روبوتات المحادثة المدعمة بالذكاء الاصطناعي تزداد انتشاراً

«رسائل الخطأ» في المواقع التجارية والإعلامية تكشف عنها

روبوتات المحادثة المدعمة بالذكاء الاصطناعي تزداد انتشاراً
TT

روبوتات المحادثة المدعمة بالذكاء الاصطناعي تزداد انتشاراً

روبوتات المحادثة المدعمة بالذكاء الاصطناعي تزداد انتشاراً

تكشف نصوص «رسائل الخطأ» عند التسوق في موقع «أمازون» ومنشورات منصّة «إكس» وجميع أنحاء شبكة الإنترنت عن اتساع نطاق الكتابات غير البشرية.

روبوتات محادثة

حتّى وقتٍ ليس ببعيد، كان بإمكانكم أن تجدوا «رسالة خطأ» تقول: «أعتذر؛ بصفتي نموذجاً لغوياً مدفوعاً بالذكاء الاصطناعي، لا يمكنني إتمام هذه المهمّة من دون إدخال الطلب الأساسي. لطفاً؛ زوّدوني بالمعلومات الضرورية لأتمكّن من مساعدتك أكثر».

وعلى منصّة «إكس (تويتر سابقاً)»، نشر أحد المستخدمين الموثوقين الردّ التالي على تغريدة عن هانتر بايدن (14 يناير/ كانون الثاني): «أعتذر؛ لا يمكنني تقديم الجواب المطلوب؛ لأنّه يخالف سياسة الاستخدام الخاصة بشركة (أوبن إي آي)».

وعلى منصّة التدوين «ميديوم»، بدأ منشور (13 يناير) يقدّم نصائح لصانعي المحتوى، بالجملة التالية: «أعتذر؛ ولكنّني لا أستطيع تحقيق هذا الطلب؛ لأنّه ينطوي على ابتكار محتوى ترويجي يستخدم روابط تابعة لجهات أخرى»

ظهر هذا النوع من الرسائل في أنحاء كثيرة من شبكة الإنترنت وشكّل إشارة واضحة إلى أنّ كاتب المحتوى ليس إنساناً. صحيحٌ أنّ «رسائل الخطأ»؛ هذه اللغة التي تولّدها روبوتات المحادثة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي مثل «تشات جي بي تي» عند تلقّيها طلباً يخالف سياسات الشركة، مضحكة، ولكنّها أيضاً نذير شؤم من عالم إلكتروني يتوسّع بفعل الرسائل الإلكترونية المزعجة التي يبتكرها الذكاء الاصطناعي.

يرى مايك كولفيلد، الباحث المختص في التضليل والقرائية الرقمية بجامعة واشنطن، أنّه «من الجيّد أن يضحك النّاس من هذه الرسائل؛ لأنّها تشكّل تجربة تعليمية لما يحصل». وأضاف الباحث أنّ أحدث الأدوات اللغوية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي تغذّي جيلاً جديداً من المحتوى المزعج والرديء الذي يهدّد بإغراق الإنترنت؛ إلا في حال وجدت المنصات الإلكترونية وأجهزة التنظيم القانونية طرائق للسيطرة عليه.

عملياً؛ لا أحد سينشر تقييماً لمنتج، أو منشور تواصل اجتماعي، أو لائحة منتجات على «إي باي» تتضمّن «رسالة خطأ» من صناعة روبوت محادثة مدفوع بالذكاء الاصطناعي، ولكن مع توفير الأدوات اللغوية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي بدائل أسرع وأقلّ تكلفة من الكتّاب البشريين، فإن المستخدمين والشركات يعكفون على التحوّل إليها لصناعة أي نوعٍ من المحتوى؛ بما في ذلك المحتوى الذي يخدم أغراضاً تتعارض مع سياسات «أوبن إي آي»، مثل السرقة الأدبية أو المشاركة المزيفة عبر الإنترنت.

في المحصّلة، أصبحت هذه الجمل الكاشفة مثل «بصفتي نموذجاً لغوياً مدفوعاً بالذكاء الاصطناعي» و«أعتذر؛ لا يمكنني تحقيق هذا الطلب» شائعة وواضحة إلى درجة أنّ الهواة باتوا يعتمدون عليها بوصفها طريقة سريعة لرصد زيف الكتابة المولدة من الذكاء الاصطناعي.

من جهتها؛ عدّت ماكينزي ساديغي، المحلّلة من شركة «نيوز غارد» المختصة في تتبع التضليل، أنّ «عمل كثير من هذه المواقع تحت إشراف بشري طفيف أو من دونه يؤدّي إلى نشر هذه الرسائل مباشرةً على الموقع قبل أيّ رصدٍ بشري».

تغريدات أوتوماتيكية

في أبريل (نيسان) الماضي، لاحظت ساديغي وأحد زملائها لأول مرة وجود كثير من المنشورات التي تحتوي «رسائل خطأ» من «تشات جي بي تي» على منصّة «إكس»، مما يرجّح أنّ الحسابات كانت تستخدم الروبوت لصناعة التغريدات أوتوماتيكياً. بعدها، بدآ البحث عن هذه الجمل في أماكن أخرى على الشبكة، كنتائج بحث «غوغل»، ووجدا مئات المواقع الإلكترونية التي تدّعي أنّها مواقع إخبارية، وقد نشرت الرسائل العائبة نفسها.

عدّت ساديغي أنّ المواقع التي لا ترصد «رسائل الخطأ» ليست إلا رأس جبل الجليد. وأضافت أنّه «يوجد على الأرجح كثير من محتوى الذكاء الاصطناعي الذي لا يضمّ (رسائل خطأ)، مما يصعّب عملية رصده».

ولفتت إلى أنّ «حقيقة ازدياد استخدام المواقع الإلكترونية الذكاء الاصطناعي تعكس أهميّة اليقظة عند تقييم المستخدمين شفافية ما يقرأونه».

يُلحظ انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي على منصّة «إكس» أكثر من غيرها، حتّى في الحسابات التي تحمل علامة التوثيق.

في سياق متصل، كشف موقع «فيوتشرزم» أخيراً عن أنّ مجموعة كبيرة من منتجات «أمازون» تحمل رسائل ذكاء اصطناعي خطأ في اسمها، كالتالية: «أعتذر؛ ولكنّني لا أستطيع تلبية هذا الطلب؛ لأنه يتعارض مع سياسة الاستخدام في (أوبن إي آي). هدفي هو تزويد المستخدمين بمعلومات مفيدة ومحترمة».

أزالت شركة «أمازون» اللوائح التي ذكرها الموقع وغيره من المدوّنات التقنية، إلا أنّ بحثاً أجرته مؤسسة إعلامية أميركية عثر على المزيد... على سبيل المثال؛ حملت لائحة تستعرض إكسسوارات لرفع الأثقال العنوان التالي: «أعتذر؛ ولكنّني غير قادر على تحليل أو توليد اسم منتج جديد من دون معلومات إضافية. لطفاً؛ هل يمكنكم تزويدي بمنتجٍ أو سياقٍ محدّدٍ تحتاجون عنواناً له؟».

لا ينحصر نشاط روبوتات الذكاء الاصطناعي المسعور في منصّة «إكس» وموقع «أمازون» فقط؛ فقد أظهرت أبحاث «غوغل» عن «رسائل الخطأ» للذكاء الاصطناعي أنّ لوائح «إي باي»، ومنشورات المدوّنات، والخلفيات الرقمية، تعجّ به أيضاً. فقد وردت خلفية تعرض امرأة ترتدي ملابس ضيقة على أحد المواقع، تحت العنوان التالي: «أعتذر؛ لا يمكنني تلبية هذا الطلب؛ لأنّ المحتوى غير ملائم ومسيء».

محتوى آلي وإشراف بشري

من جهته، كشف المتحدّث باسم «أوبن إي آي»، نيكو فيلكس، عن أنّ الشركة تحسّن سياسات الاستخدام الخاصة بـ«تشات جي بي تي» والأدوات اللغوية الأخرى المدفوعة بالذكاء الاصطناعي بشكلٍ دوري؛ لأنّها تعلم كيف يستخدمها النّاس بشكلٍ سلبي.

وقال فيلكس في رسالة إلكترونية: «لا نريد لنماذجنا أن تُستخدم لتضليل وسوء تمثيل وخداع الآخرين. وهذا الأمر يشمل وفقاً لسياستنا: توليد أو ترويج المعلومات الخاطئة والمعلومات المضللة، والمشاركة الإلكترونية المزيفة (كالتعليقات، والتقييمات...). تستخدم شركتنا مزيجاً من الأنظمة الآلية، والمراجعات البشرية، وتقارير المستخدمين، لرصد وتقييم الاستخدامات التي تنتهك سياساتنا، وهذا الأمر قد يؤدي إلى اتخاذ إجراءات بحقّ حساب المستخدم».

ورأت كوري دوكتورو، الناشطة في جمعية «إلكترونيك فرونتيير فاونديشن»، أنّه يوجد ميلٌ للوم الناس والشركات الصغيرة على هذا المحتوى المزعج. ولكنّها تعتقد أنّ هؤلاء هم في الحقيقة ضحايا لعملية احتيال أكبر؛ تلك التي تروّج للذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً لصناعة الأموال السهلة لمحبّي المغامرة، بينما يجني عمالقة الذكاء الاصطناعي أموالاً طائلة.

وعدّ كولفيلد، من جامعة واشنطن، أنّ الوضع ليس ميؤوساً منه، لافتاً إلى أنّ منصات التقنية وجدت وسائل لإضعاف فاعلية الجيل السابق من عمليات التضليل، مثل توفير مرشحات للرسائل الإلكترونية المزعجة.

أمّا عن «رسائل الخطأ» من الذكاء الاصطناعي، فقال إنّه يأمل أن «توعّي هذه الرسائل الناس بهذا الوضع السخيف، ولربّما يؤدي هذا الأمر إلى ظهور منصات تأخذ المحتوى المزعج على محمل الجدّ».


مقالات ذات صلة

«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

تكنولوجيا رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)

«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

مسيرة «أبل» خلال 50 عاماً تعكس قدرة استثنائية على الابتكار وإعادة الابتكار، من مرآب صغير إلى شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية.

نسيم رمضان (لندن)
علوم نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

«قمم خبراء» تتحدث عن الأخلاقيات... لكن المعاناة تبقى خارج النقاش

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
الاقتصاد شعار شركة «سيمنز» في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)

«سيمنز» الألمانية: الحرب تفرمل رغبة العملاء في الاستثمار بمشاريع جديدة

قالت شركة «سيمنز» الألمانية يوم الاثنين إن الحرب الإيرانية أدَّت إلى إحجام العملاء عن الاستثمار في مشروعات جديدة نتيجة ارتفاع أسعار المواد الخام والطاقة.

«الشرق الأوسط» (بكين )
تكنولوجيا صورة للرئيس التنفيذي لشركة «ميتا» مارك زوكربيرغ وشعار الشركة (أرشيفية - أ.ف.ب)

زوكربيرغ يعمل على تطوير وكيل ذكي لمساعدته في مهامه

يعمل مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا» على تطوير مساعد مدعوم بالذكاء الاصطناعي لمساعدته في أداء مهامه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد سيدة تمر أمام متجر لمجموعة «سوفت بنك» في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

«سوفت بنك» تستثمر 33 مليار دولار لبناء أكبر محطة طاقة في أميركا

أعلنت مجموعة «سوفت بنك» اليابانية، يوم السبت، عن خططها لبناء محطة طاقة جديدة ضخمة تعمل بالغاز الطبيعي في ولاية أوهايو الأميركية.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟


أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
TT

أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر

سترسل وكالة الطيران والفضاء الاميركية ناسا، أربعة رواد فضاء في مهمة أرتميس 2 في رحلة تستغرق 10 أيام حول القمر للتمهيد لهبوط على سطحه في المستقبل وإقامة قواعد دائمة عليه.


اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف

اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف
TT

اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف

اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف

في تطورين علميين لافتين، أعلن باحثون اكتشافين يسلطان الضوء على أسرار الحياة من جانبين متناقضين. ففي حين نجح فريق علمي في بناء واحدة من أكثر المحاكاة الرقمية اكتمالاً لخلية حيّة، تمكَّن فريق آخر من تحديد المفتاح الجزيئي الذي يحدد متى تتوقف الخلايا البشرية عن الانقسام، والتكاثر.

ورغم اختلاف المسارين يجتمع هذان الإنجازان ليقدما صورة أوضح للحياة سواء في أبسط صورها أو أعقدها، هي أنها تعمل وفق نظام دقيق ومترابط يفوق ما كان يُعتقد سابقاً.

خلية «حيّة» على شاشة الكمبيوتر

لأول مرة تمكن الباحثون بقيادة زين ثورنبورغ، من معهد «بيكمان للعلوم والتكنولوجيا المتقدمة» في جامعة «إلينوي» بالولايات المتحدة الأميركية، من إنشاء نموذج حاسوبي يتتبع كل جزيء داخل خلية بكتيرية بسيطة في أثناء عملية نسخ حمضها النووي «دي ان ايه DNA» وانقسامها إلى خليتين، في دراسة نُشرت في مجلة «سيل Cell» في 9 مارس (آذار) 2026. وقد تم تقليص المادة الجينية لهذه الخلية إلى 493 جيناً فقط مما جعلها نموذجاً مثالياً لفهم كيفية نشوء الحياة من مكوّناتها الأساسية.

وأعادت المحاكاة الرقمية بناء جميع العمليات الحيوية بما فيها تضاعف الحمض النووي (دي إن إيه)، وتصنيع البروتينات ونشاط الريبوسومات وتغيرات الغشاء الخلوي. ومع تحرّك الجزيئات واصطدامها داخل «الخلية الافتراضية virtual cell» فإنها اتبعت نفس السلوك الذي تفعله الخلايا الحقيقية. وبعد محاولات عديدة لتحسين النموذج، استطاعت الخلية الافتراضية إكمال دورة خلوية كاملة. واستغرقت 105 دقائق، وهو وقت مطابق تقريباً لوقت الخلية الحقيقية.

ولم تكن هذه العملية مجرد رسوم متحركة بل خريطة تفصيلية لما يجعل الخلية حيّة. ويفتح ذلك الباب أمام ابتكار مضادات حيوية جديدة وفهم تطور الحياة المبكرة وتصميم كائنات دقيقة مبرمجة لأغراض طبية أو بيئية. لكن فهم كيفية بدء الحياة لا يقل أهمية عن فهم كيفية توقفها.

بروتين واحد يتحكم بساعة الشيخوخة داخل خلايانا

كانت دراسة منفصلة نُشرت في مجلة «Molecular Cell» بتاريخ 18 ديسمبر (كانون الأول) 2025 قد اكتشفت أن بروتيناً واحداً يسمّى «ATM»، هو المسؤول عن اتخاذ القرار المصيري الذي يُجبر الخلايا البشرية على التوقف عن الانقسام في عملية تُعرف بـ«الشيخوخة التكاثرية أو التشيّخ replicative senescence». وقاد الدراسة تيتيا دي لانغ، رئيسة مختبر بيولوجيا الخلية وعلم الوراثة في جامعة «روكفلر» في نيويورك.

ولفترة طويلة اعتقد الباحثون أن بروتينَي «ATM» و«ATR» يعملان معاً لاستشعار قِصَر التيلوميرات، وهي الأغطية الواقية في نهايات الكروموسومات التي تقصر مع كل انقسام خلوي. لكن الدراسة الجديدة نقضت هذه الفكرة تماماً. وأكدت أن بروتين «ATM» هو وحده المسيطر على عملية التوقف.

وعندما عطّل العلماء هذا البروتين واصلت الخلايا الانقسام حتى عندما أصبحت تيلوميراتها قصيرة جداً. والأدهى من ذلك أن تعطيل بروتين «ATM» في خلايا «مسنّة» أعاد قدرتها على الانقسام، مما يعني أن الشيخوخة الخلوية ليست نهاية حتمية بل مفتاح يمكن تشغيله ووقفه.

نقطة التقاطع: البيئة المحيطة تغيّر مصير الخلية

ما يجمع بين الاكتشافين هو عنصر واحد مهم وهو الأكسجين، حيث أظهرت الخلية الافتراضية أن التغيرات البسيطة في بيئة الخلية تؤثر بعمق على سلوك مكوّناتها الجزيئية. وينطبق الأمر نفسه على الخلايا البشرية.

وتعيش معظم الأنسجة في جسم الإنسان في بيئة تحتوي على 3 في المائة فقط من الأكسجين. لكن في المختبر تُزرع الخلايا عادةً في 20 في المائة منه وهو مستوى الهواء المحيط. ولطالما حيّر العلماء سبب «شيخوخة» الخلايا في المختبر بسرعة أكبر مما يحدث داخل الجسم.

وقدّمت الدراسة الجديدة الإجابة، حيث إن نسبة الأكسجين العالية تجعل بروتين «ATM» حساساً بشكل زائد، فيدفع الخلايا إلى التوقف عن الانقسام أسرع من الطبيعي. ولكن عند مستويات الأكسجين الهادئة داخل الجسم يصبح البروتين «ATM» أقل نشاطاً وتتمكن الخلايا من الانقسام لفترات أطول.

رسالة موحّدة: الحياة تعمل وفق شبكة دقيقة من القواعد

وعند جمع النتائج معاً تتضح صورة مذهلة هي أن الحياة، من أبسط الخلايا إلى أعقدها، محكومة بدوائر جزيئية دقيقة تتأثر بكل ما يحيط بها. فالخلية الافتراضية تكشف عن كيف تنشأ الحياة من مجموعة صغيرة من الجينات. واكتشاف بروتين «ATM يوضح كيف يمكن لجزيء واحد أن يتحكم بالحدّ الفاصل بين الشباب والشيخوخة. وكلاهما يُظهر أن سلوك الخلايا ليس قدراً ثابتاً بل استجابة مرنة للبيئة.

تمهيد لعصر جديد في علم الأحياء

تُبشّر هذه الاكتشافات بمرحلة متطورة تتيح لنا اختبار الخلايا افتراضياً قبل إجراء التجارب الفعلية عليها. والنظر إلى الشيخوخة بوصفها حالة قابلة للتعديل وليس كمصير محتوم. ومن ثم تصميم علاجات أكثر دقة للأمراض كالسرطان والأمراض التنكسية والعدوى.

سواء من خلال محاكاة خلية بكتيرية كاملة أو فك أسرار الساعة البيولوجية للشيخوخة، تُؤكّد لنا هذه الإنجازات حقيقة واحدة هي أن قوانين الحياة لم تعد طيَّ الكتمان بل تُفكَّك طلاسمها خطوة بعد خطوه وبوتيرة أسرع من أي وقت مضى.