قفزة بـ58 % في الأرباح... «تي إس إم سي» تُحكم قبضتها على مستقبل الذكاء الاصطناعي

شعار شركة «تي إس إم سي» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
شعار شركة «تي إس إم سي» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
TT

قفزة بـ58 % في الأرباح... «تي إس إم سي» تُحكم قبضتها على مستقبل الذكاء الاصطناعي

شعار شركة «تي إس إم سي» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
شعار شركة «تي إس إم سي» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

أعلنت شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات (تي إس إم سي)، أكبر مُصنِّع للرقائق المتقدمة في العالم والمورِّد الرئيسي لشركة «إنفيديا»، يوم الخميس عن قفزة بنسبة 58 في المائة في أرباح الربع الأول، مسجِّلة مستويات قياسية فاقت توقعات السوق بشكل ملحوظ.

ومدعومة بالطلب القوي على الرقائق المتقدمة المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، أفادت الشركة بأن صافي أرباحها خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى مارس (آذار) ارتفع إلى 572.5 مليار دولار تايواني (18.2 مليار دولار أميركي)، محققِّة بذلك نمواً مزدوج الرقم للربع الثامن على التوالي، وفق «رويترز».

وجاءت هذه النتائج متجاوزة بكثير تقديرات «إل إس إي جي» البالغة 543.3 مليار دولار تايواني، والتي تستند إلى توقعات 19 محللاً وتُعطي وزناً أكبر للتقديرات الأكثر دقة.

وأشار محللون إلى أن الطلب على تقنية «3 نانومتر» التي تعتمدها «تي إس إم سي» في إنتاج رقائق الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تقنيات التغليف المتقدمة، لا يزال يفوق الطاقة الإنتاجية الحالية للشركة.

وتشكِّل إيرادات رقائق تقنية «3 نانومتر» المتقدمة نحو ربع مبيعات الشركة حالياً، مقارنة بـ6 في المائة فقط في الربع الثالث من عام 2023، في دلالة واضحة على تسارع الطلب على الرقائق عالية الأداء اللازمة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وقد ساهم هذا الزخم في دفع الشركة، التي تُعد الأعلى قيمة في آسيا وأحد أبرز موردي «أبل»، إلى مستويات غير مسبوقة.

وقبيل إعلان النتائج، أغلقت أسهم «تي إس إم سي» مرتفعة بنسبة 0.2 في المائة عند مستوى قياسي بلغ 2085 دولاراً تايوانياً، لترتفع قيمتها السوقية إلى نحو 1.7 تريليون دولار، أي ما يقارب ضعف قيمة منافستها الكورية الجنوبية «سامسونغ إلكترونيكس».

وكانت الشركة قد أعلنت الأسبوع الماضي عن نمو إيراداتها في الربع الأول بنسبة 35 في المائة على أساس سنوي، متجاوزة توقعات السوق.

ورغم المخاطر التي يفرضها الصراع في الشرق الأوسط على إمدادات مواد أساسية لصناعة الرقائق مثل الهيليوم والنيون، يرى محللون أن «تي إس إم سي» تتمتع بمرونة كافية لتجاوز هذه التحديات.

ومن المتوقع أن تتركز أنظار المستثمرين خلال مكالمة الأرباح المقررة عند الساعة 06:00 بتوقيت غرينتش على توجهات الإنفاق الرأسمالي للشركة لعام 2026، وما إذا كانت ستبقي على خططها أو تعززها، باعتبار ذلك مؤشراً على ثقة الإدارة في الطلب طويل الأجل على تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وكانت الشركة قد أشارت في اجتماعها السابق في يناير إلى أن إنفاقها الرأسمالي لعام 2026 سيتراوح بين 52 و56 مليار دولار، بزيادة تصل إلى 37 في المائة مقارنة بتوقعاتها لعام 2025 البالغة 40.9 مليار دولار.

كما تواصل «تي إس إم سي» تنفيذ استثمارات ضخمة بقيمة 165 مليار دولار لإنشاء مصانع رقائق في ولاية أريزونا الأميركية، إلى جانب تعديل خططها في اليابان للتركيز على إنتاج رقائق بتقنية «3 نانومتر» بدلاً من التقنيات الأكثر نضجاً.

وسجَّلت أسهم «تي إس إم سي» المدرجة في بورصة تايبيه مكاسب بنسبة 35 في المائة منذ بداية العام، متفوقة على أداء السوق الأوسع الذي ارتفع بنحو 28 في المائة.


مقالات ذات صلة

السعودية تُعيد تشكيل هويتها الصناعية... من التجميع إلى الابتكار المستقل

خاص العاصمة السعودية الرياض (واس)

السعودية تُعيد تشكيل هويتها الصناعية... من التجميع إلى الابتكار المستقل

تسير السعودية بخطى متسارعة ومتزنة في آنٍ واحد نحو بناء منظومة صناعية متكاملة، تتجاوز في طموحها حدود التجميع والاستيراد، لتستهدف بناء قدرات هندسية راسخة.

زينب علي (الرياض)
الاقتصاد مستثمر يتابع شاشة الأسهم في السوق المالية السعودية بالرياض (أ.ف.ب)

تراجع معظم أسواق الخليج وسط تعثر المحادثات الأميركية الإيرانية

تراجعت معظم أسواق الأسهم الخليجية بمستهل تعاملات الاثنين، في ظل مؤشرات على تعثر المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران، ما أبقى مضيق هرمز الحيوي مغلقاً فعلياً.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد رسم بياني لمؤشر أسعار الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)

الهدوء الحذِر يسيطر على الأسهم الأوروبية وسط توترات جيوسياسية

ساد الهدوء أداء الأسهم الأوروبية يوم الاثنين، في ظل استمرار حالة الترقب في الأسواق، مع تعثر مفاوضات السلام بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شاشة المؤشرات داخل مقر «مجموعة تداول» في الرياض (الشرق الأوسط)

ارتفاع السوق السعودية 0.76 % في مستهل الأسبوع بقيادة «أرامكو»

أغلق مؤشر سوق الأسهم السعودية الرئيسية أولى جلسات الأسبوع على ارتفاع بنسبة 0.76 في المائة عند مستوى 11115 نقطة، فيما بلغت قيمة التداولات نحو 4.9 مليار ريال.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد موظف في شركة «الشركة الكيميائية السعودية القابضة» (موقع الشركة الإلكتروني)

ارتفاع صافي أرباح «الكيميائية السعودية» 6 % في الربع الأول

حققت «الشركة الكيميائية السعودية القابضة» نمواً في صافي أرباحها خلال الربع الأول من عام 2026 بنسبة 6 في المائة، إذ ارتفعت إلى 87.21 مليون ريال (23 مليون دولار).

«الشرق الأوسط» (الرياض)

الأسهم الصينية تسجل قمة 11 عاماً مدفوعة بالذكاء الاصطناعي وانتعاش الصادرات

شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم في أحد شوارع مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)
شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم في أحد شوارع مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)
TT

الأسهم الصينية تسجل قمة 11 عاماً مدفوعة بالذكاء الاصطناعي وانتعاش الصادرات

شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم في أحد شوارع مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)
شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم في أحد شوارع مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)

سجلت الأسهم الصينية أعلى مستوى لها منذ نحو 11 عاماً يوم الاثنين، مدعومة بارتفاع قوي في قطاع التكنولوجيا، مدفوعاً بتفاؤل متجدد بشأن الذكاء الاصطناعي وقوة الصادرات. وعند استراحة منتصف النهار، ارتفع مؤشر شنغهاي المركب القياسي بنسبة 0.9 في المائة ليصل إلى 4219.13 نقطة، بعد أن لامس أعلى مستوى له منذ 1 يوليو (تموز) 2015 في وقت سابق من التداولات. كما ارتفع مؤشر «سي إس آي 300» للأسهم القيادية بنسبة 1.4 في المائة، وهو أعلى مستوى له في أكثر من 4 سنوات. وفي هونغ كونغ، انخفض مؤشر «هانغ سينغ» بنسبة 0.3 في المائة، ليصل إلى 26318.37 نقطة.

ودفعت أسهم التكنولوجيا الأسواق نحو الارتفاع، مدعومة بارتفاع إقليمي أوسع نطاقاً مع ازدياد التفاؤل بشأن الذكاء الاصطناعي. وارتفع مؤشر «سي إس آي لأشباه الموصلات» بنسبة 7.3 في المائة، مسجلاً مستوى قياسياً. كما ارتفع مؤشر «سي إس آي للذكاء الاصطناعي» بنسبة 3 في المائة، وقفز مؤشر قطاع تكنولوجيا المعلومات بنسبة 4.8 في المائة، مسجلاً أيضاً مستويات قياسية جديدة.

وارتفع مؤشر «ستار»، الذي يركز على التكنولوجيا، بنسبة 5.3 في المائة، بينما أضاف مؤشر «تشاينكست» نسبة 3 في المائة. وانتعش نمو الصادرات الصينية بقوة في أبريل (نيسان)؛ حيث سارعت المصانع لتلبية موجة من الطلبات من الصناعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ومشترين آخرين يسعون لتخزين المكونات وسط الصراعات في إيران.

وفي الوقت نفسه، تجاوز مؤشر أسعار المنتجين في البلاد التوقعات في أبريل، مسجلاً أعلى مستوى له في 45 شهراً، بينما تسارع التضخم الاستهلاكي أيضاً مع استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة العالمية، وفقاً لبيانات صدرت يوم الاثنين.

وقال محللو شركة «سيتيك» للأوراق المالية في مذكرة: «سيستمر الطلب العالمي المتزايد على الحوسبة القائمة على الذكاء الاصطناعي في دعم صادرات أشباه الموصلات مستقبلاً، وذلك بفضل ازدياد تفوق الصين في تكلفة التصنيع».

وفي سياق متصل، يترقب المستثمرون الاجتماع المرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ؛ حيث من المقرر مناقشة قضايا إيران وتايوان والذكاء الاصطناعي.

وفي ظل تصاعد التوترات في جميع أنحاء العالم، قد تمثل هذه القمة خطوة تُمكِّن القوتين المهيمنتين من إدارة تنافسهما، والحفاظ على الهدوء النسبي، وتجنب انهيار العلاقات بشكل كامل من خلال دبلوماسية شخصية رفيعة المستوى، حسبما ذكره محللو شركة «نومورا».

اليوان يصعد

وفي غضون ذلك، ساهمت بيانات التجارة في دفع اليوان الصيني إلى أعلى مستوى له مقابل الدولار الأميركي منذ أكثر من 3 سنوات، يوم الاثنين، قبيل زيارة ترمب للصين في وقت لاحق من هذا الأسبوع. وارتفع اليوان إلى 6.70 مقابل الدولار الأميركي في التعاملات المبكرة، وهو أعلى مستوى له منذ فبراير (شباط) 2023، قبل أن يتراجع قليلاً ليرتفع بنحو 0.1 في المائة إلى 6.7953.

وبلغ سعر صرف اليوان في السوق الخارجية 6.7916 يوان للدولار، بزيادة قدرها 0.08 في المائة تقريباً في التعاملات الآسيوية. وأظهرت بيانات الجمارك الصادرة يوم السبت أن صادرات الصين نمت بنسبة 14.1 في المائة، مقارنة بالعام الماضي من حيث القيمة بالدولار الأميركي، متجاوزة بذلك توقعات الاقتصاديين بارتفاع قدره 7.9 في المائة. كما أظهرت البيانات الصادرة يوم الاثنين أن مؤشر أسعار المنتجين تجاوز التوقعات مسجلاً أعلى مستوى له في 45 شهراً، خلال شهر أبريل. كما تسارع التضخم الاستهلاكي مع استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة العالمية.

وقال محللون في شركة «هواتاي» للأوراق المالية في مذكرة: «يُعزز التحسن الواسع النطاق في النمو الاسمي من قوة اليوان». وأضافوا أن عوامل محفزة قصيرة الأجل، مثل الصادرات القوية ووقف إطلاق النار في الشرق الأوسط، ستدعم مزيداً من تعزيز اليوان؛ حيث من المتوقع أن تصل العملة إلى النطاق المتوقع بين 6.40 و6.50 خلال الأشهر الـ12 المقبلة.

وقبل افتتاح السوق، حدد بنك الشعب الصيني سعر الصرف المتوسط عند 6.8467 يوان للدولار، وهو أعلى مستوى له منذ مارس (آذار) 2023، ولكنه أقل بـ479 نقطة من تقديرات «رويترز».

ويُسمح لليوان الفوري بالتداول بنسبة 2 في المائة أعلى أو أسفل سعر الصرف المتوسط المحدد يومياً. وستتجه الأنظار هذا الأسبوع نحو اجتماع ترمب مع شي جينبينغ؛ حيث من المقرر مناقشة قضايا إيران وتايوان والذكاء الاصطناعي.

وكتب «بنك أوف أميركا» في مذكرة: «يميل اليوان الصيني إلى الارتفاع بعد اجتماعات ترمب وشي. ومن شأن أي تحسن عام في معنويات الصين عقب القمة أن يُشكل عائقاً أمام مؤشر الدولار الأميركي».


مسؤولة في بنك إنجلترا تدعو للتريث في خفض الفائدة بانتظار تداعيات الحرب

مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
TT

مسؤولة في بنك إنجلترا تدعو للتريث في خفض الفائدة بانتظار تداعيات الحرب

مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

قالت ميغان غرين، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة في بنك إنجلترا، إن من الأفضل التريث، ومراقبة تطورات الحرب الإيرانية قبل اتخاذ أي قرار جديد بشأن أسعار الفائدة، محذّرة في الوقت نفسه من أن مخاطر التضخم «تتجه بقوة نحو الارتفاع».

وأضافت أن ضعف الاقتصاد البريطاني، ومرونة سوق العمل قد يخففان من الأثر السلبي لأزمة الطاقة العالمية على الأسعار، مشيرة إلى أن التقدم المحرز في كبح التضخم كان متعثراً حتى قبل اندلاع النزاع.

وقالت في بودكاست لـ«بلومبرغ»: «من الأفضل التريث قليلاً لمعرفة كيفية تطور هذه الحرب، ومن ثم تقييم انعكاساتها على الاقتصاد قبل اتخاذ أي إجراء. نحن الآن أمام صدمة سلبية في جانب العرض، وصدمة في قطاع الطاقة، وهو ما يدفع التضخم إلى الارتفاع، والنمو إلى التراجع، في وضع بالغ الحساسية بالنسبة للبنوك المركزية».

وكانت غرين قد امتنعت الشهر الماضي عن دعم رفع فوري لأسعار الفائدة، في قرار صوّتت فيه لجنة السياسة النقدية بأغلبية 8 أصوات مقابل صوت واحد لصالح تثبيت أسعار الفائدة. ومع ذلك، كانت من بين عدد من صانعي السياسات الذين أشاروا إلى إمكانية النظر لاحقاً في رفع الفائدة، في ظل القلق من تحوّل التضخم إلى حلقة تصاعدية مستمرة.

ويرى بنك إنجلترا أن السياسة النقدية لا تزال في نطاق التقييد، في حين أن تشديد الأوضاع المالية في الأسواق منح صانعي القرار مزيداً من الوقت لتقييم التطورات. وتعتقد غرين أن هناك «مؤشرات على استمرار تأثير الصدمات السابقة في الاقتصاد» حتى قبل اندلاع الحرب.

وقالت: «في تقديري، تميل المخاطر بالكامل نحو الارتفاع. هناك نوع من ديناميكية تصعيدية هنا، ومن المرجح أن تكون مخاطر أسعار الطاقة والتداعيات الثانوية في اتجاه صعودي لا هبوطي».

وعن قرار تثبيت أسعار الفائدة، أوضحت غرين أن أحد أهم العوامل كان انتظار المزيد من البيانات خلال الأسابيع الستة المقبلة.

وأضافت: «لن تكون معظم هذه البيانات حاسمة بشأن آثار الموجة الثانية، لكنها ستوفر مؤشرات مهمة حول أسعار الطاقة التي تُعد عاملاً رئيساً في تحديد مسار الاقتصاد، والتضخم».

وفي السياق ذاته، قد يضطر بنك إنجلترا إلى مراقبة أي تداعيات محتملة للتوترات السياسية الداخلية في المملكة المتحدة، في ظل مواجهة رئيس الوزراء كير ستارمر احتمال تحديات سياسية داخل حزبه. وقد ساهمت هذه التطورات في رفع عوائد السندات الحكومية في مراحل مختلفة من هذه الأزمة الممتدة، والتي قد تقترب من نقطة حاسمة.


السعودية تُعيد تشكيل هويتها الصناعية... من التجميع إلى الابتكار المستقل

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

السعودية تُعيد تشكيل هويتها الصناعية... من التجميع إلى الابتكار المستقل

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)

تسير السعودية بخطى متسارعة ومتزنة في آنٍ واحد نحو بناء منظومة صناعية متكاملة، تتجاوز في طموحها حدود التجميع والاستيراد، لتستهدف بناء قدرات هندسية راسخة قادرة على الصمود والمنافسة. هذا ما يكشفه تقرير حديث صادر عن «ألفاريز آند مارسال»، ويؤكده أندريا دي ليلو، مدير أول الاستراتيجية وتحسين الأداء في الشركة، في حديثٍ خاص لـ«الشرق الأوسط».

تتوزع جهود التوطين السعودية على قطاعات بالغة الاستراتيجية، تشمل الفضاء والطيران والسيارات وبناء السفن وتقنية المعلومات والذكاء الاصطناعي والتقنية المالية. وفي كل قطاع من هذه القطاعات، تتشابك المشروعات المحلية مع شراكات دولية كبرى في مشهد يعكس عمق التحول الجاري.

ففي قطاع الفضاء والطيران، باتت «الشركة السعودية للصناعات العسكرية (سامي)» تُنتج محلياً قطع غيار طائرات «إف-15» وأنظمة الإلكترونيات الجوية، بينما أبرمت كلٌّ من «بوينغ» و«لوكهيد مارتن» و«إيرباص» اتفاقيات توطين تستهدف نسبة 50 في المائة من المحتوى المحلي. والأرقام هنا تحكي قصة صعود لافتة؛ إذ ارتفعت نسبة التوطين الفعلية من 4 في المائة عام 2018 إلى نحو 20 في المائة اليوم.

غير أن دي ليلو يضع هذه الأرقام في سياقها الصحيح، مشيراً إلى أن «الاتفاقيات مع الشركاء الدوليين أرست الأسس الأولى من خلال بناء القدرات التشغيلية وتطوير بنية تحتية متقدمة للصيانة والإصلاح والعمرة»، لكنه يُنبِّه إلى أن المرحلة التالية وهي بناء القدرات الهندسية في مجالات التصميم وتكامل الأنظمة، هي «القيمة الحقيقية المضافة، وهنا تحديداً تكمن أكبر الفرص».

مصانع ترسم ملامح مستقبل مختلف

على أرض مدينة الملك عبد الله الاقتصادية، فتحت شركة «لوسيد موتورز» أبواب أول مصنع للسيارات في تاريخ المملكة، في حين تسعى شركة «سير» إلى تصميم السيارات الكهربائية وتصنيعها محلياً، وتواصل «سنام» تجميع المركبات التجارية مع طموحات للانتقال إلى التصنيع الكامل.

وحين يُسأل دي ليلو عن الجداول الزمنية الواقعية لبلوغ مرحلة الاستقلالية في الابتكار بهذه القطاعات، يُجيب بوضوح: «يمكن تحقيق تقدم ملموس في غضون خمس سنوات»، مؤكداً أن «العامل الحاسم ليس الزمن بحد ذاته، بل جودة التنفيذ، بما يشمل التعريف الحقيقي للإنجاز وكيفية تنظيم عملية نقل المعرفة».

أما قطاع بناء السفن، فيرتكز على ركيزة طموحة هي مجمع الملك سلمان العالمي البحري الذي يستهدف توطين ما يزيد على 50 في المائة من أنشطة البناء وتصنيع منصَّات الحفر، يُعززه مشروع مشترك مع مجموعة «هيونداي» الكورية يستهدف تصنيع محركات السفن ومكوناتها الهيكلية.

ويصف دي ليلو هذا المجمع بأنه «منشأة عالمية المستوى»، مشيراً إلى أن «الاتفاقيات طويلة الأمد مع جهات شراء محلية رئيسية توفر مرتكزاً تجارياً لا يتوفر عادةً لمعظم الدول الصاعدة في هذا القطاع».

لا يُخفي التقرير الفجوات القائمة، ويُصنِّفها دي ليلو بدقة حين يتحدث عن جاهزية الموردين المحليين: «الأولوية اليوم تتمثل في الانتقال من مرحلة التجميع إلى مرحلة أكثر نضجاً تقوم على التصميم المستقل وتكامل الأنظمة والقدرة على منح الاعتمادات». ويحدد الاحتياجات الأكثر إلحاحاً في بناء قاعدة من الموردين من «الفئة الأولى» القادرين على تصميم المكونات المعقدة، وتطوير خبرات هندسية محلية كفيلة بتعديل المنتجات واعتمادها فنياً.

وبالنسبة لبرامج التدريب المشتركة مع الشركات العالمية، فإن دي ليلو يضع شرطاً جوهرياً لنجاحها: «البرامج الأكثر قدرة على تحقيق نتائج مستدامة هي تلك التي تتضمن محطات هندسية واضحة والتزامات مُلزمة لنقل التقنية، ومساراً متدرجاً ينقل المتدربين من التدريب التشغيلي إلى امتلاك قدرات التصميم». وينصح بأن تكفل الاتفاقيات المستقبلية وجود مخرجات نوعية واضحة، وليس مستهدفات المشاركة فقط.

وثمة ميزة تنافسية يُولي لها التقرير اهتماماً خاصاً، وهي قدرات المملكة في مجال تقنية المعلومات والذكاء الاصطناعي. ويرى دي ليلو أن هذه القدرات «تمنح المملكة موقعاً متقدماً على صعيد الجاهزية للابتكار وتبني التقنيات الحديثة».

الإنفاق على البحث والتطوير

تستثمر المملكة حالياً نحو 0.56 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي في البحث والتطوير، وهو رقم شهد نمواً تجاوز 30 في المائة على أساس سنوي. ويرى دي ليلو أن «الفرصة الحقيقية الآن تكمن في ضمان تحويل هذا الاستثمار بصورة متنامية إلى بحث وتطوير صناعي تطبيقي، بما يُحقق نتائج قوية وملموسة في مجالات التجارة والتصنيع».

لا يتجاهل التقرير المخاطر الخارجية، إذ يُنبّه إلى أن التغيرات في أسعار النفط وتوترات التجارة الدولية قد تُؤثر على تدفق الاستثمارات. غير أنه يقلب المعادلة، ويرى في هذه التحديات فرصاً لاستقطاب الكفاءات والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة ذات الخبرة العالية.

ويصف التقرير المرحلة الراهنة بأنها تتجاوز حدود الإعداد والتأسيس، لتقترب من «النضج البيئي»، وهي المرحلة الثالثة من مراحل التوطين التي تقوم على بناء قدرات المعرفة المحلية الفريدة، وتشمل تعزيز الشركات ذاتية الاستدامة وإنشاء مراكز الابتكار وتعميق سلاسل التوريد المحلية وتشجيع الشراكة بين الجامعات والصناعة.