«مايكروسوفت» تبتكر «حالة جديدة من المادة» لتشغيل الكمبيوتر الكمومي

تسهل تصميمه خلال سنوات بدلاً من عقود

الشرائح الإلكترونية الحاوية على «كيوبتات طوبولوجية»
الشرائح الإلكترونية الحاوية على «كيوبتات طوبولوجية»
TT

«مايكروسوفت» تبتكر «حالة جديدة من المادة» لتشغيل الكمبيوتر الكمومي

الشرائح الإلكترونية الحاوية على «كيوبتات طوبولوجية»
الشرائح الإلكترونية الحاوية على «كيوبتات طوبولوجية»

إن أي شخص حضر فصل العلوم في الصف الثالث يعرف أن هناك ثلاث حالات أساسية للمادة: الصلبة والسائلة والغازية.

الشرائح الإلكترونية الحاوية على «كيوبتات طوبولوجية»

أساسيات صنع الكومبيوتر الكمومي

غير أن شركة مايكروسوفت تقول الآن إنها خلقت حالة جديدة للمادة في سعيها لصنع الكمبيوتر الكمومي، آلة الحوسبة العملاقة، التي يمكن أن تسرع من تطوير كل شيء من البطاريات إلى الأدوية إلى الذكاء الاصطناعي.

وأعلن علماء «مايكروسوفت» يوم امس الأربعاء، إنهم بنوا ما يعرف باسم «كيوبت طوبولوجي» (topological qubit) الذي يمكن تسخيره لحل المشاكل الرياضية والعلمية والتكنولوجية.

ومع هذا التطور، ترفع «مايكروسوفت» الرهان في المجال الذي يعتقد أنه سيكون السباق التكنولوجي الأكبر القادم، إلى ما هو أبعد من سباق اليوم على الذكاء الاصطناعي.أذ طارد العلماء حلم تصميم الكومبيوتر الكمومي - وهو الجهاز الذي يمكنه استغلال السلوك الغريب والقوي للغاية للجسيمات دون الذرية الدقيقة أو الأجسام الباردة للغاية - منذ ثمانينيات القرن العشرين.

التنافس مع «غوغل»

وقد اشتدت الضغوط في ديسمبر (كانون الأول) الماضي عندما كشفت «غوغل» عن كمبيوتر كمومي تجريبي يحتاج إلى خمس دقائق فقط لإكمال حساب لا تستطيع معظم أجهزة الكمبيوتر العملاقة إنهاؤه في عشرة سبتلييون (10 أس 24) سنة - أي فترة أطول من عمر الكون المعروف.

وقد تتفوق تكنولوجيا الكم من «مايكروسوفت» على الأساليب قيد التطوير في «غوغل». وكجزء من بحثها، قامت الشركة ببناء كيوبتات طوبولوجية متعددة داخل نوع جديد من شرائح الكمبيوتر التي تجمع بين نقاط قوة أشباه الموصلات التي تعمل على تشغيل أجهزة الكمبيوتر الكلاسيكية مع الموصلات الفائقة التي تستخدم عادة لبناء كمبيوتر كمومي.

«الكيُوبِت أو بِت كمومي (qubit أو qbit) في الحوسبة الكمومية - وحدة المعلومات الكمومية، وهي المقابل الكمومي للبِت التقليدي في تقنية المعلومات».

عندما يتم تبريد مثل هذه الشريحة إلى درجات حرارة منخفضة للغاية، فإنها تتصرف بطرق غير عادية وقوية تعتقد «مايكروسوفت» أنها ستسمح لها بحل المشكلات التكنولوجية والرياضية والعلمية التي لم تتمكن الآلات الكلاسيكية من حلها أبداً. وقالت الشركة إن التكنولوجيا ليست متقلبة مثل التقنيات الكمومية الأخرى، ما يجعل من السهل استغلال قوتها.

تشكيك وتفاؤل

يتساءل البعض عما إذا كانت «مايكروسوفت» قد حققت هذا الإنجاز، وقال العديد من الأكاديميين البارزين إن أجهزة الكمبيوتر الكمومية لن تتحقق بالكامل لعقود من الزمان. لكن علماء «مايكروسوفت» قالوا إن أساليبهم ستساعدهم في الوصول إلى خط النهاية في وقت أقرب.

تشيتان ناياك قرب أجهزة تبريد مكونات الكمبيوتر الكمومي

وقال تشيتان ناياك، الباحث التقني في «مايكروسوفت»، الذي قاد الفريق الذي بنى التكنولوجيا: «ننظر إلى هذا على أنه أمر بعيد لسنوات، وليس عقوداً».

تضيف تكنولوجيا «مايكروسوفت»، التي تم تفصيلها في ورقة بحثية نُشرت في مجلة «نتشر» أمس الأربعاء، زخماً جديداً لسباق يمكن أن يعيد تشكيل المشهد التكنولوجي. وبالإضافة إلى تسريع التقدم عبر العديد من المجالات التكنولوجية والعلمية، يمكن أن يكون الكمبيوتر الكمومي قوياً بما يكفي لكسر التشفير الذي يحمي الأسرار الوطنية.

تنافس أميركي صيني أوروبي

ومن المقرر أن يكون لأي تقدم آثار جيوسياسية. إذ في حين تستكشف الولايات المتحدة الحوسبة الكمومية في المقام الأول من خلال شركات مثل «مايكروسوفت» وموجة من الشركات الناشئة، قالت الحكومة الصينية إنها تستثمر 15.2 مليار دولار في التكنولوجيا. وقد التزم الاتحاد الأوروبي بمبلغ 7.2 مليار دولار.

وتبنى الحوسبة الكمومية على عقود من الأبحاث في فرع من الفيزياء يسمى ميكانيكا الكم، ولا تزال تقنية تجريبية. وبعد الخطوات الأخيرة التي اتخذتها «مايكروسوفت» و«غوغل» وغيرهما، يبدو العلماء واثقين من أن التكنولوجيا سوف تفي في نهاية المطاف بوعدها. وقال فرانك ويلكزيك، عالم الفيزياء النظرية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «الحوسبة الكمومية هي احتمال مثير للفيزياء، وللعالم».

عمل الكمبيوتر التقليدي

لفهم الحوسبة الكمومية، من المفيد معرفة كيفية عمل الكمبيوتر التقليدي.

يعتمد الهاتف الذكي أو الكمبيوتر المحمول أو الكمبيوتر المكتبي على شرائح صغيرة مصنوعة من أشباه الموصلات، وهي مواد توصل الكهرباء في بعض المواقف ولكن ليس كلها. وتخزن هذه الشرائح الأرقام وتعالجها، وتضيفها، وتضربها، وما إلى ذلك. وتقوم هذه الرقائق بإجراء هذه الحسابات من خلال التلاعب بـ«بتّات» من المعلومات. كل بت يحمل إما 1 أو 0.

عمل الكمبيوتر الكمومي

ويعمل الكمبيوتر الكمومي بشكل مختلف، إذ يعتمد البِت الكمومي، أو الكيوبت، على السلوك الغريب للجسيمات دون الذرية أو المواد الغريبة المبردة إلى درجات حرارة منخفضة للغاية.

عندما يكون الجسيم صغيراً للغاية أو شديد البرودة، يمكنه أن يتصرف مثل جسمين منفصلين في نفس الوقت. ومن خلال تسخير هذا السلوك، يمكن للعلماء بناء كيوبت يحمل مزيجاً من 1 و 0. وهذا يعني أن كيوبتين يمكنهما حمل أربع قيم في وقت واحد. ومع نمو عدد الكيوبتات، يصبح الكمبيوتر الكمومي أقوى بشكل كبير.

تستخدم الشركات مجموعة متنوعة من التقنيات لبناء هذه الآلات. ففي الولايات المتحدة، تقوم معظم الشركات، بما في ذلك «غوغل»، ببناء كيوبتات باستخدام المواد فائقة التوصيل، وهي مواد توصل الكهرباء دون فقدان الطاقة التي تنقلها. وتصنع هذه الموصلات الفائقة عن طريق تبريد المعادن إلى درجات حرارة منخفضة للغاية.

مدير «القاعة النقّية» في مختبرات «مايكروسوفت» في ريدموند

راهنت «مايكروسوفت» على نهج لا يتبعه سوى عدد قليل من الشركات الأخرى: الجمع بين أشباه الموصلات والموصلات الفائقة. وقد تم اقتراح المبدأ الأساسي - إلى جانب اسم البت الكمومي الطوبولوجي - لأول مرة في عام 1997 من قبل أليكسي كيتاييف، وهو فيزيائي أميركي روسي الأصل.

بدأت الشركة العمل على هذا المشروع غير المعتاد في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عندما لم يعتقد العديد من الباحثين أن مثل هذه التكنولوجيا ممكنة. إنه أطول مشروع بحثي لشركة مايكروسوفت.

جهاز تجريبي

لقد أنشأت الشركة الآن جهازاً واحداً يتكون من جزء من زرنيخيد الإنديوم indium arsenide (نوع من أشباه الموصلات) وجزء من الألمنيوم (موصل فائق في درجات حرارة منخفضة). عندما يتم تبريده إلى نحو 400 درجة تحت الصفر، فإنه يُظهر نوعاً من السلوك الآخر الذي قد يجعل أجهزة الكمبيوتر الكمومية ممكنة.

آراء متباينة للخبراء

وقال فيليب كيم، أستاذ الفيزياء بجامعة هارفارد، إن ابتكار «مايكروسوفت» الجديد كان مهماً لأن البتات الكمومية الطوبولوجية يمكن أن تسرع من تطوير أجهزة الكمبيوتر الكمومية. وأضاف: «إذا نجح كل شيء، فقد يكون بحث (مايكروسوفت) ثورياً».

لكن جيسون أليسيا، أستاذ الفيزياء النظرية في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، تساءل عما إذا كانت الشركة قد بنت بالفعل بتاً كمومياً طوبولوجياً، قائلاً إن سلوك الأنظمة الكمومية غالباً ما يكون من الصعب إثباته.

وأضاف أليسيا: «إن البت الكمومي الطوبولوجي ممكن من حيث المبدأ، ويتفق الناس على أنه هدف يستحق العناء. لكن علينا التحقق، مع ذلك، من أن الجهاز يتصرف بكل الطرق السحرية التي تتوقعها النظرية؛ وإلا، فقد يتبين أن الواقع أقل تفاؤلاً لنجاح الحوسبة الكمومية. ولحسن الحظ، أصبحت (مايكروسوفت) الآن مستعدة للمحاولة».

قالت «مايكروسوفت» إنها قامت ببناء ثمانية كيوبتات طوبولوجية فقط، وأنها لم تتمكن بعد من إجراء حسابات من شأنها تغيير طبيعة الحوسبة. لكن باحثي الشركة يرون ذلك كخطوة نحو بناء شيء أقوى بكثير.

أخطاء وانهيارات

وفي الوقت الحالي، لا تزال التكنولوجيا ترتكب الكثير من الأخطاء بحيث لا تكون مفيدة حقاً، على الرغم من أن العلماء يطورون طرقاً للحد من تلك الأخطاء.

في العام الماضي، أظهرت «غوغل» أنه مع زيادة عدد الكيوبتات، يمكنها تقليل عدد الأخطاء بشكل كبير من خلال تقنيات رياضية معقدة. وقال العديد من العلماء إن تصحيح الأخطاء سيكون أقل تعقيداً وأكثر كفاءة إذا تمكنت «مايكروسوفت» من إتقان كيوبتاتها الطوبولوجية.

ورغم أن الكيوبت يمكن أن يحمل قيماً متعددة في نفس الوقت، فإنه مثقل بمشكلة متأصلة. إذ عندما يحاول الباحثون قراءة المعلومات المخزنة في كيوبت، فإنه «يفقد تماسكه» وينهار متحولاً إلى بت كلاسيكي يحمل قيمة واحدة فقط: 1 أو 0.

وهذا يعني أنه إذا حاول شخص ما قراءة كيوبت، فإنه يفقد قوته الأساسية. لذا يحتاج العلماء إلى التغلب على مشكلة أساسية: كيف يمكن صنع جهاز كمبيوتر إذا تعطل كلما استخدمته؟

إن طرق تصحيح الأخطاء التي تتبعها «غوغل» هي وسيلة للتعامل مع هذه المشكلة. إلا أن «مايكروسوفت» تعتقد أنها يمكن أن تحل المشكلة بشكل أسرع لأن كيوبتات الطوبولوجيا تتصرف بشكل مختلف ومن الناحية النظرية أقل عرضة للانهيار عندما يقرأ شخص ما المعلومات التي تخزنها. وقال ناياك: «إنه يشكل كيوبتاً جيداً حقاً».

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

خبراء: التحول المؤسسي يفتح مساراً جديداً لبناء خبرات تقنية محلية في السعودية

خاص يزداد التركيز في السوق التقنية السعودية على تحويل التدريب والشهادات إلى خبرة عملية داخل مشاريع التحول المؤسسي الكبرى (أدوبي)

خبراء: التحول المؤسسي يفتح مساراً جديداً لبناء خبرات تقنية محلية في السعودية

تركز سوق التقنية السعودية بشكل متزايد على تحويل التدريب إلى خبرة عملية داخل المشاريع، بما يعزز نقل المعرفة، وبناء كفاءات محلية مستدامة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تتيح المبادرة لمليون طالب وطالبة في الجامعات السعودية استخدام تقنيات «جيميناي» مجاناً لمدة عام (شاترستوك)

مليون طالب جامعي في السعودية يحصلون على «جيميناي» من «غوغل» مجاناً لمدة عام

تتيح مبادرة سعودية لمليون طالب جامعي استخدام «جيميناي» مجاناً لمدة عام مع برامج تدريبية لدعم مهارات الذكاء الاصطناعي والتعلّم.

نسيم رمضان (الرياض)
خاص تتجه التجارة الرقمية في السعودية نحو مرحلة تصبح فيها المدفوعات أكثر سلاسة وأقل ظهوراً داخل تجربة التسوق (أدوبي)

خاص وكلاء الذكاء الاصطناعي يفتحون مساراً جديداً للتجارة الرقمية في السعودية

تتجه التجارة الرقمية في السعودية نحو الدفع غير المرئي والتسوق عبر وكلاء الذكاء الاصطناعي، مع بقاء المصادقة والأمن أبرز التحديات.

نسيم رمضان (الرياض)
خاص توسّع الذكاء الاصطناعي يرفع حجم المخاطر السيبرانية مع ازدياد عدد الوكلاء الرقميين والهويات التي تحتاج إلى حماية واستعادة (أدوبي)

خاص كيف يغير الذكاء الاصطناعي مفهوم التعافي من الهجمات السيبرانية في السعودية؟

تبحث مؤسسات سعودية تعزيز قدرتها على التعافي من الهجمات السيبرانية مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية في المملكة

نسيم رمضان (الرياض)
خاص «إريكسون»: أكثر من نصف مستخدمي الاتصالات في السعودية مستعدون لدفع المزيد مقابل سرعة أو زمن استجابة أو سعة مضمونة عند الحاجة ( أدوبي)

خاص رئيس «إريكسون» السعودية لـ«الشرق الأوسط»: شبكات الحج مختبر لتقنيات تمتد إلى «إكسبو» والمونديال

تبحث «إريكسون» في السعودية توسيع قيمة شبكات الجيل الخامس عبر الأتمتة والذكاء الاصطناعي والاتصال المضمون والاستعداد التدريجي للجيل السادس.

نسيم رمضان (الرياض)

لقاحان جديدان لموسم الإنفلونزا

لقاحان جديدان لموسم الإنفلونزا
TT

لقاحان جديدان لموسم الإنفلونزا

لقاحان جديدان لموسم الإنفلونزا

بعد انعدام قدرتهم على التنبؤ بموسم الإنفلونزا، العام الماضي، حين انتشر نوع جديد من الفيروس على نطاق واسع وبسرعة، يأمل خبراء الأمراض المعدية بحلول خريف وشتاء أكثر اعتدالاً هذا العام.

مؤشرات الانتشار... من أستراليا

نظر العلماء إلى دول مثل أستراليا، في نصف الكرة الجنوبي، بحثاً عن مؤشرات حول كيفية انتشار الإنفلونزا هذا العام. وكما يبدو فان الإنفلونزا تنتشر في تلك المناطق بمستويات معتدلة نسبياً، ويبدو أن لقاحات الإنفلونزا لهذا العام فعالة في مكافحة الفيروس، لكن من غير المؤكد ما إذا كان هذا سيتغير مع بدء موسم الإنفلونزا في نصف الكرة الشمالي.

وقال الدكتور سكوت روبرتس، الأستاذ المساعد للأمراض المعدية في كلية الطب بجامعة ييل، مؤكداً على كلمة «بحذر»: «أنا متفائل بحذر»، كما يطمئن الأطباء لوجود خيارات جديدة للتطعيم ضد الإنفلونزا، ولدخول عدد من الاختبارات المنزلية إلى السوق في السنوات الأخيرة.

أي لقاح تختار؟

تُجرى تعديلات سنوية على مجموعة متنوعة من خيارات التطعيم ضد الإنفلونزا لحماية المرضى من السلالات الأكثر انتشاراً. وتتوفر لقاحات الإنفلونزا التقليدية، التي تُعطى عن طريق الحقن في الذراع، في بعض الصيدليات وعيادات الأطباء. ويمكن إعطاؤها لأي شخص يبلغ من العمر 6 أشهر فأكثر. وقد أظهرت الأبحاث أن هذه اللقاحات تُقلل من خطر زيارات الأطباء المرتبطة بعدوى الإنفلونزا بنسبة تتراوح بين 40 في المائة و60 في المائة.

تتوفر أنواع عديدة من هذه اللقاحات، بما في ذلك جرعة أعلى يوصي بها الأطباء للبالغين من عمر 65 عاماً فأكثر، لأنها تُحفز إنتاج مستويات أعلى من الأجسام المضادة لدى كبار السن.

لقاحات جديدة

كما وافقت إدارة الغذاء والدواء الأميركية أخيراً على لقاح جديد بتقنية حمض «آر إن إيه- المرسال» mRNA، ومن المتوقع طرحه قريباً، على الرغم من أنه قد يكون أقل انتشاراً من اللقاح التقليدي.

وقد منحت إدارة الغذاء والدواء الأميركية الموافقة الكاملة على هذا اللقاح للأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 50 و64 عاماً، ومنحت موافقة مُسرّعة للأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 65 عاماً؛ ما يعني أن الأشخاص في هذه الفئة العمرية سيتمكنون من تلقي اللقاح حتى في الوقت الذي تستمر فيه الدراسات الإضافية. يعتقد العلماء أن اللقاح سيعزز مستويات الأجسام المضادة؛ ما يوفر حماية أقوى ضد الإنفلونزا.

يقول أندرو بيكوز، أستاذ علم الأحياء الدقيقة الجزيئية وعلم المناعة في كلية جونز هوبكنز بلومبرغ للصحة العامة: «يُعدّ البدء بالتفكير في هذا اللقاح المُحسّن، الذي يوفر حماية إضافية بسيطة، في سن الخمسين، ليقي من الإصابة بمرض شديد، خياراً مناسباً».

احتمالات الآثار الجانبية للقاح الجديد

مع ذلك، قد يُسبب لقاح الإنفلونزا بتقنية mRNA عدداً أكبر من الآثار الجانبية الطفيفة مقارنةً باللقاح التقليدي، كما يقول سكوت هينسلي، عالم المناعة في جامعة بنسلفانيا، والذي عمل على تطوير لقاح الإنفلونزا بهذه التقنية.

لقاح بالأنف

يتوفر أيضاً لقاح FluMist، الذي يُعطى عن طريق الأنف، للأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين سنتين و49 عاماً، والذين لا يعانون من ضعف في جهاز المناعة، وليسوا من الحوامل. يُمكن إعطاء هذا اللقاح الذي يرسل الرذاذ في المنزل. ويميل لقاح FluMist إلى أن يكون أكثر فاعلية لدى الأطفال، على الرغم من أن العلماء ليسوا متأكدين تماماً من السبب، كما يقول بيكوز.

ويؤكد الأطباء أن جميع اللقاحات خيارات جيدة، وقال روبرتس: «القاعدة العامة التي ننصح بها دائماً هي: أياً كان اللقاح المُقدّم لك، اختره. أي لقاح أفضل من لا شيء».

من ينبغي تطعيمه؟

توصي مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) بتلقي جميع الأشخاص من عمر 6 أشهر فما فوق لقاح الإنفلونزا السنوي.

كما توصي المراكز بتلقي معظم الناس لقاح الإنفلونزا في سبتمبر (أيلول) أو أكتوبر (تشرين الأول). ووقّع الرئيس دونالد ترمب مؤخراً أمراً تنفيذياً يقضي بإعطاء لقاح الإنفلونزا للأطفال فقط بعد استشارة الطبيب. ومع ذلك، لا يُغيّر هذا الأمر توصية المراكز القائمة.

الفحوصات والعلاجات المتاحة

من العوامل التي تميز الإنفلونزا عن غيرها من الفيروسات التنفسية ظهورها المفاجئ، فغالباً ما يصاب المرضى بحمى شديدة فجأة، وقد يعانون من أعراض مثل آلام العضلات، والقشعريرة، والإرهاق، والغثيان، والسعال، والتهاب الحلق.

عادةً ما تتحسن حالة المرضى في المنزل بالراحة، ولكن قد يصف الأطباء أدوية مضادة للفيروسات مثل «تاميفلو». وأوضح روبرتس أن هذه العلاجات «لن تكون مضمونة الشفاء»، لكنها قد تساعد المرضى على التعافي بشكل أسرع. مع ذلك، يجب تناول الدواء خلال 48 ساعة من بدء ظهور الأعراض. ​​كما يمكن للأشخاص المعرضين لخطر الإصابة بأمراض خطيرة، الذين يعيشون مع شخص مصاب أو على اتصال دائم به، تناول «تاميفلو» كوقاية.

تتوفر فحوصات منزلية لتحديد ما إذا كنت مصاباً بفيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، أو الإنفلونزا، أو الفيروس المخلوي التنفسي. وتظهر نتائج هذه الفحوصات في غضون 15 دقيقة تقريباً. وأوصى روبرتس بإجراء الفحص مبكراً، خاصةً إذا كان الشخص أكثر عرضة لمضاعفات خطيرة. قال: «إذا بدأت الأعراض بالظهور على شخص ما يوم الجمعة، وتفاقمت خلال عطلة نهاية الأسبوع، ثم أجرى فحصاً يوم الاثنين مثلاً، فإنه يكون قد فات الأوان لتلقي أي علاج».

ولكن نظراً لأن الأمر قد يستغرق بضعة أيام حتى يرتفع مستوى الفيروس في الدم إلى الحد الذي يُظهر نتيجة إيجابية، لذا ينصح الأطباء بإجراء فحص ثانٍ بعد بضعة أيام إذا استمرت الأعراض وكانت نتيجة الفحص الأول سلبية.

* خدمة «نيويورك تايمز».


جنسن هوانغ: «الذكاء الاصطناعي العام» وصل... فهل يستطيع العلم إثبات ذلك؟

هل بدأ بزوغ عصر الذكاء الاصطناعي العام؟
هل بدأ بزوغ عصر الذكاء الاصطناعي العام؟
TT

جنسن هوانغ: «الذكاء الاصطناعي العام» وصل... فهل يستطيع العلم إثبات ذلك؟

هل بدأ بزوغ عصر الذكاء الاصطناعي العام؟
هل بدأ بزوغ عصر الذكاء الاصطناعي العام؟

​«لقد وصل الذكاء الاصطناعي العام»... بهذه الكلمات أعاد جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا» (NVIDIA)، في السادس من سبتمبر (أيلول) 2026، فتح واحد من أكبر الأسئلة في تاريخ الذكاء الاصطناعي.

فإذا كان «AGI» -أو الذكاء الاصطناعي العام- قد وصل بالفعل، فنحن لا نتحدث عن نموذج أسرع يكتب نصوصاً أفضل أو يحل مسائل أكثر تعقيداً؛ بل عن احتمال عبور الآلة عتبة ظل الباحثون لعقود يتساءلون عما سيحدث بعدها: متى يتوقف الذكاء الاصطناعي عن كونه أداة متخصصة، ويصبح ذكاءً قادراً على التعامل مع طيف واسع من المهام على نحو يقترب من الإنسان أو يتجاوزه؟

لكن هنا تبدأ المفارقة: إعلان الوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام أسهل بكثير من إثباته. فحتى اليوم، لا توجد «شهادة علمية» لـ«AGI»، ولا اختبار عالمي متفق عليه يمكن أن نضع أمامه أحدث النماذج، ثم نقول بثقة: نعم، لقد عبرت الآلة الخط الفاصل.

وهنا يصبح السؤال أكثر إثارة: هل وصل الذكاء الاصطناعي العام فعلاً؟ أم أن قدرات الآلة أصبحت تتقدم أسرع من قدرتنا على تعريف ما نسميه «الذكاء»؟

عندما يصبح تعريف الذكاء هو المشكلة

يرمز «AGI» إلى «الذكاء الاصطناعي العام» (Artificial General Intelligence)، ويُستخدم عادة لوصف نظام لا يتفوق في مهمة واحدة فقط؛ بل يستطيع التعلم والاستدلال والتكيف، وإنجاز طيف واسع من المهام بمستوى يقارب الإنسان أو يتجاوزه.

وقد عرَّفت شركة «أوبن أيه آي» (OpenAI) المفهوم سابقاً بأنه أنظمة شديدة الاستقلالية تتفوق على البشر في معظم الأعمال ذات القيمة الاقتصادية.

لكن ما يبدو تعريفاً واضحاً للوهلة الأولى يفتح باباً لأسئلة أصعب: ما المقصود بـ«معظم الأعمال»؟ وهل التفوق على الإنسان في أداء مهمة يعني امتلاك ذكاء يشبه ذكاءه؟ وإذا استطاع نموذج أن يكتب برنامجاً، ويحل مسألة رياضية، ويحلل بيانات، ويستخدم الحاسوب، فكم قدرة إضافية يحتاج إليها قبل أن ننتقل من وصفه بـ«AI» إلى«AGI»؟

هنا لا يعود الخلاف مجرد سباق تقني بين نماذج أكثر قوة؛ بل يصبح معضلة علمية وفلسفية: كيف نثبت وصول شيء لم نتفق بعد على تعريفه؟

حوسبة أكبر... أم ذكاء أكبر؟

حوسبة أكبر... أم ذكاء أكبر؟

وراء القفزات الأخيرة في أداء الذكاء الاصطناعي توسع هائل في القدرة الحاسوبية والبيانات وأساليب التدريب. ومع كل جيل جديد، تستطيع النماذج إنجاز مهام كانت تبدو قبل سنوات قليلة بعيدة المنال.

لكن هنا يظهر سؤال لا يقل أهمية عن إعلان هوانغ نفسه: عندما نمنح النموذج حوسبة أكبر وبيانات أكثر وتدريباً أكثر تطوراً، ثم تتحسن قدراته بصورة مذهلة، فهل يمثل ذلك دليلاً على ظهور «ذكاء عام»، أم على اتساع نطاق المهام التي أصبح قادراً على أدائها؟

إن الفرق جوهري، فقد تتفوق الآلة في الرياضيات والبرمجة والبحث واستخدام الحاسوب، ثم تتعثر أمام سياق جديد، أو استثناء غير متوقع، أو مشكلة مفتوحة تختلف عما واجهته أثناء التدريب.

وتظهر هنا مفارقة لافتة: كلما اجتاز الذكاء الاصطناعي اختباراً كنا نظن أنه يتطلب قدرة بشرية، ارتفع السقف وبدأ البحث عن اختبار أصعب. فهل نحن نقترب من الذكاء العام؟ أم أن تعريفنا للذكاء يبتعد كلما اقتربت منه الآلة؟

ما الذي لا تقيسه الاختبارات؟

الذكاء البشري ليس مجموع درجات في اختبارات. فهو يشمل أيضاً القدرة على نقل ما نتعلمه من موقف إلى آخر، وفهم السياق، والتعامل مع الغموض، والتعلم من خبرات محدودة، واتخاذ القرار عندما لا تكون القواعد مكتوبة سلفاً.

ولهذا، ربما لا يكون السؤال الأهم: كم اختباراً يستطيع النموذج أن يتفوق فيه على البشر؟ بل: ماذا يفعل عندما ينتهي الاختبار ويبدأ العالم الحقيقي؟ فالاختبار يمنح النموذج مشكلة محددة ومعياراً للنجاح، أما العالم الحقيقي فيقدم مواقف متغيرة ومعلومات ناقصة ونتائج قد لا تظهر إلا لاحقاً. وهنا يصبح التفوق في الاختبارات دليلاً مهماً على القدرة، ولكنه ليس بالضرورة، -بمفرده- دليلاً حاسماً على الوصول إلى ذكاء اصطناعي عام.

ومع ذلك، ثمة مفارقة أخرى: ماذا لو لم نكن بحاجة إلى حسم هذا الجدل أصلاً قبل أن يبدأ الذكاء الاصطناعي في تغيير العالم الحقيقي؟

تساؤلات الطب

وفي الطب تحديداً، يبدو هذا السؤال أكثر إلحاحاً. في الطب... هل نسأل السؤال الخطأ؟ هنا يقدم الطب زاوية مختلفة تماماً.

ففي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، ينقل الدكتور أنتوني تشانغ، رئيس الجمعية الأميركية للذكاء الاصطناعي في الطب ورئيس مؤتمر «AIMed26»، النقاش من سؤال: «ما الذكاء؟» إلى سؤال أكثر عملية: ماذا يستطيع أن يفعل؟

يقول تشانغ: «في الذكاء الاصطناعي السريري، لم يكن السؤال المهم سريرياً يوماً: هل هو ذكي بصورة عامة؟ بل: هل أصبح قادراً بما يكفي، ومنخفض التكلفة بما يكفي، وموثوقاً بما يكفي، لكي يغيِّر من يقوم بأي عمل في الرعاية الصحية؟».

ثم يضيف عبارة تختصر تحولاً قد يكون جارياً بالفعل: «هذه العتبة يجري تجاوزها، مهمة بعد أخرى، وبهدوء، بصرف النظر عما نطلقه على الصورة الكلية».

هل تستطيع الآلة أداء المهمة الطبية بصورة جيدة وموثوقة وبتكلفة مقبولة؟

هنا يتغير السؤال كله. فبالنسبة إلى الطبيب أو المستشفى، قد لا يكون السؤال العاجل ما إذا كان النظام يستحق لقب «AGI»، ولا انتظار لحظة تاريخية يعلن فيها العالم وصول الذكاء الاصطناعي العام. السؤال الأكثر عملية هو: هل تستطيع الآلة أداء هذه المهمة بصورة جيدة، وموثوقة، وبتكلفة مقبولة؟

فإذا أصبحت قادرة على تحليل صورة طبية، أو تلخيص ملف مريض، أو إعداد مسودة تقرير، أو دعم قرار سريري، فإن توزيع بعض المهام بين الإنسان والآلة يكون قد بدأ يتغير فعلاً، حتى لو استمر العلماء سنوات أخرى في الاختلاف على تعريف «AGI».

وهنا ربما تكمن المفارقة: قد يستمر العالم في الجدل حول اسم الذكاء الجديد، بينما يكون هذا الذكاء قد بدأ فعلاً في تغيير مَن يفعل ماذا داخل المستشفى.

التعليم يصنع المستقبل

الثورة التي قد تحدث بلا إعلان

وربما تكمن هنا المفارقة الأكبر. لقد تخيلنا طويلاً وصول الذكاء الاصطناعي العام كلحظة تاريخية واضحة: آلة تعبر عتبة فاصلة، ثم يستيقظ العالم في اليوم التالي وقد دخل عصر «AGI»، ولكن التحول الحقيقي قد يحدث بطريقة أكثر هدوءاً.

مهمة كانت تستغرق ساعة تُنجز في دقائق، تحليل كان يتطلب عملاً متخصصاً يصبح مدعوماً بخوارزمية، برنامج كان ينتظر أمراً بعد آخر، يصبح قادراً على تنفيذ سلسلة كاملة من الخطوات، ثم مهمة أخرى... ثم أخرى.

ومع تراكم هذه التحولات الصغيرة، قد تتغير العلاقة بين الإنسان والآلة، من دون لحظة واحدة نستطيع أن نشير إليها ونقول: «هنا بدأ كل شيء». وهنا تكتسب عبارة تشانغ «مهمة بعد أخرى، وبهدوء» معناها الأعمق: قد لا نعرف اللحظة التي وصل فيها الذكاء الاصطناعي العام؛ لأن العالم ربما يكون قد بدأ يتغير قبل أن نتفق على ما نسميه.

من يملك حق إعلان وصول «AGI»؟

قد يثبت التاريخ أن جنسن هوانغ كان محقاً، وأن عام 2026 كان بالفعل بداية عصر الذكاء الاصطناعي العام. وقد يثبت أننا كنا لا نزال أبعد عن تلك العتبة مما تصورنا. ولكن إعلان هوانغ يترك وراءه سؤالاً ربما يكون أهم من الإعلان نفسه: من يملك حق القول إن «AGI» قد وصل؟ هل هي الشركات التي تبني النماذج؟ أم العلماء الذين يختبرونها؟ أم المؤسسات والمجتمعات التي ستعيش آثارها؟ أم أننا لن ندرك أننا عبرنا العتبة إلا عندما ننظر إلى الوراء؟

وفي الطب، قد تكون الإجابة أكثر تعقيداً. فقد لا نحتاج إلى لحظة واحدة تصبح فيها الآلة «ذكية مثل الإنسان» حتى نشهد تحولاً عميقاً في طريقة العمل. يكفي أن تتراكم القدرات، وأن تتغير المهام والأدوار، وأن يصبح ما كان مستحيلاً بالأمس جزءاً من الممارسة اليومية.

وربما لهذا لن يحسم تاريخ الذكاء الاصطناعي سؤال «متى وصل AGI؟» بذكر يوم واحد أو نموذج واحد أو تصريح واحد. فقد نختلف طويلاً حول اللحظة التي أصبحت فيها الآلة «ذكية بما يكفي».

لكننا قد نكتشف، ونحن منشغلون بتعريف تلك اللحظة، أن العالم كان قد عبرها فعلاً.


خريطة غير مسبوقة تكشف كيف تتحكم الجينات في المناعة

خريطة غير مسبوقة تكشف كيف تتحكم الجينات في المناعة
TT

خريطة غير مسبوقة تكشف كيف تتحكم الجينات في المناعة

خريطة غير مسبوقة تكشف كيف تتحكم الجينات في المناعة

كشفت دراسة ضخمة شملت 22 مليون خلية مناعية بشرية، عن كيفية عمل آلاف الجينات داخل الجهاز المناعي وتفاعلها مع الظروف المختلفة، وذلك في خطوة قد تساعد في تحديد الأسباب الجينية لأمراض متعددة وتطوير علاجات أكثر دقة للسرطان وأمراض المناعة الذاتية.

تأثير الجينات يتغير وفق حالة الخلية

أظهرت الدراسة المنشورة بمجلة «Cell» في 28 أغسطس (آب) 2026، أن تأثير الجينات لا يعمل بصورة ثابتة أو منفردة؛ بل يتغير بحسب حالة الخلية والبيئة المحيطة بها مثلما يحدث عندما تكون الخلايا في حالة سكون، أو أثناء استجابتها لعدوى أو إشارات مناعية. وتمكن الباحثون من تحويل هذه التفاعلات المعقدة إلى خريطة وظيفية عالية الدقة تكشف الدوائر التي تربط الجينات بسلوك الخلايا.

وأجرى الدراسة علماء من معاهد غلادستون وجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو وجامعة ستانفورد، بالتعاون مع «بايوهب» (Biohub) التي تعمل على دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة مع علوم الأحياء لتسريع الاكتشافات العلمية. واستخدم الفريق تقنية متطورة أتاحت تعطيل نحو 12800 جين بشكل منفصل في الخلايا التائية (المناعية) البشرية، ثم رصد التغيرات التي طرأت على الخلايا نتيجة كل تعديل.

ولا تكتفي هذه الخريطة بتحديد الجينات الموجودة في الخلية، بل تكشف ما يحدث فعلياً عند تغييرها، ما يوفر حلقة مفقودة بين المعلومات الوراثية الموجودة في الحمض النووي (دي إن إيه) وصحة الإنسان والمرض. ويرى الباحثون أن هذه البيانات قد تصبح أساساً لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على التنبؤ بكيفية استجابة الخلايا للتغيرات الجينية، وتسريع اكتشاف أهداف علاجية جديدة، خصوصاً في السرطان وأمراض المناعة الذاتية.

من قراءة الجينات إلى اختبار وظائفها

على مدى العقود الماضية، مر علم الوراثة بمراحل متتالية؛ فقد ساعد مشروع الجينوم البشري العلماء في تحديد المخطط الجيني للإنسان، ثم أسهمت مشاريع مثل أطلس الخلايا البشرية في فهم كيفية استخدام أنواع الخلايا المختلفة لهذا المخطط.

أما الدراسة الجديدة فتضيف مرحلة أخرى تتمثل في التدخل بالجينات واختبار تأثير تغييرها مباشرة على الخلايا. وقال ألكسندر مارسون، الباحث في معهد غلادستون لعلم المناعة الجينومي وقسم الطب بجامعة كاليفورنيا بسان فرانسيسكو بالولايات المتحدة الأميركية، وأحد كبار مؤلفي الدراسة: «الآن أصبحت لدى العلماء وسيلة لفهم العلاقة بين التسلسل الجيني والحالة الفعلية للخلية».

وللوصول إلى هذه النتائج، استخدم الباحثون تقنية متقدمة تُعرف باسم «Perturb-seq» أتاحت لهم تعطيل نحو 12800 جين واحداً تلو الآخر في الخلايا التائية البشرية، ثم مراقبة تأثير كل جين على الخلية. وتجمع هذه التقنية بين تعديل الجينات باستخدام كريسبر (CRISPR)، وتحليل نشاط الجينات داخل الخلية، ما يساعد العلماء في فهم وظيفة كل جين والتغيرات التي يحدثها بدقة.

وتعدّ الخلايا التائية من أهم مكونات جهاز المناعة؛ إذ تساعد الجسم في التعرف على مسببات الأمراض والخلايا غير الطبيعية ومهاجمتها.

اختبار الجينات في خلايا بشرية حقيقية

من أهم ما يميز الدراسة أن الباحثين لم يعتمدوا فقط على خطوط الخلايا المزروعة في المختبر؛ بل أجروا التجارب على خلايا مناعية أولية مأخوذة من متبرعين بالدم.

وتحتفظ هذه الخلايا بقدرتها الطبيعية على الاستجابة للإشارات التي تنشط جهاز المناعة، ما يسمح للعلماء برؤية تأثير التغيرات الجينية في بيئة أقرب إلى ما يحدث داخل جسم الإنسان. ويقول الباحثون إن هذا النهج قد يساعد في تفسير سبب اختلاف الاستجابة المناعية بين الأشخاص، ولماذا يكون بعض الأفراد أكثر عرضة للإصابة بأمراض معينة.

الجينات لا تعمل منفردة

كشفت الدراسة أيضاً أن وظيفة الجينات لا يمكن فهمها دائماً بالنظر إلى كل جين بشكل منفصل؛ فالجينات تعمل ضمن شبكات أو «دوائر» مترابطة، ويمكن أن تتغير طريقة عمل هذه الدوائر بحسب الظروف المحيطة بالخلية.

فعلى سبيل المثال، قد يكون للجين تأثير مختلف عندما تكون الخلية في حالة سكون مقارنة بحالتها أثناء مواجهة عدوى، أو استجابة لإشارة مناعية. وشبه الباحثون هذه الشبكات بالدوائر الإلكترونية التي تتحكم في أجهزة الكمبيوتر، حيث تتعاون مكونات متعددة لإنتاج استجابة محددة.

وتوفر هذه المعلومات طريقة جديدة لفهم كيفية انتقال تأثير الاختلافات الجينية الطبيعية إلى صفات مرتبطة بالصحة والمرض، بما في ذلك أعداد الخلايا المناعية وقابلية الإصابة بأمراض مرتبطة بالجهاز المناعي.

«مشروع المليار خلية» - قاعدة بيانات للذكاء الاصطناعي

تعدّ البيانات التي أنتجتها الدراسة أكبر مساهمة حتى الآن في «مشروع المليار خلية» (Billion Cells Project)، وهو مشروع يهدف إلى إنشاء قاعدة بيانات مفتوحة تضم مليار خلية بشرية منفردة، وذلك بهدف تعزيز الفهم القائم على الذكاء الاصطناعي للسلوك الخلوي ووظائف الجينات.

ويأمل الباحثون في استخدام هذه البيانات لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي على التنبؤ بكيفية استجابة الخلايا للتغيرات الجينية والظروف المختلفة.

ويؤكد العلماء أن تدريب الذكاء الاصطناعي على نوع واحد من الخلايا أو حالة واحدة، قد لا يكون كافياً للتنبؤ بما يحدث داخل جسم الإنسان، لأن وظيفة الجينات تعتمد بدرجة كبيرة على السياق البيولوجي. وقد تمكن الفريق من فحص 33.4 مليون خلية، وانتهى التحليل النهائي إلى 22 مليون خلية عالية الجودة شكلت أساس الخريطة الجديدة.

الخطوة التالية: السرطان

بعد بناء هذه الخريطة الواسعة للخلايا التائية، بدأ الباحثون بالفعل في المرحلة التالية من المشروع التي ستركز على السرطان.

ويخطط الفريق لاستخدام التقنية نفسها لدراسة كيفية تغير الخلايا التائية وراثياً ووظيفياً عندما تدخل إلى الأورام وتتفاعل مع البيئة المعقدة المحيطة بها.

ويأمل العلماء في أن تتحول الخريطة الجديدة إلى مرجع يستخدمه الباحثون لمعرفة تأثير أي جين تقريباً على الخلايا المناعية البشرية، بما قد يسرّع اكتشاف أهداف علاجية جديدة، ويدعم تطوير الطب الدقيق والعلاجات المناعية في المستقبل.