في زمن السياحة الفضائية... مخاطر صحية خارج عالمنا حتى للزيارات القصيرة

الذهاب إلى الفضاء يغيرك (ناسا)
الذهاب إلى الفضاء يغيرك (ناسا)
TT

في زمن السياحة الفضائية... مخاطر صحية خارج عالمنا حتى للزيارات القصيرة

الذهاب إلى الفضاء يغيرك (ناسا)
الذهاب إلى الفضاء يغيرك (ناسا)

مع الحديث عن السياحة الفضائية، يقال إن الذهاب إلى الفضاء يغيرك، والفكرة هي أن الناس يحصلون على منظور جديد عن رؤية عالمنا من الأعلى يطلق عليه تأثير النظرة العامة.

لكن مشروعاً جديداً يقدم أدلة حول كيفية تغيير رحلات الفضاء لأجسامنا أيضاً، إذ قام «Space Omics»، والأطلس الطبي (SOMA) بقياس التأثيرات، وفق تقرير نشره موقع «ساينس نيوز إكسبلورز».

ودرس الباحثون تأثيرات رحلات الفضاء على الصحة منذ فجر عصر الفضاء. وبحثوا في تأثيرات انعدام الوزن، والإشعاع الفضائي، وغيرهما من الظروف خارج هذا العالم، عندما انطلق الناس إلى مدار أرضي منخفض، وقضوا أحياناً أشهراً هناك.

وتشمل المشكلات المعروفة تفتت العظام، وزيادة خطر الإصابة بالسرطان، ولكن ظهرت علامات ضعف البصر وهبوط في أنواع معينة من أنسجة المخ، وقد تضعف المناعة، وتتغير المفاتيح التي تشغل الجينات.

ما لم يكن دائماً واضحاً ما قد يتغير على المستوى الجزيئي. وأعرب «سوما» عن أمله في معرفة ذلك.

تظهر النتائج الأولية التي توصّل إليها «سوما» على شكل سلسلة من 30 ورقة بحثية، تم نشرها في 11 يونيو (حزيران) في مجلة «نايتشر» التي تشكّل بالفعل أكبر قاعدة بيانات منشورة في مجال طب الفضاء وبيولوجيا الفضاء.

ويجب أن يخضع رواد الفضاء المحترفون العاملون لدى وكالات الفضاء الحكومية لاختبارات صارمة للكشف عن المشكلات الصحية المحتملة، ولهذا السبب تعدّ بيانات «سوما» مهمة جداً، خصوصاً مع وجود تحول كبير في رحلات الفضاء مع ظهور السياحة الفضائية التجارية.

الفضاء يغيّر الحمض النووي

ولعل أشهر دراسة طبية حيوية طويلة الأمد أجرتها وكالة «ناسا» شملت توائم متماثلة.

ووفق الدراسة تدَّرب كل من سكوت ومارك كيلي بوصفهما رائدَي فضاء، وأمضى سكوت 340 يوماً في محطة الفضاء الدولية، بعد ذلك، نظر الباحثون في كيفية تأثير ذلك في وظائف الأعضاء، والتعبير الجيني، والجهاز المناعي، والتفكير العقلي. ولفهم أي تغييرات بشكل أفضل، قاموا بمقارنة هذه الميزات بتلك الموجودة في مارك، التوأم الذي بقي على الأرض.

إحدى النتائج الرائعة هي أن السفر إلى الفضاء أدى إلى إطالة التيلوميرات الخاصة بسكوت، وهي أجزاء قصيرة من الأحماض النووية المتكررة موجودة في نهايات الحمض النووي الخاص بنا، وهي تعمل نوعاً ما مثل الغطاء الموجود على رباط الحذاء، وتحمي خيوط الحمض النووي لدينا. ومع انقسام الخلايا، تقصر التيلوميرات، وهذا التغيير مرتبط عموماً بالشيخوخة.

فهل إقامة سكوت في الفضاء جعلت جسده يبدو أصغر سناً؟ لا، في الواقع، قد يؤدي تغيير التيلومير إلى زيادة خطر الإصابة بالسرطان.

ماذا وجد «سوما»؟

تظهر بيانات «سوما» أنه حتى بضعة أيام في الفضاء يمكن أن تؤدي إلى تغييرات جينية. في الواقع، لم تختلف التغييرات قصيرة المدى كثيراً عن تلك التي شوهدت خلال المهمات الأطول.

كما هي الحال مع سكوت كيلي، أصبحت التيلوميرات الخاصة بطاقم «Inspiration4» أطول خلال رحلتهم.

وقالت إيليا أوفيربي من جامعة أوستن في تكساس، وتدرس التأثيرات الصحية لرحلات الفضاء: «على الرغم من بقائهم هناك لمدة 3 أيام فقط، فإننا في الواقع مازلنا قادرين على رؤية التأثير الدراماتيكي جداً»، وبمجرد عودتهم إلى الأرض، عادت أطوال غطاء الحمض النووي الخاصة بهم إلى وضعها الطبيعي.

كما اتبعت عديد من التغيرات الجزيئية الأخرى أنماطاً مشابهة لتلك الموجودة في دراسة التوائم. ويبدو أنها تتحرك في أثناء الرحلات الفضائية، بغض النظر عن طولها. ثم عادوا إلى حد كبير إلى خط الأساس بمجرد عودة المسافرين إلى الأرض.

ماذا تعني هذه البيانات لصحة رائد الفضاء؟

هذا ليس واضحاً، خاصة عند التفكير في الفترات الزمنية الطويلة لمهمة المريخ، أو الإقامة في قاعدة قمرية. والعدد الإجمالي للأشخاص الذين يذهبون إلى الفضاء لا يزال صغيراً. ففي نهاية المطاف، تحمل كل مهمة خاصة جديدة طاقماً مكوناً من 4 أفراد فقط.

ومع ذلك، تعتزم «أوفربي» وفريقها أن يصبح «سوما» مركزاً للبيانات الصحية في المهمات التجارية والحكومية المأهولة.


مقالات ذات صلة

كويكب ضخم يقترب من الأرض ويُرى بالعين المجرَّدة

يوميات الشرق بين الأرض والسماء... لقاء لا يتكرَّر كثيراً (شاترستوك)

كويكب ضخم يقترب من الأرض ويُرى بالعين المجرَّدة

الكويكب يُعرف باسم «99942 أبوفيس»، وهو جرم يُتوقّع أن «يمر بأمان» على مسافة 20 ألف ميل من الأرض عام 2029.

«الشرق الأوسط» (ميامي)
العالم مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق في الطريق إلى الأرض تختبر القلوب صبرها (ناسا)

13 دقيقة تحبس الأنفاس... عودة «أرتميس 2» من أطول رحلة حول القمر

في تلك اللحظة بالذات، يمكننا أن ندع العواطف تسيطر علينا ونبدأ الحديث عن النجاح...

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم تصور فني يظهر مركز مجرة «ماركاريان 501» حيث ينبعث منها نفاثتان قويتان (مرصد هون - رين كونكولي)

اكتشاف ثقبين أسودين على وشك الاندماج

رصد فريق بحثي من معهد ماكس بلانك لعلم الفلك الراديوي في ألمانيا، دليلاً مباشرا على وجود ثقبين أسودين فائقَي الكتلة في مجرة «​​ماركاريان 501» يدوران حول بعضهما.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

الذكاء الاصطناعي يطبع آثاراً نفسية خفيّة على الإنسان

الذكاء الاصطناعي يطبع آثاراً نفسية خفيّة على الإنسان
TT

الذكاء الاصطناعي يطبع آثاراً نفسية خفيّة على الإنسان

الذكاء الاصطناعي يطبع آثاراً نفسية خفيّة على الإنسان

كثيراً ما يؤكد معظم مستخدمي أدوات الذكاء الاصطناعي أنها تُسهّل حياتهم. وتحمل هذه التكنولوجيا الذكية وعوداً بتبسيط المهام وتولي مسؤولية تنفيذها على الصعيدين المهني والشخصي، سواءً أكان ذلك تلخيص الوثائق، أو صياغة التقارير، أو إنشاء رموز برمجية، أو حتى تقديم الدعم النفسي. ومع ذلك، يساور الباحثين القلق من أن الذكاء الاصطناعي يُسهّل بعض المهام أكثر من اللازم، وأن هذا سيحمل بطياته عواقب غير متوقعة.

انحسار المشاركة الفاعلة

في مقال بعنوان «ضد الذكاء الاصطناعي السلس»، نشرته دورية «علم نفس الاتصالات» (Communications Psychology) بتاريخ 24 فبراير (شباط)، ناقش علماء نفس من جامعة تورنتو ما قد يفقده الإنسان عندما يقضي الذكاء الاصطناعي على كثير من الجهد المطلوب فيما يخص إنجاز الأنشطة البشرية. وتمحورت حجتهم حول فكرة: يلعب الاحتكاك - الصعوبة، والجهد، وحتى الشعور بعدم الراحة - دوراً مهماً في التعلم، والتحفيز، والشعور بالمعنى. لطالما أظهرت الأبحاث النفسية أن المشاركة الفعالة تُعمّق الفهم وتُقوّي الذاكرة، ما يُوصف بعض الأحيان بـ«الصعوبات المرغوبة».

ويخشى باحثون من أن أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على إنتاج إجابات مُنمّقة أو محادثات سريعة الاستجابة، ربما تتجاوز عمليات التعلم والتحفيز هذه. ومن خلال توجيه الأولوية للنتائج على حساب الجهد، قد يُضعف الذكاء الاصطناعي التجارب، التي تُساعد الأفراد على تطوير مهاراتهم، وبناء علاقاتهم، وإيجاد معنى في عملهم.

في هذا الصدد، تحدثت فانيسا بيتس راميريز من مجلة «جمعية المهندسين الكهربائيين الأميركيين» (سبيكتروم) ، مع إميلي زوهار، طالبة الدكتوراه في علم النفس التجريبي، الباحثة الرئيسية في الدراسة، حول سبب تأكيدها مع زميليها عالمي النفس بول بلوم ومايكل إنزليخت على أهمية الاحتكاك، وما الذي يمكن أن يبدو عليه في نهج أكثر تركيزاً على الإنسان لدى تصميم الذكاء الاصطناعي.

حوار علمي

> عندما تتحدثين عن «الاحتكاك» ماذا تقصدين من الناحيتين المعرفية والشخصية؟

- تقول إميلي زوهار: نُعرّف الاحتكاك بأنه أي صعوبة يواجهها الإنسان في أثناء السعي إلى تحقيق هدف ما. في سياق العمل، يشتمل الاحتكاك على جهد ذهني - مثل التأمل والمثابرة، والتركيز على مشكلة ما لفترة من الوقت، الأمر الذي يُساعد على ترسيخ الأفكار والعملية الإبداعية.

أما في العلاقات، فيشتمل الاحتكاك على الاختلاف، ومحاولة التوصل إلى التسوية، وإدارة سوء الفهم، والحوار المتبادل - وهي أمور تعد طبيعية عندما لا تتفق وجهات النظر دائماً، ويُساعد على توسيع الآفاق. حتى الشعور بالوحدة له أهمية، فهو يحفز على البحث عن تفاعلات اجتماعية، لذا فإن الشعور بهذه المشاعر السلبية والصعوبات، أمرٌ مهم في السياق الاجتماعي.

> بناءً على هذا التعريف... ما المقصود بمصطلح «الذكاء الاصطناعي السلس»؟

- يشير مصطلح «الذكاء الاصطناعي السلس frictionless AI» إلى المحو المفرط للجهد المطلوب لإنجاز المهام المعرفية والاجتماعية. إذ إنه ومع الذكاء الاصطناعي، كما نستخدمه عادةً، يصبح من السهل للغاية الانتقال من مرحلة توليد الأفكار إلى المنتج النهائي. في الواقع، فإنك تطلب من الذكاء الاصطناعي حل مشكلة ما بمجرد توجيهك له، ليُنجز المهمة بأكملها. ويعد هذا الأمر مشكلة، لأنه يزيل الخطوات الوسيطة التي تُحفز التعلم وتُنمي الدافع، ويولي الأولوية للنتيجة، على حساب العملية. وبدلاً من العمل عبر هذه الخطوات، يتولى الذكاء الاصطناعي هذا العمل المهم نيابةً عنك.

يكشف كثير من الدراسات أن جودة العمل تتحسن مع استخدام الذكاء الاصطناعي. وهذا منطقي، فهو يمتلك كل هذه المعرفة.

ومع ذلك، فإنه يُثير قلقنا لأنه قد يُضعف شيئاً أساسياً يحمل عواقب طويلة الأمد. فإذا واجهت المشكلة نفسها في المستقبل، ولم تكن بحوزتك أداة للذكاء الاصطناعي، فلن تمتلك المعرفة اللازمة لمواجهة المشكلة في المرة المقبلة.

الجهد والمثابرة والتنمية البشرية

> ترين أن إزالة الاحتكاك قد تُضر بالتعلم والعلاقات... باعتقادك ما دور الجهد والمثابرة في التنمية البشرية؟

- في مجال التعلّم، يُطلق على هذا المصطلح «الصعوبات المرغوبة»، في إشارة إلى الجهد والعمل، ليس أي جهد، بل الجهد الذي يمكن إدارته. والمقصود هنا مواجهة مشكلات يُمكن التغلب عليها، لكن يتطلب الأمر بذل بعض الجهد ـ وهنا تكمن الفكرة الأساسية للاحتكاك. لا نريدك أن تواجه مشاكل مستعصية، وإنما نريدك أن تعمل بجد، مع تمتعك بالقدرة على التغلب عليها. ويُساعدك ذلك على استيعاب المعلومات والتعلم منها. في العلاقات الشخصية، عليك مواجهة بعض الصعوبات لمعاينة وجهات نظر أخرى والتعلم منها، وتعلّم تقبّل الآخرين. أما إذا كنت معتاداً على أن يُعزز الذكاء الاصطناعي جميع أفكارك ويتملقك، فستدخل العالم الحقيقي، وتجد نفسك غير معتاد على مطالعة أفكار أخرى. حينها، لن تعرف كيف تتفاعل اجتماعياً، لأنك ستتوقع أن يكون الناس دوماً في صفك ويوافقونك الرأي. ولن تتعلم أن الحياة لا تسير دوماً بالطريقة التي تتوقعها، وأن المحادثات لا تسير دائماً على النحو الذي تنشده.

الذكاء الاصطناعي والعمليات الإبداعية

> لطالما سعت تقنيات كثيرة إلى تقليل الجهد المبذول: الآلات الحاسبة، والغسالات، وبرامج التدقيق الإملائي... ما الذي يميز الذكاء الاصطناعي؟

- ركزت التقنيات السابقة، في أغلبها، على تقليل الجهد البدني. لم نعد مضطرين للذهاب إلى النهر لغسل ملابسنا. لقد أزالت التقنيات السابقة الحاجة إلى إنجاز المهام الروتينية، التي لم تكن تُسهم في تعلمنا ونمونا، بل كانت تُضيف عقبات غير ضرورية وتُهدر الوقت المُخصص لمهام أكثر أهمية.

إلا أن الذكاء الاصطناعي يُقلل الجهد المبذول في العمليات الإبداعية والمعرفية التي تُحفز المعنى والدافع والتعلم. هنا، يكمن الفرق الجوهري، لأنه لا يُزيل العقبات من المهام التي لا تُفيدنا، بل يُزيل العقبات من التجارب المهمة والأساسية لتطورنا.

> هل هناك سياقات يُزيل فيها الذكاء الاصطناعي العقبات المفيدة بالفعل؟ وكيف تظهر آثار تقليل العقبات بمرور الوقت؟

- أحد الأمثلة الواضحة هنا الكتابة. يعتمد الناس بشكل كبير على الذكاء الاصطناعي في صياغة كل شيء، من رسائل البريد الإلكتروني إلى المقالات، ما يُزيل من الطريق كثيراً من العقبات المفيدة. وتُظهر أبحاث أن ثقة الناس بالردود تتراجع، عندما يعلمون أنها كُتبت بواسطة الذكاء الاصطناعي، وأنهم يُقيّمون المنتجات المُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي بأنها أقل إبداعاً وقيمة، ويواجهون صعوبة أكبر في تذكّر أعمالهم التي أُنتجت بمساعدة الذكاء الاصطناعي. كما أن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في الكتابة تقضي على الاحتكاك الاجتماعي والمعرفي.

ونجد مثالاً جيداً آخر البرمجة التفاعلية. إذا كنت مبرمجاً، فإنّ هذا يعني أن البرمجة جزء لا يتجزأ مما يُضفي معنى على عملك. يستمدّ الناس المعنى من عملهم، وإذا استبدلت ذلك بواسطة الذكاء الاصطناعي، فقد يضر ذلك بهم. ويتركز الأثر السلبي للذكاء الاصطناعي السلس حول أنه يُزيل الاحتكاك من أمور بالغة الأهمية لتنمية شخصيتك ومهاراتك.

أحد المجالات التي تثير قلقي بشدة، استخدام المراهقين للذكاء الاصطناعي بشكل عام. إنها فترة نمو بالغة الأهمية للتعلّم والنموّ واكتشاف المسار الذي ستسلكه. لذا، إذا لم تكن لديك هذه التفاعلات المُثمرة مع العمل والعلاقات، التي تُعلّمك كيف تُفكّر، فستكون لذلك آثار سلبية على المدى الطويل. قد لا يتمكنون من التفكير النقدي بالطريقة نفسها، لأنهم لم يضطروا لذلك من قبل. وإذا لجأوا إلى الذكاء الاصطناعي في بناء علاقاتهم الاجتماعية في هذه السن المبكرة، فقد يؤدي ذلك إلى تراجع مهارات مهمة كان ينبغي عليهم تعلمها في تلك المرحلة العمرية.

«الاحتكاك البنّاء»

> ما المقصود بالاحتكاك البنّاء؟

- الاحتكاك بطبيعته متدرج، فمع قلة الاحتكاك، لا يتحقق التعلم ولا الحافز. ومع كثرته، تصبح المهمة شاقة للغاية. أما الاحتكاك البنّاء، فيقع في المنتصف، وفي إطاره يؤدي الكفاح إلى الإنجاز. إنه يتطلب جهداً، لكنه جهد ممكن، ويتطلب التفكير النقدي والعمل على حل مشكلة ما لفترة من الوقت أو مواجهة بعض الصعوبات خلال العملية.

وكان المثال الذي استخدمناه في البحث، الفرق بين ركوب «التلفريك» وتسلق الجبل سيراً على الأقدام. كلاهما يصل إلى القمة، لكن مع «التلفريك»، لا يجني المرء أي فوائد تنموية، بينما ينطوي تسلق الجبل على صعوبات وشعور بالإنجاز. يصبح الأمر أكثر ثراءً ويحمل فرصة أكبر للتعلم، مقارنةً بالشخص الذي صعد بسهولة تامة، مستعيناً بـ«التلفريك».

> هل تتصورين ذكاءً اصطناعياً يُبطئ الناس عن عمد أحياناً أو يطلب منهم الاضطلاع بجزء من العمل بأنفسهم؟

- من المهم في علم السلوك التفكير في الخيار الافتراضي، لأن الناس لا يغيرون عادةً ما هو افتراضي لديهم. لذا، فإن الوضع الافتراضي في الذكاء الاصطناعي حالياً هو تقديم الإجابة التي تلائمك، ثم دفع المستخدم لمواصلة الس-

ير في الاتجاه ذاته. إلا أنني أعتقد أنه بإمكاننا التفكير في الذكاء الاصطناعي بطريقة مختلفة. ربما يمكننا جعل الوضع الافتراضي بناءً، على نحو أكبر؛ فبدلاً من مجرد الوصول إلى الإجابة مباشرةً، يُساعد الذكاء الاصطناعي المستخدم على التفكير في المشكلة ويُعلمه في أثناء ذلك، ما يجعله أكثر تعاوناً، وليس مصدراً لحل جاهز.

• باعتقادك كيف سيشعر مستخدمو هذه الأنظمة والشركات المطورة لها حيال هذا التحول في التصميم؟

- فيما يتعلق بمطوري هذه الأنظمة، يتركز القلق الأكبر حول ردود الفعل السلبية، فالناس اليوم أصبحوا معتادين على الحصول على الإجابة مباشرةً، وقد يُبدون مقاومة شديدة لتصميم يُجبرهم على بذل جهد أكبر. إلا أن هذا قد يُحفز مزيداً من التفاعل، لأنه يتطلب التفاعل والتواصل معاً للوصول إلى الإجابة. في نهاية المطاف، أعتقد أن الأمر يجب أن ينبع من الشركات المصنعة لهذه النماذج، إذا كان المصممون يعتقدون أن تصميماً يقوم على قدر أكبر من الاحتكاك سيفيد المستخدمين. في الواقع، فإن هذا النمط من الذكاء الاصطناعي المعقد منتج طويل الأمد. ومن الصعب الجزم ما إذا كان ذلك سيحفز الشركات على تغيير نماذجها لتتضمن قدراً معقولاً من التعقيد، لكن على المدى البعيد، أعتقد أن هذا سيكون مفيداً. لمواجهة المصاعب وبذل الجهود دور مهم في التعلم والتحفيز والشعور بمعنى الإنجازات


اكتشاف جين جديد يمنح أملاً في مواجهة عيوب القلب الخلقية

اكتشاف جين جديد يمنح أملاً في مواجهة عيوب القلب الخلقية
TT

اكتشاف جين جديد يمنح أملاً في مواجهة عيوب القلب الخلقية

اكتشاف جين جديد يمنح أملاً في مواجهة عيوب القلب الخلقية

في خطوة علمية قد تعيد رسم ملامح فهم أمراض القلب الخِلْقية، توصل باحثون من جامعة تارتو بإستونيا إلى اكتشاف جين جديد لم يكن مرتبطاً سابقاً بأي مرض بشري، لكنه يبدو أنه يلعب دوراً حاسماً في تكوّن قلب الجنين.

وتربط النتائج التي نُشرت في دورية «Journal of Medical Genetics» في 4 مارس (آذار) 2026، جينMGRN1 بحدوث تشوهات قلبية خلقية، وذلك في اختراق علمي قد يغير طريقة تشخيص هذه الحالات، والتعامل معها مستقبلاً.

وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة؛ إذ تُعد عيوب القلب الخِلقية من أكثر التشوهات شيوعاً عالمياً؛ حيث تصيب نحو مولود واحد من كل مائة. وعلى مدى عقود، سعى العلماء لفك لغز العوامل الجينية التي تتحكم في تطور القلب؛ أملاً في الوصول إلى تشخيص مبكر وعلاج أكثر دقة. واليوم، يفتح هذا الاكتشاف باباً جديداً نحو فهم أعمق، وربما إنقاذ مزيد من الأرواح

جين مفاجئ

وما يجعل هذا الاكتشاف لافتاً بشكل خاص هو أن جين MGRN1 لم يكن مرتبطاً من قبل بتطور الجنين البشري المبكر أو بأي مرض على الإطلاق، وظهوره لاعباً رئيسياً في تشكل القلب فاجأ المجتمع العلمي.

وأكدت قائدة فريق البحث لورا كاساك رئيس قسم علم الوراثة البشرية بمعهد الطب الحيوي والطب الانتقالي بجامعة تارتو بإستونيا في النتائج المنشورة، أن هذا الجين كان عملياً خارج نطاق الرادار، ولم تشِر أي دراسات سابقة إلى مشاركته في تطور القلب أو أي حالة خِلقية.

جاء هذا الاكتشاف بعد سنوات من التحليل الجيني الدقيق، قام خلالها الباحثون بفحص عينات الحمض النووي «دي إن إيه» من عائلات تأثرت بعيوب قلب خِلقية. وباستخدام تقنيات متقدمة في التسلسل الجيني، حدد الفريق تغيرات في جين MGRN1 ظهرت بتردد غير عادي لدى الأطفال الذين وُلدوا بتشوهات قلبية.

وبالنسبة للعائلات التي تواجه تشخيص مرض قلبي خِلقي فإن آثار هذا الاكتشاف عميقة. حالياً يتلقى العديد من الآباء مثل هذه التشخيصات بمعلومات محدودة عن الأسباب الكامنة؛ ما يصعّب فهم مخاطر التكرار، أو اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن تنظيم الأسرة.

إلا أن تحديد جين MGRN1 يغير هذه المعادلة تماماً؛ حيث يمكن لمقدمي الرعاية الصحية الآن فحص التغيرات في هذا الجين في أثناء الحمل؛ ما يتيح اكتشافاً أبكر للتشوهات القلبية المحتملة. ويتيح الاكتشاف الأبكر، بدوره، تحضيراً أفضل بدءاً من ترتيب رعاية متخصصة في غرفة الولادة، وصولاً إلى التخطيط للتدخلات الجراحية التي قد تكون ضرورية بعد الولادة بمدة قصيرة.

وأكدت الدكتورة ماريس لان المشاركة بالدراسة، والتي تقود مجموعة أبحاث الوراثة البشرية، أن هذا الاكتشاف يفتح أيضاً آفاقاً جديدة للإرشاد الوراثي؛ فالعائلات التي عانت من ألم معاناة أطفالها من عيوب القلب الخِلقية يمكنها الآن الحصول على معلومات أكثر دقة حول احتمالية تكرار الحالة في حالات الحمل المستقبلية.

فحوصات وعلاجات جينية

تمتد التطبيقات العملية لهذا البحث إلى ما هو أبعد من المختبر، مع بدء المراكز الطبية في دمج فحوصات جين MGRN1 في بروتوكولات الفحص قبل الولادة، حيث يتوقع الأطباء تحقيق تحسينات ملموسة في كيفية التعامل مع عيوب القلب الخِلقية.

وعندما يعرف الأطباء أي المسارات الجينية تعطلت يمكنهم توقُّع الأنواع المحددة من التشوهات التي قد تتطور وتوقع المضاعفات المحتملة بشكل أفضل. وهذه المعرفة تسمح بوضع خطط رعاية أكثر تخصيصاً تتناسب مع الملف الجيني الفريد لكل مريض.

علاوة على ذلك، فإن فهم الآليات الجزيئية التي يؤثر بها جين MGRN1 في تطور القلب يخلق فرصاً لطرق علاجية جديدة تماماً. ورغم أن التدخلات العلاجية في أثناء الحمل تبقى معقدة فإن الباحثين يستكشفون بالفعل ما إذا كانت بعض الأدوية أو العلاجات الجينية قد تخفف في يوم ما آثار الطفرات الضارة لجين MGRN1 قبل الولادة.

ولا يمثل اكتشاف دور جينMGRN1 نهاية الرحلة العلمية بل بداية فصل جديد في فهم عيوب القلب الخِلقية؛ ففي جامعة تارتو يعمل الباحثون حالياً على توسيع نطاق دراساتهم لاستكشاف كيفية تفاعل هذا الجين مع شبكة واسعة من الجينات الأخرى المعروفة بتأثيرها في نمو القلب.

وقد بدأت بالفعل شراكات بحثية مع مؤسسات علمية في أوروبا وأميركا الشمالية في خطوة تعكس إدراك المجتمع العلمي لأهمية التحقق من هذه النتائج على نطاق أوسع، وفي مجموعات سكانية أكثر تنوعاً.

ويؤكد فريق البحث أن القلب من أكثر أعضاء الجسم تعقيداً؛ إذ يتطلب تكوّنه تناغماً دقيقاً بين مئات بل آلاف الجينات. وفي هذا السياق يقدّم جين MGRN1 نافذة جديدة لفهم هذه العملية المعقدة، نافذة لم تكن معروفة من قبل.

وبالنسبة لآلاف العائلات التي تتلقى سنوياً تشخيصاً بوجود عيب خِلقي في القلب، وللأطفال الذين قد يواجهون سلسلة من العمليات الجراحية في سنواتهم الأولى يحمل هذا الاكتشاف بارقة أمل حقيقية، واستعداداً أفضل وفرصاً أعلى لتحسين النتائج الصحية.

وكما يلخص أحد الباحثين في الفريق: «كل جين نكتشفه هو قطعة جديدة من هذا اللغز الكبير. قد لا نرى الصورة الكاملة بعد، لكننا اليوم أقرب إليها من أي وقت مضى».

وتخطط الجامعة لنشر التفاصيل المنهجية الكاملة لهذا الاكتشاف في عدد قادم من «Journal of Medical Genetics»، بما يتيح للباحثين حول العالم البناء على هذه الخطوة المهمة، ودفع حدود المعرفة الطبية إلى الأمام.


نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات
TT

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

لطالما رغب المبرمج المصري عاصم صبري في نموذج ذكاء اصطناعي يُمثل ثقافته. لكن المشكلة تكمن في عدم عثوره على نموذج مثل هذا. ويقول صبري: «صناعة الذكاء الاصطناعي في مصر... غير موجودة». لذا قام ببناء نموذجه الخاص: «حورس»، نسبةً إلى إله السماء المصري القديم.

«حورس» على منصة «Hugging Face»

«حورس» للذكاء الاصطناعي

يقول صبري إن الهدف كان التوقف عن «الاعتماد على نماذج أخرى، مثل النماذج الأميركية أو الصينية»، والتوجه بدلاً من ذلك عن شكل النموذج الذي يُركز بشكل أكبر على الثقافة المصرية. ولجعل «حورس» يعمل، قام بتدريبه باستخدام وحدات معالجة الرسومات من «غوغل كولاب» Google Colab ومزودي خدمات سحابية آخرين، إلى جانب مجموعات بيانات مفتوحة المصدر. وقد حقق النموذج، الذي تم إصداره في أوائل أبريل (نيسان) الحالي، أكثر من 800 عملية تنزيل في أسبوعه الأول على منصة «Hugging Face».

انحصار لغوي

ويُعدّ صبري واحداً من بين عدد متزايد من المطورين الذين يسعون لتصحيح خللٍ مزمن في مجال الذكاء الاصطناعي. فالنماذج تتقن الإنجليزية، وإلى حدٍّ أقل، الصينية، لكنها أقل كفاءةً بكثير في معظم اللغات الأخرى. واللغات التي تُصنّف على أنها لغات أقلية، هي في الواقع لغات الأغلبية العالمية. ومع ذلك، وبفضل طريقة تدريب النماذج (على كميات هائلة من البيانات المُستخرجة من الإنترنت)، بالإضافة إلى اقتصاديات صناعة التكنولوجيا، تبقى الإنجليزية هي اللغة المهيمنة.

فجوة اللغات

في عام 2023، نشرت الباحثة علياء بهاتيا، بالتعاون مع زميل لها في مركز الديمقراطية والتكنولوجيا، دراسةً تُشير إلى أن اللغات غير القياسية «ضاعت في الترجمة» بسبب تأثيرات التنعيم والحوافز التجارية التي تُشكّل شركات التكنولوجيا الكبرى. ففي خضمّ التهافت على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي، أعطت الشركات الأولوية لدعم اللغة الإنجليزية، ويعود ذلك جزئياً إلى محدودية بيانات التدريب، ولم تبذل جهداً يُذكر لسدّ هذه الفجوة.

لسنوات، عزّزت الاعتبارات الاقتصادية هذه المشكلة. فتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي مُكلف، ولا تملك الشركات حافزاً يُذكر لتطوير نماذج تدعم مجموعات لغوية أصغر حجماً دون عائد واضح.

نماذج محلية

وقد بدأ هذا الوضع بالتغيّر أخيراً، أدى صعود نماذج الذكاء الاصطناعي المحلية، بالتزامن مع تشديد شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى لحدود الرموز الرقمية، إلى فتح المجال أمام الشركات الصغيرة. يقول صبري: «قبل عامين، لم يكن الذكاء الاصطناعي بمثل هذه الكفاءة، ولم تكن نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر. أما الآن، فيمكننا بناء نماذجنا الخاصة من الصفر».

ومع ذلك، لا تزال هناك عقبات. وتشير بهاتيا إلى أن «بعض العوائق لا تزال قائمة فيما يتعلق بالحوسبة، والبنية التحتية، والتمويل»، وهو ما يمثل مجتمعاً «عائقاً كبيراً». ومع ذلك، فإن التقدم واضح.

من اميركا اللاتينية إلى آسيا

وما يتبلور ليس نظاماً بيئياً رسمياً بقدر ما هو شبكة عالمية غير رسمية من النماذج ذات التركيز المحلي: Apertus السويسرية، و Latam-GPT في أميركا اللاتينية، وN-ATLaS النيجيرية، و Sahabat-AI الإندونيسية، وSEA-LION السنغافورية، وGreenMind الفيتنامية، وOpenThaiGPT التايلاندية، وTeuken 7B الأوروبية. يقدم كل منها بديلاً للنماذج السائدة من «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«علي بابا».

جهود شعبية

لا تزال بعض الجهود شعبية، مثل جهود صبري. بينما تحظى جهود أخرى بدعم مؤسسي. وعلى سبيل المثال، يُعدّ مشروع «أبيرتوس» ثمرة تعاون بين جامعتين سويسريتين والمركز الوطني السويسري للحوسبة الفائقة، الذي ساهم بأكثر من 10 ملايين ساعة معالجة رسومية، أي ما يعادل عشرات الملايين من الدولارات في الحوسبة التجارية.

إلا أن معظم المشاريع تعمل على نطاق أصغر بكثير من ذلك. ومع ذلك، فإن القدرة على تدريب ونشر نماذج محلية بتكلفة منخفضة نسبياً تُغيّر قواعد اللعبة. فقد سجّلت نسخة مُحسّنة من برنامج «لاما 3.2» التابع لشركة «ميتا»، الذي تم تدريبه على 14,500 زوج من الأمثلة القانونية الهندية، ما يزيد قليلاً على 1000 عملية تنزيل منذ أوائل أبريل (نيسان). وهذا جانب مُتخصص، لكنه ذو أهمية. وكان من الصعب تبرير الاستثمار فيه اقتصادياً حتى وقت قريب.

توسيع السوق

يشير هذا الإقبال المبكر إلى وجود سوق أوسع من السوق السائد. كما أنه يطرح تساؤلاً أمام كبرى شركات الذكاء الاصطناعي. تقول بهاتيا: «ما تقدمه هذه البدائل هو دليل على إمكانية بناء أنظمة تمثل بشكل أفضل أغلبية المستخدمين واللغات في العالم، طالما أن شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى ترغب فعلاً في الاستفادة من هذه التجارب والتعلم منها».

* مجلة «فاست كومباني».