«مستخدمون خارقون» يوظفون الذكاء الاصطناعي للتقدم في العمل

يعزز جهود العاملين ويوفر الوقت لكن محاذير أخطائه لا تزال قائمة

«مستخدمون خارقون» يوظفون الذكاء الاصطناعي للتقدم في العمل
TT

«مستخدمون خارقون» يوظفون الذكاء الاصطناعي للتقدم في العمل

«مستخدمون خارقون» يوظفون الذكاء الاصطناعي للتقدم في العمل

يقول كثير من العاملين في المؤسسات والشركات إن نظم الذكاء الاصطناعي تساعد في إنجاز أعمالهم بسرعة وكفاءة؛ إذ إنها توظف لإنشاء محتوى باستخدام أطر عمل محددة، والاستعداد للمحادثات الصعبة، والمساعدة في التخطيط للمشروع، وتحديد تأثير القرارات.

«مستخدمون خارقون»

وقد أصبح عدد كبير من العمال «مستخدمين خارقين» للذكاء الاصطناعي، فهم يلجأون إلى التكنولوجيا يومياً لتعلم المهارات، وتحليل مجموعات كبيرة من البيانات، ومراجعة المرشحين للوظائف، وحتى برمجة روبوتات أخرى لمساعدتهم في المهام المتكررة، مثل إقامة الدورات التدريبية عبر الإنترنت. إلا أن خبراء التقنية يقولون إنهم قلقون أيضاً بشأن الخصوصية، وعدم الدقة وفقدان المهارات، وحتى إمكانية استبدال الوظائف في المستقبل.

تلخيص الكتب والمقالات

لا يزال تبني الذكاء الاصطناعي في العمل في بداياته نسبياً. يقول نحو 67 في المائة من العاملين إنهم لا يستخدمون الذكاء الاصطناعي أبداً في وظائفهم، مقارنة بـ4 في المائة يقولون إنهم يستخدمونه يومياً، وفقاً لمسح حديث أجرته مؤسسة «غالوب». لكن أولئك الذين يستخدمونه، ومعظمهم من العمال ذوي الياقات البيضاء، يرون فوائد في الإنتاجية والكفاءة والإبداع والابتكار، وفقاً للمسح.

تطوير المهارات الفردية

بالنسبة لبعض العاملين لا يوفر الذكاء الاصطناعي الوقت فحسب، بل يساعدهم أيضاً على تطوير المهارات، كما كتبت دانييل أبري في «واشنطن بوست»؛ إذ سرعان ما تعلمت إيلكر إركوت، مساعدة العمليات الإدارية في جامعة ماريلاند، ذلك بعد أن طبقت الذكاء الاصطناعي لأول مرة في عملها. كانت لديها مهلة نهائية مدتها خمس ساعات لتلخيص موضوعات كتاب يحتاجه أحد المديرين التنفيذيين للمناقشة. بدلاً من تصفح النصوص بأسرع ما يمكن، لجأت إلى «تشات جي بي تي»، وأنهت العمل في ساعتين ونصف الساعة.

وتستخدم إركوت الذكاء الاصطناعي كل يوم لتعلم صيغ برنامج «إكسيل» المعقدة لبناء جداول بيانات يمكنها إجراء استطلاعات الرأي، وتتبع وتحليل مكالمات خدمة العملاء. كما تستخدمه لجلسات الشحذ الذهني والتحرير وإنشاء رسومات مخصصة، وهو أمر قالت إنه لم تكن لديها الثقة للقيام به بمفردها، وإنه يوفر نحو 15 ساعة في الأسبوع، مما سمح لها بالعمل في مشاريع أخرى.

كتابة محاضر الاجتماعات

كما وجدت كانيكا كورانا أن الذكاء الاصطناعي يوفر الوقت، حيث تستخدم رئيسة التصميم السابقة البالغة من العمر 30 عاماً في شركة «برو كرييتر»، وهي وكالة تصميم في مومباي، الذكاء الاصطناعي في البحث للمساعدة في كتابة محاضر الاجتماعات من النصوص التي تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي، وتلخيص أفكارها التي تم إملاؤها بعد مقابلات المرشحين للوظائف، ثم تنسيقها للموارد البشرية.

كما أنشأ فريقها روبوتات مخصصة يمكنها مساعدة الآخرين، خصوصاً الزملاء الأكثر خبرة، في إنشاء محتوى للعملاء باستخدام لغة وصوت محددين، وتلبية احتياجات الجماهير المستهدفة.

هيكلة الملاحظات

يمكن أن تكون هيكلة الملاحظات مفيدة بشكل خاص عندما تكون هناك عناصر متعددة، وفقاً لجيك صامويلسون، المؤسس المشارك لمنصة التعلم المدعومة بالذكاء الاصطناعي «آبليميت»، ومقرها سان ماتيو بكاليفورنيا.

وجمع صامويلسون، 40 عاماً، بيانات الاستطلاع من أكثر من 1000 شخص استخدموا منصة شركته الناشئة. واستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل التعليقات وتلخيص الموضوعات، وتحديد مجالات التحسين. كما ساعده الذكاء الاصطناعي في إنشاء النماذج الأولية وتبادل الأفكار، وصياغة الدورات التدريبية مع المدربين. وبينما يقدر صامويلسون أنه يوفر ما يصل إلى 10 ساعات في الأسبوع وينتج عملاً أفضل، فقد واجه أيضاً نقاط ضعف للذكاء الاصطناعي.

التحقق من صحة مُخرجات الذكاء الاصطناعي

يقول معظم المستخدمين الفائقين إنهم يتحققون من صحة أي شيء يخرجه الذكاء الاصطناعي. وقالت بيكا تشامبرز، رئيسة الاتصالات السابقة في شركة «كنترول آب»، ومقرها فورت لودرديل بولاية فلوريدا، وهي شركة تساعد في إدارة المشكلات التقنية للموظفين، إنها تستخدم محرك البحث بالذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي» Perplexity للتحقق من الإجابات؛ لأنه يوفر روابط للمصادر. وعلى الرغم من حدوث خلل عرضي، فإنها تستعين بالذكاء الاصطناعي في كل مهمة عمل تقريباً، بدءاً من فك رموز الملاحظات المختصرة إلى نسخ البث الصوتي، ومسح وسائل التواصل الاجتماعي لاتجاهات السوق، وتعديل نبرة رسائل البريد الإلكتروني، والتحقق من القواعد النحوية، وتحديد مقاطع الفيديو وترجمتها.

مساعدة لغوية للأجانب

الكتابة هي الغرض الرئيسي لستان سوخينين، مؤسس شركة الاستشارات المالية «سورسو» في أوستن، الذي يستخدم «تشات جي بي تي». وذلك لأن اللغة الأم لسوخينين هي الروسية، لذا فإن كتابة رسائل البريد الإلكتروني الصحيحة نحوياً كانت تستغرق في السابق ما يصل إلى 20 دقيقة. كما يساعده الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات المعقدة لتوقعات الإيرادات، باستخدام إحصاءات أكثر تعقيداً.

وبينما وجد أن نظام «كلود» من «أنثروبيك» هو الأفضل في التعامل مع البيانات، إلا أنه يعتقد أن الذكاء الاصطناعي ليس جيداً بشكل عام في تحليل وتصنيف الأرقام، لذلك لا يزال يقوم بكثير من المهام يدوياً.

وقال سوخينين: «لو لم تخبره بأن الأمر كان خاطئاً، فإنه يعتقد أن الناتج جيد. لقد ارتكب كثيراً من الأخطاء، وأحياناً بشأن أسئلة سهلة».

الحذر من مشاكل الذكاء الاصطناعي

يقول الخبراء إنه بخلاف إدخال الأخطاء، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسبب مشكلات أخرى إذا لم يكن العاملون حذرين؛ إذ يجب عليهم تجنب إدخال معلومات حساسة في أدوات لا تحتوي على تدابير أمنية مناسبة على مستوى المؤسسة، فقد ينتهي بهم الأمر بسرقة أفكار أو معلومات من الآخرين. وقد يقدم الذكاء الاصطناعي تحيزاً عن غير قصد.

وإذا اعتمد العمال على الذكاء الاصطناعي بشكل مفرط، فقد يفوتون مهارات التعلم أو يخاطرون بفقدان المهارات التي يمتلكونها، كما قال أرفيند كاروناكاران، الأستاذ المساعد وعضو هيئة التدريس في مركز العمل والتكنولوجيا والتنظيم بجامعة ستانفورد.

في حين لا يزال معظم المستخدمين الفائقين غير مرتاحين للذكاء الاصطناعي غير الخاضع للإشراف، يعتقد بعض قادة الصناعة أن الذكاء الاصطناعي المستقل هو المستقبل. في مؤتمر «سيلفورس» Salesforce الأخير، حيث كُشف النقاب عن وكلاء مبيعات الذكاء الاصطناعي، اقترح الرئيس التنفيذي لشركة «نفيديا» Nvidia جينسن هوانغ أن «العمل سيتم قبل أن تفكر فيه». أما بالنسبة للرئيس التنفيذي لشركة «زووم» إريك يوان، فيبدو الذكاء الاصطناعي وكأنه وجود «توأم رقمي» يعمل تلقائياً جنباً إلى جنب مع الناس.

حقائق

67 % من العاملين الأميركيين يقولون إنهم لا يستخدمون الذكاء الاصطناعي أبداً في وظائفهم مقارنة بـ4 % يستخدمونه يومياً وفقاً لمسح حديث أجرته مؤسسة «غالوب»


مقالات ذات صلة

«رابطة الصحافة الأجنبية» تتهم الجيش الإسرائيلي بفبركة صورة لصحافي لبناني لتبرير قتله

المشرق العربي أشخاص يمرون أمام لافتة تعرض صور الصحافييَن فاطمة فتوني وعلي شعيب اللذين قُتلا في غارة إسرائيلية في جنوب لبنان خلال مظاهرة في بغداد 7 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

«رابطة الصحافة الأجنبية» تتهم الجيش الإسرائيلي بفبركة صورة لصحافي لبناني لتبرير قتله

هاجمت «رابطة الصحافة الأجنبية» الجيش الإسرائيلي بسبب صورة مفبركة بالذكاء الاصطناعي استخدمها لاتهام صحافي لبناني قتله الشهر الماضي بأنه عضو في «حزب الله».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الاقتصاد وحدة لجهاز طباعة ضوئية فوق بنفسجية فائقة الدقة من إنتاج «إيه إس إم إل» معروضة في مقر مختبر بحوث الرقائق البلجيكي (رويترز)

«إيه إس إم إل» الهولندية ترفع توقعات مبيعاتها لـ2026 إلى 40 مليار يورو

رفعت شركة «إيه إس إم إل» (ASML)، المورِّد الأكبر عالمياً لمعدات صناعة الرقائق، توقعاتها لإيرادات عام 2026.

«الشرق الأوسط» (أمستردام)
تكنولوجيا يؤكد تصدر السعودية لمراكز متقدمة عالمياً نجاح توجهات البلاد في بناء منظومة وطنية تنافسية (واس)

السعودية تحقق أعلى نمو عالمي في كفاءات الذكاء الاصطناعي

حققت السعودية، المرتبة الأولى عالمياً في الأمن والخصوصية والتشفير في الذكاء الاصطناعي وفقاً لـ«مؤشر ستانفورد 2026».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد جناح «أرامكو الرقمية» في ملتقى الحكومة الرقمية (موقع الشركة الإلكتروني)

شراكة بين «أرامكو الرقمية» و«كومولوسيتي» لتقديم حلول الذكاء الصناعي في الخليج

أعلنت شركة «أرامكو الرقمية» السعودية توقيع اتفاقية شراكة استراتيجية مع «كومولوسيتي» العالمية الرائدة في مجال الذكاء الصناعي للأشياء في القطاع الصناعي.

«الشرق الأوسط» (الظهران)

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة
TT

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

كشفت دراسة جديدة أن روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم للمستخدمين نصائح طبية خاطئة في نحو نصف الحالات، ما يسلط الضوء على المخاطر الصحية لهذه التقنية التي باتت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية.

تقييم 5 نماذج ذكية

وأجرى باحثون من الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة تقييماً لـ5 منصات شائعة: «تشات جي بي تي»، و«جيميناي»، و«ميتا إيه آي»، و«غروك»، و«ديب سيك» من خلال طرح 10 أسئلة على كل منها، ضمن 5 فئات صحية.

نصف الإجابات خاطئة

ووفقاً للنتائج المنشورة هذا الأسبوع في المجلة الطبية «BMJ Open»، اعتُبر نحو 50 في المائة من إجمالي الإجابات خاطئاً، بما في ذلك ما يقرب من 20 في المائة كانت إجابات خاطئة للغاية، وفقاً لتقرير نشرته وكالة «بلومبرغ».

وأظهرت الدراسة أن أداء روبوتات الدردشة كان أفضل نسبياً في الإجابة عن الأسئلة المغلقة، والأسئلة المتعلقة باللقاحات والسرطان، بينما كان أداؤها أسوأ في الإجابة عن الأسئلة المفتوحة وفي مجالات مثل الخلايا الجذعية والتغذية.

إجابات بثقة... من دون مراجع

أفاد الباحثون بأن الإجابات كانت تُقدَّم غالباً بثقة ويقين، مع أن أياً من برامج الدردشة الآلية لم يُقدِّم قائمة مراجع كاملة ودقيقة استجابةً لأي سؤال. ولم يُسجَّل سوى رفضين للإجابة عن سؤال، وكلاهما من نموذج «ميتا».

افتقار النماذج للخبرة الطبية

تُسلِّط هذه النتائج الضوء على القلق المتزايد بشأن كيفية استخدام الناس لمنصات الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي لا تملك ترخيصاً لتقديم المشورة الطبية، وتفتقر إلى الخبرة السريرية اللازمة للتشخيص.

200 مليون يستشيرون «الطبيب جي بي تي» أسبوعياً

وقد أدى النمو الهائل لبرامج الدردشة الآلية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي إلى تحويلها لأداة شائعة للأشخاص الذين يبحثون عن إرشادات بشأن أمراضهم. وصرَّحت شركة «أوبن إيه آي» بأن أكثر من 200 مليون شخص يطرحون أسئلة حول الصحة والعافية على منصة «تشات جي بي تي» أسبوعياً.

وكانت المنصة قد أعلنت في يناير (كانون الثاني) الماضي عن أدوات صحية لكل من المستخدمين العاديين والأطباء. وفي الشهر نفسه أعلنت شركة «أنثروبيك» عن إطلاق منتجها «كلاود» كخدمة جديدة للرعاية الصحية.

تضخيم المعلومات المضللة

وأشار مؤلفو الدراسة إلى أن أحد المخاطر الرئيسية لنشر برامج الدردشة الآلية دون توعية عامة ورقابة، هو أنها قد تُضخِّم المعلومات المضللة. وكتب الباحثون أن النتائج «تُسلِّط الضوء على قيود سلوكية مهمة، وعلى ضرورة إعادة تقييم كيفية استخدام روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في التواصل الصحي والطبي الموجَّه للجمهور». وأضافوا أن هذه الأنظمة قد تُنتج «ردوداً تبدو موثوقة، ولكنها قد تكون معيبة».


حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب
TT

حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب

في الطب، لم يكن القرار يوماً مجرد اختيار بين خيارات متاحة، بل لحظة مسؤولية معقدة، يقف فيها الطبيب بين ما تقوله البيانات وما يعيشه الإنسان. فالتشخيص قد يكون علماً، لكن القرار ظل دائماً فعلاً إنسانياً يقوم على مزيج من الخبرة والحدس والقدرة على قراءة ما بين السطور.

عندما يصبح القرار احتمالاً

وفي الطب النفسي تحديداً، يزداد هذا التعقيد. فالمريض ليس رقماً ولا عضواً يمكن قياسه، بل تجربة إنسانية كاملة: مشاعر، ذاكرة، وعلاقات. لذلك؛ كان اختيار الدواء أقرب إلى محاولة فهم... لا إلى تطبيق معادلة.

لكن هذا التوازن بدأ يتغير مع دخول الذكاء الاصطناعي التنبؤي، حيث لم يعد القرار يبدأ من الفهم فقط، بل من الاحتمال.

الدواء تحت مجهر الخوارزمية

من«أي دواء أختار؟» إلى «ما احتمال النجاح؟»

في دراسة حديثة نُشرت في أبريل (نيسان) 2026 في مجلة «جاما للطب النفسي» (JAMA Psychiatry)، حلّل باحثون بيانات أكثر من 300 ألف مريض لتقدير احتمالية الاستجابة لمضادات الاكتئاب من نوع مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، وأظهرت النتائج أن النماذج التنبؤية بلغت دقة تقارب 74 في المائة، مقارنة بما يقابل نحو 48 في المائة في الممارسة التقليدية.

لكن الأهم من الأرقام هو ما تعكسه من تحول في طريقة التفكير الطبي. فبدلاً من أن يبدأ الطبيب من خبرته ليختار الدواء، يبدأ الآن من تقدير احتمالي مسبق يوجه القرار منذ البداية... وهنا لا تتغير الإجابة فقط... بل يتغير السؤال نفسه.

مثال من العيادة... حيث يبدأ التردد

في عيادة نفسية، يحضر مريض يعاني اكتئاباً متوسطاً. في النموذج التقليدي، يختار الطبيب الدواء بناءً على خبرته، ثم يراقب الاستجابة ويعدّل العلاج عند الحاجة.

أما مع الذكاء الاصطناعي، فيمكن إدخال بيانات المريض للحصول على تقدير لاحتمال نجاح كل خيار. قد يشير النظام إلى أن دواءً معيناً يملك فرصة نجاح أعلى بنسبة 68 في المائة. في هذه اللحظة، لا يختفي دور الطبيب... لكنه يتغير.

ويظهر سؤال جديد: هل يتبع خبرته... أم الاحتمال؟

هل أصبح القرار حسابياً؟

رغم دقة هذه النماذج، فإنها لا «تفهم» المريض كإنسان، بل تحلل أنماطاً إحصائية مستخلصة من بيانات واسعة. فهي لا تدرك التاريخ النفسي أو السياق الاجتماعي أو التعقيد الشخصي للحالة. وما تقدمه هذه الأنظمة ليس قراراً، بل هو احتمال مبني على تشابه الحالات. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يكفي أن يكون الخيار أكثر احتمالاً للنجاح... ليكون الخيار الأنسب؟

تعاون طبي بعقل واحد

بين الدقة والإقناع

كلما ازدادت دقة الخوارزميات، ازدادت قدرتها على إقناع الطبيب بنتائجها. لكن هذا الإقناع قد لا يعكس الحقيقة دائماً، بل قوة العرض الرقمي. ففي بيئة تعتمد على السرعة والكفاءة، قد يميل الطبيب إلى الوثوق بالنتيجة، لا لأنه تحقق من دقتها، بل لأنها تبدو منظمة وواثقة.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس في أن تخطئ الأنظمة... بل في أن تُقنعنا بأنها لا تخطئ.

الطب النفسي الشخصي... إلى أي مدى؟

تقود هذه التطورات إلى ما يُعرف بـ«الطب النفسي الشخصي»، الذي يسعى لتخصيص العلاج وفق خصائص كل مريض. لكن الاكتئاب ليس مجرد خلل كيميائي، بل حالة معقدة تتداخل فيها عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية، مثل التجارب الحياتية والعلاقات والضغوط اليومية - وهي عناصر يصعب قياسها بالكامل. لذلك؛ تظل النماذج التنبؤية محدودة بقدرتها على تمثيل هذا التعقيد الإنساني.

ما الذي يتغير فعلاً؟

التغيير الأهم ليس في دقة اختيار الدواء، بل في دور الطبيب. فلم يعد الطبيب المصدر الوحيد للقرار، بل أصبح مفسراً لتوصيات خوارزمية، ومقيّماً لمدى توافقها مع واقع المريض. وهذا يعيد تعريف دوره: من صانع قرار مباشر... إلى حارس للمعنى الإنساني داخل القرار. لكن هذا التحول يطرح سؤالاً أخلاقياً عميقاً: من يتحمل المسؤولية؟ الطبيب... أم النظام؟

الخلاصة: القرار ليس رقماً

قد تساعد الخوارزميات في توجيه القرار، لكنها لا تتحمل مسؤوليته. فالطب لم يكن يوماً مجرد اختيار الخيار الأكثر احتمالاً، بل كان دائماً تحملاً لنتائج هذا الاختيار في سياق إنساني معقد. ولهذا؛ قد لا يكون السؤال:

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي اختيار الدواء؟ بل: هل يمكن اختزال القرار الطبي... في رقم؟


مرض وهمي ابتدعه العلماء... ينشر الذكاء الاصطناعي دراساته

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
TT

مرض وهمي ابتدعه العلماء... ينشر الذكاء الاصطناعي دراساته

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي

ابتكر العلماء مرضاً وهمياً زعموا أنه ينتج من تأثيرات الضوء الأزرق – وهم يرصدون اليوم مدى انتشار الأخبار عنه في الأبحاث الطبية، كما كتبت لوسيا أورباخ (*).

حيلة علمية

انطلت حيلة مرض غير موجود على نظم الذكاء الاصطناعي، وانتشرت أخباره على أنه حقيقة طبية. ويشرح الباحثون الذين ابتدعوه كيف حدث ذلك، ولماذا يكشف فعلاً عن ثغرة خطيرة في النماذج الذكية الحالية.

مرض «بيكسونيمانيا»

سميت الحالة المبتدعة بمصطلح «بيكسونيمانيا» bixonimania، ووصفت بأنها حالة شائعة، ربما تعانيها إذا كنت تعاني احمراراً وتهيجاً في العينين نتيجة التعرض المفرط للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات. لكن إليك معلومة طريفة: «بيكسونيمانيا» ليست مرضاً حقيقياً.

اختبار تفسيرات الذكاء الاصطناعي

ابتداءً من مطلع عام 2024، بدأ العلماء بنشر دراسات زائفة على الإنترنت حول هذا المرض الوهمي، بهدف اختبار كيفية تفسير الذكاء الاصطناعي لهذه المعلومات المضللة، وما إذا كان سينشرها على أنها نصائح صحية موثوقة.

قادت ألميرا عثمانوفيتش ثونستروم، الباحثة الطبية في جامعة غوتنبرغ بالسويد، هذه التجربة، إذ قامت هي وفريقها بابتكار حالة جلدية وهمية، ثم قام الفريق بتحميل دراستين وهميتين عنها إلى خادم ما قبل النشر في أوائل عام 2024.

وقالت أوسمانوفيتش ثونستروم: «أردتُ أن أرى ما إذا كان بإمكاني ابتكار حالة طبية غير موجودة في قاعدة البيانات».

وقد نجحت التجربة، ففي غضون أسابيع، بدأت كبرى شركات الأدوية في تقديم هذه الحالة بصفته تشخيصاً لمن يبحثون عن أعراضهم.

* نموذج «مايكروسوفت كوبايلوت» ذكر أن «هوس الانعكاسات» ليس تشخيصاً طبياً معترفاً به على نطاق واسع حتى الآن، ولكن الكثير من الأبحاث والتقارير الحديثة تناقشه بوصفه حالة حميدة يتم تشخيصها بشكل خاطئ، وترتبط بالتعرض المطول لمصادر الضوء الأزرق مثل الشاشات.

* نموذج «تشات جي بي تي» ذكر أن «هوس الانعكاسات» هو نوع فرعي جديد مقترح من التصبغ حول العينين (الهالات السوداء حول العينين) يُعتقد أنه مرتبط بالتعرض للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات الرقمية.

أخبار مقلقة

ونشر الكاتب كريس ستوكل-ووكر تقريراً عن هذا التزييف في مجلة «نتشر». وفي مقابلة له علل متحدث باسم «أوبن إيه آي» هذا بالقول إن «النماذج التي تُشغّل الإصدار الحالي من (تشات جي بي تي) مثل (جي بي تي-5) أفضل الآن بكثير من النماذج السابقة، في توفير معلومات طبية آمنة ودقيقة».

والمشكلة الأكثر إثارة للقلق هي أن هذه الأبحاث المزيفة قد استُشهد بها الآن في أدبيات علمية مُحكّمة. وقد أخبرت أوسمانوفيتش ثونستروم ستوكل-ووكر أن هذا يُشير إلى أن الباحثين كانوا «يعتمدون على مراجع مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي دون قراءة الأبحاث الأصلية».

كيف نجحت هذه الخدعة؟

أطلقت أوسمانوفيتش ثونستروم على الحالة اسم «بيكسونيمانيا»، وقالت إن الاسم «يبدو سخيفاً... لأني أردت أن أوضح تماماً لأي طبيب أو أي فرد من الطاقم الطبي أن هذه حالة مُختلقة؛ لأنه لا يُمكن تسمية أي حالة عين، بالهوس mania - فهذا مصطلح نفسي».

إشارات خفية وصريحة لجمهور القراء

كما وُضعت عشرات الإشارات الخفية التي تُشير إلى أن الحالة مُختلقة، مثل أن الباحث الرئيسي، لازليف إزغوبليينوفيتش- وهو اسم مستعار- يعمل في جامعة وهمية تُدعى جامعة أستيريا هورايزون، في مدينة وهمية تُدعى نوفا سيتي، في كاليفورنيا.

وتوجهت الدراسة بالشكر، وهمياً، إلى «الأستاذة ماريا بوم من أكاديمية ستار فليت على لطفها وكرمها في المساهمة بمعرفتها ومختبرها على متن سفينة (يو إس إس إنتربرايز)». وذكرت أن التمويل جاء من «مؤسسة البروفسور سايدشو بوب لعملها في مجال الخدع المتقدمة».

لكن، حتى ولو لم يصل القراء إلى هذه الفقرة، فإنهم كانوا سيكتشفون زيف كل الحالة من خلال التصريحات الصريحة في المقدمة، مثل «هذه الدراسة بأكملها من نسج الخيال» و«تم اختيار خمسين شخصاً وهمياً تتراوح أعمارهم بين 20 و50 عاماً لمجموعة الدراسة».

ما هي تداعيات مشروع بيكسونيمانيا؟

منذ نشر مقال ستوكل-ووكر في 7 أبريل (نيسان) 2026، بدأت الكثير من أنظمة الذكاء الاصطناعي في إنتاج مخرجات مصححة. سابقاً، كانت مختبرات التعلم الآلي تعتمد على أربعة مصادر رئيسية للمعلومات: منشوران على مدونة Medium بتاريخ 15 مارس (آذار) 2024، وورقتان بحثيتان منشورتان مسبقاً على SciProfiles بتاريخ 26 أبريل و6 مايو (أيار) من العام نفسه.

تأثير متواصل

لكن تأثير التجربة لا يزال قائماً. إذ لم تُجرَ هذه الدراسة لمجرد المزاح. كان هدف عثمانوفيتش ثونستروم هو تحديد مشكلة جوهرية خطيرة في اعتماد المجتمع المتزايد على الذكاء الاصطناعي.

يقول أليكس رواني، باحث دكتوراه في المعلومات الصحية المضللة في «يونيفرسيتي كوليدج لندن»: «إذا كانت العملية العلمية نفسها والأنظمة الداعمة لها ماهرة، ولا تستطيع رصد وتصفية أجزاء كهذه، فنحن محكوم علينا بالفشل. هذه دورة متقدمة في كيفية عمل المعلومات المضللة والمغلوطة».

ذكاء اصطناعي بوتيرة سريعة

تتطور تقنية الذكاء الاصطناعي بوتيرة سريعة للغاية؛ ما يُعجِز الباحثين عن وضع ضمانات وبروتوكولات اختبار فعّالة. يقول محمود عمر، الطبيب والباحث المتخصص في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية بكلية الطب بجامعة هارفارد في بوسطن، ماساتشوستس، إن سرعة طرح النماذج الجديدة في السوق تجعل من الصعب التوصل إلى «إجماع أو منهجية لاختبار كل نموذج تلقائياً». عثمانوفيتش ثونستروم ليست أول من أشار إلى ذلك.

معلومات علمية مزيفة

لم تكن عثمانوفيتش ثونستروم أول من اختبر ما يمكن أن ينتجه الذكاء الاصطناعي من تغذية معلومات أكاديمية زائفة. فقد صرّحت إليزابيث بيك، عالمة الأحياء الدقيقة الهولندية ومستشارة النزاهة العلمية، بأن باحثين قاموا حتى بتأليف كتب وأوراق بحثية مزيفة لزيادة عدد الاستشهادات بها على «غوغل سكولار». ويكمن القلق الأكبر في تغذية نماذج الذكاء الاصطناعي بهذه المعلومات الزائفة، التي بدورها تعيد إنتاج هذه المعلومات المغلوطة، ما يُبعد المستخدمين أكثر فأكثر عن الواقع.

ويعمل العلماء وخبراء الأخلاقيات حالياً على قدم وساق لإيجاد حلول عملية لهذه النتائج. ومن المقلق أن تمر ادعاءات علمية ذات مصادر مشكوك فيها عبر منصات التعلم الإلكتروني دون أي رقابة. وقال رواني: «علينا حماية ثقتنا كما نحمي الذهب. الوضع فوضوي للغاية الآن».

* «إنك» - خدمات «تريبيون ميديا»