مفعول سحري لأدوية كبح الشهية الجديدة

أدلة مبكرة تشير إلى نجاحها في علاج أمراض الكبد والكلية والإدمان

مفعول سحري لأدوية كبح الشهية الجديدة
TT

مفعول سحري لأدوية كبح الشهية الجديدة

مفعول سحري لأدوية كبح الشهية الجديدة

أثبتت أدوية «أوزمبيك (Ozempic)» والأدوية الأخرى المشابهة، فاعليتها في تنظيم نسبة السكر في الدم، وإنقاص الوزن. والآن، يستكشف العلماء ما إذا كان من الممكن أن يكون لها القدر نفسه من «التغيير» في علاج مجموعة واسعة من الحالات الأخرى... من الإدمان وأمراض الكبد، إلى السبب الشائع للعقم.

اجتياح كاسح

تقول ليندساي ألين، خبيرة اقتصادات الصحة في جامعة نورث وسترن ميديسن: «إن الأمر يشبه كرة الثلج التي تحولت إلى انهيار جليدي». وتضيف أنه مع اكتساب هذه الأدوية زخماً، «فإنها تترك وراءها هذا المشهد الذي يُعاد تشكيله كلياً».

إن كثيراً من الأبحاث حول الاستخدامات الأخرى للسيماغلوتيد semaglutide، المركب الموجود في أدوية Ozempic وWegovy، وtirzepatide، والمادة الموجودة في Mounjaro وZepbound، لا تزال في المراحل المبكرة فقط.

وهناك عدد من الأسئلة يسعى العلماء للإجابة عنها: هل تقتصر فوائد هذه الأدوية فقط على إنقاص الوزن؟ أم أن لها تأثيرات أخرى، مثل تخفيف الالتهاب في الجسم، أو تهدئة أفكار الدماغ القهرية، ما يجعل من الممكن علاج مزيد من الأمراض؟ لن نعرف على الأرجح في أي وقت قريب.

يقول الدكتور دانييل دراكر، أحد الباحثين الأوائل الذين قاموا بدراسة هذه الأدوية: «لا نزال نتعلم كيفية عمل هذه الأدوية». ويعمل دراكر مستشاراً لشركة «Novo Nordisk»، المنتجة لـ Ozempic وWegovy.

يمكن للأشخاص الذين يعانون من الحالات المذكورة أدناه، والذين ليس لدى كثير منهم سوى خيارات قليلة جيدة للعلاج، الاستفادة على المدى الطويل إذا نجحت هذه التجارب. وبالنسبة لصانعي أدوية إنقاص الوزن، فإن كل استخدام جديد يمكن أن يدفع الأدوية إلى مزيد من النجاح.

أهداف علاجية جديدة

أصبحت بعض هذه التطبيقات - بما في ذلك علاج أمراض القلب وانقطاع التنفس أثناء النوم التي يؤثر كل منهما في عشرات الملايين من الأشخاص - أهدافاً لهذه الشركات، ويمكن أن تكون مربحة بشكل خاص. وقالت ألين إن هذه الأدوية هي «منجم ذهب»، إذ «لا يوجد حد أعلى للمكان الذي تتجه إليه السوق»، ومع ظهور الأدلة من هذه الدراسات، سيحصل الباحثون على فكرة أوضح عن كيفية عمل هذه الأدوية في الجسم بالضبط. وإذا تمكنوا من علاج مزيد من الأمراض، فيمكنهم إحداث تغيير جذري في الطب من جديد.

الإدمان الكحولي

* المشكلة: يعد اضطراب تعاطي الكحول، المعروف أيضاً باسم إدمان الكحول، أمراً شائعاً، حيث أصيب ما يقرب من 30 مليون شخص في الولايات المتحدة بهذه الحالة في عام 2022. ولكن من النادر أن يُشخَّص الأشخاص بهذه الحالة، وغالباً ما يكون من الصعب جداً عليهم العثور على العلاج. وهناك أدوية فعالة في السوق، ولكن بعض الأشخاص الذين يمكن أن يستفيدوا منها لا يدركون حتى وجودها.

* الإمكانات العلاجية: وفقاً للروايات، يقول بعض الأشخاص الذين يتعاطون أدوية مثل Ozempic إن الأدوية تجعلهم يرغبون في شرب كميات أقل، وفي بعض الحالات، يوقفون تناول الكحول تماماً. ويحاول الباحثون فهم السبب. ونظراً لأن الأشخاص يشعرون بالشبع عند تناول هذه الأدوية، فقد يفقدون الاهتمام بالكحول وكذلك الطعام . من الممكن أيضاً أنه نظراً لأن هذه الأدوية تستهدف أجزاءً من الدماغ التي تنظم الشهية، فإنها يمكن أن تؤثر أيضاً في السلوكيات القهرية التي قد تشمل تلك المناطق في الدماغ، مثل استخدام الكحول، أو المنشطات، أو القمار، أو التدخين، أو حتى قضم الأظافر.

* الأدلة المبكرة: تابعت إحدى الدراسات الصغيرة 6 أشخاص يعانون من اضطراب تعاطي الكحول، وكانوا يتناولون «سيماغلوتيد» لإنقاص الوزن. وشرب الستة جميعهم كميات أقل بشكل ملحوظ بعد تناولهم الدواء مدة تتراوح بين شهر و9 أشهر. وفي دراسة استقصائية عبر الإنترنت أُجريت على 153 شخصاً بالغاً يعانون من السمنة، معظمهم من البيض والنساء، أفاد أولئك الذين تناولوا سيماغلوتيد أو تيرزيباتيد بأنهم يشربون كميات أقل كثيراً من أقرانهم الذين لا يتناولون الأدوية.

إلا أن الباحثين حثوا الأطباء أخيراً على عدم استخدام الأدوية لعلاج اضطراب تعاطي الكحول دون إجراء مزيد من الأبحاث.

متلازمة تكيس المبيض

* المشكلة: يعاني ما يصل إلى 5 ملايين امرأة في الولايات المتحدة من متلازمة المبيض المتعدد الكيسات، أو متلازمة تكيس المبايض. هذه الحالة هي السبب الرئيسي للعقم، وتسبب عدم انتظام الدورة الشهرية. هناك علاجات متاحة - تغيير النظام الغذائي وممارسة الرياضة، وحبوب منع الحمل، ودواء السكري الميتفورمين - ولكنها لا تعمل مع الجميع.

* الإمكانات: يعتقد الباحثون أن ارتفاع مستويات هرمون التستوستيرون يسهم في الإصابة بمتلازمة تكيس المبايض. عندما تفقد السيدات المصابات بهذه الحالة الوزن، تنخفض مستويات هرمون التستوستيرون لديهن غالباً. قالت الدكتورة ميلاني كري، التي تقود إحدى الدراسات المبكرة لمعرفة ما إذا كان سيماغلوتيد يمكنه حل أعراض متلازمة تكيس المبايض، إن أدوية مثل Ozempic يمكن أن تساعد في تنظيم الهرمونات لدى السيدات المصابات بمتلازمة تكيس المبايض.

* الأدلة المبكرة: وجدت دراسة صغيرة أُجريت على 27 امرأة يعانين من السمنة ومتلازمة تكيس المبايض واللواتي تناولن جرعة منخفضة من سيماغلوتيد أنه بعد 6 أشهر، فقدت معظم المشاركات الوزن، وكانت فتراتهن الشهرية أكثر انتظاماً، ما يشير إلى أن متلازمة تكيس المبايض لديهن كانت تحت سيطرة أفضل. أكملت كري دراسة عن سيماغلوتيد لدى الفتيات المراهقات المصابات بمتلازمة تكيس المبايض، وقد أظهرت نتائج مماثلة، وهي تقوم حالياً بتجنيد دراسة أخرى تركز على انتظام الدورة الشهرية.

أمراض الكبد

*المشكلة: ما يصل إلى 70 في المائة من الأشخاص المصابين بداء السكري من النوع الثاني و50 في المائة إلى 90 في المائة من الأشخاص الذين يعانون من السمنة يعانون من مرض الكبد الدهنية غير الكحولية، NAFLD، الذي يحدث عندما تتراكم الدهون الزائدة في الكبد. يمكن أن تسبب هذه الحالة تلفاً شديداً في الكبد لدرجة أن بعض المرضى ينتهي بهم الأمر إلى الحاجة إلى زراعة الكبد.

*الإمكانات: عادة ما يحث الأطباء المرضى الذين يعانون من السمنة المفرطة أو زيادة الوزن والذين يعانون من مرض الكبد الدهنية غير الكحولية (NAFLD) على إنقاص الوزن من أجل تقليل كمية الدهون والالتهابات في الكبد. ونظراً لأن الأدوية مثل Ozempic تؤدي إلى إنقاص الوزن، فإنها قد تقلل أيضاً من كمية الدهون المخزنة في الكبد. كما يزيد مرض السكري من النوع الثاني أيضاً من خطر الإصابة بـ«NAFLD» من خلال علاجها، لذا قد تقلل الأدوية مثل Ozempic أيضاً من خطر أو شدة أمراض الكبد.

لدى العلماء نظريتان أخريان حول كيفية مساعدة الأدوية: من خلال تحسين مقاومة الإنسولين الشائعة لدى الأشخاص المصابين بـ «NAFLD»، وخفض الالتهاب الذي يمكن أن يلحق الضرر بالكبد.

* الأدلة المبكرة: وجدت دراسة ممولة من «نوفو نورديسك» أنه بالمقارنة مع الدواء الوهمي، لم يحسن سيماغلوتيد بشكل ملحوظ تندب الكبد أو حل مشكلة التهاب الكبد الدهنية غير الكحولية، أو «NASH»، وهو شكل حاد من مرض الكبد الدهنية غير الكحولية. وشملت الدراسة الأشخاص الذين يعانون من تليف الكبد، أو الكبد المتضررة والمتضررة بشكل دائم. وجدت تجربة أكبر ممولة من قبل «نوفو نورديسك» أن المرضى في المراحل المبكرة الذين تناولوا سيماغلوتيد كانوا أكثر احتمالية من أولئك الذين تناولوا الدواء الوهمي أن يروا علاجهم لـ«NASH»، ولكن ليس من المرجح أن يروا تحسناً ملحوظاً في ندوبهم. وتجري «نوفو نورديسك» الآن تجربة سريرية أكبر على سيماغلوتيد والتهاب الكبد الدهنية غير الكحولية (NASH)، وقد صنفت إدارة الغذاء والدواء الدواء على أنه «علاج متطور» للمرض، وهو ما من شأنه أن يعجل بالمراجعة التنظيمية. ويحقق الباحثون بتمويل من شركة «Eli Lilly» أيضاً فيما إذا كان بإمكان عقار tirzepatide علاج التهاب الكبد الدهنية غير الكحولية (NASH).

القلب والأوعية الدموية

* المشكلة: قتلت أمراض القلب ما يقرب من 700 ألف شخص في الولايات المتحدة في عام 2022، ما يجعلها السبب الرئيسي للوفاة في البلاد. يقول الخبراء إن هناك حاجة مُلحة لعلاجات جديدة يمكن أن تقلل من خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية، إضافة إلى تحسين الأعراض مثل التعب وضيق التنفس الذي يمكن أن يجعل من الصعب على الأشخاص المصابين بأمراض القلب قضاء يومهم.

* الإمكانات: تزيد السمنة بشكل كبير من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، ولهذا السبب يعتقد بعض الأطباء أن إنقاص الوزن قد يعالج ويمنع مشكلات القلب. قد تكون الأدوية أيضاً قادرة على المساعدة عن طريق تقليل الالتهاب، ما قد يؤدي إلى تكوين اللويحات في القلب، وتحفيز جلطات الدم.

* الأدلة المبكرة: في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أظهرت تجربة كبرى أن عقار سيماغلوتيد قلل من خطر الإصابة بأحداث مثل النوبات القلبية والسكتات الدماغية بنسبة 20 في المائة بين الأشخاص الذين يعانون من السمنة المفرطة وزيادة الوزن والذين يعانون من أمراض القلب.

ووجدت تجربة أخرى لأشخاص يعانون من السمنة ونوع معين من قصور القلب أن سيماغلوتيد يمكن أن يحسن الأعراض، ويجعل ممارسة الرياضة أسهل. تجري شركة «Eli Lilly» تجربتها الخاصة على دواء «tirzepatide» وقصور القلب. وهناك مزيد من الدراسات قيد الإعداد: يدرس الباحثون ما إذا كان سيماغلوتيد يمكن أن يقلل من الترسبات في القلب، أو يحسن أعراض قصور القلب، أو يقلل الأضرار الناجمة عن السكتات الدماغية.

توقف التنفس أثناء النوم

* المشكلة: يعاني ما يقدر بنحو 30 مليون شخص في الولايات المتحدة من انقطاع التنفس الانسدادي أثناء النوم، حيث يتوقف التنفس، ويبدأ بشكل متكرر أثناء النوم. يمكن أن تساعد العلاجات مثل استخدام آلات الضغط الهوائي الإيجابي المستمر (CPAP)، على الرغم من أن المرضى غالباً ما يجدونها غير مريحة.

وكثير من المصابين بانقطاع التنفس أثناء النوم لا يجري تشخيصهم. إذا لم تعالَج بشكل صحيح، يمكن أن تؤثر الحالة بشكل كبير في صحة الأشخاص، ويمكن أن تزيد من خطر حدوث مضاعفات مثل أمراض القلب والسكري من النوع الثاني.

* الإمكانات: انقطاع التنفس أثناء النوم أكثر شيوعاً بين الأشخاص الذين يعانون من السمنة، ويرجع ذلك إلى مجموعة معقدة من العوامل، بما في ذلك أن رواسب الدهون في الرقبة يمكن أن تسد مجرى الهواء عندما يكون الشخص مستلقياً. أظهرت الأبحاث أن إنقاص الوزن، بما في ذلك من خلال جراحة السمنة، يمكن أن يساعد.

* الأدلة المبكرة. هناك قليل جداً من البيانات حتى الآن، على الرغم من أن المتحدث باسم «Eli Lilly» قال إن الشركة تتوقع إكمال دراسة عن «تيرزيباتيد» وانقطاع التنفس أثناء النوم في ربيع عام 2024. ولا تدرس شركة «نوفو نورديسك (Novo Nordisk)» حالياً ما إذا كان سيماغلوتيد يمكنه علاج انقطاع التنفس أثناء النوم.

أمراض الكلى

* المشكلة: ما يقرب من 1 من كل 3 أشخاص بالغين مصابين بداء السكري من النوع 2 يعانون أيضاً من مرض الكلى المزمن، الذي يحدث عندما تتضرر الكلى ولا يمكنها القيام بوظائفها بشكل صحيح. قد يحتاج المرضى المصابون بهذا المرض في النهاية إلى غسيل الكلى أو زرع الكلى، وإذا لم يعالَج، فقد تكون الحالة قاتلة.

* الإمكانات: يقول الدكتور جورج باكريس، الذي شارك في تجربة عقار سيماغلوتيد على الأشخاص المصابين بداء السكري من النوع الثاني وأمراض الكلى المزمنة، والتي دعمتها شركة «نوفو نورديسك»، إن تلف الكلى يحدث ببطء بمرور الوقت، ولا يمكن علاجه في جميع الحالات تقريباً. قد تكون أدوية مثل Ozempic قادرة على منع مزيد من الضرر، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن إنقاص الوزن يقلل من خطر ارتفاع ضغط الدم والسكري من النوع الثاني، وهي عوامل خطر للإصابة بأمراض الكلى المزمنة.

ليس من الواضح تماماً كيف يمكن لهذه الأدوية تحسين مرض الكلى المزمن، ولكن أحد العوامل المحتملة هو أنها قد تقلل الالتهاب، والذي يمكن أن يكون مرتفعاً بشكل ضار لدى الأشخاص المصابين بهذه الحالة.

* الأدلة المبكرة: أعلنت شركة «نوفو نورديسك» في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي أنها أوقفت تجربة عقار سيماغلوتيد على الأشخاص المصابين بداء السكري من النوع الثاني، وأمراض الكلى المزمنة بعد أن أوضح تحليل مبكر أن الدواء فعال، على الرغم من أن الشركة لم تنشر البيانات بعد. وتقوم الشركة بتمويل دراسة أخرى لفحص كيفية عمل سيماغلوتيد في الكلى.

وتقوم شركة «Eli Lilly» بتمويل تجربة عقار tirzepatide على الأشخاص الذين يعانون من السمنة وأمراض الكلى المزمنة. هذه الدراسات وغيرها هي جزء مما يسميه الدكتور هوارد فورمان، الأستاذ في كلية الطب بجامعة ييل والمتخصص في السياسة الصحية، «انفجار الفرص». ويبقى أن نرى ما إذا كانت هذه الفرص يمكن أن تصبح علاجات جديدة.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

صحتك فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

ثمة عدة عناصر في دمك تُساعد في تشخيص أي مشكلات قلبية كامنة قد تكون لديك، أو التنبؤ بمدى احتمالات خطر إصابتك بأمراض القلب.

د. حسن محمد صندقجي (الرياض)
صحتك 7000 مرض نادر تؤثر على 300 مليون شخص عالمياً

7000 مرض نادر تؤثر على 300 مليون شخص عالمياً

أمّ تحمل في إحدى يديها طفلاً، وفي الأخرى ملفاً طبياً أثقل من عمره الصغير، تتنقل بين أروقة المستشفيات والعيادات حائرة، تطلق تساؤلات بلا إجابة واضحة

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك هل يمكن أن يعالج «البلميط المنشاري» تضخم البروستاتا؟

هل يمكن أن يعالج «البلميط المنشاري» تضخم البروستاتا؟

يُسوّق البلميط المنشاري بوصفه علاجاً طبيعياً لتضخم البروستاتا، وهو أحد المكملات الغذائية الأكثر مبيعاً.

«الشرق الأوسط» (كمبردج - ولاية ماساتشوستس الأميركية)
يوميات الشرق يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)

هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يمثل شهر رمضان المبارك فرصة للتأمل الروحي وتحسين العادات الغذائية، لكنه يشكل أيضاً تحدياً للجهاز الهضمي والجسم بشكل عام.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق خلايا تولد كأنَّ الذاكرة اختارت أن تتأخَّر في الرحيل (شاترستوك)

«المعمّرون الخارقون» يكشفون عن سرّ الدماغ الذي لا يشيخ

يُعرَّف «المعمّر الخارق» بأنه شخص يبلغ 80 عاماً أو أكثر، ويتمتّع بوظائف إدراكية تماثل شخصاً متوسّط المستوى في منتصف العمر تقريباً...

«الشرق الأوسط» (لندن)

في التعليم: تدرّب على قيادة الذكاء الاصطناعي... بدلا من «ركوبه» كمسافر

الأدوات الذكية تدخل المدارس
الأدوات الذكية تدخل المدارس
TT

في التعليم: تدرّب على قيادة الذكاء الاصطناعي... بدلا من «ركوبه» كمسافر

الأدوات الذكية تدخل المدارس
الأدوات الذكية تدخل المدارس

يقول المدرسون إنهم يرغبون في تمكين طلاب المرحلة الثانوية من قيادة الذكاء الاصطناعي، بدلاً من أن يكونوا مجرد مُتلقّين تُسيّرهم برامج الدردشة الآلية.

وفي الجلسة الأولى من دورة جديدة في الذكاء الاصطناعي أقيمت هذا الشهر لطلاب الصف الثاني عشر في «مدرسة واشنطن بارك الثانوية» في نيوآرك، لم يطرح أي شيء عن الذكاء الاصطناعي بل إنها خُصصت للذكاء البشري... بشكلٍ كامل.

كان واجب الطلاب: مُقارنة أوقات تصفّحهم السلبي لمنشورات وسائل التواصل الاجتماعي التي يُديرها الذكاء الاصطناعي، مع أوقات اختيارهم المُباشر للفيديوهات أو نتائج بحث «غوغل» التي يرغبون هم في مُشاهدتها.

«هل تُسيّر التكنولوجيا أم أنها هي التي تُسيّرك؟»

«هل تُسيّر أنت التكنولوجيا أم أنها هي التي تُسيّرك؟» هكذا طُرح السؤال من خلال شريحة عرض (سلايد) على السبورة البيضاء في مدرسة واشنطن بارك الثانوية.

وفي نقاشٍ صفّيٍّ تلا ذلك، قال طالبٌ يُدعى أدريان فاريل، 18 عاماً، إنه سيطر على الذكاء الاصطناعي من خلال طلبه من برنامج دردشة آلي مُراجعة واجباته المنزلية في الرياضيات للتأكّد من دقّتها. بينما قالت الطالبة بريانا بيريز، البالغة من العمر 18 عاماً، إنها دخلت في «وضع الراكب» عند استخدام ميزة «دي جي الذكاء الاصطناعي» في موقع «سبوتيفاي». وأضافت: «إنها تشغل موسيقاي المفضلة، فلا داعي لتغييرها».

«مدرسة واشنطن بارك الثانوية» في نيوآرك

«محو أمية الذكاء الاصطناعي» - مادة تعليمية

تسعى المدارس في جميع أنحاء الولايات المتحدة جاهدةً لإدخال مادة جديدة: معرفة (محو أمية) الذكاء الاصطناعي A.I. literacy. وفيما يسميها بعض التربويين «رخصة قيادة» للذكاء الاصطناعي، تهدف الدروس الجديدة إلى تعليم الطلاب كيفية فحص أحدث الأدوات التقنية واستخدامها بمسؤولية. ويقول المعلمون إنهم يريدون إعداد الشباب للتعامل مع عالم يتشكل بشكل متزايد بفعل الذكاء الاصطناعي، حيث تقوم برامج الدردشة الآلية بتأليف نصوص تبدو كأنها من صنع البشر، فيما يستخدم أصحاب العمل الخوارزميات للمساعدة في تقييم المرشحين للوظائف.

برامج ذكية في المناهج الدراسية

ويركز بعض المدارس على برامج الدردشة الآلية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي، حيث تعلم الطلاب كيفية استخدام مساعد غوغل «جيميناي» أو مساعد مايكروسوفت «كوبايلوت». بينما تقوم مدارس أخرى بإدخال الذكاء الاصطناعي في المناهج الدراسية. وبوصفه موضوعاً جديداً في المناهج الدراسية، تتناول الدروس التداعيات المجتمعية مثل انتشار الصور العارية المُولّدة بالذكاء الاصطناعي، وهي الظاهرة المعروفة باسم «التزييف العميق».

تحسين التعليم أم تدميره؟

تزداد دروس الذكاء الاصطناعي شيوعاً في المدارس مع احتدام الجدل حول ما إذا كانت برامج الدردشة الآلية ستُحسّن التعليم أم ستُدمّره. يقول المؤيدون إن على المدارس أن تُعلّم الشباب سريعاً استخدام الذكاء الاصطناعي وأنه ضروري لدعم تعلّمهم، وإعدادهم للوظائف، ومساعدة الولايات المتحدة على منافسة الصين. وفي العام الماضي، أصدر الرئيس ترمب أمراً تنفيذياً يحثّ المدارس على تدريس «أساسيات الذكاء الاصطناعي» بدءاً من رياض الأطفال.

في مقابل ذلك يُحذر باحثون في مجال التعليم من أن برامج الدردشة الآلية قد تُلفّق المعلومات، وتُسهّل الغش، وتُضعف التفكير النقدي. ووجدت دراسة حديثة أجرتها مطبعة جامعة كمبردج و«مايكروسوفت للأبحاث» أن الطلاب الذين دوّنوا ملاحظات على النصوص كانوا أكثر فهماً للقراءة من الطلاب الذين تلقوا مساعدة من برامج الدردشة الآلية.

مؤسسة «برومينغز» أصدرت تقريراً الشهر الماضي حول أخطار الذكاء الاصطناعي

مخاطر الذكاء الاصطناعي أكبر من فوائده

في الوقت الراهن، «تفوق مخاطر استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم فوائده»، هذا ما خلصت إليه مؤسسة بروكينغز Brookings Institution الشهر الماضي في تقرير حول استخدام الذكاء الاصطناعي في المدارس.

موقف وسط

في خضمّ هذا الجدل، تتخذ مدارس مثل مدرسة واشنطن بارك الثانوية موقفاً وسطاً، إذ تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كما لو كان سيارة، وتساعد الطلاب على وضع قواعد لاستخدامه.

وشبّه مايك تاوبمان، 45 عاماً، وهو مُدرّس استكشاف المسارات المهنية، الذي شارك في تطوير منهج محو الأمية الجديد في المدرسة، هذه الحصة الدراسية بتحضير المراهقين لاختبار رخصة القيادة.

وتساءل تاوبمان: «إلى أين تريدون الوصول؟ وهل يُمكن للذكاء الاصطناعي مساعدتكم على ذلك؟». وأضاف أن الطلاب بحاجة إلى تعلّم كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وتحليل وظائفها، ووضع إرشادات للاستخدام الشخصي، وتصميم سياسات سلامة مثالية.

وتابع: «ما القوانين والقواعد والمعايير التي يجب أن تُطبّق على الذكاء الاصطناعي في مدينتي وبلدي؟».

المدرسان مايك تاوبمان وسكوت كيرن

تجربة مدرسية

يخدم مبنى واشنطن بارك، وهو مبنى من أربعة طوابق بواجهة من الطوب الأحمر في وسط نيوآرك، نحو 900 طالب في المرحلة الثانوية. وهو جزء من شبكة مدارس أنكومون، وهي شبكة مدارس مستقلة في شمال شرقي الولايات المتحدة الأميركية تركز على إعداد الطلاب للجامعة والمسارات المهنية.

وقد ابتكر تاوبمان مع سكوت كيرن، مدرس التاريخ الأميركي، فكرة المقرر الدراسي الاختياري الجديد حول الذكاء الاصطناعي. وكان كلاهما قد أدخل أدوات ومواضيع الذكاء الاصطناعي في مقرراتهما الدراسية.

وشارك كيرن، البالغ من العمر 45 عاماً، أخيراً في برنامج «بلاي لاب Playlab»، وهي منظمة غير ربحية تساعد المعلمين على إنشاء تطبيقات ذكاء اصطناعي مخصصة لمقرراتهم الدراسية. ولمساعدة طلابه على صقل مهاراتهم في الكتابة الجدلية، طوَّر كيرن روبوتات محادثة لصفوف التاريخ الأميركي بناءً على مواد المقرر الدراسي وتقييمات الطلاب. كما وضع إرشادات واضحة للطلاب حول متى يجب استخدام روبوتات الذكاء الاصطناعي ومتى يجب تجنب استخدامها.

مناقشة تاريخية اصطناعية-بشرية

وفي تجربة صفّية درّس السيد كيرن جانباً دراسياً متقدماً في تاريخ الولايات المتحدة حول أحداث شغب شيكاغو العرقية، وهي احتجاجات عنيفة اندلعت إثر مقتل مراهق أسود عام 1919. في البداية، طلب من الطلاب قراءة قصاصات صحافية قديمة ووثائق تاريخية أخرى. ثم أدار نقاشاً صفّياً حول الاتجاهات الأوسع التي أسهمت في تأجيج التوترات.

بعد ذلك، طلب السيد كيرن من الطلاب تخصيص بضع دقائق لوصف السبب الرئيسي للشغب لبرنامج دردشة آلي كان قد أنشأه خصيصاً لهذا الفصل.

وبعد بضع دقائق أخرى، أخبر كيرن الطلاب أن وقتهم مع الروبوت قد انتهى، واستأنف نقاش الصف. وأكد أن التعلم الأساسي للطلاب يجب أن يبقى نشاطاً خالياً من الذكاء الاصطناعي. وقال كيرن: «في أي وقت نرغب فيه أن يتفاعل الطلاب بعضهم مع بعض أو أن يمارسوا التفكير النقدي الأولي، لا أريد أبداً أن يتدخل الذكاء الاصطناعي أو أي نوع من التكنولوجيا المشابهة في ذلك».

وفي قسم آخر من المدرسة، كان تاوبمان يُدرّس دورة استكشاف المسارات المهنية. وقد طوّر مجموعة متنوعة من برامج الدردشة الآلية لمحاكاة المسارات المهنية لطلابه.

«رخصة قيادة» الذكاء الاصطناعي

وأقرّ كيرن وتاوبمان بأن تعبير «رخصة القيادة: الذي استخدموه له حدود. إذ سيعاني الطلاب من صعوبات اتخاذ قرارات مدروسة بشأن مخاطر أنظمة الذكاء الاصطناعي القوية... حتى الحين الذي سيتم فيه تزويد ​​برامج الدردشة الآلية بآليات حماية مُدمجة تُشبه أحزمة الأمان والوسائد الهوائية.

وقال كيرن إنه يأمل أن يتمكن الطلاب يوماً ما من «التأثير في بناء هذه الأدوات بطريقة أفضل وأكثر عدلاً وأكثر مراعاةً للبيئة مما هو موجود الآن».

* خدمة «نيويورك تايمز».


استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»

استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»
TT

استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»

استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»

أظهرت دراسة جديدة أجراها «مركز بيو للأبحاث» أن أكثر من نصف المراهقين في الولايات المتحدة يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في واجباتهم المدرسية.

تضاعف استخدام الذكاء الاصطناعي

وأفاد استطلاع «بيو» في تقرير نُشر أمس الثلاثاء أن 54 في المائة من الطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عاماً قالوا إنهم استخدموا برنامج دردشة آلية مثل «تشات جي بي تي» أو«كوبايلوت» لمهام مثل البحث عن الواجبات المدرسية أو حل مسائل الرياضيات.

وكان 26 في المائة من المراهقين الأميركيين أفادو عام 2024 أنهم استخدموا «تشات جي بي تي» في واجباتهم المدرسية، وذلك وفقاً لدراسة سابقة أجراها «مركز بيو» سألت تحديداً عن استخدامهم لهذا البرنامج. وقد مثل هذا زيادة مضاعفة مقارنةً بعام 2023، حيث أفاد 13 في المائة فقط من الطلاب باستخدامهم برنامج «جي بي تي» للمساعدة في دراستهم، وفقاً لنفس المركز.

تنفيذ الواجبات المدرسية

وخلص التقرير الحديث واستناداً إلى استطلاع شمل 1458 مراهقاً وأولياء أمورهم في خريف العام الماضي، إلى وجود تباين في استخدام الذكاء الاصطناعي بين المراهقين بشكل كبير. فبينما قال 44 في المائة من المراهقين إنهم استخدموا الذكاء الاصطناعي في «بعض» أو «قليل» من واجباتهم المدرسية، قال 10 في المائة إنهم لجأوا إلى برامج الدردشة الآلية للحصول على المساعدة في جميع أو معظم واجباتهم المدرسية.

وقالت كولين ماكلين، الباحثة الرئيسية في مركز بيو والمشاركة في إعداد الدراسة: «نلاحظ بوضوح أن استخدام برامج الدردشة الآلية المدعومة بالذكاء الاصطناعي للمساعدة في الواجبات المدرسية أصبح ممارسة شائعة بين المراهقين».

جدل محتدم

وتأتي هذه النتائج وسط جدل وطني محتدم حول انتشار أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدية، القادرة على إنتاج نصوص تبدو وكأنها من صنع الإنسان، وإنشاء صور واقعية، وتطوير تطبيقات.

يقول المؤيدون إن على المدارس تعليم الطلاب استخدام وتقييم روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي لإعداد الشباب لمتطلبات سوق العمل المتغيرة. بينما يحذر المنتقدون من أن هذه الروبوتات قد تنشر معلومات مضللة، وتضلل الطلاب، وتقوض التفكير النقدي، وتؤدي إلى إيذاء النفس، وتسهل الغش.

تعويق التفكير النقدي للطلاب

تشير العديد من الدراسات الحديثة إلى أن روبوتات الدردشة قد تعيق التفكير النقدي وتؤثر سلباً على التعلم. ففي إحدى الدراسات التي أجرتها دار نشر جامعة كامبريدج والتقييم بالتعاون مع «مايكروسوفت للأبحاث» حول فهم النص المقروء، أظهر الطلاب الذين طُلب منهم تدوين الملاحظات دون استخدام روبوتات الدردشة فهماً أفضل للنص المقروء مقارنةً بالطلاب الذين طُلب منهم استخدامها لفهم النصوص.

التعلم والترفيه

طرح باحثو مركز بيو للأبحاث أسئلة متنوعة على المراهقين حول آرائهم واستخدامهم للذكاء الاصطناعي. وتُظهر النتائج أن العديد من الشباب يستخدمون روبوتات الدردشة كمنصات متعددة الأغراض للتعلم والترفيه والحصول على النصائح والتواصل الاجتماعي.

وقال 47 في المائة من المراهقين إنهم استخدموا روبوتات الدردشة للتسلية، بينما قال 42 في المائة إنهم استخدموها لتلخيص المحتوى. وقالت نسبة أقل، 12 في المائة، إنهم استخدموها للحصول على النصائح أو الدعم النفسي.

كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي

وسلّط ​​التقرير الضوء أيضاً على كيفية استخدام المراهقين لأدوات الذكاء الاصطناعي في دراستهم.

وقال ما يقرب من نصف المراهقين إنهم استخدموا برامج الدردشة الآلية لأغراض البحث، بينما استخدم أكثر من 40 في المائة منهم الذكاء الاصطناعي للمساعدة في حل مسائل الرياضيات. وأفاد أكثر من ثلثهم بأنهم استخدموا هذه البرامج لتحرير كتاباتهم.

الغشّ «بشكل متكرر»

ولم يتطرق الاستطلاع إلى سؤال الطلاب عما إذا كانوا قد استخدموا برامج الدردشة الآلية لكتابة المقالات أو إنشاء واجبات أخرى، وهي أنواع الغش التي حذَّر منها المعلمون في جميع أنحاء الولايات المتحدة. لكن ما يقرب من 60 في المائة من المراهقين أخبروا مركز بيو للأبحاث أن طلاباً في مدارسهم يستخدمون برامج الدردشة الآلية للغش «بشكل متكرر» أو «بشكل متكرر إلى حد ما».

وذكر التقرير أن النتائج تشير إلى أن المراهقين يعتقدون أن «الغش باستخدام الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية».

* خدمة «نيويورك تايمز».


مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها

مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها
TT

مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها

مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها

يجلس الرئيس التنفيذي في غرفة اجتماعات، محدقاً في عروض استراتيجية أُعدّت بين عشية وضحاها بواسطة الذكاء الاصطناعي: إنها تقدم التحليل الدقيق، والتوصيات الواثقة، والأرقام المتناسقة... ومع ذلك، ثمة شعورٌ بعدم الارتياح؛ إذ يبدو الأمر مثالياً أكثر من اللازم، كما كتب جيف بيرنغهام (*).

الذكاء الاصطناعي أضحى أقوى أدوات الإدارة

أصبحت هذه اللحظة شائعة بشكل متزايد بين القادة. فالذكاء الاصطناعي اليوم يُعدّ من أقوى أدوات الإدارة على الإطلاق. بإمكانه تحليل الأسواق في ثوانٍ، واكتشاف أنماطٍ يعجز أي فريق بشري عن رصدها، ووضع خططٍ عند الطلب.

وبالنسبة للكثير من المديرين التنفيذيين، بات الذكاء الاصطناعي ضرورياً لا غنى عنه. ولكن مع تزايد انتشاره بوتيرة غير مسبوقة، يبرز سؤالٌ خفيّ داخل المؤسسات: كيف نضمن تركيز الذكاء الاصطناعي على ازدهار الإنسان؟

«الذكاء يتوسع»... والحكمة لا تتوسع

يتفوق الذكاء الاصطناعي في الذكاء. فهو يكتشف الأنماط، ويتنبأ بالنتائج، ويُحسّن الكفاءة. أما ما يفتقر إليه الذكاء الاصطناعي، فهو الحكمة السياقية: القدرة على فهم أهمية القرار (في سياق الأمور)، وكيف سيؤثر عاطفياً وثقافياً، وما الذي يعززه بمرور الوقت.

لم تكن القيادة يوماً تعني امتلاك أكبر قدر من المعلومات، بل لطالما كانت تعني تحديد الأولويات عند تضارب المعلومات.

في بيئة غنية بالذكاء الاصطناعي، حيث يُتداول الذكاء بصفته منتجاً، يواجه القادة إغراءً خفياً لتفويض الحكم إلى جهات خارجية. فعندما تبدو لوحات المعلومات دقيقة والتوصيات موضوعية، قد يجري الخلط بسهولة بين التحسين وبين الحكمة.

لكن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع الإجابة عن الأسئلة التي تزداد مسؤولية القادة عنها:

- كيف يؤثر هذا على الأشخاص الأعزاء الذين أعتني بهم؟

- ما القيم التي تحرك هذا القرار؟

- هل يعكس هذا القرار نوع العالم الذي نسعى لبنائه معاً؟

هذه ليست أسئلة حسابية، بل هي أسئلة إنسانية.

الخطر الحقيقي: القيادة المتخلية

يركز جزء كبير من النقاش العام حول مخاطر الذكاء الاصطناعي على التحيز أو سوء الاستخدام. وهذه المخاوف حقيقية. لكن داخل المؤسسات، يبرز خطرٌ خفيّ: إسناد التفكير الذي يؤثر على البشر إلى «الآلة».

عندما يُفرط القادة في الاعتماد على توصيات الذكاء الاصطناعي، فإنهم يفقدون تدريجياً ثقتهم في حكمهم. ويتحول دور القيادة من فهم الأمور إلى مراقبة النظام. ثم تتوقف فِرق العمل عن النقاش، ويتوقف القادة عن تفسير الواقع ويبدأون في التحقق من صحة النتائج.

النتيجة ليست قيادة أفضل، بل قيادة أضعف... إذ ومع مرور الوقت، يظهر هذا في صورة انحراف ثقافي، ونقاط ضعف أخلاقية، وانفصال الموظفين، وفقدان الثقة، خاصةً في أوقات مثل تسريح العمال، أو إعادة الهيكلة، أو التحولات الاستراتيجية الكبرى. عندما يعجز القادة عن شرح أسباب اتخاذ قرار ما بوضوح، يشعر الموظفون بأنهم مُوجَّهون بدلاً من أن يكونوا مُقادين.

القادة الأقوياء

القادة الأقوياء لا يكتفون باتخاذ القرارات، بل يشرحون أهميتها. إنهم يربطون القرارات بمعناها وبالقيم المشتركة. إنهم يساعدون فرق العمل على فهم كيف تتناسب خيارات اليوم مع مسار التحول والتطور البشري الأوسع.

يمكن للذكاء الاصطناعي اقتراح حلول، لكن البشر وحدهم من يستطيعون صياغة المعنى.

لماذا أصبح الوضوح مهارة قيادية أساسية؟

في عالمٍ مُتشبّع بالذكاء الاصطناعي، يُضاعف الوضوح من قوة التأثير... وضوح بشأن الغاية...وضوح بشأن القيم... وضوح بشأن ما لا يجب تحسينه.

أي ببساطة: الوضوح هو تحديد ما ترفض السماح للذكاء الاصطناعي بتحسينه.

سيسعى الذكاء الاصطناعي بكل سرور إلى التحسين من أجل السرعة والكفاءة والتفاعل أو خفض التكاليف. ولن يسأل عما إذا كانت هذه التحسينات تُضعف الثقة أو الإبداع أو المرونة أو التماسك على المدى الطويل. يجب على القادة أن يفعلوا ذلك. لهذا السبب؛ أصبح الوضوح، وليس الكاريزما أو الخبرة التقنية، إحدى أهم القدرات القيادية في العقد المقبل.

رؤية واستبصار

يُتيح الوضوح للقادة:

- وضع حدود لكيفية ومكان استخدام الذكاء الاصطناعي.

- وضع إطار لرؤى الذكاء الاصطناعي ضمن السياق الإنساني.

- تحديد متى يجب أن تُضحّي الكفاءة المطلوبة بالأخلاق.

- حماية الإبداع حيث يُمكن للتحسين أن يُطغى عليه.

ومن دون الوضوح، يُخاطر القادة بأن يصبحوا مُتفاعلين مع الذكاء الاصطناعي بدلاً من أن يكونوا مسؤولين عن النتائج الإنسانية.

كيف يستخدم القادة الفعالون الذكاء الاصطناعي دون الاعتماد عليه؟

الهدف ليس مقاومة الذكاء الاصطناعي، بل توظيفه بالشكل الأمثل في ممارسات القيادة.

وهناك ثلاثة مبادئ تساعد القادة على تحقيق ذلك:

- التعامل مع الذكاء الاصطناعي بصفته مستشاراً، لا سلطة مطلقة.

- استخدام الذكاء الاصطناعي لاستكشاف الخيارات، واختبار الافتراضات، ودراسة السيناريوهات، مع التأكيد على أن القرار النهائي يبقى بيد الإنسان. عملياً، يعني هذا أن يتخذ القادة قراراتهم بكلماتهم الخاصة، لا بالاعتماد على خوارزمية.

- التأني في اللحظات الحاسمة.

عندما تؤثر القرارات على الأفراد، أو الثقافة، أو الهوية (التوظيف، التسريح، تغيير الاستراتيجية، القيم)، توقف. لا تسأل فقط «ماذا تشير إليه البيانات؟»، بل «ماذا يعكس هذا القرار عن هويتنا؟».

الاستثمار في الحكمة... لا مجرد الإلمام بالذكاء الاصطناعي

مهارات الذكاء الاصطناعي مهمة، لكن مهارات الحكمة أهم. فالمنظمات الناجحة يقودها أشخاص مدربون على التفكير الأخلاقي، والمنهجي، والتعبير عن القيم تحت الضغط، لا مجرد تشغيل الأدوات بكفاءة.

المعنى هو ميزة القيادة التي لا يستطيع الذكاء الاصطناعي منافستها.

وفي لحظات عدم اليقين، لا يتطلع الناس إلى القادة للحصول على تنبؤات مثالية، بل يبحثون عن التوجيه.

إنهم يريدون معرفة: ما هو المهم الآن؟ على ماذا يجب أن أركز؟ كيف يرتبط عملي بشيء ذي معنى؟

لا يستطيع الذكاء الاصطناعي توفير هذا التوجيه، بينما تستطيع القيادة ذلك. مع تسارع وتيرة الذكاء الاصطناعي، يصبح المعنى أكثر ندرة وقيمة. القادة الذين يوفرون الوضوح وسط التعقيد، والغاية وسط التسارع لا يبنون ثقافات أفضل فحسب، بل يقودون ابتكاراً أقوى، ومرونة تنظيمية أكبر، وخلق قيمة طويلة الأجل.

كل تحول تكنولوجي يعيد تشكيل القيادة

كل تحول تكنولوجي يُعيد تشكيل القيادة، وهذا التحول الجديد ليس استثناءً.

لكن الحقيقة الأساسية تبقى ثابتة: القيادة لا تتعلق بمعرفة المزيد، بل برؤية أوضح وممارسة الحكمة تحت الضغط.

سيستمر الذكاء الاصطناعي في التطور، وستتوسع قدراته، وستتحسن أدواته. ما يجب أن يتعمق بالتوازي مع ذلك هو قدرة القيادة البشرية على الوضوح، والحكمة، وصنع المعنى؛ لأنّ القادة الأكثر تأثيراً في عالم الذكاء الاصطناعي لن يكونوا أولئك الذين يعتمدون على أذكى الآلات، بل سيكونون أولئك الذين يتذكرون بحكمةٍ معنى الإنسانية أثناء استخدامهم لها.

* مجلة «فاست كومباني»