كيف تكون قائداً أفضل في عصر الذكاء الاصطناعي؟

رصد المواهب وتقييمها يتطلبان تفكيراً نوعياً جديداً

كيف تكون قائداً أفضل في عصر الذكاء الاصطناعي؟
TT

كيف تكون قائداً أفضل في عصر الذكاء الاصطناعي؟

كيف تكون قائداً أفضل في عصر الذكاء الاصطناعي؟

توصلت دراسة حديثة لأساتذة من جامعات برينستون وبنسلفانيا ونيويورك إلى أن الغالبية العظمى من الوظائف سوف تتأثر بالذكاء الاصطناعي.

مصائر العاملين مهددة

ومع هذا التهديد، يستمر العديد من القادة في استخدام العبارة المبتذلة المتداولة: «العاملون هم في قلب مؤسستنا». وفي حين أن مشاعر هؤلاء القادة قد تكون حسنة النية، فإن المعنى الحقيقي يمكن أن يضيع في العمليات التجارية اليومية.

والآن مع ازدياد المخاوف بشأن إمكانية استيلاء الذكاء الاصطناعي على وظائف ومهام العاملين - بالإضافة إلى المخاوف من الاحوال الاقتصادية المتقلبة - فقد حان الوقت لإجراء تقييم نقدي لإدارة المواهب.

فرق عمل لتدقيق المواهب

يحتاج جميع القادة إلى بناء فرق عمل عظيمة من أجل التغلب على التهديدات والتحديات، سواء كانت هجمات إلكترونية، أو تقنيات رقمية جديدة مدمرة، أو أسعار فائدة مرتفعة.

في الواقع، وجد الاستطلاع السنوي لمؤسسة «بروتيفيتي» حول أهم المخاطر التنفيذية Top Risks Executive Perspectives أن من المتوقع أن يكون (خلل) تحديد ورصد المواهب، والاحتفاظ بها، ثاني أكبر عامل خطر على المستوى التنفيذي العالمي وعلى المديرين التنفيذيين في مجالس الإدارة خلال العقد المقبل.

استراتيجيات إدارة المواهب

وتشير أبحاثنا إلى أن استراتيجيات إدارة المواهب في الماضي لن تخدم المؤسسات بشكل كافٍ في عام 2024، وهو العام الذي سيأتي بعصر جديد من تقدم الذكاء الاصطناعي.

يحتاج القادة إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لوضع مؤسساتهم في مواجهة المخاطر المعروفة وغير المعروفة.

فيما يلي 3 استراتيجيات يمكن أن تساعدك على أن تصبح قائداً أفضل في عصر الذكاء الاصطناعي:

رصد المواهب

* الاستراتيجية رقم 1- مراقبة نقاط ضعف المواهب وتقييمها ومعالجتها باستمرار.

تتمثل الاستراتيجية الأولى لكي تصبح قائداً أفضل في عصر الذكاء الاصطناعي، في مراقبة نقاط القوة والضعف في المواهب وتقييمها باستمرار ثم التصرف بشكل استباقي لملء مواقع عملها الشاغرة.

لقد كان التوظيف متقلباً بشكل خاص منذ انتشار وباء «كورونا» - الذي تم تحديده من خلال الارتفاعات الدورية في التوظيف والتسريح المفاجئ للعمال - ما يجعل من الضروري مراقبة تكوين القوى العاملة من كثب.

لقد كان توظيف الأشخاص المناسبين ذوي المهارات المناسبة دائماً أساساً لعقلية تحديد الموهبة الناجحة، ولكن كيفية تحقيق القادة لهذا الهدف ليست هي نفسها كما كانت في السنوات الماضية، تماماً كما كانت المهارات المطلوبة قبل 5 سنوات لموظف ناجح مختلفة تماماً من المهارات المطلوبة اليوم.

تقييم المهارات

يحتاج قادة الموارد البشرية إلى العمل بشكل تعاوني مع قادة الأعمال لسد فجوات المواهب من خلال تقييم المهارات الموجودة بالفعل داخل الشركة مقابل المهارات الجديدة المطلوبة لتحقيق الأهداف التجارية لمؤسستك. لكن فهم المهارات المطلوبة ليس كافياً.

على نطاق أوسع لن يخدم التفكير التقليدي حول نقص المهارات مؤسستك في عام 2024. وقد يكون توظيف مواهب إضافية أمراً صعباً نظراً لضيق سوق العمل العالمي. وبدلاً من ذلك، يجب استخدام التوظيف جنباً إلى جنب مع تحسين المهارات والاستفادة من العمالة الطارئة لضمان حصولك على المهارات المناسبة. وفيما يتعلق بالتكنولوجيا، يجب على القادة إعادة تقييم استراتيجياتهم باستمرار للتأكد من أنها تراعي أحدث الاحتياجات. ويشمل ذلك اعتماد الذكاء الاصطناعي وتطوير العاملين بالمهارات اللازمة للعمل جنباً إلى جنب مع الذكاء الاصطناعي.

توظيف الذكاء الاصطناعي

* الاستراتيجية رقم 2- اغتنام فرصة الذكاء الاصطناعي.

أنا واثق من اعتقادي بأن الذكاء الاصطناعي لن يحل محل جميع العمال. ومع ذلك، أرى مستقبلاً سيتم فيه تفضيل الموظفين الذين يعرفون كيفية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي بشكل فعال على أولئك الذين يفتقرون إلى هذه المعرفة. وهذا ينطبق على فرق التوظيف أيضاً.

يمكن لأدوات مثل برامج تخطيط وتصميم القوى العاملة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي أن تساعد الشركات على تحقيق أهدافها. وبالمثل، يمكن لأدوات استكشاف المواهب أن تنتج آراء مفصلة في الوقت الحقيقي لجميع المهارات الموجودة في جميع أنحاء المؤسسة. يجب على القادة تطوير مبادرات وأطر لتبني التقنيات الجديدة في السعي لتحقيق الانسيابية وإتقان المهارات الرقمية ومهارات الذكاء الاصطناعي.

سرعان ما أصبحت الممارسات التي تم تبنيها في العام الماضي قديمة، ولكي يجهزوا أنفسهم لتحقيق النجاح التنظيمي، يجب أن يكون القادة مستعدين وراغبين في جعل الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من استراتيجيات المواهب الخاصة بهم.

توقعات ذكية لجرد المواهب

يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي أيضاً أن تدفع القوى العاملة إلى الأمام من خلال السماح لهم بفهم ما سيحتاجون إليه في المستقبل. على سبيل المثال، يمكن لمجموعات الموارد البشرية وضع توقعات متجددة للمواهب وتحليل التأثيرات المالية لسيناريوهات المواهب. يمكن أن تساعد التوقعات القادة في تحديد المهارات وعدد الموظفين اللازمين لتنفيذ أهداف العمل الاستراتيجية، بالإضافة إلى تحديد المهارات المستقبلية التي قد يحتاجون إليها.

نظراً لضيق سوق العمل، وانخفاض المعروض من المهارات والخبرات عالية الطلب، فإن الحصول على احتياجات المواهب الخاصة بك سيمثل ميزة تنافسية.

تحليلات لتقييم الفاعلية

*الاستراتيجية رقم 3- اجعل البيانات والتحليلات جوهر قرارات التوظيف.

وأخيراً، يحتاج القادة في عصر الذكاء الاصطناعي إلى تبني البيانات والتحليلات. لقد كانت البيانات دائماً عنصراً أساسياً في كيفية تقييم المؤسسات لفاعليتها وتحديد مجالات الحاجة ونقاط الضعف.

ومع ذلك، تتطلب الاحتياجات الجديدة تقارير جديدة، ولا يمكن لفرق الموارد البشرية الاستمرار في قياس نفس الكفاءات كما في الماضي؛ لأن من شأنها أن ترسم صورة غير دقيقة عن مدى فاعلية المنظمة اليوم. يمكن للقادة - بل وينبغي عليهم – تدقيق المناصب المفتوحة والمهارات المعرضة للخطر واحتياجات تحسين المهارات والإبلاغ عنها، وغير ذلك الكثير لتقييم مستوى ممارسات التوظيف الخاصة بهم.

ولكن لاتخاذ هذه الخطوة إلى الأمام في عام 2024، يجب عليهم أيضاً الإبلاغ عما إذا كان بإمكان موظفيهم استخدام تكنولوجيا اليوم بكفاءة.

إذا لم تأخذ المؤسسات في الاعتبار احتياجات المواهب الجديدة في تقاريرها، فلن تتمكن البيانات المنتجة من توفير رؤى قيمة لفرق التوظيف أو مساعدة الشركات على النمو.

إن تجديد استراتيجيات المواهب اليوم سيؤتي ثماره على المدى الطويل، حيث تلعب مهارات القوى العاملة دوراً حاسماً في قدرة المنظمة على التخفيف من المخاطر بشكل فعال مع ازدياد المخاوف بشأن التهديدات السيبرانية، ومخاطر الطرف الثالث، والمزيد.

وكما أن التكنولوجيا التي عفا عليها الزمن لن تساعد المؤسسات على المضي قدماً، فإن استراتيجيات رصد المواهب في الماضي ستشل الشركات في المستقبل. يجب على الشركات إعادة تقييم وتطوير استراتيجيات المواهب المدعومة بالتكنولوجيا لضمان جذب المواهب والمهارات المناسبة والاحتفاظ بها لتلبية احتياجات العقد المقبل وما بعده. ________________________________________

* فران ماكسويل هو الرئيس العالمي لاستشارات الأفراد والتغيير التنظيمي في مؤسسة Protiviti. مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».

اقرأ أيضاً


مقالات ذات صلة

تكنولوجيا رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)

«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

مسيرة «أبل» خلال 50 عاماً تعكس قدرة استثنائية على الابتكار وإعادة الابتكار، من مرآب صغير إلى شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية.

نسيم رمضان (لندن)
علوم نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

«قمم خبراء» تتحدث عن الأخلاقيات... لكن المعاناة تبقى خارج النقاش

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
الاقتصاد شعار شركة «سيمنز» في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)

«سيمنز» الألمانية: الحرب تفرمل رغبة العملاء في الاستثمار بمشاريع جديدة

قالت شركة «سيمنز» الألمانية يوم الاثنين إن الحرب الإيرانية أدَّت إلى إحجام العملاء عن الاستثمار في مشروعات جديدة نتيجة ارتفاع أسعار المواد الخام والطاقة.

«الشرق الأوسط» (بكين )
تكنولوجيا صورة للرئيس التنفيذي لشركة «ميتا» مارك زوكربيرغ وشعار الشركة (أرشيفية - أ.ف.ب)

زوكربيرغ يعمل على تطوير وكيل ذكي لمساعدته في مهامه

يعمل مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا» على تطوير مساعد مدعوم بالذكاء الاصطناعي لمساعدته في أداء مهامه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
TT

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

انطلق عصر الذكاء الاصطناعي بوعودٍ واسعة النطاق ونقاشاتٍ حول إمكانياتٍ لا حدود لها، كما تكتب لويز ك. ألين(*).

تفاؤل وخيبة

والآن، وبعد سنواتٍ من الخبرة العملية، لا يزال الخبراء متفائلين بشأن التأثير طويل الأمد للذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، يتفق معظم الناس على أن مساهماته في الحياة اليومية كانت مخيِّبة للآمال، إن لم تكن أسوأ من ذلك.

وحتى بصفتي واحدة من العاملات في القيادة التقنية بهذا المجال، لا بد لي من الاعتراف بأن استياء المستهلكين من الذكاء الاصطناعي له ما يبرره إلى حد كبير، فقد اتسمت تجربة المواطن الأميركي العادي مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، حتى الآن، بتراجع الجودة وازدياد انعدام الثقة.

قصص وهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

تعجّ وسائل التواصل الاجتماعي بأشخاصٍ وقصصٍ وهمية، وتمتلئ الأسواق الإلكترونية بشكلٍ متزايد بعمليات الاحتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تفشل مبادرات الشركات في تحقيق التوقعات المالية، بل إن عدداً منها زاد من صعوبة حياة العاملين.

لقد بات فشل أدوات الذكاء الاصطناعي العام في تحقيق الضجة الإعلامية الكبيرة التي أثيرت حولها، أمراً مُسلَّماً به عالمياً، حتى إن قاموس ميريام-ويبستر نفسه أعلن اختياره كلمة «هراء» ككلمة عام 2025.

«التحديد الدقيق والموجّه»

ومع ذلك، تتاح للجمهور، الآن، فرصة لتغيير هذا الواقع في عام 2026. ويبدأ ذلك بتوظيف مفهوم «التحديد الدقيق (specificity)» ككلمة تُعرِّف ما هو مقبل.

وفي حقيقة الأمر، فإن شركات التكنولوجيا وباحثي الذكاء الاصطناعي بالغوا في تقدير القدرات الفعلية لهذه التقنية منذ البداية، فقد ركّز هؤلاء الرواد على الإمكانات الكامنة، بدلاً من النتائج العملية. لقد صوّروا الذكاء الاصطناعي على أنه ضرورة يجب على الشركات اتباعها لمواكبة التطورات، بدلاً من كونه أداةً يمكن للمؤسسات والأفراد استخدامها لتحقيق أهداف محددة.

التكنولوجيا وسيلة وليست غاية

لتطوير هذه التقنية وتحقيق رؤيتهم لمستقبل مُحسَّن بالذكاء الاصطناعي، سيتعيّن على القادة التوقف عن مناشدة الجمهور لتغيير الخطاب حول الذكاء الاصطناعي.

إن الطريق إلى الأمام بسيط للغاية، إذ يحتاج قادة التكنولوجيا إلى العودة إلى أساسيات المنتج. عليهم أن يتقبلوا فكرة أن التكنولوجيا وسيلة لتحقيق غاية، وليست غاية في حد ذاتها، وهذا يعني إعادة تركيز استراتيجيات التطوير والتواصل على حلول للمشاكل الحقيقية.

خطوات التحديد الدقيق «الموجّه»

1. التصميم الموجَّه للأفراد لا «المستخدمين»

إن إغراء بناء أدوات عامة الأغراض مفهوم، لكن القيام بذلك باستخدام التكنولوجيا الحالية يُضعف فائدتها. وستكون أدوات الذكاء الاصطناعي، اليوم، أكثر فاعلية عندما تُصمم خصوصاً لأفراد محددين في أدوار محددة. يجب أن تُوجه هذه المعرفة عملية ابتكار المنتج، والتدريب، والتسويق، وتكتيكات المبيعات.

2. التركيز على النتائج بدلاً من القدرات

الذكاء الاصطناعي ليس مختلفاً عن أي منتج آخر. لن يستخدمه الناس إلا إذا حل مشكلة موجودة لديهم بالفعل. ويفشل كثير من أدوات الذكاء الاصطناعي في تحقيق هذا الهدف، فهي تركز على ما يمكن للنموذج فعله، بدلاً من التمعن في فهم أسباب أهمية ما يفعله.

3. التوقف عن تقديم وعود خيالية

قد يُمثل الذكاء الاصطناعي، اليوم، مستقبلاً يمكن فيه تحقيق التحسين الشامل، لكن هذا ليس صحيحاً. يجب أن تعكس خطط تطوير المنتجات هذه الحقيقة. إنّ الوضوح والمباشرة بشأن ما هو متاح الآن وما سيكون متاحاً في المستقبل يُساعدان على تخفيف الإرهاق الناتج عن الضجة الإعلامية واستعادة الثقة.

حان وقت إعادة النظر

بصفتي مديرة للمنتجات، شاهدتُ عدداً من الأمثلة على الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي، خلال السنوات القليلة الماضية.

ومع ذلك، أُدرك أن أسباب انعدام ثقة الجمهور أو عدم اهتمامه الواسع النطاق تقع في معظمها على عاتق قطاع التكنولوجيا، ذلك أن رغبة هذا القطاع في إنجاز كل شيء دفعة واحدة، خلقت بيئةً لا يثق فيها الناس بقدرة التكنولوجيا على القيام بأي شيء مفيد.

إنها حقيقةٌ يصعب تقبّلها، لكن أي قائد تقني يُنكر ذلك يُخدع نفسه. ومع ذلك، لم يفت الأوان بعدُ لتصحيح الوضع. إذا كان القادة على استعداد لتقبُّل هذه الحقيقة وإعادة توجيه استراتيجياتهم نحو «التحديد»، فسيكون هناك متسع من الوقت لإعادة النظر، وإعادة التقييم، وتحقيق رؤية مستقبلٍ مُحسَّن. يجب أن يحدث هذا قريباً، وإلا فسيضيع مستقبل الذكاء الاصطناعي هباءً.

*مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا»


مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟


أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
TT

أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر

سترسل وكالة الطيران والفضاء الاميركية ناسا، أربعة رواد فضاء في مهمة أرتميس 2 في رحلة تستغرق 10 أيام حول القمر للتمهيد لهبوط على سطحه في المستقبل وإقامة قواعد دائمة عليه.