث يعرف أن هناك ثلاث حالات أساسية للمادة: الصلبة والسائلة والغازية.

الشرائح الإلكترونية الحاوية على «كيوبتات طوبولوجية»
الشرائح الإلكترونية الحاوية على «كيوبتات طوبولوجية»

أساسيات صنع الكومبيوتر الكمومي

غير أن شركة مايكروسوفت تقول الآن إنها خلقت حالة جديدة للمادة في سعيها لصنع الكمبيوتر الكمومي، آلة الحوسبة العملاقة، التي يمكن أن تسرع من تطوير كل شيء من البطاريات إلى الأدوية إلى الذكاء الاصطناعي.

وأعلن علماء «مايكروسوفت» يوم امس الأربعاء، إنهم بنوا ما يعرف باسم «كيوبت طوبولوجي» (topological qubit) الذي يمكن تسخيره لحل المشاكل الرياضية والعلمية والتكنولوجية.

ومع هذا التطور، ترفع «مايكروسوفت» الرهان في المجال الذي يعتقد أنه سيكون السباق التكنولوجي الأكبر القادم، إلى ما هو أبعد من سباق اليوم على الذكاء الاصطناعي.أذ طارد العلماء حلم تصميم الكومبيوتر الكمومي - وهو الجهاز الذي يمكنه استغلال السلوك الغريب والقوي للغاية للجسيمات دون الذرية الدقيقة أو الأجسام الباردة للغاية - منذ ثمانينيات القرن العشرين.

التنافس مع «غوغل»

وقد اشتدت الضغوط في ديسمبر (كانون الأول) الماضي عندما كشفت «غوغل» عن كمبيوتر كمومي تجريبي يحتاج إلى خمس دقائق فقط لإكمال حساب لا تستطيع معظم أجهزة الكمبيوتر العملاقة إنهاؤه في عشرة سبتلييون (10 أس 24) سنة - أي فترة أطول من عمر الكون المعروف.

وقد تتفوق تكنولوجيا الكم من «مايكروسوفت» على الأساليب قيد التطوير في «غوغل». وكجزء من بحثها، قامت الشركة ببناء كيوبتات طوبولوجية متعددة داخل نوع جديد من شرائح الكمبيوتر التي تجمع بين نقاط قوة أشباه الموصلات التي تعمل على تشغيل أجهزة الكمبيوتر الكلاسيكية مع الموصلات الفائقة التي تستخدم عادة لبناء كمبيوتر كمومي.

«الكيُوبِت أو بِت كمومي (qubit أو qbit) في الحوسبة الكمومية - وحدة المعلومات الكمومية، وهي المقابل الكمومي للبِت التقليدي في تقنية المعلومات».

عندما يتم تبريد مثل هذه الشريحة إلى درجات حرارة منخفضة للغاية، فإنها تتصرف بطرق غير عادية وقوية تعتقد «مايكروسوفت» أنها ستسمح لها بحل المشكلات التكنولوجية والرياضية والعلمية التي لم تتمكن الآلات الكلاسيكية من حلها أبداً. وقالت الشركة إن التكنولوجيا ليست متقلبة مثل التقنيات الكمومية الأخرى، ما يجعل من السهل استغلال قوتها.

تشكيك وتفاؤل

يتساءل البعض عما إذا كانت «مايكروسوفت» قد حققت هذا الإنجاز، وقال العديد من الأكاديميين البارزين إن أجهزة الكمبيوتر الكمومية لن تتحقق بالكامل لعقود من الزمان. لكن علماء «مايكروسوفت» قالوا إن أساليبهم ستساعدهم في الوصول إلى خط النهاية في وقت أقرب.

تشيتان ناياك قرب أجهزة تبريد مكونات الكمبيوتر الكمومي
تشيتان ناياك قرب أجهزة تبريد مكونات الكمبيوتر الكمومي

وقال تشيتان ناياك، الباحث التقني في «مايكروسوفت»، الذي قاد الفريق الذي بنى التكنولوجيا: «ننظر إلى هذا على أنه أمر بعيد لسنوات، وليس عقوداً».

تضيف تكنولوجيا «مايكروسوفت»، التي تم تفصيلها في ورقة بحثية نُشرت في مجلة «نتشر» أمس الأربعاء، زخماً جديداً لسباق يمكن أن يعيد تشكيل المشهد التكنولوجي. وبالإضافة إلى تسريع التقدم عبر العديد من المجالات التكنولوجية والعلمية، يمكن أن يكون الكمبيوتر الكمومي قوياً بما يكفي لكسر التشفير الذي يحمي الأسرار الوطنية.

تنافس أميركي صيني أوروبي

ومن المقرر أن يكون لأي تقدم آثار جيوسياسية. إذ في حين تستكشف الولايات المتحدة الحوسبة الكمومية في المقام الأول من خلال شركات مثل «مايكروسوفت» وموجة من الشركات الناشئة، قالت الحكومة الصينية إنها تستثمر 15.2 مليار دولار في التكنولوجيا. وقد التزم الاتحاد الأوروبي بمبلغ 7.2 مليار دولار.

وتبنى الحوسبة الكمومية على عقود من الأبحاث في فرع من الفيزياء يسمى ميكانيكا الكم، ولا تزال تقنية تجريبية. وبعد الخطوات الأخيرة التي اتخذتها «مايكروسوفت» و«غوغل» وغيرهما، يبدو العلماء واثقين من أن التكنولوجيا سوف تفي في نهاية المطاف بوعدها. وقال فرانك ويلكزيك، عالم الفيزياء النظرية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «الحوسبة الكمومية هي احتمال مثير للفيزياء، وللعالم».

عمل الكمبيوتر التقليدي

لفهم الحوسبة الكمومية، من المفيد معرفة كيفية عمل الكمبيوتر التقليدي.

يعتمد الهاتف الذكي أو الكمبيوتر المحمول أو الكمبيوتر المكتبي على شرائح صغيرة مصنوعة من أشباه الموصلات، وهي مواد توصل الكهرباء في بعض المواقف ولكن ليس كلها. وتخزن هذه الشرائح الأرقام وتعالجها، وتضيفها، وتضربها، وما إلى ذلك. وتقوم هذه الرقائق بإجراء هذه الحسابات من خلال التلاعب بـ«بتّات» من المعلومات. كل بت يحمل إما 1 أو 0.

عمل الكمبيوتر الكمومي

ويعمل الكمبيوتر الكمومي بشكل مختلف، إذ يعتمد البِت الكمومي، أو الكيوبت، على السلوك الغريب للجسيمات دون الذرية أو المواد الغريبة المبردة إلى درجات حرارة منخفضة للغاية.

عندما يكون الجسيم صغيراً للغاية أو شديد البرودة، يمكنه أن يتصرف مثل جسمين منفصلين في نفس الوقت. ومن خلال تسخير هذا السلوك، يمكن للعلماء بناء كيوبت يحمل مزيجاً من 1 و 0. وهذا يعني أن كيوبتين يمكنهما حمل أربع قيم في وقت واحد. ومع نمو عدد الكيوبتات، يصبح الكمبيوتر الكمومي أقوى بشكل كبير.

تستخدم الشركات مجموعة متنوعة من التقنيات لبناء هذه الآلات. ففي الولايات المتحدة، تقوم معظم الشركات، بما في ذلك «غوغل»، ببناء كيوبتات باستخدام المواد فائقة التوصيل، وهي مواد توصل الكهرباء دون فقدان الطاقة التي تنقلها. وتصنع هذه الموصلات الفائقة عن طريق تبريد المعادن إلى درجات حرارة منخفضة للغاية.

مدير «القاعة النقّية» في مختبرات «مايكروسوفت» في ريدموند
مدير «القاعة النقّية» في مختبرات «مايكروسوفت» في ريدموند

راهنت «مايكروسوفت» على نهج لا يتبعه سوى عدد قليل من الشركات الأخرى: الجمع بين أشباه الموصلات والموصلات الفائقة. وقد تم اقتراح المبدأ الأساسي - إلى جانب اسم البت الكمومي الطوبولوجي - لأول مرة في عام 1997 من قبل أليكسي كيتاييف، وهو فيزيائي أميركي روسي الأصل.

بدأت الشركة العمل على هذا المشروع غير المعتاد في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عندما لم يعتقد العديد من الباحثين أن مثل هذه التكنولوجيا ممكنة. إنه أطول مشروع بحثي لشركة مايكروسوفت.

جهاز تجريبي

لقد أنشأت الشركة الآن جهازاً واحداً يتكون من جزء من زرنيخيد الإنديوم indium arsenide (نوع من أشباه الموصلات) وجزء من الألمنيوم (موصل فائق في درجات حرارة منخفضة). عندما يتم تبريده إلى نحو 400 درجة تحت الصفر، فإنه يُظهر نوعاً من السلوك الآخر الذي قد يجعل أجهزة الكمبيوتر الكمومية ممكنة.

آراء متباينة للخبراء

وقال فيليب كيم، أستاذ الفيزياء بجامعة هارفارد، إن ابتكار «مايكروسوفت» الجديد كان مهماً لأن البتات الكمومية الطوبولوجية يمكن أن تسرع من تطوير أجهزة الكمبيوتر الكمومية. وأضاف: «إذا نجح كل شيء، فقد يكون بحث (مايكروسوفت) ثورياً».

لكن جيسون أليسيا، أستاذ الفيزياء النظرية في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، تساءل عما إذا كانت الشركة قد بنت بالفعل بتاً كمومياً طوبولوجياً، قائلاً إن سلوك الأنظمة الكمومية غالباً ما يكون من الصعب إثباته.

وأضاف أليسيا: «إن البت الكمومي الطوبولوجي ممكن من حيث المبدأ، ويتفق الناس على أنه هدف يستحق العناء. لكن علينا التحقق، مع ذلك، من أن الجهاز يتصرف بكل الطرق السحرية التي تتوقعها النظرية؛ وإلا، فقد يتبين أن الواقع أقل تفاؤلاً لنجاح الحوسبة الكمومية. ولحسن الحظ، أصبحت (مايكروسوفت) الآن مستعدة للمحاولة».

قالت «مايكروسوفت» إنها قامت ببناء ثمانية كيوبتات طوبولوجية فقط، وأنها لم تتمكن بعد من إجراء حسابات من شأنها تغيير طبيعة الحوسبة. لكن باحثي الشركة يرون ذلك كخطوة نحو بناء شيء أقوى بكثير.

أخطاء وانهيارات

وفي الوقت الحالي، لا تزال التكنولوجيا ترتكب الكثير من الأخطاء بحيث لا تكون مفيدة حقاً، على الرغم من أن العلماء يطورون طرقاً للحد من تلك الأخطاء.

في العام الماضي، أظهرت «غوغل» أنه مع زيادة عدد الكيوبتات، يمكنها تقليل عدد الأخطاء بشكل كبير من خلال تقنيات رياضية معقدة. وقال العديد من العلماء إن تصحيح الأخطاء سيكون أقل تعقيداً وأكثر كفاءة إذا تمكنت «مايكروسوفت» من إتقان كيوبتاتها الطوبولوجية.

ورغم أن الكيوبت يمكن أن يحمل قيماً متعددة في نفس الوقت، فإنه مثقل بمشكلة متأصلة. إذ عندما يحاول الباحثون قراءة المعلومات المخزنة في كيوبت، فإنه «يفقد تماسكه» وينهار متحولاً إلى بت كلاسيكي يحمل قيمة واحدة فقط: 1 أو 0.

وهذا يعني أنه إذا حاول شخص ما قراءة كيوبت، فإنه يفقد قوته الأساسية. لذا يحتاج العلماء إلى التغلب على مشكلة أساسية: كيف يمكن صنع جهاز كمبيوتر إذا تعطل كلما استخدمته؟

إن طرق تصحيح الأخطاء التي تتبعها «غوغل» هي وسيلة للتعامل مع هذه المشكلة. إلا أن «مايكروسوفت» تعتقد أنها يمكن أن تحل المشكلة بشكل أسرع لأن كيوبتات الطوبولوجيا تتصرف بشكل مختلف ومن الناحية النظرية أقل عرضة للانهيار عندما يقرأ شخص ما المعلومات التي تخزنها. وقال ناياك: «إنه يشكل كيوبتاً جيداً حقاً».

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

كيف يساعد الذكاء الاصطناعي تجار التجزئة في تحليل سلوك المستهلك بدقة؟

خاص يعزز الذكاء الاصطناعي من كفاءة العمليات ويوفر تجارب تسوق شخصية من خلال تحسين الاتصال وتوفير تحليلات فورية (أ.ف.ب)

كيف يساعد الذكاء الاصطناعي تجار التجزئة في تحليل سلوك المستهلك بدقة؟

تلعب الشبكات المدعومة بالذكاء الاصطناعي دوراً أساسياً في تخصيص تجربة التسوق فورياً مستفيدةً من بيانات تفاعلات العملاء وسجلات التصفح والرؤى القائمة على الموقع.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا مزج الباحثون بين نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية لإنشاء أداة سريعة تنتج صوراً بدقة عالية (Christine Daniloff, MIT)

في جزء من الثانية... «هارت» يولد صوراً عالية الجودة عبر الذكاء الاصطناعي

«هارت» (HART) أداة جديدة لإنشاء الصور بالذكاء الاصطناعي، تتفوق على التقنيات الحالية بجودة أعلى، وسرعة أكبر بتسع مرات من النماذج الحالية!

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا سان ديسك إكستريم 1 تيرابايت إس إٍس دي

أفضل محركات أقراص الحالة الصلبة الخارجية المحمولة لعام 2025

لزيادة سعة التخزين وسرعة استرداد البيانات

تكنولوجيا خدمة أتمتة متقدمة تتيح إنشاء سير عمل مرن يدمج أكثر من 400 تطبيق مما يسهل تنفيذ المهام تلقائياً دون تدخل يدوي (n8n)

كيف تتيح منصة «n8n» ربط التطبيقات وأتمتة الأعمال دون تدخل يدوي متكرر؟

توفر المنصة بيئة منخفضة التعليمات البرمجية ومفتوحة المصدر، مما يسمح للمستخدمين بتشغيلها على خوادمهم الخاصة.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
خاص التقارب بين الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية يمكن أن يسرع الاكتشافات في مجالات مثل الأدوية والمناخ (أدوبي)

خاص كيف يغير تقارب الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية وجه الاكتشافات العلمية؟

الحوسبة الكمومية والذكاء الاصطناعي يجتمعان لقيادة الابتكار العلمي، مع تقدم سريع في التطبيقات التجارية، من اكتشاف الأدوية إلى الأمن السيبراني.

نسيم رمضان (سياتل)

«نيوتن»… ذكاء اصطناعي يتدارك الأحداث قبل وقوعها

تحليل البيانات من المستشعرات
تحليل البيانات من المستشعرات
TT
20

«نيوتن»… ذكاء اصطناعي يتدارك الأحداث قبل وقوعها

تحليل البيانات من المستشعرات
تحليل البيانات من المستشعرات

مدينة بيلفيو الأميركية، موطن لآلاف من موظفي «مايكروسوفت»، حيث يقبع نظام مراقبة حركة المرور المُدعّم بالذكاء الاصطناعي ليُلبي كل التوقعات. فباستخدام كاميرات المرور الحالية القادرة على قراءة اللافتات والإشارات الضوئية، لا يتتبع النظام الحوادث فحسب، بل أيضاً الحوادث التي «كادت تقع». ويقترح حلولاً للمشرفين على تنظيم المرور، مثل إعادة النظر في مسار المنعطفات، أو تغيير خط التوقف عن الحركة.

البرنامج يحلل بيانات حركة المرور
البرنامج يحلل بيانات حركة المرور

ذكاء اصطناعي للعالم المادي

لكن تقنية الذكاء الاصطناعي هذه لم تولد من «مايكروسوفت» وشراكتها الكبيرة مع «أوبن إيه آي»، بل طُوّرت من قِبل شركة ناشئة تُدعى «أركيتايب إيه آي» Archetype AI التي قد تُعتبر بمثابة «أوبن إيه آي» في العالم المادي.

يقول إيفان بوبيريف، المؤسس المشارك للشركة: «تُبلغ سلطات المدينة عن حادث بعد وقوعه. لكن ما تُريد معرفته هو، على سبيل المثال، أين الحوادث التي كادت تقع – لأن أحداً لا يستطيع الإبلاغ عنها. وتريد السلطات منع وقوعها». لذا، يُعدّ التنبؤ بالمستقبل أحد أهمّ استخداماتنا حالياً.

أسس بوبيريف وليوناردو جيوستي الشركة بعد مغادرتهما فريق التكنولوجيا والمشاريع المتقدمة التابع لشركة «غوغل»، حيث عملا على مبادرات مشاريع متطورة، مثل مشروع النسيج الذكي «جاكار»، ومشروع رادار الأدوات «سولي». ويشرح بوبيريف تاريخ عمله في شركات عملاقة مثل «سوني» و«ديزني»، حيث كان على المهندسين دائماً تطوير خوارزمية واحدة لفهم أشياء مثل نبضات القلب، وأخرى للخطوات. كل شيء مادي تُريد قياسه، مهما كان، كان دائماً نظاماً منفصلاً – كان برنامجاً صغيراً آخر يجب برمجته ودعمه.

وهناك الكثير مما يحدث داخل عالمنا الطبيعي بحيث لا يمكن قياسه أو دراسته من خلال هذا النهج الذي يُركّز على معالجة مشكلة واحدة في كل مرة. ونتيجة لذلك، لا تزال أجهزتنا المتطورة تقنياً لا تفهم سوى القليل جداً عن بيئتنا الحقيقية، وما يحدث فيها بالفعل.

استنتاجات فيزيائية بدلاً من اللغوية

ما تقترحه «أركيتايب» هو ذكاء اصطناعي قادر على تتبع تعقيد العالم المادي والتفاعل معه. خذ نموذج «نيوتن» الأساسي، فهو مُدرّب على أكوام من بيانات أجهزة الاستشعار المفتوحة من مصادر مثل وكالة ناسا، التي تنشر كل شيء بدءاً من درجات حرارة المحيطات المُجمّعة باستخدام ماسحات الميكروويف وصولاً إلى عمليات مسح الأشعة تحت الحمراء لأنماط السحب.

وكما يُمكن لنظم الذكاء الاصطناعي المطورة حديثاً استنتاج المنطق اللغوي من خلال دراسة النصوص، يُمكن لـ«نيوتن» استنتاج الفيزياء من خلال دراسة قراءات أجهزة الاستشعار.

البرنامج يتنبأ بالأحداث اللاحقة
البرنامج يتنبأ بالأحداث اللاحقة

«نيوتن» يحلل ويتنبأ

تكمن الميزة الرئيسة للشركة في قدرة «نيوتن» Newton على تحليل مخرجات أجهزة الاستشعار الموجودة بالفعل. يحتوي هاتفك على اثني عشر مستشعراً أو أكثر، وقد يحتوي العالم قريباً على تريليونات منها، بما في ذلك مقاييس التسارع، وأجهزة استشعار التدفق الكهربائي والسوائل، وأجهزة الاستشعار البصرية، والرادار. من خلال قراءة هذه القياسات، يُمكن لـ«نيوتن» تتبع وتحديد ما يحدث داخل البيئات بدرجة مُذهلة.

حتى أنه أثبت قدرته على التنبؤ بالأنماط المستقبلية للتنبؤ بأحداث تتراوح من تأرجح بندول صغير في مختبر إلى حادث مُحتمل في مصنع، إلى البقع الشمسية والمد والجزر في الطبيعة.

من نواحٍ عديدة، تُنشئ أركيتايب النظامَ المطلوبَ حقاً للحوسبة المحيطة، وهي رؤيةٌ تتلاشى فيها الخطوط الفاصلة بين عالمنا الحقيقي وعالم الحوسبة. ولكن بدلاً من التركيز على رؤيةٍ طموحة، تُسوّق «نيوتن» كمترجمٍ عالميٍّ يُمكنه تحويل بيانات الاستشعار إلى رؤى قابلةٍ للتنفيذ.

يقول جيوستي: «(إنه) تحوّلٌ جذريٌّ في نظرتنا للذكاء الاصطناعي كمجتمع. (حالياً) هو تقنية أتمتة نستبدل فيها الذكاء الاصطناعي بجزء من عملنا البشري. نُفوّض الذكاء الاصطناعي للقيام بشيءٍ ما... نحاول تغيير المنظور، ونرى الذكاء الاصطناعي كطبقةٍ تفسيريةٍ للعالم المادي. سيساعدنا الذكاء الاصطناعي على فهم ما يحدث في العالم بشكلٍ أفضل».

ويضيف بوبيريف: «نريد أن يكون الذكاء الاصطناعي بمثابة قوةٍ عظمى تُمكّننا من رؤية أشياء لم نكن لنراها من قبل، وتُحسّن عملية اتخاذ القرار لدينا».

كيف يعمل الذكاء الاصطناعي من أركيتايب؟

في أحد عروض «أركيتايب» التوضيحية، يُلاحظ رادارٌ دخول شخصٍ ما إلى المطبخ. يستطيع الميكروفون الاستماع لأي شيء يُطلب منه، مثل غسل الأطباق. إنه عرض توضيحي لتقنيتين موجودتين في العديد من الهواتف الذكية، ولكن من خلال سياق «نيوتن»، تتحول بيانات المستشعرات إلى معرفة.

في عرض توضيحي آخر، يُحلل «نيوتن» أرضية مصنع ويُنشئ خريطة حرارية لمخاطر السلامة المحتملة (تُرسم بشكل ملحوظ في مسار رافعة شوكية تقترب من الناس). وفي عرض توضيحي ثالث، يُحلل «نيوتن» عمل قوارب البناء، ويرسم في الواقع جدولاً زمنياً لساعات نشاطها كل يوم.

بالطبع، لا يمكن للفيزياء وحدها استقراء كل ما يحدث في هذه المشاهد، ولهذا السبب يُدرج «نيوتن» أيضاً بيانات تدريب حول السلوك البشري (حتى يعرف ما إذا كان هزّ صندوق، على سبيل المثال، يمكن استنتاجه على أنه «سوء تعامل») ويستخدم تقنية النماذج اللغوية الكبيرة التقليدية لتصنيف ما يحدث.

ومن الناحية الفنية، يمكنك تشغيل «نيوتن» من أجهزة الكمبيوتر التي تديرها Archetype، أو على خدمات سحابية مثل AWS أو Azure، أو حتى على خوادمك الخاصة إذا كنت تفضل ذلك.

مهمتك الأساسية هي ببساطة تغذية أي بيانات استشعار تستخدمها شركتك بالفعل من خلال «عدسة» «نيوتن» للذكاء الاصطناعي. والعدسة هي استعارة الشركة لكيفية ترجمة معلومات الاستشعار إلى رؤى.

الاختلاف عن النماذج الذكية اللغوية

وبخلاف النماذج الذكية اللغوية، التي تعتمد على أسئلة وأجوبة تقودنا إلى استعارات مثل المحادثات والوكلاء، تُخرِج المستشعرات تدفقات من المعلومات قد تتطلب تحليلاً مستمراً. لذا، تُعدّ العدسة وسيلةً لتدقيق هذه البيانات على فترات زمنية، أو آنياً.

وستكون التكلفة التشغيلية لتشغيل «نيوتن» للذكاء الاصطناعي متناسبة مع كمية وتواتر تحليل المستشعر الخاص بك. ولكن ما يثير اهتمام الشركة بشكل خاص هو أن «نيوتن» للذكاء الاصطناعي، من خلال تحليل أشكال موجات المستشعرات، أثبت أنه لا يفهم الكثير مما يحدث فحسب، بل يمكنه أيضاً التنبؤ بما قد يحدث في المستقبل.

وكما أن الإكمال التلقائي يعرف مسبقاً ما قد تكتبه تالياً، يمكن لـ«نيوتن» النظر في أشكال موجات البيانات (مثل المعلومات الكهربائية أو الصوتية من جهاز) للتنبؤ بالاتجاه التالي. وفي المصانع، قد يسمح هذا برصد العطل الوشيك للآلة. كما تزعم «أركيتايب» أنها تستطيع تتبع تأرجح البندول الفوضوي بدقة والتنبؤ بحركاته التالية.

تعتقد «أركيتايب» أنها تستطيع إحداث ثورة في جميع أنواع المنصات، بدءاً من التطبيقات الصناعية، ووصولاً إلى التخطيط الحضري. وفي خطوتها التالية، تريد الشركة أن يُنتج «نيوتن» أكثر من مجرد نص؛ فلا يوجد سبب يمنعه من التواصل بالرموز أو الرسوم البيانية في الوقت الفعلي.

هذه الادعاءات، من ناحية، ضخمة للغاية، ويصعب فهمها. من ناحية أخرى، بنى بوبيريف مسيرته المهنية بأكملها على بناء ابتكارات مبتكرة ومذهلة من تقنيات موجودة، وهي فعالة بالفعل.

* مجلة «فاست كومباني» خدمات «تريبيون ميديا»