كيف يؤثر تغير المناخ في تدفق الأنهار حول العالم؟

مع الارتفاع المستمر لدرجات الحرارة

لقطة جوية لوادي نهر النيل (رويترز)
لقطة جوية لوادي نهر النيل (رويترز)
TT

كيف يؤثر تغير المناخ في تدفق الأنهار حول العالم؟

لقطة جوية لوادي نهر النيل (رويترز)
لقطة جوية لوادي نهر النيل (رويترز)

تختلف أنماط تدفق الأنهار باختلاف المواسم، وهي دورة تلعب دوراً حاسماً في الفيضانات والجفاف، والأمن المائي، وصحة التنوع البيولوجي والنظم البيئية في جميع أنحاء العالم.

وكشفت دراسة دولية عن أن تغير المناخ يعطل التدفق الموسمي للأنهار، خصوصاً عند خطوط العرض الشمالية المرتفعة لأميركا وروسيا وأوروبا، ويشكل تهديداً للأمن المائي والنظم البيئية. ويأتي هذا التهديد بشكل مستقل عن التأثيرات البشرية الأخرى التي تؤثر في تدفق الأنهار، كما يحدث في قارة أفريقيا، وعلى رأسها استخراج المياه الجوفية وبناء السدود وتحويل مجرى الأنهار.

تغييرات موسمية

ويُظهر الكثير من الأنهار حول العالم تغيرات موسمية في تدفقها، إذ تختلف كمية المياه المتدفقة خلال السنة تبعاً لظروف مناخية محددة مثل هطول الأمطار وذوبان الجليد والتبخر. ففي نهر النيل، على سبيل المثال يزداد التدفق بشكل كبير خلال فصل الصيف بسبب ذوبان الثلوج في مرتفعات إثيوبيا، فيما يزداد تدفق نهر الأمازون خلال فصل الشتاء بسبب هطول الأمطار الغزيرة في حوض الأمازون. أما نهر المسيسيبي فيزداد تدفق المياه فيه، خلال فصل الربيع بسبب ذوبان الجليد في شمال الولايات المتحدة.

وحلّل فريق من العلماء بقيادة جامعة «ليدز» البريطانية وبالتعاون مع الجامعة الجنوبية للعلوم والتكنولوجيا في الصين، البيانات التاريخية من محطات قياس الأنهار في جميع أنحاء العالم، في الفترة من عام 1965 إلى عام 2014.

واكتشف الباحثون، في دراسة نُشرت في العدد الأخير من دورية «ساينس»، أن ما يقرب من 21 في المائة من محطات قياس الأنهار طويلة المدى التقطت تغييرات كبيرة في التدفق الموسمي في جميع أنحاء العالم، وكانت فترات التدفق المنخفض هي الأكثر تأثراً.

علاوة على ذلك، كشفت النتائج عن ضعف ملحوظ في الدورة الموسمية لتدفق الأنهار في خطوط العرض العليا الشمالية فوق 50 درجة شمالاً، والذي يمكن أن يُعزى بشكل مباشر إلى تغير المناخ.

تغيُّر المناخ وتدفق الأنهار

ولأول مرة على الإطلاق، تمكن الباحثون من استبعاد التدخلات البشرية المباشرة مثل إدارة الخزانات أو استخراج المياه، لإظهار أن الانخفاض واسع النطاق في موسمية تدفق الأنهار كان مدفوعاً بتغير المناخ.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط، قالت الباحثة الرئيسية للدراسة، هونغ وانغ، باحثة دكتوراه في جامعة «ليدز» و«الجامعة الجنوبية للعلوم والتكنولوجيا» في الصين: «يُظهر بحثنا أن ارتفاع درجات حرارة الهواء، الذي من المحتمل أن يكون بسبب الأنشطة البشرية، يؤدي إلى الضعف الملحوظ في موسمية تدفق الأنهار».

وأضافت أن هذه النتيجة تشير إلى «انخفاض مستمر وكبير في موسمية تدفق الأنهار إذا استمرت درجات حرارة الهواء في الارتفاع. لذلك نحن ندعو إلى اتخاذ تدابير للتخفيف من آثار تغير المناخ، فهذه هي الطرق الأكثر مباشرةً لإبطاء ضعف موسمية تدفق الأنهار».

وعن أكثر المناطق تأثراً بالتغيرات في أنماط التدفق الموسمي، أوضحت أن الدراسة ترصد مناطق معينة، هي روسيا الأوروبية والدول الاسكندنافية وكندا، معرَّضة بشكل خاص للتغيرات في أنماط التدفق الموسمي، لأن تغير المناخ الناجم عن الإنسان يزيد من تعقيد ممارسات إدارة المياه على سبيل المثال، الخزانات الكبيرة، مما يؤدي إلى تفاقم تثبيط موسمية تدفق الأنهار.

وأشارت وانغ إلى أن الأنهار المرتبطة بتغيرات الغلاف الجليدي، مثل الاستنفاد المبكر للثلوج، وفقدان الأنهار الجليدية، وتدهور التربة الصقيعية، وزيادة نسبة هطول الأمطار، وفترات التجمد القصيرة، تظهر بوصفها الأنهار الأكثر عرضة للخطر.

لكن في المقابل، تُظهر أنهار قارة أفريقيا وفي مقدمتها نهر النيل، التي تقع في المنطقة الاستوائية وشبه الاستوائية، نوعاً مختلفاً من الضعف، حيث ترتبط التغيرات الموسمية لتدفق الأنهار بشكل أوثق بأنظمة التدفق وممارسات الاستخدام البشري للمياه.

تأثيرات محتملة

وعن التأثيرات المحتملة، نوهت وانغ إلى أن تغير موسمية تدفق الأنهار يمكن أن يؤدي إلى تغيرات في توافر المياه عبر المواسم، مع احتمال نقص المياه أو فائضها في بعض الأشهر. وقد يؤثر ذلك في قدرة المجتمعات على تلبية احتياجاتها من المياه لأغراض الزراعة والصناعة والاستخدام المنزلي، خصوصاً خلال مواسم ذروة الطلب على المياه.

وفيما يتعلق بالتدابير التي يمكن اتخاذها للتخفيف من الآثار السلبية لتغير موسمية تدفق الأنهار على النظم البيئية والمجتمعات البشرية، قالت وانغ إن الأمر يتعلق بتدابير التكيف مع المناخ. وتتمثل إحدى الطرق في الحفاظ على النظم البيئية الطبيعية واستعادتها مثل الأراضي الرطبة والغابات، لأنها تلعب دوراً حاسماً في تنظيم تدفق المياه، ومنع التآكل، والحفاظ على التنوع البيولوجي، كما تعمل هذه النُّظُم البيئية كحواجز طبيعية ضد الأحداث المتطرفة.

ووفق الدراسة، جرى بالفعل تغيير تدفق أكثر من ثلثي أنهار العالم من البشر حتى دون النظر في التأثيرات غير المباشرة للزيادات في غازات الدفيئة والهباء الجوي.

وتلعب موسمية تدفق الأنهار دوراً حاسماً في الدورة المتوقعة للفيضانات والجفاف. ويمكن أن يؤدي التذبذب في تدفق الأنهار إلى تهديد الأمن المائي والتنوع البيولوجي للمياه العذبة. على سبيل المثال، قد يتدفق بسرعة جزء كبير من المياه الذائبة المبكرة الناتجة عن استنفاد كتل الثلوج إلى المحيطات، وبالتالي لا تكون متاحة للاستخدام البشري. كما يمكن أن يكون لضعف موسمية تدفق الأنهار، على سبيل المثال بسبب انخفاض مستويات الأنهار في الربيع وأوائل الصيف في مناطق ذوبان الثلوج، تأثير أيضاً في الغطاء النباتي على ضفة النهر والكائنات الحية التي تعيش في النهر نفسه.

تأثير الإنسان في تدفق النهر

وإلى جانب تغير المناخ، تعمل الأنشطة البشرية على تغيير أنماط تدفق الأنهار في جميع أنحاء العالم، سواء بشكل مباشر من خلال تنظيم استخراج المياه الجوفية، أو بشكل غير مباشر من خلال تغير استخدام الأراضي عبر توسع المدن والبلدات على حساب الأراضي الزراعية أو الغابات، وتأثيرات تغير المناخ في درجة حرارة الهواء، وهطول الأمطار، ورطوبة التربة، وذوبان الثلوج.

ويمكن تقليل التأثيرات السلبية للأنشطة البشرية في تدفق الأنهار من خلال تدابير أبرزها، تقليل استهلاك المياه من خلال استخدام طرق الري الحديثة وإصلاح تسريبات المياه، ومعالجة مياه الصرف الصحي قبل تصريفها في الأنهار، واستخدام تقنيات صديقة للبيئة في الزراعة والصناعة، وحماية الغابات من التلوث والحرائق.



بعوضة غازية تُهدد مدن أفريقيا بالملاريا

بعوضة «أنوفيلس ستيفنسي»
بعوضة «أنوفيلس ستيفنسي»
TT

بعوضة غازية تُهدد مدن أفريقيا بالملاريا

بعوضة «أنوفيلس ستيفنسي»
بعوضة «أنوفيلس ستيفنسي»

انتشرت بعوضة ناقلة للملاريا شديدة الغزو، ومقاومة للمبيدات الحشرية، تزدهر في المدن، حيث لم تكن الملاريا تُشكل تهديداً كبيراً، في جميع أنحاء أفريقيا على نطاق أوسع وبسرعة أكبر مما كان يخشاه حتى أكثر العلماء تشاؤماً، كما كتبت: ستيفاني نولين(*).

مقاومة جينية للمبيدات الكيميائية

ويعتقد كثير من خبراء الصحة العامة أنه قد فات الأوان للقضاء عليها، أو حتى احتواء انتشارها. وأظهر تحليل جينومي جديد للبعوضة، المسماة «أنوفيلس ستيفنسي» Anopheles stephensi، باستخدام عينات جُمعت من 10 دول، أن تلك الموجودة في أفريقيا لديها مقاومة جينية لجميع المواد الكيميائية المستخدمة حالياً في حملات الرش وغيرها من جهود مكافحة البعوض، ما يعني أن هذه المبيدات الحشرية لن تقضي عليها.

من جيبوتي إلى غانا وكينيا

ينتشر هذا النوع من البعوض بكفاءة وسرعة مرعبتين عبر الأراضي المنبسطة والمفتوحة والعاصفة، متجهاً غرباً نحو غانا وجنوباً عبر كينيا، منذ وصوله الأول إلى القارة الأفريقية في جيبوتي بمنطقة القرن الأفريقي قبل أكثر من عقد من الزمان. يقول تريستان دينيس، الباحث في علم جينوم النواقل بجامعة كوينزلاند في أستراليا، الذي قاد التحليل الجديد المنشور في مجلة «ساينس»: «في العامين الماضيين، قلّ الحديث عن ضرورة احتواء هذا الغزو، لأن كل من لديه دراية بالأمر يدرك أن هذا المرض قد خرج عن السيطرة تماماً».

طفيل يزدهر في المناطق الحضرية والريفية

ويثير هذا البعوض قلق خبراء الصحة لأنه، على عكس الأنواع التي كانت تنشر الملاريا في أفريقيا تاريخياً، يزدهر في المناطق الحضرية والريفية على حد سواء، ولا يتأثر بفصول الجفاف. وهذا يعني أن الملاريا، التي تُعدّ بالفعل من أكثر الأمراض فتكاً في أفريقيا، قد تصبح مشكلة خطيرة في المدن الكبرى مثل لاغوس في نيجيريا، وكينشاسا في الكونغو، حيث يبلغ عدد سكان كل منهما حوالي 20 مليون نسمة.

إريك أوشومو رئيس قسم علم الحشرات في معهد كينيا للأبحاث الطبية

ملاريا على مدار العام

وقال الدكتور إريك أوشومو، رئيس قسم علم الحشرات في معهد كينيا للأبحاث الطبية: «لم نكن مضطرين للقلق بشأن الملاريا في المناطق الحضرية». وأضاف أن معظم سكان المدن لا يتمتعون بمناعة ضد الملاريا، وأن الطفيل يُسبب مرضاً خطيراً. وعندما يستقر طفيل ستيفنسي، فإنه ينقل الملاريا على مدار العام، وليس فقط خلال موسم الأمطار الذي تُركز عليه معظم برامج مكافحة الملاريا الحالية. وأضاف أوشومو: «سيؤدي ذلك إلى تعقيد قدرتنا على إدارة الملاريا بشكل كبير».

في معظم البلدان، لم يستوطن طفيل ستيفنسي بعد في تجمعات سكانية كبيرة بما يكفي لرصد تأثيره على معدلات الإصابة بالملاريا. ولكن في جيبوتي وإثيوبيا، وهما أول دولتين غزاهما، يُمكن ملاحظة الخطر الذي يُمثله. إذ وقبل وصول ستيفنسي في عام 2013، كانت جيبوتي على وشك إعلان القضاء على الملاريا في عام 2012، سُجلت 27 حالة إصابة.

ارتفاع الإصابات في جيبوتي وإثيوبيا

ولكن وبعد عام من اكتشاف طفيل ستيفنسي، ارتفعت الحالات إلى ما يقارب 1700 حالة. وفي كل عام لاحق، ازداد العدد تدريجياً، وفي عام 2020، شهدنا انفجاراً هائلاً: أكثر من 70 ألف حالة. في دير داوا، ثاني أكبر مدن إثيوبيا، تسبب طفيل ستيفنسي في ارتفاع حاد في حالات الملاريا عام 2022، وهو ما أثار حيرة العاملين في مجال الرعاية الصحية الذين لم يعتادوا تشخيص المرض أو علاجه.

ويُعدّ انتشار ستيفنسي انتكاسة أخرى في معركة مكافحة البعوض المتعثرة أصلاً في أفريقيا، ففي عام 2024، سُجّلت 9 ملايين حالة ملاريا إضافية مقارنةً بعام 2023. ورغم أن البيانات الكاملة لعام 2025 لم تُنشر بعد، وستكون أقل شمولاً بسبب تخفيضات تمويل البرامج الصحية، فإن هناك دلائل واضحة على عودة الملاريا للظهور.

رصد انتشار البعوض الجديد

تعمل فرق من العلماء معاً، غالباً في ظلّ النزاعات المسلحة والنزوح الناجم عن تغير المناخ، لتوحيد جهودها المحدودة في مجال الرصد ورسم خريطة لأبعاد هذا التهديد الجديد. في عام 2024، قام ماهامان لامين، عالم الطفيليات في مدينة زيندر بدولة النيجر الواقعة غرب أفريقيا، بنصب كمّ هائل من البعوض حول البرك مع اثنين من طلابه. في مختبره الجامعي، طلب من الطلاب تحديد أنواع البعوض لإجراء مسح للتنوع البيولوجي، وكأنه تذكر فجأةً، ذكّرهم بنوع ستيفنسي، وهو نوع غازي تم رصده في مناطق أخرى من أفريقيا. وبعد فترة وجيزة، ذكر طلابه أنهم عثروا على بعضٍ منه في عيناتهم. «قلتُ: لا، لا، لا!» استيقظ لامين.

لم يُعثر على ستيفنسي في النيجر قط. لكن لامين أعاد فحص البعوض باستخدام مفتاح تصنيفي، ثم مفتاح آخر. تطابقت النتائج. سرعان ما أرسل طالباً على متن حافلة إلى مدينة كانو، عبر الحدود في نيجيريا، حاملاً عينات للبعوض عبر منطقة تشهد تمرداً مسلحاً، للوصول إلى مختبر قادر على إجراء تأكيد جزيئي. كان الطلاب على حق: فقد وصل بعوض الأنوفيلس ستيفنسي إلى النيجر.

اتجاهات نحو اليمن والسودان

أظهر التحليل الجينومي المنشور حديثاً أنه بعد وصوله إلى جيبوتي، انقسمت مجموعة ستيفنسي الأفريقية الجديدة إلى ثلاث مجموعات. اتجهت إحداها إلى إثيوبيا، ثم جنوباً إلى كينيا؛ وقفزت أخرى من جيبوتي عبر قناة ضيقة في البحر الأحمر إلى اليمن؛ واتجهت الثالثة إلى السودان، ومن هناك شرقاً عبر منطقة الساحل إلى غرب أفريقيا.

باحث علمي يعرض بعوضة من نهر بوتوجي في إثيوبيا

«لم نرَ من قبل هذا النوع من الانتشار»

وقد تكهّن علماء آخرون بأنّ بعوضة ستيفنسي قد دخلت من جنوب آسيا عبر موانئ غرب أفريقيا في حوادث منفصلة، ​​لكنّ التحليل الجينومي قدّم دليلاً قاطعاً على مدى كفاءة انتقال هذه البعوضة عبر منطقة الساحل المنبسطة والعاصفة، موسعةً نطاق انتشارها بما يصل إلى 300 ميل سنوياً. وقال أوشومو، الذي أسهم بعينات من البعوض في الدراسة: «لم نرَ شيئاً مثل هذا من قبل، هذا النوع من الانتشار. لم نتخيّل أبداً أن تنتشر بعوضة بهذه السرعة».

قبل بضع سنوات، كان يتوقع أن تشكّل بعوضة ستيفنسي تهديداً فقط في شمال كينيا الجافّ جداً. وقد وُجدت بالفعل وهي تنتشر بثبات جنوباً وتنتشر عبر أنواع مختلفة من الموائل.

وصلت بعوضة ستيفنسي إلى أفريقيا حوالي عام 2013، على الأرجح على متن سفينة مقبلة من باكستان أو الهند. وحدّدها باحثون في جيبوتي بينما كانوا يسعون جاهدين إلى تفسير الارتفاع الهائل في حالات الملاريا ببلد كان على وشك القضاء على المرض.

ويخشى العلماء أن يكون حشرة ستيفنسي قد وصلت أيضاً إلى دولٍ أخرى، بما في ذلك تشاد والصومال وإريتريا وجنوب السودان، وهي دولٌ لا تملك الموارد اللازمة للمراقبة الوطنية للنواقل.

تعاون علماء من السعودية وأفغانستان وباكستان واليمن والسودان وإثيوبيا وكينيا وإيران وأميركا

وقد تعاون علماءٌ من أفغانستان وباكستان واليمن والسودان وإثيوبيا وكينيا وإيران والولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية لإجراء الدراسة الجينومية، لتحديد منشأ سلالة ستيفنسي الأفريقية. وشهدت جميع هذه الدول تقريباً صراعاتٍ عنيفةً عند بدء البحث، أو انزلقت إلى حربٍ خلال السنوات الأربع التي استغرقها العمل.

وفي السودان أسهم حمودة توتو كافي، عالم الحشرات الطبية في وزارة الصحة السودانية، بعيناتٍ من بلاده، حيث جمع آخرها قبل أسابيعٍ قليلةٍ من اندلاع الحرب الأهلية. كان كافي على أهبة الاستعداد لبدء بحث حول ما إذا كان بعوض ستيفنسي يُسهم في نقل الملاريا في البلاد، وكيفية حدوث ذلك. وقال: «لكن هذا ليس بالأمر الهين في ظل الحرب».

وفي اليمن، أشرف الدكتور طارق سلطان بن حوايل، أخصائي الصحة العامة، على فريق جمع عينات للدراسة، وشارك نتائج مُقلقة مع باحثين في أفريقيا. وجد فريقه بعوض ستيفنسي في المخيمات الضخمة المُحيطة بالعاصمة اليمنية عدن، التي تأوي نازحين بسبب الحرب الأهلية. وقد عثر على يرقات البعوض في خزانات المياه داخل منازل الناس وخيامهم، تعيش جنباً إلى جنب مع نوع آخر من البعوض، الزاعجة المصرية، الذي ينقل حمى الضنك وفيروسات أخرى.

نتائج قاتمة

تُعد أفريقيا موطناً لما يقرب من نصف إجمالي عدد النازحين في العالم؛ فهناك 15 مليون نازح بسبب الحرب في السودان وحده.

بعد أن أسهمت الشبكة العالمية من العلماء بعينات، أجرى دينيس التحليل الجينومي. وكانت النتائج التي توصل إليها قاتمة. قال دينيس: «جميع جينات المقاومة في السلالة الغازية تكتسب مقاومة لجميع المبيدات الحشرية التي نستخدمها تقريباً في مكافحة نواقل الأمراض، لذا فإن هذا في الواقع أسوأ مما كنا نتصور».

على الرغم من ازدياد الأدلة حول كيفية انتشار فيروس ستيفنسي ومكانه، فإن هناك مؤشرات قليلة على تحويل الموارد لمواجهته. قال دينيس: «يمكنك الحصول على هذه البيانات التي تخبرك بشيء معين، ولكن إذا لم تكن هناك بنية تحتية لتطبيق استجابة عملية، فلن تُجدي نفعاً كبيراً».

* خدمة «نيويورك تايمز»


«الأمن السيبراني في ممارسات الرعاية الصحية» برنامج سعودي لمواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي

نقرة واحدة قد تنقل الخطر الرقمي من الشاشة إلى سلامة المريض
نقرة واحدة قد تنقل الخطر الرقمي من الشاشة إلى سلامة المريض
TT

«الأمن السيبراني في ممارسات الرعاية الصحية» برنامج سعودي لمواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي

نقرة واحدة قد تنقل الخطر الرقمي من الشاشة إلى سلامة المريض
نقرة واحدة قد تنقل الخطر الرقمي من الشاشة إلى سلامة المريض

في مستشفى متصل بالشبكة الإلكترونية، قد يبدأ الخطر بفعل يبدو بسيطاً: طبيب يفتح ملفاً يحمل اسم المختبر، أو ممرضة تستجيب لطلب إعادة تعيين كلمة المرور، أو طبيب أسنان يرفع صورة أشعة إلى أداة ذكاء اصطناعي عامة طلباً لرأي سريع... والمهاجم لا يحتاج دائماً إلى كسر أبواب المستشفى الإلكترونية؛ وقد تكفي نقرة واحدة لفتحها له.

ومن هنا تبرز أهمية البرنامج الذي أعلنت عنه الهيئة السعودية للتخصصات الصحية، في أغسطس (آب) 2026، بعنوان «الأمن السيبراني في ممارسات الرعاية الصحية». والهيئة هي الجهة السعودية التي تنظم المهن الصحية، وتصنف الممارسين وتسجلهم، وتطور قدراتهم المهنية. ويمنح البرنامج، الموجّه إلى جميع الممارسين عن بُعد، 3 ساعات للتطوير المهني المستمر، ويجمع بين أساسيات الذكاء الاصطناعي وفرص استخدامه ومخاطره السيبرانية، لكنه يطرح سؤالاً يتجاوز محتواه التدريبي: لماذا يحتاج الطبيب أو الممرض أو طبيب الأسنان إلى هذه المعرفة؟ أليست حماية الأنظمة مهمة أقسام تقنية المعلومات؟

عندما يخرج الهجوم من الشاشة

عندما يخرج الهجوم من الشاشة

الجواب أن المستشفى ليس مخزناً للبيانات فحسب، بل شبكة تمر عبرها وصفة الدواء، ونتيجة المختبر، وصورة الأشعة، وموعد الجراحة، ومسار سيارة الإسعاف. فإذا توقفت الشبكة، انتقل الضرر من الشاشة إلى سرير المريض.

وقدمت دراسة نشرتها دورية «شبكة جاما المفتوحة» (JAMA Network Open) في مايو (أيار) 2023 دليلاً واضحاً. فخلال هجوم استمر شهراً على مؤسسة صحية ببرمجيات الفدية، وهي برامج تشفّر الأنظمة، وتحجب الوصول إليها، ارتفع المتوسط اليومي لمراجعي الطوارئ في مستشفيين مجاورين لم يتعرضا للهجوم بنسبة 15.1 في المائة، وزاد متوسط الانتظار من 21 إلى 31 دقيقة. وخلص الباحثون إلى أن إصابة مستشفى واحد قد تُحدث اضطراباً إقليمياً يمتد إلى منشآت لم تُستهدف.

حين يتعلم المهاجم أيضاً

لم يخترع الذكاء الاصطناعي الاحتيال الرقمي، لكنه جعله أكثر إقناعاً وأدق استهدافاً. ففي مايو (أيار) 2025، خلص تقييم لـ«المركز الوطني البريطاني للأمن السيبراني» إلى أنه يسرّع جمع المعلومات، ويزيد فاعلية رسائل التصيد والهندسة الاجتماعية. والتصيد مراسلات تنتحل جهة معروفة لاستدراج المتلقي إلى فتح رابط أو كشف بيانات الدخول؛ لذلك لم تعد الرسالة المزيفة تفضح نفسها بلغة ركيكة؛ إذ يمكن توليدها بأسلوب يشبه مخاطبات المستشفى، وربطها باسم مؤتمر أو زميل أو حالة حقيقية.

وهنا يصبح الممارس هدفاً مختاراً، لا مستخدماً عابراً؛ لأنه يعرف مسار العمل، ويصل إلى المعلومات السريرية، ويتخذ قراراته تحت ضغط الوقت. ويستغل المهاجم ذلك بعبارات «نتيجة حرجة»، أو «تحويل عاجل»، أو «تحديث إلزامي للنظام»، لدفعه إلى التصرف قبل التحقق من هوية المرسل.

الخوارزمية نفسها قد تصبح هدفاً

في الهجمات التقليدية يظهر الضرر عادةً في ملف مسروق أو نظام متوقف. أما مع الذكاء الاصطناعي، فقد يستهدف المهاجم بيانات التدريب أو المدخلات المقدمة عند الاستخدام، فتصبح المخرجات التي يستند إليها القرار الطبي نفسها موضع التلاعب وفي مسودة إرشادية أصدرتها إدارة الغذاء والدواء الأميركية في يناير (كانون الثاني) 2025 بشأن الأجهزة الطبية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

وحددت الإدارة أخطاراً منها:

*«تسميم البيانات»، أي دس بيانات مزيفة أو معدلة لتغيير ما تتعلمه الخوارزمية

*«مراوغة النموذج»، أي إجراء تعديلات خفية على صورة أو بيانات جديدة لدفعه إلى تصنيف خاطئ، إضافة إلى تسريب البيانات أو سرقة النموذج.

وتكمن الخطورة في أن النظام قد يظل ظاهرياً في حالة تشغيل طبيعية، بينما يصدر توصية غير سليمة. فإذا تغيرت قراءة صورة طبية أو نتيجة مختبر بلا سبب سريري مقنع، لا يكفي أن يكون الخادم محمياً. وعلى الممارس مقارنة المخرجات بحالة المريض، والانتباه إلى الأنماط غير المعتادة، وإيقاف الأداة والإبلاغ عن الخلل عند الاشتباه بالتلاعب.

تدريب الممارسين

الممارس بوصفه جهاز إنذار مبكر

لا يقتضي هذا أن يتحول الطبيب إلى مهندس شبكات؛ فدوره يشبه جهاز الإنذار المبكر: يرصد الإشارة المريبة ويتصرف قبل اتساع الضرر. ويبدأ ذلك بعدم إدخال بيانات تعريفية لمريض في أداة غير معتمدة، ورفض طلبات الدخول أو تغيير كلمات المرور المشبوهة، والتحقق من الطلبات العاجلة عبر قناة مستقلة، وعدم مشاركة الحساب، والإبلاغ السريع عن الحادث.

لكن دوره لا ينتهي عند الوقاية، فعليه أن يعرف كيف تستمر الرعاية إذا تعطل النظام: كيف يراجع أدوية المريض وحساسياته؟ كيف يوثق قراره مؤقتاً؟ وكيف يضمن، بعد عودته، نقل المعلومات الورقية إلى السجل الصحيح؟ لذلك ينقص التدريب إن اقتصر على تجنب الاختراق، ولم يشمل العمل الآمن أثناء الانقطاع واستعادة المعلومات بعده.

ماذا تستطيع 3 ساعات أن تغيّر؟

لن تصنع 3 ساعات متخصصاً سيبرانياً، وليس ذلك هدف البرنامج؛ إذ إن أهميتها أنها تحوّل معرفة تقنية إلى مهارة يومية، وتمنح الفريق لغة مشتركة: متى يتوقف أو يتحقق أو يبلّغ. كما يتضاعف أثر التدريب بإضافة المحاكاة إلى الشرح: رسالة تصيد تجريبية، أو مكالمة تنتحل صفة مسؤول، أو تعطل مفاجئ للسجل الإلكتروني، أو نتيجة غير مألوفة تصدرها أداة ذكية.

وكانت المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط، الدكتورة حنان بلخي قالت في 23 يوليو (تموز) 2026، إن الهجمات السيبرانية لم تعد قضية تقنية معلومات فحسب، بل قضية سلامة مريض وأمن صحي. وهنا تتضح قيمة برنامج الهيئة: فالاستعداد الرقمي لا يبدأ في غرفة الخوادم وحدها، بل من الممارس الذي يمسك الجهاز عند سرير المريض.

مكافحة العدوى في البيئة الرقمية

مكافحة العدوى في البيئة الرقمية

كما أن مكافحة العدوى ليست مهمة فريق التعقيم وحده، فالأمن السيبراني ليس مهمة قسم التقنية وحده. وفي البيئة الرقمية تؤدي كلمة المرور الآمنة، والتحقق من الرسائل، والاستخدام المنضبط لأدوات الذكاء الاصطناعي دور غسل اليدين نفسه: قطع سلسلة الضرر قبل وصولها إلى المريض.

لهذا لا تبتعد هيئة التخصصات الصحية عن مهمتها بتدريب الممارسين على الأمن السيبراني، بل تجعل الكفاءة المهنية ملائمةً لمستشفى تغيرت أدواته ومخاطره. ففي عصر الذكاء الاصطناعي، قد تبدأ سلامة المريض بسؤال يسبق نقرة واحدة: هل هذا الرابط حقيقي؟


أدمغة بشرية حية تكشف كيف يغيّر التحفيز الكهربائي نشاط الخلايا والجينات

أدمغة بشرية حية تكشف كيف يغيّر التحفيز الكهربائي نشاط الخلايا والجينات
TT

أدمغة بشرية حية تكشف كيف يغيّر التحفيز الكهربائي نشاط الخلايا والجينات

أدمغة بشرية حية تكشف كيف يغيّر التحفيز الكهربائي نشاط الخلايا والجينات

في تجربة غير مسبوقة، تمكن علماء من مراقبة ما يحدث داخل أنسجة دماغ بشرية حية عند تعريضها لتحفيز كهربائي مشابه لذلك المستخدم في تقنية التحفيز العميق للدماغ؛ ليكشفوا عن تغيرات في طريقة تواصل الخلايا العصبية ونشاط جينات مرتبطة بوظائف الدماغ.

أنسجة أدمغة بشرية

واللافت، أن الأنسجة المستخدمة في الدراسة لم تكن أنسجة مختبرية أو مستخلصة من حيوانات، بل عينات حقيقية من أدمغة بشرية تبرع بها مرضى خضعوا لجراحات في الدماغ، وتمكن الباحثون من إبقائها حية في المختبر لأيام عدة. وقد أتاحت هذه الخطوة فرصة نادرة لرؤية استجابة الخلايا البشرية للتحفيز الكهربائي على المستويين الجيني والجزيئي.

ونُشرت الدراسة في دورية Nature في 5 أغسطس (آب) 2026. وأجراها باحثون من نظام الرعاية الصحية العامة التابع لجامعة كاليفورنيا UCLA Health، ومركز جامعة تكساس ساوث ويسترن الطبي في الولايات المتحدة؛ في محاولة لفهم الكيفية التي يمكن بها للتحفيز الكهربائي أن يغيّر نشاط الدماغ، وربما يعزز الذاكرة أو يساعد في الحد من التدهور المعرفي.

عندما يصبح الدماغ أكثر تزامناً

يعتمد التحفيز العميق للدماغ على إرسال نبضات كهربائية إلى مناطق محددة من الدماغ بواسطة أقطاب مزروعة. وقد أثبت فاعليته في علاج بعض الاضطرابات العصبية والنفسية من بينها مرض باركنسون واضطراب الوسواس القهري.

لكن العلماء لا يزالون يجهلون بصورة كاملة ما يحدث للخلايا البشرية عندما تتعرض لهذه النبضات، خصوصاً على مستوى الجينات.

وفي الدراسة الجديدة طبّق الباحثون أنماطاً من التحفيز الكهربائي تحاكي تلك المستخدمة في التحفيز العميق للدماغ على أنسجة بشرية حية في المختبر.

*الخلايا العصبية تتواصل بدرجة أكبر من التزامن بعد التحفيز*

وأظهرت النتائج أن الخلايا العصبية بدأت تتواصل بدرجة أكبر من التزامن بعد التحفيز وهو نمط من النشاط يُعتقد أنه يرتبط بقدرة الدماغ على تكوين الذكريات ومعالجة المعلومات. لكن التغير لم يقتصر على الخلايا العصبية وحدها.

الجينات تستجيب أيضاً

واستخدم الباحثون تقنيات متقدمة لتحليل النشاط الجيني داخل الخلايا بصورة منفردة بعدما فصلوا أنوية أنواع مختلفة من خلايا الدماغ. وبذلك تمكنوا من تحديد الجينات التي تغير نشاطها في كل نوع من الخلايا استجابة للتحفيز الكهربائي.

وكشفت النتائج عن أن الخلايا العصبية لم تكن الوحيدة التي استجابت، فقد أظهرت الخلايا النجمية Astrocytes، وهي من الخلايا الداعمة المهمة في الدماغ استجابةً لبرامج جينية خاصة بها عند تعرضها للتحفيز.

* خلايا الدماغ تندفع لتشغيل برامج جينية محددة*

وتشير هذه النتيجة إلى أن تأثير التحفيز الكهربائي قد يكون أوسع وأكثر تعقيداً مما كان يُعتقد؛ إذ لا يعمل فقط من خلال تغيير الإشارات الكهربائية بين الخلايا العصبية وإنما قد يدفع أنواعاً مختلفة من خلايا الدماغ إلى تشغيل برامج جينية محددة.

والأكثر أهمية أن الباحثين وجدوا أن أنماطاً مشابهة ظهرت في أنسجة مأخوذة من أشخاص سبق أن خضعوا للتحفيز الدماغي قبل إزالة النسيج؛ ما يشير إلى أن التغيرات التي شوهدت في المختبر قد تعكس بالفعل ما يحدث داخل الدماغ البشري.

خطوة نحو علاج أكثر دقة

ويرى الباحثون أن تحديد أي الجينات تنشط وفي أي خلايا استجابة للتحفيز قد يساعد مستقبلاً في تصميم علاجات أكثر دقة بدل تطبيق التحفيز الكهربائي بطريقة عامة.

وقد يفتح ذلك الباب أمام الجمع بين التحفيز الكهربائي والعلاجات الدوائية التي تستهدف الجينات أو المسارات البيولوجية التي تتأثر بالتحفيز بما قد يعزز قدرة الدماغ على التكيف ويحافظ على الوظائف المعرفية.

وقالت الباحثة الرئيسية في الدراسة جينيفيف كونوبكا، رئيسة قسم البيولوجيا العصبية في قسم علم الأعصاب مركز جامعة تكساس ساوث ويسترن الطبي في دالاس، إن تحديد الجينات والخلايا المسؤولة عن مرونة الدماغ يمكن أن يوفر أهدافاً جديدة لعلاجات مستقبلية، وربما يساعد على تطوير استراتيجيات تهدف إلى إبطاء التدهور المعرفي.

أسئلة لا تزال مفتوحة

ورغم أهمية النتائج، يؤكد الباحثون أن الطريق إلى توظيف هذه النتائج علاجياً لا يزال طويلاً. فالدراسة ركزت على أنسجة من القشرة الصدغية temporal cortex، وهي منطقة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالذاكرة والعمليات المعرفية، في حين لا تزال التأثيرات الجزيئية للتحفيز طويل الأمد في حاجة إلى مزيد من الدراسة.

كما يحتاج العلماء إلى فهم كيفية تأثير الخلايا التي تعرضت للتحفيز في الخلايا المجاورة وما إذا كانت الاستجابة نفسها تحدث في مناطق أعمق من الدماغ يصعب الحصول على أنسجة بشرية حية منها.

ومع ذلك، تقدم الدراسة فرضة نادرة في علم الأعصاب لرؤية الدماغ البشري الحي، وهو يستجيب للتحفيز الكهربائي على مستوى الخلية والجين؛ وهو ما قد يساعد العلماء في الانتقال مستقبلاً من مجرد تحفيز الدماغ إلى فهم كيفية توجيه هذا التحفيز بدقة لخدمة الذاكرة والوظائف المعرفية.