إبداعات تطمس الحدود بين الفن والتصميم وتجمع الجمال والخيال والفائدة

8 مصممين يتحدثون عن الاتجاهات التي يتوقون لرؤيتها في عام 2025

إبداعات تطمس الحدود بين الفن والتصميم وتجمع الجمال والخيال والفائدة
TT

إبداعات تطمس الحدود بين الفن والتصميم وتجمع الجمال والخيال والفائدة

إبداعات تطمس الحدود بين الفن والتصميم وتجمع الجمال والخيال والفائدة

من «اللمعان العالي» إلى المزيد من الحرفية في عملية التصميم... هذه هي الاتجاهات التي يريد المصممون رؤيتها أكثر في العام المقبل. كما كتبت إليزافيتا م. براندون (*).

مع انتهاء عام 2024، تواصلنا مع ثمانية مصممين ومهندسين معماريين، بما في ذلك تي تشانغ وبين ويليت وباسكال سابلان، وطلبنا منهم طرح تصوراتهم. أما مهمتهم، فهي اختيار اتجاه يريدون رؤيته مزدهراً في العام المقبل. وقد حان الوقت للكشف عن تلك الاتجاهات.

«التصميم الفني»

يقول تي تشانغ، مصمم صناعي ومؤسس مشارك ومدير تصميم منظمة «كرايف» Crave: «في عام 2025، أتوقع أن نشهد ارتفاعاً في التصميم الفني (Artful design) - وهي حركة تتجاوز فيها المنتجات الوظائف، لتصبح أشياء ذات معنى عميق ولها صدى عاطفي».

وهذه الإبداعات تطمس الحدود بين الفن والتصميم، وتجمع بين الجمال والخيال والفائدة بطرق تسعد وتلهم. إنها ليست مجرد أشياء نستخدمها؛ إنها أشياء نعتز بها.

إن هذه الأشياء تكون مصنوعة من قِبل فنانين ومبدعين وعلامات تجارية ذات قناعات إبداعية قوية ونهج ضميري للتصنيع. ويتم إنتاجها بعناية من خلال عمليات تصنيع مدروسة، مع إعطاء الأولوية للجودة على الكمية. يتماشى هذا النهج مع رغبات المستهلكين المتزايدة في أسلوب حياة أفضل - أسلوب يرفض السلع الرخيصة التي يمكن التخلص منها لصالح المنتجات المصنوعة مع احترام البيئة والاعتبار لرفاهية المستخدم.

«لمعان شديد»

يقول بن ويليت، مصمم، مؤسس شركة «ويليت» إنه متحيز جزئياً «لأنني أطلي الكثير من قطع الأثاث الخاصة بي الآن؛ فهذا يضيف شيئاً جريئاً وحسياً إلى قطعة أثاث أو غرفة. ولأن الضوء يحب التحرك في الفضاء فإن طلاء شيء على شكل شديد اللمعان يمنحه الفرصة للقيام بذلك».

التنوع والمساواة في الهندسة المعمارية والتصميم

تقول باسكال سابلان، مهندسة معمارية، الرئيسة التنفيذية لشركة Adjaye Associates، استوديو نيويورك، إن «أحد الاتجاهات التي أرغب بشدة في رؤيتها تزدهر في عام 2025 هو الاستمرار في إعطاء الأولوية للتنوع والمساواة والشمو بصفتها ركيزة أساسية لمهنتنا. إن الجهود المبذولة لإنشاء صناعة تصميم أكثر إنصافاً وعدالة ليست مجرد مبادرات؛ بل إنها ضرورية لتشكيل بيئة مبنية تعكس وتخدم الطيف الكامل للإنسانية».

من خلال تضخيم الأصوات غير الممثلة، ورعاية المواهب المتنوعة، ودمج الممارسات التي يقودها المجتمع، يمكننا تصميم مساحات تكرم السرديات الثقافية وترفع من شأن المجتمعات المهمشة. وتضيف: «هذا العمل يتعلق بإنشاء أنظمة دائمة للتغيير تتحدى عدم المساواة وتعزز الإبداع من خلال القوة الجماعية».

«التخصيص والحرفية»

تقول تاليا كوتون، مصممة ومؤسسة ومديرة إبداعية، في «كوتون ديزاين» إن «الشعارات والخطوط المطبعية المخصصة للغاية تعود إلى الظهور، وأنا متحمسة جداً لهذا».

هل تذكرون الوقت الذي سبق ظهور أجهزة الكمبيوتر، عندما كان كل شيء مرسوماً يدوياً بدقة وفريداً حقاً. في السنوات الأخيرة، اتجه التصميم نحو التجانس، وقد لاحظ الناس ذلك... لكن التخصيص يزدهر. وهذا مؤشر على أن الحرفة لم تمت في صناعتنا.

إن الحرفة اليدوية تذكير بأن الفن يميز العمل الرائع. أعتقد أن هذا الاتجاه مهم بشكل خاص الآن؛ لأنه مع صعود الذكاء الاصطناعي والأتمتة، أصبحت الأشياء المصنوعة حسب الطلب والمصنوعة يدوياً ذات قيمة أكبر تقريباً.

وتضيف إميلي شابيرو، مصممة ديكورات داخلية ومؤسسة TALD، من جهتها، إن التخصيص هو الاتجاه الذي نأمل أن يستمر - المساحات التي تعكس ما يجعلك سعيداً، والمصممة عمداً وبحجم مناسب. سواء كان أسلوبك يميل نحو النغمات الخافتة أو الألوان والأنماط الجريئة، فهناك طريقة لإضفاء الحياة على رؤيتك بعناية بحيث يناسب منزلك الطريقة التي تعيش بها وتجتمع بها.

«الاستدامة الطبيعية»

يقول جو دوسيت، مصمم صناعي ومؤسس، «جو دوسيت إكس بارتنرز»: «أعتقد أننا نتجاوز أخيراً الاستدامة المزيفة مثل الخيزران المعاد تدويره والإطارات القديمة الممزوجة بالراتنج إذ لا شيء منهما أفضل للكوكب من المواد الخام. على نحو متزايد، أرى الاستدامة مدمجة في عملية التصنيع بأكملها، والتحول نحو مواد أقل وفي النهاية نقاط فشل أقل. إنه يمثل الابتعاد عن وجهة نظر أحادية البعد للمواد ونحو فهم أن التصميم المستدام مدمج في كل مرحلة من مراحل العملية. هذا ما يجب أن نحب جميعاً أن نرى المزيد منه».

التأثير التجديدي لـ«الإلحاح الصبور»

يقول شون كوين، مدير التصميم المتجدد HOK، إن التصميم التجديدي أخذ يظهر. لقد أصبح تعزيز التنوع البيولوجي حلاً واضحاً وحاسماً لصحة الكوكب، وقد أظهرت إعادة تأهيل المدن تحسناً في حياتنا اليومية. ومع ذلك، نشأ هذا النهج والوعي المتطور خلال فترة من الخلل السياسي والصراع الثقافي.

واستجابة لذلك؛ نحتاج إلى تبني ممارسة «الإلحاح الصبور». نحن في حاجة إلى إشراك المؤيدين والمتشككين على حد سواء والتواصل بشأن هذه القضايا الحرجة بطريقة تجعل عملاءنا ومجتمعاتنا يشاركوننا في هذه الرحلة المثيرة. بصفتنا مصممين، نحتاج إلى الاحتفاظ بتركيزنا والتزامنا بتطوير حلول تعيد ربط الأنظمة الطبيعية بالبيئة المبنية، وتدفع النمو المرن والمستقل عن الطاقة والإيجابي للطبيعة.

* مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»



مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟


أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
TT

أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر

سترسل وكالة الطيران والفضاء الاميركية ناسا، أربعة رواد فضاء في مهمة أرتميس 2 في رحلة تستغرق 10 أيام حول القمر للتمهيد لهبوط على سطحه في المستقبل وإقامة قواعد دائمة عليه.


اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف

اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف
TT

اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف

اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف

في تطورين علميين لافتين، أعلن باحثون اكتشافين يسلطان الضوء على أسرار الحياة من جانبين متناقضين. ففي حين نجح فريق علمي في بناء واحدة من أكثر المحاكاة الرقمية اكتمالاً لخلية حيّة، تمكَّن فريق آخر من تحديد المفتاح الجزيئي الذي يحدد متى تتوقف الخلايا البشرية عن الانقسام، والتكاثر.

ورغم اختلاف المسارين يجتمع هذان الإنجازان ليقدما صورة أوضح للحياة سواء في أبسط صورها أو أعقدها، هي أنها تعمل وفق نظام دقيق ومترابط يفوق ما كان يُعتقد سابقاً.

خلية «حيّة» على شاشة الكمبيوتر

لأول مرة تمكن الباحثون بقيادة زين ثورنبورغ، من معهد «بيكمان للعلوم والتكنولوجيا المتقدمة» في جامعة «إلينوي» بالولايات المتحدة الأميركية، من إنشاء نموذج حاسوبي يتتبع كل جزيء داخل خلية بكتيرية بسيطة في أثناء عملية نسخ حمضها النووي «دي ان ايه DNA» وانقسامها إلى خليتين، في دراسة نُشرت في مجلة «سيل Cell» في 9 مارس (آذار) 2026. وقد تم تقليص المادة الجينية لهذه الخلية إلى 493 جيناً فقط مما جعلها نموذجاً مثالياً لفهم كيفية نشوء الحياة من مكوّناتها الأساسية.

وأعادت المحاكاة الرقمية بناء جميع العمليات الحيوية بما فيها تضاعف الحمض النووي (دي إن إيه)، وتصنيع البروتينات ونشاط الريبوسومات وتغيرات الغشاء الخلوي. ومع تحرّك الجزيئات واصطدامها داخل «الخلية الافتراضية virtual cell» فإنها اتبعت نفس السلوك الذي تفعله الخلايا الحقيقية. وبعد محاولات عديدة لتحسين النموذج، استطاعت الخلية الافتراضية إكمال دورة خلوية كاملة. واستغرقت 105 دقائق، وهو وقت مطابق تقريباً لوقت الخلية الحقيقية.

ولم تكن هذه العملية مجرد رسوم متحركة بل خريطة تفصيلية لما يجعل الخلية حيّة. ويفتح ذلك الباب أمام ابتكار مضادات حيوية جديدة وفهم تطور الحياة المبكرة وتصميم كائنات دقيقة مبرمجة لأغراض طبية أو بيئية. لكن فهم كيفية بدء الحياة لا يقل أهمية عن فهم كيفية توقفها.

بروتين واحد يتحكم بساعة الشيخوخة داخل خلايانا

كانت دراسة منفصلة نُشرت في مجلة «Molecular Cell» بتاريخ 18 ديسمبر (كانون الأول) 2025 قد اكتشفت أن بروتيناً واحداً يسمّى «ATM»، هو المسؤول عن اتخاذ القرار المصيري الذي يُجبر الخلايا البشرية على التوقف عن الانقسام في عملية تُعرف بـ«الشيخوخة التكاثرية أو التشيّخ replicative senescence». وقاد الدراسة تيتيا دي لانغ، رئيسة مختبر بيولوجيا الخلية وعلم الوراثة في جامعة «روكفلر» في نيويورك.

ولفترة طويلة اعتقد الباحثون أن بروتينَي «ATM» و«ATR» يعملان معاً لاستشعار قِصَر التيلوميرات، وهي الأغطية الواقية في نهايات الكروموسومات التي تقصر مع كل انقسام خلوي. لكن الدراسة الجديدة نقضت هذه الفكرة تماماً. وأكدت أن بروتين «ATM» هو وحده المسيطر على عملية التوقف.

وعندما عطّل العلماء هذا البروتين واصلت الخلايا الانقسام حتى عندما أصبحت تيلوميراتها قصيرة جداً. والأدهى من ذلك أن تعطيل بروتين «ATM» في خلايا «مسنّة» أعاد قدرتها على الانقسام، مما يعني أن الشيخوخة الخلوية ليست نهاية حتمية بل مفتاح يمكن تشغيله ووقفه.

نقطة التقاطع: البيئة المحيطة تغيّر مصير الخلية

ما يجمع بين الاكتشافين هو عنصر واحد مهم وهو الأكسجين، حيث أظهرت الخلية الافتراضية أن التغيرات البسيطة في بيئة الخلية تؤثر بعمق على سلوك مكوّناتها الجزيئية. وينطبق الأمر نفسه على الخلايا البشرية.

وتعيش معظم الأنسجة في جسم الإنسان في بيئة تحتوي على 3 في المائة فقط من الأكسجين. لكن في المختبر تُزرع الخلايا عادةً في 20 في المائة منه وهو مستوى الهواء المحيط. ولطالما حيّر العلماء سبب «شيخوخة» الخلايا في المختبر بسرعة أكبر مما يحدث داخل الجسم.

وقدّمت الدراسة الجديدة الإجابة، حيث إن نسبة الأكسجين العالية تجعل بروتين «ATM» حساساً بشكل زائد، فيدفع الخلايا إلى التوقف عن الانقسام أسرع من الطبيعي. ولكن عند مستويات الأكسجين الهادئة داخل الجسم يصبح البروتين «ATM» أقل نشاطاً وتتمكن الخلايا من الانقسام لفترات أطول.

رسالة موحّدة: الحياة تعمل وفق شبكة دقيقة من القواعد

وعند جمع النتائج معاً تتضح صورة مذهلة هي أن الحياة، من أبسط الخلايا إلى أعقدها، محكومة بدوائر جزيئية دقيقة تتأثر بكل ما يحيط بها. فالخلية الافتراضية تكشف عن كيف تنشأ الحياة من مجموعة صغيرة من الجينات. واكتشاف بروتين «ATM يوضح كيف يمكن لجزيء واحد أن يتحكم بالحدّ الفاصل بين الشباب والشيخوخة. وكلاهما يُظهر أن سلوك الخلايا ليس قدراً ثابتاً بل استجابة مرنة للبيئة.

تمهيد لعصر جديد في علم الأحياء

تُبشّر هذه الاكتشافات بمرحلة متطورة تتيح لنا اختبار الخلايا افتراضياً قبل إجراء التجارب الفعلية عليها. والنظر إلى الشيخوخة بوصفها حالة قابلة للتعديل وليس كمصير محتوم. ومن ثم تصميم علاجات أكثر دقة للأمراض كالسرطان والأمراض التنكسية والعدوى.

سواء من خلال محاكاة خلية بكتيرية كاملة أو فك أسرار الساعة البيولوجية للشيخوخة، تُؤكّد لنا هذه الإنجازات حقيقة واحدة هي أن قوانين الحياة لم تعد طيَّ الكتمان بل تُفكَّك طلاسمها خطوة بعد خطوه وبوتيرة أسرع من أي وقت مضى.