تسلسل الجينات الموروثة... دور حاسم في تحديد نوع وشدة سرطان الثدي

تأثيره أكبر من الطفرات العشوائية

تسلسل الجينات الموروثة... دور حاسم في تحديد نوع وشدة سرطان الثدي
TT

تسلسل الجينات الموروثة... دور حاسم في تحديد نوع وشدة سرطان الثدي

تسلسل الجينات الموروثة... دور حاسم في تحديد نوع وشدة سرطان الثدي

تعيد دراسة كلية الطب بجامعة ستانفورد في الولايات المتحدة تشكيل فهم العلماء لأصول سرطان الثدي وتطوره بشكل كبير، مع التركيز على الدور القوي لتسلسلات الجينات الموروثة - وخصوصا «جينوم الخلايا الجرثومية» من الأم أو الأب. ويأتي هذا خلافاً لوجهة النظر التقليدية القائلة بأن الطفرات الجسدية العشوائية خلال حياة المرأة هي المحركات الأساسية لهذا النوع من السرطان.

التسلسلات الموروثة والطفرات

وتكشف الدراسة أن تسلسل الجينات الموروثة يلعب دوراً حاسماً في تحديد نوع وشدة سرطان الثدي، ما يتحدى فكرة أن معظم أنواع السرطان تنشأ بشكل عشوائي بسبب الطفرات المتراكمة مع مرور الوقت.

وتؤثر هذه التسلسلات الموروثة على سيرورة اكتشاف الخلايا السرطانية المحتملة وتدميرها بواسطة الجهاز المناعي، أو تجنب الكشف عنها ما يؤدي إلى تطورها إلى أورام.

ويرتبط تباين الجينوم البشري، والطفرة الجسدية بشكل معقد. ويشكلان معاً السمات البشرية، وكذلك مخاطر حدوث الأمراض، حيث تظهر متغيرات في الجينوم البشري منذ الحمل، ولكنها تختلف بين الأفراد وتتراكم عبر الأجيال. وعلى النقيض من ذلك تتراكم الطفرات الجسدية طوال الحياة بطريقة فسيفسائية داخل الفرد بسبب المصادر الداخلية والخارجية للطفرات والضغوط الانتقائية التي تؤثر على الخلايا.

نظرة جديدة على أصل السرطان

توفر الدراسة التي نُشرت في مجلة «ساينس» (Science) في 31 مايو (أيار) 2024 وقادتها الدكتورة كريستينا كيرتس من «معهد ستانفورد للسرطان»، والدكتورة كاثلين هولاهان من قسم علم الوراثة، وكلاهما من «كلية الطب بجامعة ستانفورد» بالولايات المتحدة، تحولاً كبيراً في فهم أصول سرطان الثدي. وتؤكد على دور العوامل الوراثية والمناعة في تطور السرطان، وتقدم فهماً متعمقاً وقوياً للتفاعل بين الخلايا السرطانية الناشئة حديثاً وجهاز المناعة والتنبؤ بسرطان الثدي ومكافحته، حيث إن عدداً قليلاً من الطفرات الجينية المرتبطة بالسرطان تُستخدم حالياً بشكل منتظم للتنبؤ بالسرطان. وتشمل هذه الطفرات جينين، وهما BRCA1 وBRCA2 اللذان يحدثان في نحو واحدة من كل 500 امرأة، وتزيدان من خطر الإصابة بسرطان الثدي أو المبيض، وطفرات أخرى نادرة في جين يسمى TP53 الذي يسبب مرضاً يسمى متلازمة لي فروميني Li Fraumeni syndrome، وهو اضطراب وراثي نادر يعرض حامليه للإصابة بالسرطان في الطفولة والبلوغ.

تفاعل الجهاز المناعي

يعد التفاعل بين الخلايا السرطانية الناشئة حديثاً والجهاز المناعي أمراً محورياً. وعادة ما تقوم الخلايا المصابة بعرض البروتينات على أسطحها لكي تتعرف عليها الخلايا التائية T cells التي هي جزء من الجهاز المناعي. وتؤثر الاختلافات في هذه البروتينات المعروضة التي تتأثر بالجينات الموروثة على مدى احتمالية التعرف على الخلية السرطانية والقضاء عليها.

ووجد الباحثون أن الأنواع الفرعية لسرطان الثدي تتأثر بكمية هذه الجينات المعروفة بالجينات الورمية oncogenes وهي الجينات التي لديها القدرة على التسبب في السرطان، وغالباً ما تتحور هذه الجينات في الخلايا السرطانية المعروضة على سطح الخلية، أي قدرتها على جذب انتباه جهاز المناعة.

ويمكن التعرف على الجين بشكل أكبر من قبل الجهاز المناعي الذي يحمي في البداية من تطور السرطان. كما تكون الأورام التي تمتلك كميات كبيرة من هذه الجينات المعروضة التي تجذب الخلايا المناعية في البداية أكثر عرضة للهجمات المناعية. ولكن إذا تهربت هذه الأورام من الكشف المبكر فإنها تميل إلى أن تصبح أكثر عدوانية وأصعب في العلاج.

تصنيف سرطانات الثدي

تم تصنيف سرطان الثدي إلى أحد عشر نوعاً فرعياً، بناء على أنواع الطفرات الجسدية التي تحدث في الآلاف من حالات سرطان الثدي مع تنبؤات مختلفة وخطر تكرار المرض. وكانت أربعة من هذه الأنواع الفرعية الأحد عشر أكثر عرضة للتكرار حتى بعد 10 أو 20 عاماً من تشخيص الإصابة بالمرض. وهذه المعلومات حاسمة للأطباء عند اتخاذ قرارات العلاج ومناقشة التنبؤات طويلة الأمد مع المرضى.

كما أظهرت الدراسات السابقة أن الأشخاص الذين لديهم طفرات في جيني BRCA1 أو BRCA2 يميلون إلى تطوير نوع فرعي من سرطان الثدي يُعرف بسرطان الثدي الثلاثي السلبي triple negative breast cancer، وهو نوع فرعي من سرطان الثدي لا يستجيب للأدوية التي تستهدف مستقبلات هرمون الإستروجين، كما أنه ينمو بسرعة وقد ينتشر خارج الثدي قبل التشخيص. ومن المرجح أن يتكرر أكثر من سرطانات الثدي الأخرى، ويمثل نحو 15 في المائة من جميع حالات سرطان الثدي، وهو أكثر شيوعاً عند الشباب والنساء الأميركيات من أصل أفريقي أو من أصول إسبانية وهندية كما يقول روبرتو ليون فيري طبيب أورام الثدي الطبي في مركز «مايو كلينك» Mayo Clinic الشامل للسرطان بالولايات المتحدة، والمؤلف الأول للدراسة التي نشرت في مجلة «الجمعية الطبية الأميركية» JAMA في 2 أبريل (نيسان) 2024.

ومن الغرائب البيولوجية أن الخلايا السليمة عادة ما تعرض على أغشيتها الخارجية قطع صغيرة من البروتينات التي توجد في تلك الخلايا، وهو عرض خارجي يعكس نمطها الداخلي. وفي الوقت ذاته تتجول خلايا المناعة المسماة الخلايا التائية في الجسم بحثاً عن أي من هذه البروتينات بشكل مفرط التي قد تشير إلى وجود مشكلة داخل الخلية، فإذا كانت الخلية مصابة بفيروس، فسوف تعرض الخلية المصابة قطعاً من بروتينات الفيروس على سطحها الخارجي، وإذا كانت الخلية سرطانية فستعرض البروتينات غير الطبيعية، وهي ما يدفع الخلايا التائية إلى الهجوم على تلك الخلايا.

«جينوم الخلايا الجرثومية» من الأم والأب يحسن التنبؤات حول النوع الفرعي لسرطان الثدي وعدوانية المرض ومخاطر تكراره

التنبؤ بالسرطان وعلاجه

تشير النتائج إلى أن المعلومات الوراثية من «جينوم الخلايا الجرثومية» يمكن أن تحسن التنبؤات حول النوع الفرعي لسرطان الثدي وعدوانية المرض ومخاطر تكراره ما يساعد في استراتيجيات علاج أكثر تخصيصاً. ويمكن أن يؤدي هذا أيضاً إلى توجيه تطوير العلاجات المناعية للسرطان، والتنبؤ بخطر الإصابة بالسرطان لدى الفرد من خلال اختبار دم بسيط.

ويشير مصطلح جينوم الخلايا الجرثومية germline genome إلى الخلايا الجنسية (البويضات والحيوانات المنوية) التي تستخدمها الكائنات الحية التي تتكاثر جنسياً لنقل جينوماتها من جيل إلى جيل (من الآباء إلى الأبناء). وتسمى خلايا البويضات والحيوانات المنوية بالخلايا الجرثومية، على عكس الخلايا الأخرى في الجسم، التي تسمى الخلايا الجسدية.

ويوفر هذا البحث إطاراً جديداً لفهم أصول السرطان مع التركيز على دور الوراثة والتفاعل المناعي في تطور السرطان. ويفترض أن الأورام ليست مجرد نتيجة لطفرات عشوائية، ولكنها تتأثر بتفاعل معقد بين العوامل الوراثية الموروثة وديناميكيات الجهاز المناعي. وتمهد الدراسة الطريق للبحث المستقبلي في أنواع أخرى من السرطانات باستخدام هذا المنظور الجديد ما قد يحدث ثورة في تشخيص السرطان وعلاجه.


مقالات ذات صلة

«كريسبر» داخل الجسم: حقنة بسيطة قد تحل محل أعقد علاجات السرطان

علوم صورة تعبيرية عن الأبحاث حول هندسة إنتاج خلايا مناعية داخل جسم الإنسان

«كريسبر» داخل الجسم: حقنة بسيطة قد تحل محل أعقد علاجات السرطان

نجح لأول مرة في مكافحة أورام الساركوما إضافة إلى اللوكيميا، والورم النخاعي المتعدد

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
صحتك يُعدّ تراكم الغازات في الجهاز الهضمي السبب الأكثر شيوعاً لانتفاخ البطن (بكساباي)

ما علاقة انتفاخ المعدة بالسرطان؟

انتفاخ البطن شعور بالامتلاء أو الضغط قد يكون مؤقتاً، لكن استمراره قد يشير في حالات نادرة إلى مشكلة أكثر خطورة، بما في ذلك بعض أنواع السرطان.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك لاصقات هرمونية تُستعمل لتخفيف أعراض سن اليأس لدى النساء (أ.ب)

لاصقات هرمونية للنساء تفتح باباً جديداً لعلاج سرطان البروستاتا

كشفت دراسة بريطانية جديدة عن إمكانية استخدام لاصقات هرمونية تُستعمل عادة لتخفيف أعراض سن اليأس لدى النساء كعلاج فعّال لسرطان البروستاتا لدى الرجال.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك زيت السمك قد يقدم فوائد مهمة للرجال المصابين بسرطان البروستاتا (بيكسلز)

ما فوائد زيت السمك لمرضى التهاب البروستاتا؟

يُعدّ زيت السمك من المكملات الغذائية الشائعة والمشهورة بفوائده الصحية المتنوعة، ولا سيما بالنسبة للرجال الذين يعانون من التهاب البروستاتا.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك راية زرقاء تكريماً لضحايا سرطان القولون خلال الجولة الثانية من بطولة «كولوغارد كلاسيك 2026» في نادي لا بالوما الريفي - 21 مارس 2026 - توسون بأريزونا (أ.ف.ب)

بكتيريا معدلة وراثياً لعلاج الأورام السرطانية

 نجح فريق من الباحثين بالصين في استخدام نوع من البكتيريا، بعد تعديله وراثياً، لعلاج الأورام السرطانية.

«الشرق الأوسط» (بكين)

هل يكشف صوتك مرضك؟

حين يصبح الصوت مرآة للصحة
حين يصبح الصوت مرآة للصحة
TT

هل يكشف صوتك مرضك؟

حين يصبح الصوت مرآة للصحة
حين يصبح الصوت مرآة للصحة

قد لا يكون الصوت مجرد وسيلة للتعبير، بل نافذة بيولوجية دقيقة تحمل إشارات خفية عن حالة الإنسان الصحية. فاهتزاز الأحبال الصوتية، وتغيّر الإيقاع، وحتى الترددات غير المسموعة للأذن البشرية قد تعكس تغيرات فسيولوجية معقدة داخل الجسم، لا يلاحظها الإنسان، لكنها تترك أثراً يمكن رصده، وتحليله.

وفي هذا السياق، بدأ الذكاء الاصطناعي يقترب من الصوت بوصفه «بياناً طبياً» جديداً، حيث تعمل الخوارزميات على تحليل نبرة الكلام بدقة غير مسبوقة، بحثاً عن أنماط دقيقة قد ترتبط بأمراض عصبية، أو تنفسية، أو حتى نفسية، في تحول يفتح باباً مختلفاً تماماً لفهم العلاقة بين الصوت والصحة.

حين يصبح الصوت بصمة صحية للجسد

ماذا تقول الأبحاث الحديثة؟

في أحدث ما توصلت إليه الأبحاث، أظهرت دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة «الطب الرقمي» (npj Digital Medicine)، قادها الباحث تشن زيي (Ziyi Chen) من كلية الطب بجامعة هارفارد (Harvard Medical School)، أن تحليل الكلام العفوي يمكن أن يتحول إلى مؤشر رقمي دقيق لتقييم القدرات الإدراكية. وقد نجحت الخوارزميات في ربط خصائص الصوت بوظائف الدماغ، مع قدرة ملحوظة على اكتشاف التدهور المعرفي في مراحله المبكرة.

ويأتي هذا التطور امتداداً لنتائج سابقة، إذ أشارت دراسة نُشرت عام 2025 في مجلة «الطب الرقمي» (npj Digital Medicine) التابعة لمجموعة «نتشر» (Nature)، أعدّها باحثون من جامعة ستانفورد (Stanford University) الأميركية، إلى أن تحليل تسجيلات صوتية قصيرة يمكن أن يكشف مؤشرات على اضطرابات عصبية ونفسية، اعتماداً على أنماط دقيقة في الترددات الصوتية، وسرعة الكلام، والتغيرات في النبرة.

وتكشف هذه النتائج مجتمعة عن تحول نوعي في فهم الصوت البشري؛ إذ لم يعد مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبح أداة تحليل يمكن أن تعكس الحالة العصبية، والوظائف الإدراكية للإنسان.

كيف يمكن للصوت أن يكشف المرض؟

يرتبط الصوت البشري ارتباطاً وثيقاً بالجهاز العصبي الذي يتحكم بدقة في حركة عضلات الحنجرة، ونمط التنفس، وتنسيق اللسان والشفتين أثناء الكلام. وعندما تتأثر هذه الأنظمة نتيجة اضطراب عصبي أو مرض عضوي، تظهر تغيرات دقيقة في خصائص الصوت، غالباً ما تكون خفية، ولا يمكن ملاحظتها بسهولة بالسمع البشري.

غير أن ما لا تلتقطه الأذن تستطيع الخوارزميات تحليله. إذ تقوم أنظمة الذكاء الاصطناعي بفحص آلاف السمات الصوتية داخل تسجيل واحد، من ترددات دقيقة إلى اختلافات طفيفة في الإيقاع والتنفس، لتحديد أنماط قد تعكس تغيرات بيولوجية داخل الجسم.

وبذلك يتحول الصوت من مجرد وسيلة للتواصل إلى إشارة فسيولوجية قابلة للتحليل، وتحمل في طياتها معلومات قد تساعد على الكشف المبكر عن اضطرابات صحية قبل أن تظهر أعراضها بوضوح.

حين يتحول الهاتف إلى طبيب صامت

هل يصبح الهاتف أداة تشخيص؟

مع التقدم المتسارع في تقنيات تحليل الصوت، لم يعد هذا التصور مجرد احتمال نظري، بل يقترب تدريجياً من التطبيق العملي. فقد يتحول الهاتف الذكي إلى نقطة مراقبة صحية أولية قادرة على التقاط إشارات صوتية دقيقة خلال المكالمات، أو أثناء قراءة نص بسيط.

وفي هذا السياق، يمكن لتطبيق صحي مدعوم بالذكاء الاصطناعي أن يحلل صوت المستخدم في الخلفية، ويرصد تغيرات طفيفة في النبرة أو الإيقاع قد لا يلاحظها الشخص نفسه، ثم يرسل تنبيهاً مبكراً بوجود مؤشرات تستدعي المتابعة الطبية.

ولا تكمن أهمية هذا النموذج في دقته التقنية فحسب، بل في قدرته على نقل التشخيص المبكر من العيادة إلى الحياة اليومية، بحيث يصبح الاكتشاف جزءاً من الروتين، ولا يكون حدثاً متأخراً بعد ظهور الأعراض.

لكن هل يمكن الوثوق بالصوت؟

رغم هذا التقدم، يطرح استخدام الصوت كأداة تشخيص تحديات مهمة. فالصوت يتأثر بعوامل متعددة لا ترتبط بالمرض وحده، مثل الحالة النفسية، والبيئة المحيطة، وحتى ثقافة الكلام وطبيعته لدى كل فرد. كما أن الاعتماد المفرط على التحليل الصوتي قد يحمل خطر تفسير الإشارات خارج سياقها السريري.

وهنا لا يكمن التحدي في دقة الخوارزمية فقط، بل في قدرتها على فهم الإنسان في تعقيده الكامل، وهو ما يظل حتى اليوم خارج نطاق أي نموذج حسابي.

ماذا يعني ذلك للطب؟

رغم أن هذه الأبحاث لا تزال في مراحلها المبكرة، فإنها تشير بوضوح إلى اتجاه جديد في الطب يقوم على تحليل الإشارات الحيوية التي ينتجها الجسم بشكل يومي دون تدخل مباشر، في انتقال تدريجي من الفحوصات المتقطعة إلى المراقبة المستمرة.

وفي هذا الإطار قد لا يبقى التشخيص معتمداً فقط على اختبارات تُجرى داخل المختبرات، بل يمتد ليشمل بيانات تُجمع من حياة الإنسان اليومية، مثل صوته، وحركته، ونمط تنفسه، ضمن منظومة تحليل ذكية تعمل في الخلفية.

وقد يأتي وقت يصبح فيه الصوت أحد المؤشرات الحيوية المعتمدة للصحة، إلى جانب تحاليل الدم، والفحوصات التقليدية، وليس بديلاً عنها، بل يكون مكملاً لها، ويضيف بعداً جديداً لفهم الإنسان في مراحله المبكرة.

لكن السؤال الأعمق ليس ما إذا كان الصوت يستطيع كشف المرض...

بل ما إذا كنا مستعدين للإصغاء لما يقوله الجسد قبل أن يصرخ بالألم.


رحلة حول القمر والعودة في 10 أيام

رحلة حول القمر والعودة في 10 أيام
TT

رحلة حول القمر والعودة في 10 أيام

رحلة حول القمر والعودة في 10 أيام

تستعد «ناسا» لإرسال أربعة رواد فضاء -ثلاثة من الولايات المتحدة، وواحد من كندا- في رحلة حول القمر، والعودة دون الهبوط عليه. وهذه هي المرة الأولى التي يسافر فيها أي إنسان إلى هذه المسافة من الأرض منذ رحلة مركبة «أبولو 17» عام 1972، كما كتب ماركو هيرنانديز وكينيث تشانغ(*).

مهمة فضائية نحو القمر

وإذا نجحت مهمة «أرتميس 2»، فقد تتبعها مهمات أخرى لإعادة رواد الفضاء إلى سطح القمر في وقت لاحق من هذا العقد.

وإليكم ما يجب معرفته عن المهمة، ورواد الفضاء المشاركين فيها.

صاروخ الإطلاق ومركبة الرواد

* ما هو صاروخ نظام الإطلاق الفضائي؟

هذا هو صاروخ «ناسا» الجديد الضخم، وهو المكافئ المعاصر لصاروخ «ساتورن 5» الذي استُخدم في رحلات أبولو إلى القمر. يبلغ ارتفاعه 322 قدماً، ويزن 5.75 مليون رطل عند امتلائه بالوقود. وينطلق من مركز كينيدي للفضاء التابع لوكالة «ناسا» في فلوريدا، وهو قادر على إرسال حمولة تزن نحو 60000 رطل (الرطل 453 غراماً تقريباً) إلى القمر.

ويُعدّ تصميمه مزيجاً من التقنيات التي طُوّرت في سبعينات القرن الماضي لمكوك الفضاء. وقد أشرفت «ناسا» على تصميم صاروخ نظام الإطلاق الفضائي، وكذلك كبسولة أوريون، واستعانت بشركتي «سبيس إكس» و«بلو أوريجين» التجاريتين، لتوفير مركبات الهبوط القمرية لمهام «أرتميس» المستقبلية.

* ما هي مركبة أوريون الفضائية؟

- مركبة أوريون الفضائية هي التي ستحمل رواد الفضاء إلى القمر، والعودة. وسيعود الجزء العلوي منها -وحدة الطاقم- إلى الأرض، حيث سيهبط في المحيط الهادئ قبالة سان دييغو.

تتكون مركبة أوريون الفضائية من قسمين رئيسين. وخلال المهمة التي تستغرق عشرة أيام سيبقى رواد الفضاء داخل وحدة الطاقم. أما أسفلها فتقع وحدة الخدمة، وهي قطعة أسطوانية الشكل وفرتها وكالة الفضاء الأوروبية، وتضم أنظمة الدفع، والطاقة، ودعم الحياة.

صُممت هذه الكبسولة من قِبل شركة «لوكهيد مارتن»، وأطلق عليها الطاقم اسم «إنتيغريتي» لهذه المهمة، وهي قادرة على استيعاب أربعة رواد فضاء لمهام تصل مدتها إلى 21 يوماً.

يبلغ حجم الكبسولة الداخلي ما يعادل حجم سيارتين صغيرتين تقريباً، وهو حجم غير كافٍ لتوفير أي خصوصية لأفراد الطاقم.

يمكن إزالة مساند القدمين في مقعدي الطيار والقائد لتوفير مساحة أكبر أثناء العمل، والنوم. وفي حال حدوث إشعاع، مثل توهج شمسي، يمكن لرواد الفضاء الاحتماء في خزائن التخزين الموجودة أسفل المقاعد.

أربعة رواد فضاء

وقد تم اختيار أربعة رواد فضاء لهذه المهمة في عام 2023، وهم يتدربون منذ ذلك الحين استعداداً لرحلتهم. سبق لرواد الفضاء الثلاثة التابعين لوكالة «ناسا» -القائد ريد وايزمان، والطيار فيكتور غلوفر، واختصاصية المهمة كريستينا كوتش- أن حلقوا على محطة الفضاء الدولية. ومن المقرر أن يكون غلوفر أول رجل أسود يدور حول القمر، وكوتش أول امرأة سوداء تفعل ذلك. أما اختصاصي المهمة الكندي جيريمي هانسن، فلم يسبق له أن سافر إلى الفضاء. وسيكون هانسن أول شخص من خارج وكالة «ناسا» يقوم بهذه الرحلة.

استكشاف القمر وموارده

* لماذا تعود «ناسا» إلى القمر؟

بعد أن وطأت قدم نيل أرمسترونغ سطح القمر، شعر الكثيرون بأن سباق الفضاء مع الاتحاد السوفياتي (السابق) قد حُسم، وأن مهمات قمرية جديدة لا تستحق التكلفة الباهظة.

وعلى مدى العقود الماضية، ركزت «ناسا» على استكشاف المدار الأرضي المنخفض باستخدام مكوك الفضاء، ومحطة الفضاء الدولية.

وخلال فترة رئاسة ترمب الأولى، أصبحت العودة إلى القمر أولوية بالنسبة لـ«ناسا»، واستمر البرنامج في عهد الرئيس جو بايدن. وتهدف مهمات «أرتميس» إلى استكشاف القمر لأغراض الاكتشاف العلمي، واستخراج موارد منه، مثل الماء المتجمد لاستخدامه في مهمات فضائية لاحقة، والهيليوم-3 لمحطات الطاقة الاندماجية المستقبلية.

برنامج «أرتميس»

* أرتميس 1: أُطلقت المهمة الأولى من برنامج «أرتميس» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، حيث أرسلت كبسولة أوريون غير المأهولة إلى مدار حول القمر. وخلال رحلتها، أطلقت المهمة عدة أقمار اصطناعية صغيرة تُعرف باسم كيوب سات. عادت أوريون إلى الأرض بعد 26 يوماً.

* أرتميس 2: تهدف مهمة هذا العام إلى اختبار أنظمة دعم الحياة والأنظمة الحيوية الأخرى على متن مركبة أوريون. إذ وبعد انفصالها عن المرحلة العليا للصاروخ، يخطط الطاقم لاختبار قدرة أوريون على تنفيذ مناورات الالتحام للرحلات المستقبلية. وفي حال حدوث أي مشكلات خطيرة أثناء وجود أوريون في مدار الأرض، سيقوم مديرو المهمة بإعادة رواد الفضاء إلى الأرض.

بمجرد أن تتجه المركبة الفضائية نحو القمر، ستسلك ما يُعرف بمسار «العودة الحرة»: حيث ستُعيد جاذبية القمر الكبسولة مباشرةً إلى الأرض دون الحاجة إلى تشغيل المحركات. وهذا يعني أن كبسولة أوريون يُمكنها العودة إلى الأرض حتى في حال حدوث عطل في نظام الدفع.

أثناء تحليق أوريون بالقرب من الجانب البعيد للقمر، سيُجري رواد الفضاء عمليات رصد لسطح القمر، بما في ذلك أجزاء لم ترها عين بشرية من قبل. (وتجدر الإشارة هنا إلى أن توقيت مهمات أبولو قد تمّ بحيث يكون الجانب القريب من القمر، حيث هبط رواد الفضاء، في ضوء النهار، بينما يكون الجانب البعيد في ظلام دامس).

وعندما يكون القمر بين المركبة الفضائية الجديدة والأرض، ستنقطع الاتصالات مع رواد الفضاء لمدة تتراوح بين 30 و50 دقيقة.

مهمات مستقبلية

* مهمات «أرتميس» المستقبلية: في فبراير (شباط)، عدّلت «ناسا» خططها لما سيحدث بعد «أرتميس 2». كان من المفترض أن تكون «أرتميس 3» الحدث المحوري، حيث ستهبط برواد فضاء بالقرب من القطب الجنوبي للقمر بحلول نهاية عام 2028.

وبدلاً من ذلك، أُعيدت جدولة إطلاقها في منتصف عام 2027، وستبقى في مدار حول الأرض كرحلة تجريبية للتدرب على الالتقاء بإحدى أو كلتا مركبتي الهبوط القمريتين اللتين تُطوّرهما شركتا «سبيس إكس» و«بلو أوريجين».

إذا سارت الأمور على ما يرام، فقد يُمهد ذلك الطريق لمحاولتي هبوط «أرتميس 4» و«أرتميس 5» في عام 2028.

وسيُحقق ذلك هدف الرئيس دونالد ترمب بإعادة رواد فضاء «ناسا» إلى القمر قبل نهاية ولايته الثانية.

تكلفة المشروع

على مدى العقدين الماضيين، أنفقت «ناسا» أكثر من 50 مليار دولار على تطوير وبناء نظام إطلاق الفضاء، وكبسولة أوريون، والأنظمة الأرضية المصاحبة اللازمة لإطلاقهما.

لا توجد تكلفة محددة لبرنامج «أرتميس 2» وحده، على الرغم من أن تقريراً صادراً عن المفتش العام لـ«ناسا» في عام 2021 ذكر أن تكلفة كل عملية إطلاق لنظام إطلاق الفضاء وكبسولة أوريون تبلغ نحو 4.1 مليار دولار.

* خدمة «نيويورك تايمز»


«كريسبر» داخل الجسم: حقنة بسيطة قد تحل محل أعقد علاجات السرطان

صورة تعبيرية عن الأبحاث حول هندسة إنتاج خلايا مناعية داخل جسم الإنسان
صورة تعبيرية عن الأبحاث حول هندسة إنتاج خلايا مناعية داخل جسم الإنسان
TT

«كريسبر» داخل الجسم: حقنة بسيطة قد تحل محل أعقد علاجات السرطان

صورة تعبيرية عن الأبحاث حول هندسة إنتاج خلايا مناعية داخل جسم الإنسان
صورة تعبيرية عن الأبحاث حول هندسة إنتاج خلايا مناعية داخل جسم الإنسان

فنجح باحثون في تحقيق اختراق علمي لافت، حيث تمكنوا من هندسة خلايا مناعية مقاومة للسرطان مباشرة داخل أجسام فئران حية، ما يمهد الطريق لعلاج بسيط قد يُعطى عبر حقنة واحدة، ويغني عن الحاجة إلى العلاج الكيميائي السام.

تقنية «كريسبر» المتقدمة

وفي تفاصيل هذا الإنجاز استخدم العلماء تقنية «كريسبر» المتقدمة (الخاصة بالتحرير، والقصّ الجيني) لتحويل حقنة تقليدية إلى أداة علاجية متطورة قادرة على إعادة برمجة الجهاز المناعي داخل الجسم نفسه. ووفقاً لدراسة نُشرت في 18 مارس (آذار) 2026 في دورية «نتشر» Nature فإن هذه الطريقة قد تتجاوز التحديات الحالية المرتبطة بالعلاجات المناعية، مثل التكلفة العالية، وتعقيد الإجراءات، وطول مدة العلاج.

شكل تصويري لخلايا مناعية (باللون الأخضر) تحيط بورم سرطاني (الأزرق)

علاج مناعي مختبري معروف للسرطان

وتركز الدراسة على فئة ناشئة من علاجات السرطان تعرف باسم «علاجات الخلايا التائية ذات المستقبلات الخيمرية» (CAR T - cell). ويعتبر هذا العلاج حالياً إنجازاً طبياً مذهلاً، لكنه يواجه عقبة لوجيستية كبيرة. فآلية عمله تعتمد على استخلاص الخلايا المناعية للمريض (الخلايا التائية)، ثم هندستها وراثياً في مختبر متخصص لتصبح قادرة على قتل الخلايا السرطانية، وأخيراً إعادة حقنها في جسم المريض.

ورغم أن هذه العملية حققت النجاح بحدوث تراجع ملحوظ في الأورام لبعض المرضى المصابين بسرطانات الدم، مثل اللوكيميا، واللمفوما، فإنها تحمل عيوباً كبيرة، إذ تتجاوز تكلفة العلاج مئات الآلاف من الدولارات، وتتطلب أسابيع من الانتظار، وتجبر المرضى على الخضوع لعلاج كيميائي سام مسبقاً للقضاء على جهازهم المناعي الحالي، لإفساح المجال للخلايا الهندسية الجديدة.

هندسة حيوية داخل الجسم

وبهدف بناء جيش داخل الجسم بطريقة أكثر أماناً، طالما حلم العلماء بتبسيط هذه العملية عن طريق هندسة الخلايا التائية مباشرة داخل المريض، وهو مفهوم يعرف باسم الهندسة الحيوية داخل الجسم In vivo engineering -، وهي تقنية علمية تعني تعديل الخلايا أو الجينات مباشرة داخل جسم الكائن الحي بدلاً من إخراج الخلايا، وتعديلها في المختبر، ثم إعادتها.

حقنة تتحول إلى مصنع إنتاج خلايا مناعية

وإذا نجح هذا النهج، فقد تحول حقنة بسيطة نظرياً جسم المريض نفسه إلى مصنع لإنتاج خلايا مقاومة للسرطان، مما يلغي الحاجة إلى العمل المختبري المكلف، والعلاجات المسبقة القاسية.

لكن هذا الحلم كان يحمل في طياته كابوساً محتملاً: إذ ماذا لو قامت أدوات التعديل الجيني بتغيير خلايا خاطئة عن طريق الخطأ؟ أو أدخلت الجين المقاوم للسرطان في مكان خاطئ داخل الجينوم مما قد يؤدي إلى ظهور أورام جديدة؟

انطلق الدكتور جاستن إيكيم، عالم المناعة في جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو الولايات المتحدة الأميركية، والمؤلف الرئيس للدراسة، لحل هذه المعضلة الأمنية. فقد بنى فريقه نظاماً يحمل «طبقات متعددة من الأمان» multiple layers of safety لضمان تحول الخلايا التائية فقط، ووضع التعديل الجيني في مكان آمن ومضبوط داخل جينوم الخلية.

إرسالية ذات مرحلتين

يشبه حل الفريق خدمة توصيل متطورة مزودة بنظام أمان مزدوج. إذ استخدم الباحثون نوعين مختلفين من الناقلات لحمل الشحنة الجينية. المجموعة الأولى حملت أدوات التعديل الجيني «كريسبر» التي تعمل كمقصات جزيئية، بينما حملت الأخرى المخطط الجيني للبروتين المقاوم للسرطان (CAR).

ولكي تتحول الخلية التائية إلى قاتلة للسرطان كان عليها تسلم كلتا هاتين الإرساليتين. ويقلل هذا النظام المزدوج بشكل كبير من خطر تعديل أنواع أخرى من الخلايا عن طريق الخطأ.

اختبارات ناجحة

وعندما اختبر الباحثون نظامهم على فئران تم زرع أورام سرطانية بشرية فيها كانت النتائج مذهلة. في الفئران المصابة باللوكيميا، والمايلوما المتعددة، أو الورم النخاعي المتعدد multiple myeloma (هو نوع من سرطان الدم يصيب خلايا البلازما) تم القضاء على السرطان تماماً. والأكثر إثارة للدهشة أن العلاج نجح في مكافحة الساركوما sarcoma (وهو ورم صلب ونادر من السرطان يتطور في الأنسجة الضامة، مثل العظام، والغضاريف، والدهون، والعضلات، والأوعية الدموية). وكانت علاجات الخلايا التائية قد عانت تاريخياً من صعوبة في علاج الأورام الصلبة، ما يجعل هذا الإنجاز واعداً بشكل خاص.

من الخيال العلمي إلى الأمل السريري

يتذكر الدكتور إيكيم أنه عندما تصور هذه الفكرة لأول مرة في عام 2017 «بدت وكأنها خيال علمي». والآن بعد ثماني سنوات فقط تتقدم التكنولوجيا بسرعة نحو التجارب على البشر. فقد شارك في تأسيس شركة تكنولوجيا حيوية لاختبار هذا النهج على القرود، مع آمال في إطلاق تجارب سريرية على البشر بحلول نهاية عام 2027.

وإذا نجحت هذه المساعي فستكون الآثار عميقة، إذ سيكون علاج الخلايا التائية داخل الجسم الحي أرخص بكثير في التصنيع، لأنه سيكون عبارة عن حقنة موحدة «جاهزة للاستخدام» بدلاً من منتج مخصص لكل مريض. والأهم من ذلك أنه سيجنب المرضى العلاج الكيميائي السام المطلوب حالياً، ما قد يجعل هذا العلاج المنقذ للحياة في متناول أولئك الذين هم في حالة صحية سيئة للغاية بحيث لا تسمح لهم بتحمل بروتوكولات العلاج الحالية.

أسئلة باقية دون إجابة

ورغم الحماسة التي أثارتها النتائج يدعو الخبراء إلى التفاؤل الحذر. فقد أشارت الدكتورة راشيل بيريت عالمة المناعة في معهد مالاغان للأبحاث الطبية في ويلينغتون نيوزيلندا غير المشاركة بالدراسة، إلى أنه رغم أن نتيجة الساركوما «واعدة بشكل خاص»، فإنه لا يزال من غير الواضح كم من الوقت تدوم تأثيرات العلاج. بالإضافة إلى ذلك وحتى مع وجود طبقات الأمان الإضافية، فإن هناك خطراً من أن كميات صغيرة من أدوات «كريسبر» قد تقوم عن غير قصد بتعديل خلايا في أعضاء أخرى مثل الكبد.

ومع ذلك تمثل هذه الدراسة نقلة نوعية في المفاهيم السائدة. فهي تثبت أن أعقد علاج خلوي في الطب الحديث قد يصبح يوماً ما بسيطاً كحقنة واحدة. فمن خلال تحويل جسم المريض نفسه إلى مختبر يقترب الباحثون خطوة من مستقبل قد تصبح فيه مكافحة السرطان بسيطة، مثل تلقي أي لقاح.