أنف الإنسان... عضو غريب مزود «بأنفين» يعملان في دورة طبيعية

تحليلات علمية لفهم تكرار الإصابات بنزلات البرد

أنف الإنسان... عضو غريب مزود «بأنفين» يعملان في دورة طبيعية
TT

أنف الإنسان... عضو غريب مزود «بأنفين» يعملان في دورة طبيعية

أنف الإنسان... عضو غريب مزود «بأنفين» يعملان في دورة طبيعية

كنت أصاب بنزلة برد كل شهر منذ أن بدأ طفلي الذهاب إلى الحضانة، وقد تعلمت من تجربتي الخاصة أن احتقان الأنف أكثر غرابة مما كنت أعتقده.

أنف أم أنفان!

بالنسبة للمبتدئين، الأنف هو في الواقع أنفان، يعملان في دورة متناوبة ترتبط بطريقة أو بأخرى بالإبطين. الحجة القائلة إن البشر لديهم أنفان طرحها عليّ لأول مرة رونالد إيكليس، خبير الأنف الذي أدار مركز نزلات البرد بجامعة كارديف في مقاطعة ويلز البريطانية حتى تقاعده قبل بضع سنوات.

أعلم أن هذا يبدو سخيفاً، لكن فكّر في الشكل الذي يبدو عليه أنفك -أو أنفاك- من الداخل؛ تفتح كل فتحة أنف في تجويف الأنف الخاص بها الذي لا يتصل بالآخر بشكل مباشر. إنهما عضوان منفصلان. منفصلان مثل عينيك أو أذنيك. وإضافة إلى ذلك، وبعيداً عن كونه أنبوباً سلبياً، فإن التشريح الداخلي المخفي للأنف يتغير باستمرار.

نسيج انتصابي وريدي

وقال إيكليس إن الأنف مبطن بنسيج انتصابي وريدي له «بنية مشابهة لأنسجة الانتصاب في القضيب»، ويمكن أن يصبح محتقناً بالدم. وتؤدي العدوى أو الحساسية إلى تفاقم التورم، لدرجة أن الممرات الأنفية تصبح مسدودة تماماً.

هذا التورم، وليس المخاط، هو السبب الرئيسي لانسداد الأنف، ولهذا السبب لا يؤدي طرد المخاط إلى حل الاحتقان تماماً.

يقول تيموثي سميث، طبيب الأنف والأذن والحنجرة في مركز الجيوب الأنفية بجامعة أوريغون للصحة والعلوم: «يمكنك نفخ أنفك لفترات طويلة للتمخط، من دون أن تنفخ تلك الأنسجة المتورمة». وأخبرني أن التمخط بلطف يعمل بشكل جيد على التخلص من أي مخاط قد يزيد من الاحتقان.

لكن مزيلات الاحتقان تعمل عن طريق التسبب في تقلص الأوعية الدموية في الأنف، ما يفتح الممرات الأنفية للحصول على راحة مؤقتة.

دورة أنفية

في الأنوف الصحية، عادة ما يتبع تورم الأنسجة الأنفية وعدم تورمها نمطاً يمكن التنبؤ به، يسمى الدورة الأنفية nasal cycle. إذ لبضع ساعات، يصبح أحد جانبي الأنف محتقناً جزئياً، بينما ينفتح الجانب الآخر. ثم يقومان بالتبادل، ذهاباً وإياباً، ذهاباً وإياباً.

يختلف النمط الدقيق والمدة لهذه الدورة من شخص لآخر، لكننا نادراً ما نلاحظ هذه التغييرات داخل أنوفنا. يقول جيلهيرم غارسيا، مهندس الطب الحيوي في كلية الطب في ويسكونسن: «عندما أخبر الناس عن الدورة الأنفية، فإن معظمهم لا يدركون ذلك على الإطلاق».

بالتأكيد لم أكن كذلك، وكنت أتنفس من خلال أنفي طوال حياتي فقط. لكن الفكرة أصبحت منطقية بمجرد أن فكرت فيها بوعي؛ عندما أكون مريضة، ويتحول التورم الزائد أي الاحتقان الجزئي إلى احتقان كامل، فإنني أميل إلى الشعور بالانسداد في أحد الجانبين أكثر من الآخر.

وهكذا بمجرد أن تصبح على علم بالدورة الأنفية، يمكنك التحكم فيها، إلى حد ما. في الواقع، عندما كنت أتقلب من جانب إلى آخر خلال ليالي الأرق، كنت أقوم دون قصد بتنشيط المستقبلات الموجودة تحت ذراعي، التي تفتح الجانب الآخر من الأنف. قد يكون هذا منعكساً لا إرادياً قديماً للبقاء على قيد الحياة، عندما نستلقي على جانبنا الأيمن، تكون فتحة أنفنا اليسرى أبعد عن الأرض ومن المحتمل أن تكون معوقة أقل، أي أنها أقل انغلاقاً.

عكازة تحت الأبط في ممارسات اليوغا داندا

اليوغا لتوجيه التنفس

لقد تعلم ممارسو اليوغا الاستفادة من هذا، باستخدام عكاز صغير تحت الذراع، يسمى يوغا داندا yoga danda، لتوجيه التنفس إلى إحدى فتحتي الأنف أو الأخرى. وتقترح إحدى طرق علاج انسداد الأنف عبر الإنترنت ضغط زجاجة تحت الذراع المعاكس. لكن التأثير ليس فورياً. عندما جربت هذا مؤخراً، تعبت ذراعي قبل أن ينفتح أنفي. وعندما حاولت مرة أخرى باستخدام عكاز قديم اشتريته بسبب إصابة في الركبة، استغرق الأمر عدة دقائق، وفي ذلك الوقت كنت قد أخرجت بالفعل منديلي بسبب نفاد الصبر.

الدورة الأنفية تدرأ الفيروسات

لا أحد يعرف بالضبط سبب وجود دورة أنفية لدى البشر، لكن القطط والخنازير والأرانب والكلاب والجرذان جميعها لديها دورة أنفية أيضاً، وفقاً لإيكليس. وتقترح إحدى الفرضيات أن هذه الدورة تساعد في الوقاية من مسببات الأمراض. عندما يتقلص نسيج الانتصاب الوريدي، يتم ضغط البلازما الغنية بالأجسام المضادة على البطانة الداخلية للأنف. وكل دورة قد تجدد دفاع الأنف.

وأشار إيكليس أيضاً إلى أن فيروسات الجهاز التنفسي العلوي يبدو أنها تفضل درجات حرارة أقل بقليل من درجة حرارة الجسم؛ عندما يصبح أحد جانبي الأنف محتقناً جزئياً، فقد يسخن بدرجة كافية لدرء الفيروسات. أو كما قال فإن الدورة تسمح لنصف الأنف بالراحة في الوقت المناسب.

على عكس أعيننا وآذاننا وأفواهنا، يجب أن تعمل أنوفنا 24 ساعة في اليوم، كل يوم، حيث تقوم باستمرار بتصفية وتدفئة الهواء للأنسجة الرقيقة في رئتينا.

وقد لا تبدو مهمة الأنف بهذه الصعوبة، لكن فكّر في ما يجب عليه فعله. قال سميث إن الهواء الذي نتنفسه ربما تكون درجة حرارته 70 درجة فهرنهايت (21 مئوية) ونسبة رطوبة 35 في المائة. «بحلول الوقت الذي يدخل فيه الهواء إلى أنفي ويعود إلى البلعوم الأنفي، وهي مسافة تتراوح بين 3 و4 بوصات (7.5- 10 سنتيمترات)، تصبح درجة الحرارة 98.7 درجة فهرنهايت (37 مئوية) ورطوبة 100 في المائة».

الأنف مبطن بنسيج انتصابي وريدي يمكن أن يصبح محتقناً بالدم

نظام تكييف بيولوجي

إن الأنف هو نظام التدفئة والتهوية وتكييف الهواء الصغير القوي؛ لكنه غير معصوم من الخطأ أيضاً، إذ إن أنوفنا لا تقيس تدفق الهواء مباشرة، وبدلاً من ذلك، فإنها تعتمد على المستقبلات الباردة التي يتم تنشيطها عندما يمر الهواء البارد. يمكن خداع هذه المستقبلات الباردة بواسطة حبوب المنثول على سبيل المثال. اكتشف إيكليس أن الأشخاص الذين يتناولون أقراص المنثول يمكنهم حبس أنفاسهم لفترة أطول، ربما لأن برودة النعناع تخدعهم وتجعلهم يعتقدون أنهم ما زالوا يحصلون على الهواء.

ولهذا السبب، قد توفر مستحضرات «فيكس» مثل Vicks VapoRub الشعور بتحسن حالة الاحتقان، على الرغم من عدم وجود تأثير إيجابي على فتح الممرات الأنفية. وقد يحدث العكس في حالة محيرة تسمى «متلازمة الأنف الفارغ» empty-nose syndrome، حيث ينتهي الأمر بنسبة صغيرة جداً من المرضى الذين خضعوا لعملية جراحية لتحسين تدفق الهواء في أنوفهم إلى الشعور بالانسداد التام، ربما بسبب تلف مستقبلات البرد وتغيرات أخرى في الإحساس. ويمكن أن يكون عدم الشعور بتدفق الهواء أمراً مزعجاً للغاية، لدرجة أن هؤلاء المرضى يشعرون بالاختناق، على الرغم من أن أنوفهم خالية تماماً من العوائق.

وهناك مشكلة أخرى، إذ عندما يذهب المرضى للفحص قد يرى الطبيب أن أحد جانبي الأنف متورم بشكل واضح أكثر من الجانب الآخر، لكن ليس بالضرورة أن يكون الجانب نفسه الذي يشعر المريض بأنه أكثر احتقاناً.

وقال لي سميث: «لا يزال هذا يحير الأطباء». وهناك عوامل أخرى، مثل درجة الحرارة التي يجب أن تلعب دوراً. لذا فإن الأعمال الداخلية للأنف معقدة ولا تزال غامضة.

* «أتلانتك أونلاين»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

ماذا يحدث لجسمك عند تناول الفشار المُعدّ في الميكروويف؟

صحتك الفشار غني بالألياف لكنه يحتوي أيضاً على نسبة عالية من الملح والدهون غير الصحية (أ.ف.ب)

ماذا يحدث لجسمك عند تناول الفشار المُعدّ في الميكروويف؟

يُعد الفشار المُعدّ في الميكروويف وجبة خفيفة سهلة التحضير وغنية بالألياف، إلا أنه يحتوي أيضاً على نسبة عالية من الملح والدهون غير الصحية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك أوراق عشبة القراص استُخدمت في الطب التقليدي لعلاج الإكزيما وآلام المفاصل وأوراقها غنية بالألياف والمعادن والفيتامينات ومضادات الأكسدة (بيكسباي)

ماذا يحدث لمستوى السكر إذا شربت شاي القراص يومياً؟

تُستخدم عشبة القراص في الطب التقليدي لعلاج الإكزيما وآلام المفاصل، أوراقها غنية بالألياف والمعادن والفيتامينات ومضادات الأكسدة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك تؤكد السعودية التزامها المستمر بدعم الابتكار وتوسيع الوصول إلى العلاجات المتقدمة (واس)

السعودية تسجل علاجاً لمرضى سرطان المثانة والرئة

اعتمدت «هيئة الغذاء والدواء» السعودية استخدام مستحضر «أنكتيفا» (نوجابنديكين ألفا إنباكيسيبت) لعلاج المرضى البالغين المصابين بسرطان الرئة والمثانة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
صحتك كوب من عصير البنجر (بيكسباي)

ماذا يحدث لضغط دمك عند شرب عصير البنجر بانتظام؟

يقدم البنجر العديد من الفوائد الصحية لضغط الدم، ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى احتوائه على مستويات عالية من النترات التي تدعم صحة القلب والأوعية الدموية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك قد يؤثر تناول القهوة على كيفية امتصاص الجسم لبعض المكملات الغذائية (رويترز)

5 مكملات غذائية لا تتناولها مع القهوة

تُقدم القهوة العديد من الفوائد الصحية. لكن لسوء الحظ، قد يؤثر تناولها أيضاً على كيفية امتصاص الجسم لبعض المكملات الغذائية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

لم يعد السؤال في الطب الحديث: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض، بل أصبح السؤال الأعمق والأخطر: هل يمكنه توقّع مسار المرض قبل أن يُظهر الجسد أولى علامات التمرّد، ففي الطب ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، بل في ضيق الزمن.

إشارات الأمراض المتسللة داخل الجسد

إن كثيراً من الأمراض لا تبدأ صاخبة، بل تتسلّل همساً داخل الجسد، وتترك إشارات دقيقة لا يلتقطها الفحص التقليدي، ولا ينتبه إليها الطبيب إلا حين تتحوّل إلى أعراض واضحة، وأحياناً متأخرة. وهنا تحديداً، لا يَعِد الذكاء الاصطناعي بإجابات أسرع فحسب، بل برؤية مختلفة: أن يقرأ الإشارات الصامتة قبل أن تتحوّل إلى شكوى، وأن يفهم المرض كمسارٍ زمني لا كلحظة تشخيص، وكأن الطب ينتقل من التقاط «صورة» للجسد إلى قراءة «قصته». وهذا التحوّل لا يمثّل مجرد تطوّر تقني، بل يمثل تغييراً في فلسفة الطب نفسها: من علاج ما حدث إلى محاولة فهم ما هو في طريقه إلى الحدوث.

الانتقال من «لقطة» الحالة إلى «قصة» المرض

على مدى السنوات الماضية، عمل الذكاء الاصطناعي في الطب بوصفه أداة مساعدة فورية؛ يحلّل صورة أشعة، ويقرأ نتيجة تحليل مِخبري، أو يقترح تشخيصاً في لحظة زمنية محددة. وكان أداؤه، في جوهره، أشبه بالتقاط «صورة ثابتة» للحالة الصحية، ثم التوقّف عندها. غير أنّ الطب، بطبيعته، لا يعيش في الصور، بل في الزمن. اليوم، تتقدّم نماذج ذكاء اصطناعي جديدة لا تنظر إلى المرض على أنه حدث معزول، بل كسردٍ زمني متصل، نماذج لا تكتفي بسؤال: ما الذي يعانيه المريض الآن، بل تحاول الإجابة عن أسئلة أعمق وأكثر جرأة: كيف بدأت القصة الصحية، وكيف تطوّرت خطوةً خطوة، وإلى أي اتجاه يسير هذا المسار إن تُرك دون تدخّل، وماذا يتغيّر في المستقبل لو اتُّخذ قرار علاجي مختلف اليوم. وبهذا التحوّل، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد «عدسة تشخيص» تلتقط اللحظة، بل يتحوّل إلى نظام توقّع وتخطيط يحاكي الجسد عبر الزمن، ويختبر الاحتمالات قبل أن يختبرها المريض في واقعه.

حين تُساند الخوارزميات القرار الطبي

محاكاة المستقبل الصحي... السيناريوهات الافتراضية

تعتمد هذه النماذج الذكية على قراءة سلاسل زمنية طويلة من بيانات المريض، تشمل صوراً طبية متعاقبة، ونتائج مخبرية عبر الزمن، وسِجلات الأدوية، واستجابات العلاج، وفترات التحسّن والتدهور. ومن خلال هذا التراكم، لا يكتفي النموذج بالتحليل، بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد، كما لو كان نظاماً حياً يتعلّم من تاريخه. وبهذا التمثيل، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة تطوّرات مستقبلية محتملة، لا على توقّع مسار واحد فقط، بل على استكشاف عدة مسارات متوازية.

وهنا تبرز إحدى أقوى قدرات هذه النماذج: القدرة على طرح أسئلة «ماذا لو؟»، قبل أن يطرحها المرض على جسد المريض؛ ماذا لو بدأ التدخّل العلاجي قبل ظهور الأعراض السريرية، وماذا لو اختير دواء أقل شدّة لكن في توقيت أدق، وماذا لو تأخّر القرار العلاجي أسبوعين فقط.

وما كان يعتمد سابقاً على الخبرة السريرية والحدس الطبي يمكن، اليوم، محاكاته رقمياً، اعتماداً على أنماط مستخلَصة من ملايين الحالات البشرية، ليقدّم للطبيب خريطة احتمالات بدل إجابة واحدة جامدة، ويعيد القرار الطبي إلى موقعه الطبيعي: قرار إنساني... مدعوم برؤية زمنية أوسع.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صحتك من نومك

في مطلع عام 2026، ظهر مثال لافت يوضّح كيف يمكن لبيانات تبدو «غير طبية» في ظاهرها أن تتحوّل إلى نافذة مبكرة على المرض. ففي يناير (كانون الثاني) الحالي، أعلن فريق بحثي من معهد ستانفورد للطب «Stanford Medicine»، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم «SleepFM»، بقيادة الدكتور إيمانويل مينيو، وبمشاركة الأستاذ جيمس زو. ونُشرت نتائج هذا العمل في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، مطلع العام نفسه.

وتكمن الفكرة، على بساطتها، في تحليل بيانات ليلة نوم واحدة فقط، مثل أنماط التنفّس، ونبض القلب، وإشارات الدماغ، وحركة الجسد، لا لفهم جودة النوم فحسب، بل للتنبؤ بمخاطر صحية مستقبلية قد تمتد لسنوات. ووفق ما أظهرته الدراسة، استطاع النموذج توقّع مخاطر أكثر من 130 حالة صحية مختلفة؛ من بينها أمراض القلب والكلى وبعض الاضطرابات العصبية، بدقة تفوقت على نماذج تقليدية تعتمد على فحوصات طبية متفرقة أو بيانات لحظية.

هنا يتغيّر معنى النوم نفسه، فلم يعد مجرد «استراحة للجسد»، بل تحوّل إلى لغة بيولوجية صامتة، لغة يقرأها الذكاء الاصطناعي بدقة؛ لأن كثيراً من الأمراض لا تبدأ بالألم، بل بتغيّرات فيسيولوجية دقيقة تسبق إحساس المريض بمرضه بوقتٍ طويل.

أين تتألّق هذه النماذج؟

تتجلّى القيمة الحقيقية للنماذج الزمنية للذكاء الاصطناعي في مواجهة الأمراض التي لا تُعلن عن نفسها مبكراً، بل تتقدّم ببطءٍ وصمت، وتراهن على عامل واحد: الزمن.

- السرطان إذ قد يحدّد توقيت التدخّل الفرق بين فرصة النجاة وتراجعها.

- أمراض القلب التي تتقدّم في الخفاء، قبل أن تظهر على هيئة نوبة مفاجئة.

- السكري حيث لا يكون الخطر في لحظة واحدة، بل في تراكم أضرار صغيرة على مدى سنوات.

- الأمراض العصبية التدريجية حيث لا يصبح المرض وحده التحدّي، بل يصبح الزمن نفسه العدوّ الأول.

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نعرف أين يقف المريض اليوم. فالطب الحديث يحتاج إلى أدوات قادرة على رؤية المسار كاملاً: من أين بدأ الخلل، وكيف يتقدّم، وأين يمكن إيقافه، قبل أن يفرض نفسه أمراً واقعاً.

عودة إلى جذور الطب... مع قوة البيانات

المفارقة أن هذا التقدم التقني لا يبتعد بالطب عن جوهره، بل يعيده، بطريقة غير مباشرة، إلى أصوله الفلسفية الأولى. ففي الطب الكلاسيكي، لم يكن المرض حدثاً طارئاً يظهر فجأة، بل هو مسار متصل، ولم يكن العلاج وصفة ثابتة، بل هو قرار حيّ يتغيّر مع تغيّر حال المريض وزمنه.

والذكاء الاصطناعي، في صورته الناضجة، لا يناقض هذا الفهم الإنساني، بل يعيد ترجمته إلى لغة البيانات والمحاكاة الدقيقة؛ فهو لا يكتفي بالتقاط «لقطة» للجسد في لحظة واحدة، بل يسعى إلى فهم «قصة الجسد» عبر الزمن، ويضع أمام الطبيب سيناريوهات مختلفة بشأن كيف يمكن أن تتغيّر النهاية... قبل أن تُكتب. وبهذا المعنى، لا يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، بل يعيد إليه ما سلبه ضغط الزمن: الرؤية الأوسع، والمسافة التأملية، وحرية القرار.

التحدّي الفلسفي والأخلاقي: من يقرّر؟

مع هذا التطوّر المتسارع، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على توقّع المسار الصحي قبل أن يتكشّف، فأين يبقى موقع حرية القرار الإنساني. يحذّر الباحثون بوضوحٍ من الانزلاق إلى وهم الحتمية الرقمية، فهذه النماذج، مهما بلغت دقّتها، يجب ألا تعمل منفردة. التنبؤ ليس قدراً محتوماً، والبيانات، مهما اتّسعت، لا تستطيع اختزال تعقيد الإنسان في معادلة، فالقرار الطبي الحقيقي لا يُبنى على الأرقام وحدها، بل يتشكّل عند تقاطع العلم مع السياق النفسي والاجتماعي والإنساني للمريض، حيث تلعب القيم والظروف والاختيارات الشخصية دوراً لا يمكن تفويضه لخوارزمية. وبهذا المعنى، يظل الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم، يساعد الطبيب على توسيع أفق القرار، لكنه لا يملك، وينبغي ألا يُمنح، حق الاختيار.

خاتمة: بوصلة أم قائد بلا ضمير؟

نقف، اليوم، أمام لحظة فاصلة في تاريخ الطب، فإمّا أن يصبح الذكاء الاصطناعي بوصلة تنير الطريق أمام الطبيب، تساعده على رؤية الصورة الكاملة قبل فوات الأوان، وإمّا في حال غياب الوعي والإشراف، أن يتحوّل إلى قائد بلا ضمير يختزل الإنسان في أرقام. فالطب، في جوهره، ليس مجرد البحث عن الإجابة الصحيحة، بل اتخاذ القرار الحكيم في اللحظة المناسبة. وحين تُستخدم هذه التقنيات بمسؤولية، قد تصبح أعظم أداة أعادت للطبيب ما كاد يفقده تحت ضغط السرعة والبيانات: القدرة على استشراف المستقبل الصحي قبل أن يتحوّل إلى ماضٍ لا يمكن تغييره.


رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
TT

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد فحص الباحثون صور الرنين المغناطيسي لـ26 رائد فضاء قبل وبعد رحلتهم الفضائية.

ووجدت الدراسة أن الدماغ يتحرك «إلى الأعلى والخلف داخل الجمجمة» بعد رحلة الفضاء، مع تسجيل أكبر قدر من هذا التحرك في المناطق الحسية والحركية.

وأفادت الدراسة بوجود «تشوهات معقدة وغير متساوية في شكل بعض مناطق الدماغ، تختلف بين الأجزاء العلوية والسفلية».

وقارن الباحثون أيضاً النتائج بصور الرنين المغناطيسي لـ24 مشاركاً مدنياً على الأرض، خضعوا لتجربة تحاكي انعدام الجاذبية عبر الاستلقاء لفترات طويلة مع إمالة الرأس إلى الأسفل.

ووجد العلماء تغيرات مماثلة في شكل وموضع أدمغة المشاركين المدنيين، لكن التغيرات كانت أكثر وضوحاً لدى رواد الفضاء، خاصة لدى من قضوا فترات أطول في الفضاء.

وأكد فريق الدراسة أن «آثار تشوهات الدماغ المرتبطة برحلات الفضاء على الصحة والأداء البشري تتطلب مزيداً من البحث لتمهيد الطريق لاستكشاف الفضاء بشكل أكثر أماناً»، مضيفاً أنه «على الرغم من أن معظم تشوهات الدماغ تعافت خلال ستة أشهر بعد الرحلة، لكن بعضها استمر».

وصرحت راشيل سيدلر، الأستاذة في قسم علم وظائف الأعضاء التطبيقي وعلم الحركة بجامعة فلوريدا والمشاركة في إعداد الدراسة: «نحن بحاجة إلى فهم هذه التغيرات وآثارها للحفاظ على سلامة رواد الفضاء وصحتهم وضمان طول أعمارهم».

وفي حديثها عن تأثير مدة الإقامة في الفضاء على الدماغ، قالت سيدلر: «أظهر الأشخاص الذين قضوا عاماً كاملاً في الفضاء أكبر قدر من التغيرات. مع ذلك، لوحظت بعض التغيرات لدى الأشخاص الذين قضوا أسبوعين فقط».

وسبق أن ذكرت دراسة أجريت عام 2023 أن الرحلات الفضائية التي تستمر 6 أشهر أو أكثر تؤثر سلباً على أدمغة رواد الفضاء، مشيرة إلى أن أفراد الطاقم قد يحتاجون إلى الانتظار لمدة 3 سنوات على الأقل قبل العودة إلى الفضاء مرة أخرى.

وكشفت الدراسة التي قامت بمسح أدمغة 30 رائد فضاء عن أن بطينات المخ، أو التجاويف داخل الدماغ المليئة بالسائل النخاعي، توسعت بشكل كبير داخل أدمغة رواد الفضاء الذين ذهبوا إلى محطة الفضاء الدولية في مهمات استمرت 6 أشهر على الأقل.


كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟
TT

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

في سعينا لتحديد شخصية المصاب بالاعتلال النفسي أو «السايكوباث» (Psychopath)، يمكننا ملاحظة بعض السلوكيات مبكراً، غالباً خلال الدقائق الأولى من اللقاء، كما كتب جيف هادن(*).

ميول متميزة

ووفقاً لما يطرحه العلم، فإن هؤلاء الأشخاص يميلون إلى إظهار ميول معينة تُميزهم عن غيرهم. ومع أن تشخيص الاعتلال النفسي بشكل قاطع يتطلب تقييماً دقيقاً، فإن هناك عدة علامات قد تُشير إلى أن شخصاً ما قد يكون مريضاً نفسياً، بناءً على أنماط سلوكية.

1. الهوس بالمتعة والمال والسلطة: تُشير الأبحاث إلى أن المختلين عقلياً أكثر ميلاً للحديث عن موضوعات تتعلق بالطعام والجنس والمال، وهي موضوعات تركز على المتعة الجسدية أو الثروة المادية. وهم غالباً ما يتجنبون النقاشات حول الأسرة أو الدين أو القضايا الروحانية، أي تلك المجالات التي ينخرط في الحديث عنها عادةً الأشخاص المتعاطفون. إذا كان شخص ما مهووساً بشكل مفرط بهذه الموضوعات، فقد يكون ذلك مؤشراً تحذيرياً.

النرجسية وغياب التعاطف

2. النرجسية المفرطة: غالباً ما يُظهر المختلون عقلياً شعوراً مبالغاً فيه بقيمتهم الذاتية، فقد يتباهون بأهدافهم الطموحة، لكنهم يعجزون عن تقديم خطط عملية لتحقيقها. وفي حين يركز الأشخاص الناجحون على العمليات الرئيسية للوصول إلى أهدافهم، يميل المرضى النفسيون في المقابل إلى التصرف كأنهم قد حققوا أهدافهم بالفعل، دون أدنى اعتبار للجهد المطلوب لبلوغها.

3. غياب التعاطف غير اللفظي: يُظهر التعاطف عادةً من خلال الإشارات غير اللفظية، مثل تقليد تعبيرات وجه الآخرين أو إيماءاتهم. إلا أن المرضى النفسيين يعجزون عن ذلك. على سبيل المثال، قد لا يُقلدون ابتسامتك عندما تكون سعيداً، أو لا يتجهمون عندما تروي قصة حزينة.

الركض وراء المكافآت

4. التركيز المفرط على المكافأة: يميل دماغ الشخص المريض نفسياً إلى السعي وراء المكافآت بأي ثمن تقريباً، إذ ترتفع لديه استجابة الدوبامين عند المكافآت، ما يدفعه إلى تحقيق أهدافه دون التفكير ملياً في العواقب. وفي حين يسعى الجميع إلى المكافآت، غالباً ما يتجاهل المرضى النفسيون المخاطر والأخطار المصاحبة لسعيهم وراءها. وقد يطغى هوسهم بالمكافأة على إحساسهم بالمسؤولية الأخلاقية، ما يجعلهم متهورين في تصرفاتهم.

5. الازدهار في ظل قيادة سيئة: غالباً ما يزدهر المرضى النفسيون في بيئات سامة وعالية التوتر، كما ويزدهرون تحت قيادة رؤساء صعاب المراس، ومتغطرسين، وذوي مطالب كثيرة، أو يفتقرون إلى النزاهة.

ويتميز المرضى النفسيون بهدوئهم، وشجاعتهم، وقدرتهم على التعامل مع هذه البيئات دون حصول اضطراب عاطفي، مثل الذي يصيب الآخرين. غالباً ما تدفعهم هذه القدرة إلى الأمام في حياتهم المهنية، إذ يبقون بمنأى عن التحديات التي تثبط عزيمة معظم الموظفين.

التعامل بوعي

إذا وجدت نفسك تعمل مع شخص يُشتبه في كونه مختلاً عقلياً فمن المهم التعامل مع الموقف بوعي، إذ يُجيد المرضى النفسيون التلاعب؛ لذا من الضروري التركيز على الأفعال لا الأقوال. ابحث عن سُبل لخلق مواقف مُربحة للطرفين، إذ غالباً ما يكون هؤلاء المرضى أكثر استعداداً للتعاون إذا رأوا مكاسب شخصية.

وبفهم هذه المؤشرات المبكرة والحفاظ على الذكاء العاطفي، يُمكنك التعامل مع المرضى النفسيين بفاعلية أكبر.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».