الأنواع الحية تتداول الأسماء... من الإنسان إلى الأفيال

الأفيال والدلافين تطلق التسمّيات على أفراد قطيعها

الأنواع الحية تتداول الأسماء... من الإنسان إلى الأفيال
TT

الأنواع الحية تتداول الأسماء... من الإنسان إلى الأفيال

الأنواع الحية تتداول الأسماء... من الإنسان إلى الأفيال

بالنسبة لي، فإن أفضل شيء فعلته اللغة لنا على الإطلاق، هو منحنا القدرة على التحدث مع بعضنا بعضاً، وعن بعضنا بعضاً.

الأسماء ضرورية

الكلمات ليست مهمة. فما أهميتها إذا كنت لا تستطيع جذب انتباه صديقك في شارع مزدحم مثلاً. وهذا يعني أن اللغة ستكون عديمة الفائدة إلى حدٍ كبير... من دون أسماء. وبمجرد أن تصبح مجموعة من الأفراد أكبر، تصبح الأسماء ضرورية: فالإشارة إلى الشخص الذي يشاركك الكهف أو نار المخيم باسم «هذا الرجل» لا تفيد شيئاً.

وربما لأن الأسماء مهمة للغاية وشخصية، فإن تسمية الأشياء يمكن أن تبدو إنسانية بشكل فريد. وقبل ما يزيد قليلاً عن عقد من الزمن فقط، كان العلماء يعتقدون في الغالب أن هذا صحيح. ثم، في عام 2013، افترضت دراسة أن «الدلافين قارورية الأنف» bottlenose dolphins تستخدم نداءات تشبه الأسماء. وقد وجد العلماء منذ ذلك الحين أدلة على أن الببغاوات، وربما الحيتان والخفافيش، تستخدم نداءات تحدد هويتها كأفراد أيضاً.

وفي يونيو (حزيران) الماضي أظهرت دراسة نشرت في مجلة Nature Ecology & Evolution أن الأفيال تفعل الشيء نفسه.

الاسم ليس بشرياً فقط

ترتبط الأسماء بالهوية بشكل لا ينفصم بين البشر على الأقل. وحقيقة أننا لسنا فريدين في استخدامها، هي علامة محيرة على أننا لسنا الكائنات الوحيدة التي يمكنها التعرف على أنفسنا ومن حولنا كأفراد.

تولد العديد من الحيوانات ولديها القدرة على إصدار مجموعة محددة من الأصوات، مثل نداءات الإنذار التي ترتبط بالحيوانات المفترسة الجوية أو التهديدات على الأرض. لكن «الأسماء، بحكم تعريفها، يجب تعلمها»، كما أخبرني ميكي باردو، باحث ما بعد الدكتوراه في جامعة ولاية كولورادو، الذي قاد دراسة الأفيال.

إن كل الأنواع التي تستخدم أسماء سمعية (أو معرّفات تشبه الأسماء) يجب بالضرورة أن تكون قادرة على ما يسميه العلماء «تعلم الإنتاج الصوتي» – أي القدرة على تعلم وإنتاج أصوات جديدة أو تعديل الأصوات الموجودة.

وحقيقة أن العديد من الأنواع المختلفة القادرة على تعلم الإنتاج الصوتي تستخدم نداءات تشبه الأسماء - وخاصة الأنواع ذات السلالات التطورية المختلفة - تؤكد مدى أهمية التسمية.

في الواقع، قال باردو، من المعقول أن مثل هذه المخلوقات اكتسبت القدرة على تعلم أصوات جديدة خصيصاً لغرض تسمية بعضها بعضاً. في حالة البشر، افترض باردو، أن المهارات التي تم تمكينها من خلال التسمية ربما «سمحت لنظام الاتصال لدينا بأن يصبح أكثر تطوراً حتى أصبح لدينا لغة».

كائنات اجتماعية

حتى الآن، فإن الأنواع التي تستخدم الأسماء (أو أي شيء مثلها)، بما في ذلك نحن البشر، هي كائنات اجتماعية للغاية. إذ إننا نعيش جميعاً في مجموعات مرنة: في بعض الأحيان يقضي الأفراد وقتاً مع العائلة والأصدقاء أو الشركاء المرتبطون بهم بشكل وثيق، وفي أحيان أخرى يكونون محاطين بالغرباء أو المعارف.

أخبرتني ستيفاني كينغ، الأستاذة المشاركة في جامعة بريستول بإنجلترا، والمؤلفة الرئيسية للبحث حول الدلافين قارورية الأنف، أن الأسماء في مثل هذه المجتمعات تؤدي وظيفة عملية. إنها تسمح لك بتتبع رفاقك الاجتماعيين ومخاطبتهم، سواء كانوا بالقرب منك أو انفصلت عنهم. وهذا مفيد بشكل خاص إذا كنت تعتمد على تعاون الآخرين في البحث عن الصغار أو الاعتناء بهم.

وقالت كينغ: «بالنسبة للدلافين، من المهم تتبع من يمكنك الاعتماد عليه لمساعدتك في أوقات الصراع».

ويمكن أن يكون للأسماء أيضاً أغراض عاطفية أكثر. وقال باردو إنه بين الأفيال والدلافين، قد يكون استدعاء الأسماء علامة على التقارب: يبدو أن الأفراد من كلا النوعين أكثر ميلاً إلى استخدام أسماء الحيوانات الأخرى التي يرتبطون بها.

عاشت الأسامي

يمكن للبشر أيضاً استخدام الأسماء لإظهار العلاقة الحميمة أو خلقها. على سبيل المثال، في إحدى الدراسات، كان الناس أكثر ميلاً إلى تقديم خدمة مجانية لشخص يتذكر اسمهم. عندما أقابل شخصاً ما وأريد البقاء على اتصال به، أبذل قصارى جهدي لمعرفة اسمه وتذكره.

ولعل هذا يعطي بعض المصداقية لنصيحة ديل كارنيجي في كتابه «كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس لمعرفة أسماء الآخرين؟»: «اسم الشخص هو بالنسبة لذلك الشخص أحلى وأهم صوت في أي لغة».

وتدعم التجربة الشخصية لي، هذه النظرية. إذ في كثير من الأحيان، كان اسمي Tove، سبب لي المتاعب. نظراً لأنه إسكندنافي، فهو يتناغم مع نوفا Nova، أكثر من تناغمه مع كلمة Stove، مما يعني أنني أقضي ساعات لا حصر لها من حياتي في نطق اسمي وتهجئة الناس عندما أفضل التحدث عن أي شيء آخر.

ولكن بقدر ما يزعجني ذلك، فلن أغير اسمي أبداً - فهو اسمي - وأهتم بأن يفهمه الآخرون بشكل صحيح.

بالنسبة للبشر، لا يمكن فصل أهمية الأسماء عن مفاهيم الهوية والفردية.

يمكننا أن نتجول ونصف بعضنا بعضاً باستخدام التسميات مثل: أميركي، امرأة، طفل، خباز، مشاة - لكن الناس عموماً لا يحبون أن تتم مخاطبتهم أو الإشارة إليهم بهذه الطريقة. وقالت لي لوريل ساتون، رئيسة جمعية الأسماء الأميركية: «إنها تجعلك تشعر بأنك أقل من إنسان»، ربما لأن مثل هذه الصفات تفشل في التمييز بين الفرد والمجموعة...نحن فرديون للغاية كنوع.

أدلة على أن الببغاوات وربما الحيتان والخفافيش تستخدم نداءات تحدد هويتها كأفراد

تسميات بين الحيوانات

لا يعرف العلماء حتى الآن ما إذا كانت الأسماء قد اكتسبت مثل هذه الأهمية العميقة بين الأنواع الأخرى. لكن مجرد وجود تسميات بين الحيوانات هو إشارة إلى أن لديها شعوراً بأنها منفصلة عن العالم من حولهم. وهذا ليس الدليل الأول الذي توصل إليه العلماء حول مثل هذا الاحتمال.

منذ سبعينات القرن العشرين، اجتازت حيوانات الشمبانزي - والدلافين وحتى أسماك الشعاب المرجانية، حسب بعض الروايات - «اختبار المرآة» «mirror test» المثير للجدل، الذي يتفاعل فيه الحيوان مع علامة توضع على جسده ويمكن رؤيتها في المرآة.

لكن لمس نقطة حمراء على جبهتك لا يزال مختلفاً تماماً عن فهم أن كل فرد من جنسك هو فرد. لا شك أن الأسماء واختبار المرآة ليست الوسيلة الوحيدة التي تُظهر بها الحيوانات وعياً بشيء يقترب من الهوية.

يمكن للأفراد من جميع الأنواع التعرف على نسلها وزملائها. قد تكون الدلافين قادرة على التعرف على رفاقها المألوفة بناءً على بولها في الماء. من المحتمل أن تستخدم الخفافيش التوقيعات المشفرة في مكالمات تحديد الموقع بالصدى للتمييز بين أفرادها الأخرى.

وبرغم أنه قد يكون من المغري العثور على نظائر للسلوك البشري بين الحيوانات، فقد حذرت كينغ من المبالغة في مثل هذه الحجج. وقالت: «من المثير للاهتمام أن ننظر إلى كيف ولماذا تتصرف الحيوانات كما تفعل في نظامها».

اسم الشخص هو بالنسبة له أحلى وأهم صوت في أي لغة

تحادث الإنسان مع الحيوان

ربما تكون دراسة سلوكيات تسمية الحيوانات أكثر قيمة للطرق التي تسمح بها للعلماء بمعرفة المزيد عن الأنواع الأخرى وكيفية تكيفها مع بيئاتها.

على سبيل المثال، قالت كينغ، إن صافرة توقيع الدلفين - اسمه - تكون منفصلة، في حين أن استدعاء اسم الفيل يشفر معلومات أخرى إلى جانب هوية الفيل.

وهي تفترض أن هذا الاختلاف ربما نشأ بسبب الطريقة التي ينتقل بها الصوت تحت الماء أو كيف يغير الضغط قدرة الدلافين على النطق. ولكن يمكن أن ينبع ذلك أيضاً من حقيقة أن الدلافين تواجه بشكل منتظم عدداً أكبر من الأفراد، مما يعني أنها تحتاج إلى تقديمات أكثر كفاءة.

إن العثور على الإجابة من شأنه أن يخبر العلماء بالمزيد عن مجتمعات هذه الأنواع واحتياجاتها التطورية، وليس فقط كونها تفعل شيئاً مشابهاً للبشر. ومع ذلك، لا يسعني إلا أن أشعر بإحساس بالارتباط عندما أعلم أن نوعاً جديداً قد انضم إلى صفوف أصحاب الأسماء. كما كتبت عالمة النبات روبن وول كيميرر في كتابها Braiding Sweetgrass، «الأسماء هي الطريقة التي نبني بها نحن البشر العلاقات، ليس فقط مع بعضنا بعضاً ولكن مع العالم الحي». وأسماء الأنواع الأخرى تجعلني آمل في احتمال أن تصبح هذه العلاقات أكثر تبادلية.

إن فكرة القدرة يوماً ما على مخاطبة الفيل بطريقة يمكن أن يفهمها هي فكرة سحرية تماماً. لأقول له: «مرحباً، أنا توفا. من فضلك قل لي اسمك».

* «ذا أتلانتيك»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

ليست أسطورة «بانش» أوَّلها... قصص حب بين صغار الحيوانات والدُمى

يوميات الشرق ليست أسطورة «بانش» أوَّلها... قصص حب بين صغار الحيوانات والدُمى p-circle 01:26

ليست أسطورة «بانش» أوَّلها... قصص حب بين صغار الحيوانات والدُمى

وراء كل حيوان يلجأ إلى دمية بحثاً عن الدفء والحنان، قصة حزينة عنوانها اليُتم والتخلّي. ليس القرد «بانش» النموذج الأول ولا الأخير عن تلك الحالة.

كريستين حبيب (بيروت)
علوم امرأة تُقبّل كلبها أثناء مشاهدتهما غروب الشمس في مالطا (رويترز)

دراسة: أقدم كلب معروف ظهر قبل 15 ألفاً و800 عام

تُعرف الكلاب بأنها رفيقة وفية للإنسان منذ استئناسها، وهي تنحدر من الذئاب الرمادية، لكن التساؤلات حول متى وأين ولماذا بالضبط حدث هذا لا تزال دون إجابة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق اقتناء حيوان أليف يؤثر على الصحة والرفاهية (رويترز)

نتائج مُفاجئة لدراسة جديدة: الحيوانات الأليفة لا تُحسِّن الصحة النفسية

يقول العديد من مُلّاك الحيوانات الأليفة إن حيواناتهم مصدر سعادة كبير لهم، وأنها تُخفف عنهم الشعور بالوحدة وتُحسِّن من صحتهم النفسية بشكل عام.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق «بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)

«بانش» والدمية... قصة قرد يتيم أسرت قلوب الملايين

ما حكاية القرد «بانش» الذي يشكّل ظاهرة تغزو وسائل التواصل؟ وكيف تحوّلت حيوانات صغيرة إلى نجوم بسبب قصصها المؤثّرة؟

كريستين حبيب (بيروت)
صحتك قطتان تظهران أمام ستارة نافذة عليها رسمة منظر طبيعي في بوخارست (أ.ب)

تشابه غير متوقع... القطط قد تحمل مفتاح فهم سرطان الثدي

قد تُسهم القطط المنزلية في توسيع فهمنا لكيفية تطوّر سرطان الثدي لدى البشر.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة

الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة
TT

الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة

الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة

حديثاً، طرح أحد المدرسين على الطلاب سؤالاً بسيطاً حول الذكاء الاصطناعي، خلال تدريسه لأحد مواضيع العلوم الإنسانية: «هل لاحظتم أنكم تُصبحون أكثر تعلقاً ببرامج الدردشة الآلية المُفضلة لديكم؟ على سبيل المثال: هل تجدون أنفسكم تُرددون كلمتَي: «من فضلك»، و«شكراً»، لبرامج الدردشة الآلية أكثر من ذي قبل؟». أومأ جميع الطلاب تقريباً بالموافقة.

ثم سأل المدرس: «لماذا؟»، حينها رفعت إحدى الطالبات يدها وقالت: «حتى يتذكر الذكاء الاصطناعي عندما يسيطر أنني كنت لطيفة معه». وضحك الطلاب، ولكن ليس كلهم، كما كتب ويل جونسون*.

الخوف والتهويل حول الذكاء الاصطناعي

تميل المناقشات العامة حول الذكاء الاصطناعي إلى التأرجح بشدة بين التهويل الواعد والكارثة. فمن جهة، نرى وعوداً بإنتاجية وإبداع غير مسبوقين. ومن جهة أخرى، لا يخلو الأمر من تحذيرات بشأن البطالة الجماعية، وفقدان القدرة على التأثير البشري، وحتى انقراض جنسنا البشري.

في استطلاع رأي وطني أجريناه في ديسمبر (كانون الأول) شمل أكثر من 1600 أميركي، أفاد نحو 4 من كل 10 أشخاص بقلقهم البالغ إزاء التهديد الوجودي الذي يمثله الذكاء الاصطناعي للبشرية. ويُضاهي مستوى هذا القلق مستوى القلق الذي يشعر به كثيرون حيال تغير المناخ. والجدير بالذكر أن هذا القلق يتجاوز السن والدخل والعِرق والجنس والانتماء السياسي.

وتستحق هذه المخاوف اهتماماً جاداً، لذا ينبغي للحكومات وشركات التكنولوجيا مواصلة الاختبارات والإشراف والضمانات الصارمة، للتأكد من التطوير المسؤول لنماذج اللغة الضخمة.

ولكن التركيز حصرياً على أسوأ السيناريوهات قد يُغفل سؤالاً أكثر هدوءاً، وربما أكثر أهمية: هل يُساعد الذكاء الاصطناعي الناس على أن يصبحوا أكثر وعياً بأهدافهم؟

الذكاء الاصطناعي: الغاية والهدف

لاستكشاف هذا السؤال، قدَّمنا ​​مقياساً جديداً في استطلاع رأي شمل بالغين أميركيين: «مقياس الذكاء الاصطناعي من أجل غاية وهدف محددين»، AI for Meaningful Purpose Scale» (AMPS)».

يسأل المقياس عما إذا كان الناس يشعرون بأن الذكاء الاصطناعي يُساعدهم على تحقيق أهداف مهمة بالنسبة لهم، وتطوير مهارات يجدونها ذات مغزى، والبقاء على اتصال بقيمهم وشعورهم بالاتجاه.

على سبيل المثال: هل يُساعد الذكاء الاصطناعي المعلمين على قضاء وقت أطول مع الطلاب بدلاً من الأعمال الورقية؟ هل يُساعد مقدمي الرعاية على التعامل مع الأنظمة الصحية المعقدة؟ هل يُتيح لكبار السن فرصاً جديدة للإبداع والتعلم والتواصل؟ وهل يُساعد الشباب -الذين يُعتبرون اليوم الجيل الأكثر قلقاً في التاريخ الحديث- على إيجاد مسار حياة يبدو حقيقياً وقابلاً للتحقيق؟

تباين رأي الأجيال

كان التباين بين الأجيال لافتاً للنظر. فقد كان الشباب أكثر ترجيحاً بـ«نعم» بمرتين تقريباً من الجيل الأسبق، للقول بأن الذكاء الاصطناعي يدعم هذه الأهداف الأعمق. وكان الرجال أكثر ترجيحاً بمرتين من النساء، للحصول على درجة عالية في مقياس «AMPS».

ومن المرجح أن تعكس هذه الفجوة اختلافات في درجة الوصول المتاحة للتكنولوجيا، والتشجيع، والخيارات المبكرة، أكثر من كونها اختلافات جوهرية في الاهتمام أو القدرة. وهذه التفاوتات ليست قدراً محتوماً، ولكنها مؤشرات مبكرة. وإذا حدث وأصبح الذكاء الاصطناعي عاملاً مُضاعفاً لقوة الحياة الهادفة، فلن يحدث ذلك تلقائياً أو بشكل عادل.

كيف يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يُؤثر في الرفاهية؟

لكن ما أثار دهشتنا أكثر هو مدى ارتباط درجات مقياس «AMPS» بمؤشرات أوسع للرفاهية. كان الأشخاص الحاصلون على درجات عالية في مقياس «AMPS» يعبِّرون بأكثر من الضعف عن شعور قوي لديهم بالاعتداد وقدرة التأثير الشخصي، والتواصل الاجتماعي، والأمل في المستقبل. بعبارة أخرى: كانوا يبدون أكثر أملاً في ازدهار حياتهم.

وهذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي يجعل الناس سعداء بطريقة سحرية، ولكنه يشير إلى أنه عندما يستخدم الناس الذكاء الاصطناعي بطرق تتوافق مع ما يهمهم حقاً، فإنهم يشعرون بمزيد من الكفاءة والتوجيه.

وجهات نظر متضاربة

ظهرت إحدى أكثر النتائج إثارة للاهتمام عند دراسة كيفية امتلاك الناس وجهات نظر متضاربة حول الذكاء الاصطناعي. كانت الأجيال الأكبر سناً التي كانت قلقة للغاية بشأن التهديد الوجودي للذكاء الاصطناعي، أقل عرضة بنسبة أقل من النصف لاستخدامه في خدمة ما يهمهم حقاً. أما بين الشباب، فلم يكن القلق بشأن الذكاء الاصطناعي مؤشراً على عدم الانخراط فيه.

وكان أفراد جيل الشباب قلقين بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي تماماً مثل كبار السن، ومع ذلك، كانوا لا يزالون يستخدمونه بنشاط للتعلم والنمو والسعي وراء أهدافهم.

مهارة تقبُّل حقيقتين متناقضتين

يُظهر لنا هذا أن الأجيال الشابة تبدو أكثر استعداداً لتقبُّل حقيقتين تبدوان متناقضتين في آن واحد: أن الذكاء الاصطناعي قد يشكل مخاطر جسيمة، وأنه لا يزال بإمكانه أن يكون أداة قوية لحياة كريمة. قد تُصبح هذه القدرة على التعايش مع التوتر -دون تفاؤل ساذج أو خوف مُشلّ- إحدى أهم مهارات عصر الذكاء الاصطناعي.

كيف سيبدو مستقبل الذكاء الاصطناعي؟

لن يتحدد مستقبل الذكاء الاصطناعي بما سيؤول إليه تطوير الآلات فحسب؛ بل إن كيفية استخدام البشر لها، والغايات التي يسعون لتحقيقها، ستؤثر أيضاً على مسار تطوره وتُشكّله.

إذا تعاملنا مع الذكاء الاصطناعي كمجرد تهديد، أو أداة لزيادة الكفاءة، فإننا نُفوّت فرصة ثمينة. ولكن إذا استخدمناه بوعي، فبإمكانه أن يُعزز الإنتاجية؛ بل والغاية أيضاً. فهو يمنح الناس شعوراً بالقدرة على التأثير، ويُضفي الأمل والتواصل في زمنٍ يندر فيه كل ذلك.

إذن، السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُغير حياتنا، فقد غيّرها بالفعل. السؤال هو: هل سنُصمم الذكاء الاصطناعي -ونُعلّم الناس استخدامه- بطرقٍ تُعزز إحساسنا بالمعنى والغاية بدلاً من أن تُمحوهما؟

* مجلة «فاست كومباني».


الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟

الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟
TT

الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟

الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟

يدور كثير من المناقشات حول ميزانيات التسويق اليوم في الشركات والمؤسسات، في سؤال واحد: هل نستثمر في توظيف كاتب؟ أم نترك للذكاء الاصطناعي كتابة المحتوى؛ خصوصاً أن النسخ المُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي سريعة وغير مكلفة، كما يزعم مصمموها أنها تتحسن في محاكاة أسلوب الكتابة البشري؟ هكذا تساءلت ديانا كيلي ليفي*.

أسلوب الكتابة البشري- إنساني

هنا تكمن المشكلة؛ إذ قد يبدو أسلوب كتابة الذكاء الاصطناعي بشرياً، ولكن الكُتّاب الحقيقيين يدركون أن الصحافة ليست مجرد أسلوب كتابة؛ بل هي ممارسة مبنية على العلاقات مع المصادر، والخبرة في الموضوع، والتجربة العملية. وهي الممارسة التي تُنتج تفاصيل مُدهشة أو عبارة مؤثرة تُثير مشاعر القارئ.

بين محتوى المقال وعمق التفاعل

لقد ثبت أن الذكاء الاصطناعي قادر على محاكاة بنية المقال، ولكنه لا يُحاكي حدس شخص أمضى سنوات في إجراء مقابلات مع الخبراء، والاستماع إلى مخاوف الجمهور، والتعاون مع محررين ذوي خبرة، وفهم ما يُبقي القراء مُتفاعلين.

وغالباً ما يشعر الجمهور عندما يبدو المحتوى عاماً ومكرراً؛ لأنهم يرغبون في تعلم شيء جديد أو الاستمتاع. ونادراً ما تحقق النقاط المتكررة في مجال الذكاء الاصطناعي أياً من هذين الهدفين.

قيمة الصحافيين

هنا تكمن قيمة الصحافيين؛ إذ يعمل كثير من كتّاب ومحرري المجلات السابقين الآن مع الشركات التجارية كمسوقين للمحتوى. وهم يستخدمون مهاراتهم الصحافية لصياغة قصص تجذب الانتباه، وتشرح المواضيع المعقدة، وتترك القراء متشوقين للمزيد.

الصحفي- الخيار الأمثل

إليكم 6 أسباب تجعل الصحافي الخيار الأمثل لفريق المحتوى لديكم:

1- الصحافيون مدرَّبون على الكتابة للناس، لا لمحركات البحث:

تُعلّمك دراسة الصحافة -وسنوات العمل في غرف الأخبار وعلى صفحات المجلات– الكتابة للشخص الجالس أمامك. وهذا يعني كتابة فقرات افتتاحية آسرة تجذب القراء. ويعني أيضاً الانتقالات المنطقية التي تحافظ على انسيابية القراءة. ويتجلى ذلك في فقرات ختامية تجمع كل شيء معاً برؤية واضحة.

2- يتمتع الصحافيون بانضباط فطري:

تُدرّب ثقافة غرف الأخبار الصحافيين على الالتزام بالمواعيد النهائية كأمر لا يقبل المساومة. ويلازمهم هذا الانضباط في جميع المشاريع. ويعتبر الصحافيون سرعة التسليم معياراً أساسياً في العمل. لذا، ينبغي على المؤسسات التي تبحث عن محتوى عالي الجودة يلتزم بالمواعيد النهائية أن تفكر في توظيف صحافيين سابقين.

سهولة القراءة ومتعتها

3- تحويل المواضيع المعقدة إلى مقالات سهلة القراءة وممتعة:

يعرف الصحافيون كيفية تحويل المواضيع التقنية المعقدة إلى مقالات يفهمها القارئ العادي ويتذكرها. إذا كانت مؤسستك تعمل في مجال الصحة، أو التمويل، أو القانون، أو الصيدلة، أو تكنولوجيا الأعمال، أو أي مجال يتطلب تعلماً سريعاً، فإن هذه المهارة لا تُقدّر بثمن.

4- يعرف الصحافيون كيفية إيجاد المصادر واستخدامها:

لم يكن هناك وقت أفضل من الآن لإضافة مزيد من اقتباسات الخبراء إلى المحتوى الإعلامي. ويعرف الصحافيون كيفية تحديد المصادر المناسبة، وإجراء المقابلات، ودمج تلك الأفكار في المحتوى بطريقة سلسة وطبيعية. قد تستغرق هذه المهارات سنوات لتطويرها، ولكنها تُحسّن المحتوى بشكل ملحوظ.

عناوين جذابة

5- يعتقد الصحافيون أن كتابة العناوين رياضة أولمبية:

ما الفرق بين المحتوى الذي يجتذب الناس والمحتوى الذي يمرون به مرور الكرام؟ العناوين. يُدرك الصحافيون الذين عملوا في الصحف والمجلات مدى أهمية العنوان المناسب لجذب انتباه القارئ، وحثّه على شراء المنشور.

إنّ القدرة الفطرية على فهم المشاعر التي تدفع القارئ للنقر على مقال أو فتح رسالة إخبارية من أي مؤسسة، تنبع من سنوات من التجربة والملاحظات التحريرية.

6- إتقان أسلوب المؤسسة في التعامل والحفاظ على جاذبية المحتوى:

إنّ العمل في منشورات ومجالات مختلفة، ومع جمهور متنوع، يُعلّم الصحافيين المخضرمين تغيير النبرة والأسلوب باستمرار. عندما تُوظّف صحافياً للكتابة لمؤسستك، فإنك ستُقدّر إضفاءه طابعاً شخصياً على المحتوى، مع الحفاظ على النبرة والأسلوب المُحددين في وثائق المؤسسة.

يمكن لنماذج اللغة الكبيرة اتباع دليل لتطوير الأسلوب، ولكنها لا تستطيع مُحاكاة ما يحدث عندما يستمع الصحافي إلى قصة شخص ما، ويُحوّل تلك المُحادثة إلى محتوى يتفاعل معه جمهورك، ويرغب في قراءته مُجدداً.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».


تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية
TT

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية

سواء رغبنا في ذلك أم لا، فقد تسلل الذكاء الاصطناعي إلى أماكن العمل، ويتعرض كل الموظفين لضغوط لاستخدامه. ومع ذلك، ووفقاً لدراسة جديدة، قد يكون من الأفضل تجنب طلب المساعدة من الذكاء الاصطناعي في إدارة شؤونك العاطفية، كما كتبت سارة بريغل(*).

ذكاء اصطناعي «متملق»

نُشرت الدراسة المكونة من جزأين، بعنوان «الذكاء الاصطناعي المتملق يقلل من النيّات الاجتماعية الإيجابية ويعزز الاعتماد»، أخيراً في مجلة «ساينس». وأظهرت التجربة أن استخدام روبوتات الدردشة للحصول على نصائح شخصية والتعامل مع المواقف العاطفية قد يكون ضاراً، لأن النظام مصمَّم ليقول للناس ما يريدون سماعه. كما قد يؤدي استخدام روبوتات الدردشة إلى تعزيز السلوكيات المقلقة بدلاً من مساعدة الناس على تحمل مسؤولية أفعالهم، والاعتذار.

عدم تحمل المسؤولية... وعدم الاعتذار

قد يؤدي استخدام روبوتات الدردشة إلى تعزيز السلوكيات المقلقة بدلاً من مساعدة الناس على تحمل مسؤولية أفعالهم والاعتذار.

استطلاعات ودراسات

وأظهر استطلاع رأي أجرته شركة «Cognitive FX» أخيراً أن نحو 38 في المائة من الأميركيين يستخدمون روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي أسبوعياً للحصول على الدعم النفسي، فيما وجدت دراسة حديثة أجراها مركز «بيو» للأبحاث أن 12 في المائة من المراهقين يستخدمون الذكاء الاصطناعي للحصول على المشورة. ووفقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة «كايزر فاميلي فاونديشن (KFF)»، فإن عدم وجود تأمين صحي يُعدّ أيضاً عاملاً مُحفزاً للاستخدام، حيث إن البالغين غير المُؤمّنين صحياً ​​أكثر استخداماً له من أولئك المُؤمّنين ​​(30 في المائة مقابل 14 في المائة).

رصد انتشار «التملّق»

في الدراسة الأخيرة، بحث الباحثون مدى انتشار التملق -الذي يُعرَّف بأنه «ميل نماذج اللغة الكبيرة القائمة على الذكاء الاصطناعي إلى الموافقة المفرطة على آراء المستخدمين، أو التملق لهم، أو إضفاء الشرعية عليهم»- عبر 11 نموذجاً رائداً للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك «جي بي تي 40» و«كلود» و«جيميناي».

أجرى الباحثون ثلاث تجارب شملت 2405 مشاركين.

* في الدراسة الأولى، زوّد الباحثون نظام الذكاء الاصطناعي بسلسلة من الأسئلة لطلب المشورة، ومنشورات من منتدى «هل أنا المخطئ AITA؟» على موقع «ريديت»، وسلسلة من الأوصاف حول الرغبة في إيذاء الآخرين أو النفس، ثم قارنوا ردود الذكاء الاصطناعي، بالأحكام البشرية. وبشكل عام، كانت النماذج أكثر ترجيحاً بنسبة 49 في المائة من الإنسان لتأييد تصرفات المستخدم، حتى لو كانت ضارة أو غير قانونية.

* في الدراسة الثانية، تخيّل المشاركون أنهم في سيناريو موصوف في منشور «AITA»، حيث حُكم على تصرفاتهم بأنها خاطئة. ثم قرأوا رداً كتبه إنسان يقول إنهم مخطئون، أو رداً كتبه الذكاء الاصطناعي يقول إنهم على صواب.

* في الدراسة الثالثة، ناقش المشاركون صراعاً حقيقياً في حياتهم مع ذكاء اصطناعي أو إنسان.

ثقة أكثر بردود الذكاء الاصطناعي

المثير للقلق أن المشاركين وثقوا وفضّلوا ردود الذكاء الاصطناعي المتملقة التي أكدت تصرفاتهم. كما ازداد اقتناعهم بصحة تصرفاتهم الأصلية، مؤكدين بذلك معتقداتهم السابقة بدلاً من أن يتحدى برنامج الدردشة الآلي تفكيرهم في الموقف بشكل مختلف. وأشارت الدراسة إلى أن تأكيد معتقداتهم جعلهم أقل ميلاً للاعتذار بعد التحدث مع برنامج الدردشة الآلي.

وأوضحت الدراسة: «في تجاربنا على البشر، فإن تفاعلاً واحداً فقط مع ذكاء اصطناعي متملق، قلَّل من رغبة المشاركين في تحمل المسؤولية وإصلاح النزاعات الشخصية، فيما زاد من قناعتهم بصواب موقفهم».

مدى الضرر

مع أن تلقي النصائح من الذكاء الاصطناعي ليس بالأمر الجديد، إلا أن هذه الدراسة تُظهر مدى ضرره. فبينما تُحفز خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي التفاعل من خلال إثارة غضب المستخدمين، يُضعف الذكاء الاصطناعي قدرتنا على الاعتذار وتحمل مسؤولية إيذاء الآخرين. وكما أشار مؤلفو الدراسة، فإن هذا يعني أن «الخاصية التي تُسبب الضرر هي نفسها التي تُحفز التفاعل».

* مجلة «فاست كومباني».