الخفافيش قد تحمل السرّ لحياةٍ أفضل وأطول

تتمتع بآليات مطورة لتحدي الموت

الخفافيش قد تحمل السرّ لحياةٍ أفضل وأطول
TT

الخفافيش قد تحمل السرّ لحياةٍ أفضل وأطول

الخفافيش قد تحمل السرّ لحياةٍ أفضل وأطول

في عالم لينفا وانغ المثالي... البشر يشبهون الخفافيش

البشر والخفافيش

لا يتخيّل وانغ، عالم الكيمياء الحيوية وخبير الأمراض حيوانية المنشأ، البشر ينفضون أجنحتهم في السماء أو يستخدمون الصدى لتحديد موقع أفضل شطيرة برغر في المدينة، وهو لا يقصد «أن يعيش البشر كالخفافيش»، بل أن يستلهموا من فيسيولوجيتها الغريبة جوانبَ لتحسين وإطالة حياتهم. يقول وانغ: «قد لا يبدو الأمر واضحاً عليها، ولكنّ الخفافيش هي الثديات الأكثر صحّة على وجه الأرض».

قد يبدو هذا الأمر صعب الإقناع نظراً إلى سجلّ الخفافيش الحديث والطويل؛ ففي العقود الثلاثة الماضية، من عام 1994، عندما انتقل «فيروس هيندرا (Hendra virus)» إلى البشر، وحتّى 2019، عند تفشّي «سارس كوف2»، كانت الخفافيش منشأً لنحو 5 أوبئة قاتلة انتقلت إلى البشر من الحياة البريّة.

لكنّ الخفافيش نفسها نادراً ما تمرض، حيث إنّ فيروسات مثل «إيبولا (Ebola)»، و«نيباه (Nipah)»، و«ماربورغ (Marburg)» والفيروسات التاجية بأنواعها، لا تؤثر فيها على الإطلاق، حتّى إنّها قادرة على النجاة من داء الكلب، الذي تصل نسبة الوفاة منه إلى 100 في المائة بين البشر إذا لم يعالَج.

آليات مطورة لتحدي الموت

تشرح إيمّا تيلينغ، عالمة الأحياء المختصة في الخفافيش من «كلية دبلن الجامعية» وتعمل مع وانغ، أنّ «الخفافيش طوّرت آليات للحدّ من ضرر المرض».

تذهب قدرة هذه المخلوقات على تحدّي الموت أبعد من ذلك بكثير. يُمضي بعض الأنواع الآكلة للرحيق منها سنوات في رفع مستوى السكر في دمها إلى الدرجة التي تتسبب في غيبوبة سكرية للبشر، ومع ذلك، لا يظهر عليها ما يشير إلى إصابتها بالسكري. وتشير الأبحاث إلى أنّ بعضها الآخر يعيش حتّى 41 عاماً في العراء؛ أي أطول بعشر مرّات من العمر المتوقّع للثديات التي تماثلها حجماً، ومن دون التعرض للإصابة بالسرطان أو تدنّي مستوى الخصوبة.

وقد حصل وانغ وتيلينغ وزملاؤهما أخيراً على منحة بقيمة 13 مليون دولار من «مجلس البحوث الأوروبي» لمحاولة تكوين فهمٍ أفضل لهذه القدرات الخفاشية وكيف يمكنها أن تساعد المخلوقات الأخرى.

ابتكار «الإنسان ـ الخفاش»

بدأ فريق وانغ باختبار بعض أفكاره بإخضاع «خفّاش - فأر (bat - mouse)» سليم ومقاوم للأمراض، إلى هندسة جينية. لا يزال وانغ وفريقه على بعد سنواتٍ من ابتكار «الإنسان الخفّاش»، ولكنّهم واثقون بأنّ هذه الأفكار ستكون يوماً ما مصدراً لعلاجات جديدة للبشر لمحاربة السكريّ، وكبح الأمراض المُعدية، وحتّى لإطالة أمد الحياة.

عملياً؛ يبدو الطيران، أو على الأقلّ تأثيره المتطوّر على جسد الخفّاش، العامل الرئيسي في تفوّق صحّة هذه المخلوقات. ويعدّ الطيران من خيارات التنقّل الأكثر مشقّة على مستوى استهلاك الطاقة، فعندما تحلّق الخفافيش؛ يرتفع مستوى التمثيل الغذائي لديها 15 أو 16 مرّة أكثر ممّا هو عليه في أوقات راحتها، ويعلو نبض قلبها إلى ما فوق الألف ضربة في الدقيقة، وتتجاوز درجة حرارة جسمها 40 درجة مئوية تدفع بها إلى حالة من الحمّى المرضية.

وإذا تخيّلنا أيّ نوعٍ آخر من الثديات في هذا الوضع، فلا شكّ في أنّ جسده سيكون منهكاً من الالتهاب الحادّ.

للتعامل مع هذا النوع الهدّام من الحركة، طوّرت الخفافيش دفاعين أساسيين: الأول هو مهارتها العالية في الحفاظ على هدوئها الجسدي؛ إذ حتّى عندما تُدفع هذه المخلوقات إلى أقصى درجات الإجهاد، فإن أجسامها تحافظ على درجة حرارة معقولة. ولعلّ السبب في ذلك هو افتقار الخفافيش إلى بعض الآليات الجزيئية التي تشغّل هذه الأنظمة.

بمعنى آخر، تعاني الخفافيش من ضرر أقلّ بعد تعرّض أجسامها للضغوط. وعند وقوع الضرر، تملك الخفافيش حيلة أخرى: تبدو خلاياها ذات كفاءة على نحو لا يُصدّق في الصيانة والإصلاح السريع لحمضها النووي المتضرّر.

تخفيف الأضرار الجسديةويشير وانغ وتيلينغ إلى أنّ هذه الاستراتيجيات تساهم أيضاً في تخفيف أضرار جسدية أخرى. يحدث السرطان لدى البشر بعد ظهور أخطاء في أجزاء محدّدة من الرمز الجيني. وعلى المستوى الجزيئي، يعدّ التقدّم في السنّ النتيجة الأساسية لمراكمة الخسائر والمشكلات الخلوية على مدار السنوات.

أما لدى الخفافيش، فالضغط هو الضغط، مما يعني أنّ الأسباب الرئيسية لهذه المشكلات الصحية المزمنة قد يحلها الطيران وكل الإجهاد المرتبط به. بمعنى آخر، فإنّ الحلول التي تسمح لجسد الخفّاش بالطيران بسلاسة في الجوّ قد تساعد في حلّ مشكلاته الصحية على امتداد سنوات حياته. فبينما يتراجع أداء البشر في تصحيح الأضرار مع التقدّم في السنّ، تشهد قدرات الخفافيش تحسناً مطرداً، على حدّ تعبير تيلينغ.

درء عدوى الأمراض

قد تساعد هذه المعلومات في شرح سبب حسن استضافة الخفافيش مسبّبات الأمراض التي تقتل البشر.

ولدى الإنسان، فإن أعلى أخطار الأمراض المُعدية تحدث بسبب استجابة الجسم البشري المفرطة للالتهابات. وهذه الاستجابة تشكّل خطراً أكبر من أيّ ضررٍ قد يسبّبه مسبّب المرض المعدي نفسه لخلايا الجسم البشري. تشبه دفاعاتنا القنابل المثبّتة على أبواب منازلنا، أي إنّها قادرة على القضاء على المحتلّين، ولكن بتكلفة عالية جداً لجسدنا.

في المقابل؛ تملك الخفافيش عتبة حماية مرتفعة قبل اشتعال الالتهاب؛ إلى درجة أنّ كثيراً من الفيروسات تبدو قابلة لسكن خلاياها من دون التسبّب في تلك الدرجة من الدمار.

خلال التجارب المخبرية، حقن العلماء الخفافيش بفيروسات كثيرة حتّى فاضت أنسجتها (وصلت إلى 10 ملايين وحدة من فيروس «إيبولا» في الملّيمتر الواحد من المحلول، و10 ملايين وحدة من فيروس «كورونا» في الغرام بالرئة)، ومع ذلك، لم يستطع الباحثون رصد مشكلات خطرة في صحّة الخفافيش. ويعدّ توني تشاونتز، الخبير في مناعة الخفافيش من جامعة ولاية كولورادو، أنّ الخفافيش وفيروساتها حقّقت حالةً من «الانفراج المناعي (an immunological detente)».

ولكنّ هذه المستويات الهائلة من الفيروسات ليست الحالة المفضّلة للخفافيش طبعاً، حيث إنّ أجسادها بارعة جداً في كبح تكاثر الفيروسات بشكلٍ استباقي. يعود هذا الأمر في جزءٍ منه إلى أنّ بعض أنواع الخفافيش تملك «أجزاءً في نظامها الدفاعي» دائمة النشاط، وفق وانغ، الذي يسمّيها «جهوزية المعركة». إذن؛ عندما يظهر مسبّب مرضٍ ما، يتصادم مع مضيف سبق أن جهّز نفسه ببروتينات قويّة وحاضرة لعرقلة دورة حياة الفيروس، وبالتّالي، منع الجرثومة من الخروج عن السيطرة.

عدوى عابرة للخفاش مدمرة للإنسان

الفكرة هنا هي أنّ الفيروسات طوّرت نفسها لترقى إلى مستوى حيل الخفافيش، وارتقت لتصبح أقوى خلال محاولاتها الاختراق والتكاثر، ومن ثمّ الانتشار بين خلايا الخفّاش المحصّنة. هذا الهجوم بمقياس الخفافيش، وفق كارا بروك، العالمة البيئية المختصة في الأمراض، قد يكون مفرطاً لدى البشر الذي يفتقرون إلى هذا المستوى من الدفاعات، وقد يساعد هذا الأمر في شرح الضرر الذي تسبّبه لنا الفيروسات التي تنشأ في الخفافيش. باختصار، العدوى التي تمرّ مرور الكرام لدى الخفّاش قد تشعل فوضى عارمة لدى الإنسان.

يقترح وانغ في واحدة من أفكاره للتعامل مع هذا النوع من التفاوت في ضيافة مسببات المرض، أن تُستخدم أدوية تخفّف قليلاً من حدّة استجاباتنا المناعية؛ أي أن نصبح أشبه قليلاً بالخفّاش. وأضاف أنّ هذه الخطوة من شأنها أيضاً أن تخفّض خطر المناعة الذاتية، وحتّى أن تؤخّر الشيخوخة أو بضعة أنواع من الأمراض الأيضية المزمنة. يذكر أنّ «الخفاش - الفأر» الذي هندسه هو وفريقه للتعبير عن جينة معيّنة تكبح الالتهاب في الخفاش، هو من تجاربه، وأظهر في النتائج قوّة أكبر في مواجهة الإنفلونزا، و«سارس كوف2»، وحتّى النقرس.

* «ذي أتلانتيك أونلاين»

- خدمات «تريبيون ميديا» «الإنسان الخفّاش» سيشكل مصدراً لعلاجات جديدة لمحاربة السكريّ وكبح الأمراض المُعدية



تراجع مهارات التفكير النقدي في النظم الذكية سيعزز البحث عن «عقول إبداعية»

تراجع مهارات التفكير النقدي في النظم الذكية سيعزز البحث عن «عقول إبداعية»
TT

تراجع مهارات التفكير النقدي في النظم الذكية سيعزز البحث عن «عقول إبداعية»

تراجع مهارات التفكير النقدي في النظم الذكية سيعزز البحث عن «عقول إبداعية»

إليكم ما يتوقعه بعض الخبراء في جوانب التطويرات في الذكاء الاصطناعي في عام 2026.

لم يظهر الذكاء الاصطناعي لأول مرة في عام 2025، ولكنه كان العام الذي بدأ فيه بالانتشار على نطاق واسع. في بداية العام، كان لدى «تشات جي بي تي» ما بين 300 و400 مليون مستخدم أسبوعياً. وبحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تضاعف هذا العدد. وفي الوقت نفسه، شهد استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي الأخرى، بما في ذلك «بيربليكسيتي»، و«جيمناي» من «غوغل» قفزات مماثلة.

والآن، وفي عام 2026، يتساءل الناس عما يخبئه المستقبل. وقد تحدثت مجلة «فاست كومباني» مع عدد من المحللين وخبراء الصناعة لمعرفة توقعاتهم لما يمكن توقعه مع استمرار انتشار تأثير الذكاء الاصطناعي في عام 2026.

«الفقاعة لن تنفجر»

بينما يواصل المتشائمون في «وول ستريت» الحديث بصوت عالٍ عن فقاعة الذكاء الاصطناعي، يقول دان آيفز من شركة «ويدبوش» Wedbush (شركة خدمات مالية - المحرر) إن هذه المخاوف مبالغ فيها، وإن سوق الذكاء الاصطناعي ستنمو بالفعل في عام 2026. ويضيف أن ثورة الذكاء الاصطناعي الموجهة للمستهلكين لم تبدأ فعلياً بعد، وأن الصعود المتوقع للروبوتات في السنوات المقبلة، بالإضافة إلى الفرص الواعدة لاستخدامها في الشركات وتوسعها العالمي، سيدفع سوق التكنولوجيا نحو مزيد من النمو.

وكتب آيفز: «ثورة الذكاء الاصطناعي هذه بدأت للتو، ونعتقد أنه ينبغي شراء أسهم شركات التكنولوجيا والشركات الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، نظراً لرؤيتنا بأن هذا هو العام الثالث من دورة تمتد لعشر سنوات من تطور هذه الثورة». وأضاف: «نتوقع أن ترتفع أسهم شركات التكنولوجيا بنسبة 20 في المائة أخرى في عام 2026 مع وصول المرحلة التالية من ثورة الذكاء الاصطناعي إلى ذروتها».

قفزة في «التفكير الكسول»

ليست كل التوقعات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي في عام 2026 متفائلة إلى هذا الحد. فقد حذرت شركة «غارتنر» لأبحاث السوق، من ازدياد اعتماد الناس على روبوتات الدردشة وقبولهم التلقائي لكل ما تُنتجه هذه الأجهزة. وتتوقع الشركة التحليلية أنه بحلول عام 2026، سيحدث «تراجع في مهارات التفكير النقدي نتيجة استخدام الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي». وتقول إن ذلك سيدفع نصف المؤسسات العالمية إلى اشتراط وضع تقييمات لمهارات «خالية من الذكاء الاصطناعي».

وتكتب «غارتنر»: «مع تسارع وتيرة الأتمتة، ستصبح القدرة على التفكير باستقلالية وإبداع نادرة بشكل كبير، ولكنها في الوقت نفسه ذات قيمة كبيرة».

الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي سينتشر في محركات البحث

تُعدّ روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي التوليدي الوسيلة التي يتفاعل بها كثير من الناس مع الذكاء الاصطناعي. فهي لا تتطلب أي معرفة تقنية (مع أن معرفة كيفية صياغة الرسائل تجعلها أكثر كفاءة)، وهي مجانية.

أما بالنسبة لأدوات مثل«تشات جي بي تي» و«بيربليكسيتي» ، فعادةً ما يتطلب الوصول إليها زيارة موقع ويب مستقل. مع ذلك، تتوقع شركة «ديلويت» أنه في عام 2026 وما بعده، سيزداد استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي المدمج في التطبيقات الحالية، مثل محركات البحث، بشكل ملحوظ. وتوضح الشركة الاستشارية: «في الاستخدام اليومي سيكون الوصول إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي داخل محرك البحث (عندما ينتج عن البحث توليفة من النتائج) أكثر شيوعاً بنسبة 300 في المائة من استخدام أي أداة مستقلة للذكاء الاصطناعي التوليدي».

صعود الروبوتات

على الرغم من أن الروبوتات الشبيهة بالبشر في عام 2026 قد لا تصل إلى المستويات التي يتوقعها إيلون ماسك، فمن المرجح أن نشهد زيادة كبيرة في الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وفقاً لشركة «ديلويت». ومن المتوقع أن يصل عدد الروبوتات الصناعية إلى 5.5 مليون روبوت.

هذه بداية موجة جديدة، قد تشهد زيادة في الشحنات السنوية حتى تصل إلى مليون روبوت سنوياً بحلول عام 2030. وتعزو الشركة هذه الزيادة إلى نقص العمالة و«التطورات الهائلة في القدرة الحاسوبية».

«تسونامي» من الدعاوى القانونية

تواجه شركات الذكاء الاصطناعي بالفعل عدداً من الدعاوى القضائية، أبرزها قضايا يدّعي فيها المدّعون أن الذكاء الاصطناعي دفع أشخاصاً إلى الانتحار. وقد سلّط ذلك الضوء على غياب الضوابط التي تحكم هذا القطاع. لكن حتى الآن، لم تُبدِ الإدارة الاميركية اهتماماً يُذكر بوضع معايير صارمة لشركات الذكاء الاصطناعي، رغم أن بعض الولايات تحاول القيام بذلك.

تتوقع شركة «غارتنر» أنه بحلول نهاية عام 2026، سيتجاوز عدد الدعاوى القضائية المتعلقة بـ«الوفاة بسبب الذكاء الاصطناعي» 2000 دعوى. وتضيف الشركة أن الجانب الإيجابي لهذه المأساة هو أنها قد تدفع الجهات التنظيمية أخيراً إلى التركيز على قضايا السلامة.

وتكتب «غارتنر»: «يمكن أن تفشل أنظمة الصندوق الأسود - نماذج الذكاء الاصطناعي التي تتسم عمليات اتخاذ القرار فيها بالغموض أو صعوبة التفسير - لا سيما في القطاعات الحساسة مثل الرعاية الصحية والتمويل والسلامة العامة. وستصبح قابلية التفسير والتصميم الأخلاقي والبيانات النظيفة أموراً لا تقبل المساومة».

*مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا»


هل يعود شبح «السلاح الجيني» مع تطور الذكاء الاصطناعي؟

الخوف من تدمير الإنسان... بالعلم
الخوف من تدمير الإنسان... بالعلم
TT

هل يعود شبح «السلاح الجيني» مع تطور الذكاء الاصطناعي؟

الخوف من تدمير الإنسان... بالعلم
الخوف من تدمير الإنسان... بالعلم

في مطلع عام 2026، أعادت وسائل الإعلام البريطانية فتح ملف بالغ الحساسية، محذّرة من احتمال أن تُسهم تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة في خفض «العتبة المعرفية اللازمة» لتطوير أسلحة بيولوجية، بل وذهبت بعض التحليلات إلى سيناريوهات قصوى تتحدث عن «عوامل مُمرِضة» قد تُصمَّم نظرياً لاستهداف خصائص بشرية، مثل العِرق، أو الجنس.

حين تعود الأسئلة القديمة بلغة جديدة

هذا الطرح أعاد إلى الذاكرة مخاوف أُثيرت قبل سنوات في الأوساط الطبية الغربية، من بينها تحذيرات عبّرت عنها الجمعية الطبية البريطانية (British Medical Association) في تقارير، ونقاشات أخلاقية تعود إلى مطلع الألفية، حين حذّرت من أن التقدّم السريع في علم الجينوم قد يفتح، في حال غياب الضوابط الأخلاقية، والتشريعية، الباب أمام سوء استخدام المعرفة الوراثية لأغراض تمييزية، أو عدائية. وقد أكدت الجمعية في حينه أن الخطر لا يكمن في العلم ذاته، بل في إمكانية توظيفه خارج الإطار الطبي، والإنساني، مشددة على ضرورة الرقابة الصارمة، ومنع أي انحراف قد يحوّل أدوات التشخيص والعلاج إلى وسائل إقصاء، أو أذى جماعي، لكن السؤال الجوهري اليوم ليس: هل يمكن تخيّل ذلك؟ بل: هل تسمح العلوم الحديثة فعلاً بحدوثه؟

الخوف من البيولوجيا في عصر الذكاء الاصطناعي

جذور الخوف: فكرة «السلاح الجيني»

انبثقت فكرة «السلاح الجيني» من تصوّرٍ مبسّط يرى أن البشر يمكن تقسيمهم وراثياً إلى أعراق متمايزة بحدود واضحة. غير أن هذا التصور اصطدم، مع تقدّم علم الوراثة، بحقائق علمية صارمة. إذ أثبتت الدراسات الجينومية واسعة النطاق أن البشر يتشاركون أكثر من 99.9 في المائة من مادّتهم الوراثية، وأن الفروق الجينية داخل المجموعة الواحدة غالباً ما تفوق الفروق بين المجموعات المختلفة.

وبعبارة علمية دقيقة: العرق مفهوم اجتماعي–ثقافي أكثر من كونه تصنيفاً وراثياً صالحاً للاستهداف البيولوجي.

الذكاء الاصطناعي: لتسريع للعلم لا كسر قوانينه

لا شك أن الذكاء الاصطناعي أحدث تحوّلاً عميقاً في الطب الحيوي، من خلال تسريع تحليل الجينوم، وتحسين اكتشاف الأدوية، ودعم ما يُعرف بالطب الدقيق، والعلاج الموجّه.

غير أن هذا التقدّم، كما تؤكد أحدث المراجعات العلمية، لا يمنح سيطرة مطلقة على البيولوجيا. ففي مراجعات منهجية نُشرت بين عامي 2024 و2025 في مجلات مرجعية، مثل «مراجعات نيتشر في علم الوراثة» (Nature Reviews Genetics) و«لانسيت للصحة الرقمية» (The Lancet Digital Health)، خلص الباحثون إلى نتيجة حاسمة:

لا توجد حالياً، ولا في المستقبل القريب المنظور، قدرة علمية واقعية على تصميم عامل بيولوجي يستهدف عِرقاً بشرياً محدداً بدقة يمكن ضبطها.

لماذا يفشل «السلاح الجيني» علمياً؟

تُجمع الأبحاث الحديثة على ثلاث حقائق رئيسة تقف عائقاً أمام هذا السيناريو:

* أولاً: التداخل الجيني الشديد بين البشر، وغياب أي «بصمة وراثية نقية» لأي مجموعة.

* ثانياً: تعقيد الشبكات البيولوجية، حيث تعمل الجينات ضمن منظومات تتأثر بالمناعة، والبيئة، ونمط الحياة.

* ثالثاً: الطبيعة المتحوّلة للعوامل المُمرِضة التي تجعل التحكم بسلوكها وانتشارها أمراً غير قابل للضبط.

لهذا وصفت مراجعة علمية حديثة فكرة الأسلحة الجينية الموجّهة بأنها (امتداد لخيال علمي قديم بلباس تقني جديد).

القلق الحقيقي: المعرفة لا السلاح

التحذيرات المعاصرة –ومنها ما ورد في تقرير لصحيفة «آي»– لا تتعلق باختراع «سلاح خارق»، بل بإمكانية سوء استخدام المعرفة، أو تسهيل بعض المراحل الثانوية، مثل البحث، أو التخطيط. وحتى منظمة الصحة العالمية أكدت في تحديثها للأمن البيولوجي لعام 2025 أن الخطر الأكبر على البشرية لا يزال يتمثل في الأوبئة الطبيعية، وأن تقوية أنظمة الرصد الصحي، والاستجابة السريعة هي خط الدفاع الأول، سواء في مواجهة تهديدات طبيعية، أو متعمّدة.

بين الخوف والحكمة

في هذا السياق، تبدو مقولة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل (Winston Churchill) بالغة الدلالة: «الخوفُ ردّ فعل، أمّا الشجاعة فقرار». فالخوف من التكنولوجيا مفهوم، لكن تحويل هذا الخوف إلى ذعر قد يكون أخطر من التكنولوجيا نفسها. أما القرار الحكيم، فيكمن في الحوكمة، لا في الهلع.

الجين والذكاء... طبّ ينقذ الحياة

من الذعر إلى الحوكمة

ان العلم الحديث لا يدعو إلى الطمأنينة الساذجة، ولا إلى تضخيم المخاطر، بل إلى مقاربة متوازنة تقوم على:

-حوكمة أخلاقية واضحة للذكاء الاصطناعي.

-تشريعات علمية دقيقة.

-تعاون دولي عابر للحدود.

-أنظمة صحية قادرة على الاحتواء والاستجابة.

وكما جاء في أحد تقارير الأكاديميات الوطنية الأميركية للعلوم (National Academies of Sciences)، فإن «أفضل حماية من أي تهديد بيولوجي ليست في عسكرة العلم، بل في تقوية الصحة العامة».

الخلاصة: العلم لا يُرعب... سوء استخدامه يفعل

يعيد الذكاء الاصطناعي طرح أسئلة قديمة بلغة جديدة، لكنه لا يغيّر قوانين البيولوجيا.

أما «السلاح الجيني» الذي يستهدف الأعراق، فيبقى –وفق المعطيات العلمية الحديثة– فرضية إعلامية مثيرة، ولا يمثل خطراً علمياً وشيكاً. والتحدي الحقيقي ليس في الخوارزميات، بل في كيفية إدارتها أخلاقياً.

وحين يُدار العلم بالمسؤولية، يظل –كما كان دائماً– أداةً لحماية الإنسان... لا لإفنائه.


اكتشاف جينين يساهمان في كبح انتشار سرطان القولون والمستقيم

اكتشاف جينين يساهمان في كبح انتشار سرطان القولون والمستقيم
TT

اكتشاف جينين يساهمان في كبح انتشار سرطان القولون والمستقيم

اكتشاف جينين يساهمان في كبح انتشار سرطان القولون والمستقيم

في ظل استمرار المعركة العالمية ضد سرطان القولون والمستقيم، ثاني أكثر أسباب الوفاة المرتبطة بالسرطان حول العالم، كشفت بحوث حديثة عن مسارات جزيئية جديدة قد تُحدث نقلة نوعية في فهم تطور المرض وسبل إيقاف انتشاره. وعلى الرغم من أن فرص الشفاء تكون مرتفعة عند تشخيص المرض في مراحله المبكرة، فإنها تنخفض بشكل حاد عند حدوث «النقائل»؛ حيث تقل نسبة البقاء على قيد الحياة لخمس سنوات إلى أقل من 10 في المائة.

دراستان علميتان

ويشير مصطلح «النقائل» (metastases) إلى انتشار الخلايا السرطانية من الموقع الأصلي (الأولي) إلى أجزاء بعيدة من الجسم، ما يؤدي إلى الإصابة بالسرطان النقيلي الذي غالباً ما يصنَّف على أنه سرطان المرحلة الرابعة.

وتسلط دراستان علميتان حديثتان من الولايات المتحدة الأميركية الضوء على آليات مختلفة؛ لكنها متكاملة، لاستهداف تطور السرطان من خلال تحديد بروتينات وجينات تلعب دوراً محورياً في تقوية الورم في مراحله الأولى، أو في تمكينه من الانتشار إلى أعضاء أخرى.

منع الورم من اكتساب القوة مبكراً

يركز فريق بحثي بقيادة الدكتورة نان غاو، من قسم علم الأدوية وعلم وظائف الأعضاء وعلم الأعصاب، بكلية «روتجرز هيلث- نيوجيرسي» الطبية، في دراسة نُشرت نتائجها في مجلة «American Cancer Society» في 4 ديسمبر (كانون الأول) 2025، على بروتين يُعرف باسم «Cdc42-v2» يعمل كـ«مفتاح جزيئي» يتحكم في نمو الخلايا. وفي الظروف الطبيعية يوجد هذا البروتين بشكل رئيسي في الدماغ؛ لكن الباحثين وجدوا أنه يظهر بشكل غير طبيعي في خلايا سرطان القولون داخل الأمعاء.

وعندما يتم «تشغيل» هذا البروتين عن طريق الخطأ، فإنه يساعد الخلايا السرطانية على النمو واكتساب طفرات متعددة تجعل الورم أكثر عدوانية. وأظهرت التجارب على الفئران أن الخلايا الجذعية السرطانية في الأمعاء تعتمد على البروتين للبقاء والتكاثر. وعندما قام الباحثون بتعطيل هذا البروتين أو إزالته، توقف نمو الورم بالكامل.

وتشير هذه النتائج إلى إمكانية تطوير علاجات تستهدف بروتين «Cdc42-v2» مباشرة، ما قد يسمح بإيقاف سرطان القولون في مراحله المبكرة، قبل أن يصبح أكثر خطورة أو يبدأ في الانتشار.

جينات تمنع الانتشار

وفي دراسة أخرى نُشرت في مجلة «Proceedings of the National Academy of Sciences» في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، استخدم باحثون بقيادة كريستوفر لينغنر، وأندريس بلانكو، من قسم العلوم الطبية الحيوية في كلية الطب البيطري بجامعة بنسلفانيا، تقنيات متقدمة لتحرير الجينات باستخدام نظام «كريسبر» إلى جانب نماذج مخبرية تحاكي أورام القولون البشرية. وكان هدف الفريق تحديد الجينات التي تمنع السرطان من الانتشار، من خلال تعطيل جينات معينة، ومراقبة ما إذا كان ذلك يؤدي إلى حدوث نقائل.

وأسفرت هذه الدراسة المنهجية عن تحديد جينين رئيسيين يعملان كحاجز أمام الانتشار السرطاني، هما «Ctnna1» و«Bcl2l13».

ويلعب الجين «Ctnna1» المعروف باسم «ألفا-كاتينين» دوراً في الحفاظ على تماسك الخلايا معاً، ما يمنعها من الانفصال والهجرة إلى الأنسجة المجاورة. وعندما يتعطل هذا الجين تصبح الخلايا أكثر قدرة على الحركة والغزو، وهي خطوة أساسية في عملية النقائل.

أما الجين «Bcl2l13» فيعمل بطريقة مختلفة؛ إذ يحفِّز نوعاً خاصاً من موت الخلايا، يحدث عندما تنفصل الخلايا الظهارية عن طبقتها الطبيعية. وهذا يمنع الخلايا التي غادرت الورم الأصلي من البقاء في أماكن غير مناسبة. وتشير النتائج إلى أن الخلايا السرطانية المنتشرة قد تقوم بتثبيط هذا الجين، لتفادي الموت، واستمرار النمو في أعضاء أخرى.

آفاق علاجية واعدة

وقد اعتمد الباحثون في هذه الدراسة على إنشاء أورام قولونية مصغَّرة في المختبر، ثم اختبار قدرتها على الانتشار داخل نماذج حية، ما أتاح مقارنة دقيقة مع سلوك سرطان القولون لدى البشر. وأكدت النتائج أن الفحص الجيني واسع النطاق يمكن أن يكشف عن منظِّمين أساسيين لعملية الانتشار السرطاني.

ويرى العلماء أن الخطوة التالية تتمثل في تحديد الجينات التي تعزز النقائل بشكل مباشر؛ إذ تمثل هذه الجينات أهدافاً مثالية لتطوير علاجات جديدة أكثر دقة وفعالية.

وتؤكد هذه الاكتشافات مجتمعة أن فهم المسارات الجزيئية الدقيقة للسرطان لا يفتح الباب أمام علاجات أفضل فقط؛ بل قد يغير مستقبل التعامل مع المرض، من علاج متأخر للنقائل إلى تدخل مبكر يمنع السرطان من التقدم منذ بدايته.