ماذا بعد قرار «الصحة العالمية» إلغاء «طوارئ كوفيد»؟

خبراء قالوا إنه لا يعني «انتهاء الجائحة»

ماذا بعد قرار «الصحة العالمية» إلغاء «طوارئ كوفيد»؟
TT

ماذا بعد قرار «الصحة العالمية» إلغاء «طوارئ كوفيد»؟

ماذا بعد قرار «الصحة العالمية» إلغاء «طوارئ كوفيد»؟

فيما بدا، وكأنه سير «عكس التيار»، قال مسؤول صيني كبير، بالتزامن مع إعلان منظمة الصحة العالمية، إنهاء حالة الطوارئ بشأن فيروس «كورونا» المستجد، المسبب لمرض «كوفيد-19»، إن «الفيروس لا يزال يمثل خطراً»، وهو التصريح الذي أثار قلقاً، في وقت تنفس فيه العالم الصعداء بعد قرار منظمة الصحة العالمية.

وتم الإعلان عن «كوفيد-19» حالة طوارئ صحية في 30 يناير (كانون الثاني) من عام 2020. ومن الناحية العملية، فقد أجبر هذا القرار الدول على البدء في إبلاغ منظمة الصحة العالمية عن الحالات لإنشاء مراقبة عالمية.

ومنذ إعلان «كوفيد-19» حالة طوارئ صحية، أبلغت الدول منظمة الصحة العالمية عن 7 ملايين حالة وفاة، غير أن تقديرات منظمة الصحة العالمية وغيرها بشأن العدد الحقيقي للوفيات الناجمة عن الوباء أعلى بمرتين إلى ثلاث مرات.

واتخذ المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، قرار إلغاء الطوارئ، بناء على توصية من لجنة الطوارئ الخاصة بالفيروس، خلال اجتماع عقد يوم الخميس، حيث سلطت اللجنة الضوء على الاتجاه المتناقص في الوفيات والاستشفاء، والمستويات العالية لمناعة السكان ضد الفيروس، كأسباب لإنهاء الطوارئ.

ورغم إلغاء حالة الطوارئ، فإن غيبريسوس أكد، خلال مؤتمر صحافي في اليوم التالي، أن «الفيروس لا يزال يمثل تهديداً صحياً عالمياً»، وقال إن «الوضع الجديد لا يعني أن الدول يجب أن تتخلى عن حذرها، ولكن قد حان الوقت للبلدان للانتقال من وضع الطوارئ إلى إدارة (كوفيد-19)، جنباً إلى جنب مع الأمراض المعدية الأخرى».

ما قاله غيبريسوس، لا يختلف كثيراً عما قاله ليانغ وانيان، رئيس لجنة خبراء التعامل مع «كوفيد» التابعة للجنة الصحة الوطنية بالصين في تصريحات صحافية، حيث أكد أن «إنهاء حالة الطوارئ لا يعني أن (كوفيد) سيختفي، لكن يمكن الآن السيطرة على تأثيره بشكل فعال»، مضيفاً أن «الصين ستواصل مراقبة تحورات الفيروس وتعزيز اللقاحات بين أكثر المجموعات عرضة للخطر والتطلع إلى تحسين قدرات العلاج من المرض».

ويقول خالد شحاتة، أستاذ الفيروسات بجامعة أسيوط (جنوب مصر)، لـ«الشرق الأوسط»، إن تفسير غيبريسوس لقرار المنظمة وتعليق المسؤول الصيني يكشفان عن أن العالم حالياً في مرحلة (التعايش مع الفيروس)».

ويضيف أنه «من غير الواضح ما إذا كان هذا القرار سيؤدي إلى تأثير عملي كبير، بالنظر إلى أن الكثير من البلدان قد خففت بالفعل من إجراءاتها لمكافحة الفيروس، وتم فقدان الاهتمام السياسي بالوباء قبل وقت طويل من هذا القرار».

وأسقطت الكثير من الدول، بما في ذلك بريطانيا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة، منذ فترة طويلة الكثير من قيود عصر الوباء، وتنهي الولايات المتحدة حالة الطوارئ الصحية الوطنية يوم الخميس المقبل.

ويحذر شحاتة من إساءة تفسير قرار المنظمة بالنسبة للأشخاص العاديين، ما يؤدي إلى إسقاط جميع وسائل الحماية ضد فيروس «كورونا». ويقول إنه «بالنسبة للشخص العادي، فإن القرار لا يعني شيئاً، فتصنيف التهديد الصحي على أنه حالة طوارئ عالمية، يكون فقط موجهاً للسلطات السياسية في حالة وجود حدث (استثنائي)، يمكن أن يشكل تهديداً صحياً للبلدان الأخرى ويتطلب استجابة منسقة لاحتوائه».

ويضيف أنه «يجب أن تظل الرسالة الموجهة للجمهور هي أن (كوفيد) قد يتسبب في وفاتك مثل الإنفلونزا، إذا كنت كبيراً في السن ومناعتك ضعيفة ولم تحصل على الجرعات المناسبة من اللقاحات، ويجب أن تفكر في الآخرين، فإذا كنت مريضاً بعدوى في الجهاز التنفسي، مثل السعال، فلا تعرض الآخرين للخطر، لا سيما أولئك الضعفاء من كبار السن».

ويؤيد محمد سمير، أستاذ الأمراض المشتركة بجامعة الزقازيق (شمال شرق القاهرة) ما ذهب إليه شحاتة، ويقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «(كوفيد-19) سيستمر في الانتشار لفترة طويلة جداً، لكن كل ما حدث، هو أنه يفعل ذلك بمستوى أقل بكثير مما سبق في بدايات الجائحة».

ويضيف أن «النصيحة ستظل الحصول على التطعيم، بما في ذلك الحصول على جرعات معززة لمن تنطبق عليهم الشروط، وإذا كانت الكثير من التدابير التي شوهدت في ذروة الوباء، بما في ذلك الأقنعة والتباعد الاجتماعي، ليست مطلوبة الآن إلا في أماكن معينة، مثل المستشفيات أو دور رعاية المسنين، فإن الأشخاص الذين يعانون من حالات صحية أخرى أو أجهزة المناعة الضعيفة، قد لا يزالون بحاجة إلى الاستمرار في تلك الاحتياطات».

وكان رئيس الطوارئ في منظمة الصحة العالمية، مايكل رايان، قد شدد على هذا المعنى، وقال في تصريحات صحافية، الجمعة، إن «فيروس كورونا لا يزال يمثل تهديداً للصحة العامة، وإن تطوره المستمر قد يسبب مشكلات في المستقبل». وأضاف أن «الأمر استغرق عقوداً، حتى اختفى فيروس جائحة عام 1918»، في إشارة إلى الإنفلونزا الإسبانية التي يُعتقد أنها قتلت 40 مليون شخص على الأقل، وتابع أن «الأوبئة تنتهي حقاً فقط عندما يبدأ الوباء التالي».


مقالات ذات صلة

دراسة: العمل من المنزل يرتبط بتحسن الصحة النفسية للموظفين

صحتك اكتسب العمل عن بُعد زخماً منذ جائحة «كورونا» (أرشيفية-رويترز)

دراسة: العمل من المنزل يرتبط بتحسن الصحة النفسية للموظفين

أشارت دراسة جمعت إجابات من عاملين عن بُعد إلى أن العمل من المنزل يرتبط بتحسن الصحة النفسية، بل وقد يرتبط ببقاء الموظفين مع جهة عملهم لفترة أطول.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك ممرض يحضِّر جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كوفيد-19» (رويترز)

سحب دراسة مثيرة للجدل حول الوفيات الزائدة خلال جائحة «كوفيد-19»

سُحبت دراسة مثيرة للجدل كانت تحلل الوفيات الزائدة خلال جائحة «كوفيد-19»، وكانت قد قوبلت بانتقادات واسعة النطاق؛ كونها عززت الشكوك بشأن اللقاحات.

«الشرق الأوسط» (باريس)
صحتك سيدة مصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (رويترز)

«كوفيد طويل الأمد» قد يؤثر في إنتاج الدوبامين بالدماغ

أظهرت دراسة جديدة أن مرضى «كوفيد - 19» ذوي الأعراض طويلة الأمد يعانون نقصاً بنسبة 18 في المائة في النهايات العصبية الدوبامينية.

«الشرق الأوسط» (أوتاوا)
يوميات الشرق تشير نتائج الدراسة إلى أن تأثير العمل عن بُعد قد يختلف باختلاف الأشخاص وظروفهم (بيكسلز)

بعد سنوات من انتشاره... دراسة جديدة تكشف الوجه الآخر للعمل عن بُعد

دراسة أميركية حديثة كشفت أن العمل عن بُعد قد يحمل آثاراً غير متوقعة على الصحة النفسية مع مرور الوقت

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
أوروبا علما المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أمام برج «بيغ بن» في لندن 9 سبتمبر 2017 (رويترز)

10 أعوام على «بريكست»... بين وعود استعادة السيادة وتكلفة الانفصال

بعد عقد على «بريكست»، تتباين التقييمات بين استعادة بريطانيا جزءاً من سيادتها، وتزايدت الأدلة على أن تكلفة الانفصال الاقتصادية والسياسية تجاوزت مكاسبه حتى الآن.

شادي عبد الساتر (بيروت)

هل تصبح السعودية مركزاً عالمياً لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي؟

الرياض تستعد لمنتدى عالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي
الرياض تستعد لمنتدى عالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي
TT

هل تصبح السعودية مركزاً عالمياً لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي؟

الرياض تستعد لمنتدى عالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي
الرياض تستعد لمنتدى عالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي

لسنوات، كان سباق الذكاء الاصطناعي العالمي يُقاس بحجم النماذج وقوة الحوسبة وكميات البيانات والقدرة على تطوير أنظمة أكثر كفاءة. لكن مع انتقال هذه التقنيات من المختبرات إلى المستشفيات والمدارس والمؤسسات الحكومية، ظهر سؤال أكثر تعقيداً: كيف نضمن أن تعمل هذه القوة بصورة آمنة ومسؤولة؟

من هنا، تكتسب موافقة مجلس الوزراء السعودي على النظام الأساس لـ«المركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي» في الرياض أهمية تتجاوز إنشاء مؤسسة بحثية جديدة. ويعمل المركز تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو)، بصفته مركزاً من الفئة الثانية، مع دور يمتد إلى البحث وبناء القدرات وتعزيز التعاون، ولا سيما في المنطقة العربية.

لكن أهمية الخطوة تكمن أيضاً في توقيتها؛ فالعالم ينتقل تدريجياً من السؤال عما تستطيع الخوارزميات فعله إلى السؤال عن الحدود التي ينبغي أن تحكم استخدامها.

حين تصبح أخلاقيات الذكاء الاصطناعي قابلة للقياس

من المبادئ إلى التطبيق

> أخلاقيات قابلة للقياس. في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، تبنت الدول الأعضاء في «يونيسكو» أول إطار معياري عالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، واضعةً حقوق الإنسان والكرامة البشرية في قلب العلاقة بين الإنسان والخوارزمية.

لكن التحدي العلمي بدأ بعد ذلك: كيف يمكن تحويل مبدأ أخلاقي إلى شيء يمكن قياسه واختباره؟

فالقول إن نظاماً ما منصف لا يكفي علمياً؛ إذ تجب مقارنة أدائه بين مجموعات مختلفة، وقياس معدلات الخطأ والنتائج الإيجابية والسلبية الكاذبة، والتحقق من تأثير العمر أو الجنس أو الخلفية السكانية في نتائجه. ولهذا؛ طورت «يونيسكو» عام 2023 «منهجية تقييم الجاهزية» (RAM)، التي تضم 195 سؤالاً تغطي خمسة أبعاد: القانون والتنظيم، والمجتمع والثقافة، والعلوم والتعليم، والاقتصاد، والبنية التقنية، والتحتية. وطُبقت المنهجية في أكثر من 75 دولة.

وتكشف النتائج عن حجم الفجوة بين المبدأ والتطبيق. فقد بلغت تغطية الأسئلة المتعلقة بترتيبات الحوكمة نحو 71 في المائة، لكنها انخفضت إلى 48 في المائة في البعد التقني والبنية التحتية، و41 في المائة في الجانب القانوني والتنظيمي. وفي المقابل، حددت 96 في المائة من الدول المشمولة وزارات أو جهات مسؤولة. وهكذا لم يعد السؤال: ما القيم التي نريدها؟ بل كيف نعرف أن الأنظمة تلتزم بها فعلاً؟

منصة عالمية لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي

> الاختبار الأصعب... في المستشفى. وتصبح الإجابة أكثر إلحاحاً داخل المستشفى، حيث يمكن أن تتحول النتيجة الخاطئة من رقم في دراسة إلى قرار يمس حياة مريض. فقد يحقق نموذج لقراءة الأشعة أداءً مرتفعاً إجمالاً، لكنه يفشل بصورة أكبر لدى فئة سكانية لم تكن ممثلة بما يكفي في بيانات التدريب. كما أن تغيير عتبة الإنذار في نظام للتنبؤ السريري قد يزيد قدرته على اكتشاف الحالات، لكنه قد يرفع أيضاً عدد الإنذارات الكاذبة وما يتبعها من فحوص أو تدخلات غير ضرورية.

وتزداد الحساسية مع النماذج التوليدية؛ فالجواب قد يبدو مقنعاً لغوياً حتى عندما تكون المعلومة الطبية غير دقيقة.

وتظهر المعضلة عندما يختلف الطبيب والنظام. فإذا صنّف برنامج للأشعة آفةً بأنها منخفضة الخطورة، في حين يرى الاختصاصي ما يستدعي مزيداً من الفحص، فلا ينبغي أن يتحول التفوق الحسابي سلطةً تلغي الحكم السريري.

لهذا؛ يجب ألا ينتهي تقييم التقنيات الطبية عند إدخالها إلى المستشفى؛ فقد يتغير أداؤها باختلاف السكان والأجهزة وأنماط المرض. وهنا يصبح السؤال: متى نثق بالنتيجة، ومتى نراجعها، ومتى نتوقف عن استخدام النظام؟

من مواكبة الثورة إلى المشاركة في صياغة مستقبلها

سبتمبر... اختبار للدور الجديد

> لماذا الرياض؟ يأتي اختيار الرياض في بيئة تشهد توسعاً سريعاً في البنية الوطنية للبيانات والتقنيات الذكية ضمن التحول الرقمي الذي تقوده «رؤية السعودية 2030».

فالمملكة طورت استراتيجيتها الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي، واستثمرت في مراكز البيانات والحوسبة السحابية والبنية التحتية الرقمية، بالتوازي مع تطوير نماذج عربية مثل «علّام» (ALLaM).

ويمنح تركيز المركز على منطقة الدول العربية مهمته بعداً إضافياً؛ فالأنظمة الذكية لا تعمل في فراغ. واللغة والبيانات والتركيبة السكانية والبيئة الصحية والتعليمية كلها متغيرات يمكن أن تؤثر في النتائج.

فنموذج دُرّب أساساً على بيانات من مجتمعات أخرى قد لا يلتقط الخصائص العربية اللغوية أو السكانية أو السريرية بالدقة نفسها. ولذلك؛ فإن نقل التقنية من بيئة إلى أخرى لا يعني انتقال صلاحيتها تلقائياً معها.

> منتدى عالمي. وسيأتي اختبار مبكر لهذا الدور عندما تستضيف الرياض، من 14 إلى 17 سبتمبر (أيلول) 2026، النسخة الرابعة من «منتدى يونيسكو العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي»، بالشراكة بين «يونيسكو» والمملكة ممثلة في الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) والمركز الدولي. وبعد خمس سنوات من اعتماد توصية 2021، يمكن للنقاش أن ينتقل من صياغة المبادئ إلى مقارنة ما حدث عند تطبيقها في عشرات الدول: ما الذي نجح؟ وأين ظهرت الفجوات؟ وما الذي يمكن نقله بين المجتمعات؟

«المركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي» يفتح مرحلة جديدة

وبالنسبة إلى المنطقة، تبرز أسئلة أكثر تحديداً: كيف تُختبر النماذج التي تتعامل مع العربية ولهجاتها؟ وهل تمثل مجموعات البيانات سكان المنطقة بما يكفي؟ وكيف تُقيّم الأنظمة الطبية أو التعليمية المطورة في الخارج قبل استخدامها محلياً؟

هنا، قد تكمن القيمة الأبعد للمركز: أن تصبح الرياض منصة لإنتاج بيانات مقارنة وأدوات للاختبار وبناء شبكات بحثية تربط الخبرة العربية بالمعرفة الدولية.

فالاختبار الحقيقي لن يكون في عدد المؤتمرات أو الوثائق التي تصدر، بل في المعرفة التي يمكن تحويلها ممارسةً.

وعندها قد يتغير السؤال من: هل يستطيع العالم العربي مواكبة ثورة الذكاء الاصطناعي؟

إلى سؤال أكثر طموحاً: هل يستطيع أن يشارك في كتابة قواعدها؟


«مفاتيح وراثية رئيسية» تقود نمو السرطان

«مفاتيح وراثية رئيسية» تقود نمو السرطان
TT

«مفاتيح وراثية رئيسية» تقود نمو السرطان

«مفاتيح وراثية رئيسية» تقود نمو السرطان

لطالما ركزت أبحاث السرطان على الجينات نفسها بصفتها المحرك الرئيس لنشوء الأورام، إلا أن العلماء يدركون اليوم أن تشغيل هذه الجينات أو إيقافها لا يقل أهمية عن الجينات ذاتها. ويقود هذا الدور في التشغيل أجزاء صغيرة من الحمض النووي تُعرف باسم «المعززات الوراثية»، وهي بمثابة «مفاتيح تشغيل» تتحكم في توقيت نشاط الجينات وشدة تعبيرها.

وقد كشفت دراسة جديدة عن أن هذه المفاتيح لا تعمل بصورة منفردة كما كان يُعتقد، بل تتعاون ضمن شبكات ثلاثية الأبعاد معقدة تتصدرها مجموعة محدودة من «المفاتيح الرئيسية» master switches التي تنسق عمل عشرات المفاتيح الأخرى. ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Genome Biology في 23 يوليو (تموز) 2026. وهي توفر فهماً أعمق للكيفية التي ينشأ بها سرطان البروستاتا، كما قد تمهد الطريق لتطوير جيل جديد من العلاجات الجينية الموجهة.

وقال الدكتور سوهن كيونغ ري، أستاذ بيولوجيا السرطان المساعد في كلية كيك للطب بجامعة جنوب كاليفورنيا والباحث الرئيس في الدراسة: أظهرنا للمرة الأولى أن المعززات الوراثية Enhancers تعمل وفق نظام هرمي، فبعضها يؤدي دور المفاتيح الرئيسية التي تنظم نشاط كثير من المعززات والجينات الأخرى، في حين يقتصر دور بعضها الآخر على دعم هذا النشاط.

معززات وراثية

• ما وراء الحمض النووي المهمل. وتعزز هذه النتائج أيضاً الفهم المتزايد لأهمية الحمض النووي غير المشفر الذي يشكل نحو 99 في المائة من الجينوم البشري. فبعد أن كان يُوصف لعقود بأنه «حمض نووي مهمل» أصبح من الواضح أنه يؤدي دوراً محورياً في تنظيم نشاط الجينات.

وتقع المعززات الوراثية ضمن هذه المناطق غير المشفرة؛ فهي لا تنتج بروتينات بنفسها وإنما تعمل كمفاتيح تتحكم في تشغيل الجينات المجاورة أو إيقافها تماماً، كما يتحكم مفتاح كهربائي في تشغيل دائرة كاملة.

ويرى الباحثون أن أي خلل في عمل هذه المفاتيح قد يؤدي إلى تنشيط الجينات المحفزة للسرطان، وبالتالي دفع الخلايا إلى النمو والانقسام بصورة غير طبيعية.

• رسم خريطة ثلاثية الأبعاد لشبكات السرطان. ولفهم كيفية عمل هذه المعززات حلل الباحثون 201 مجموعة من البيانات الجينية المستخلصة من أنسجة بروستاتا سليمة وأخرى مصابة بالسرطان. وتمكنوا من تحديد 3216 معززاً وراثياً ينشط بصورة خاصة في خلايا سرطان البروستاتا.

وباستخدام تقنية متطورة لرسم البنية ثلاثية الأبعاد للحمض النووي بدقة عالية؛ اكتشف الفريق أن هذه المعززات لا تعمل بشكل منفصل، بل ترتبط ببعضها في شبكة ثلاثية الأبعاد معقدة لا توجد في الخلايا الطبيعية.

وتتيح هذه الشبكة للمعززات التعاون فيما بينها؛ ما يعزز نشاطها الجماعي ويؤدي إلى تشغيل عدد كبير من الجينات المسؤولة عن نمو الورم.

• مفاتيح تتحكم بالشبكة بأكملها. ولمعرفة أهمية كل معزز؛ استخدم الباحثون تقنية التحرير الجيني كريسبر CRISPR لحذف المعززات واحداً تلو الآخر ثم راقبوا تأثير ذلك في نشاط الجينات ونمو الخلايا السرطانية.

وأظهرت النتائج أن المعززات ليست جميعها متساوية في الأهمية. فحذف بعض المعززات لم يترك أثراً يُذكر، في حين أدى حذف عدد محدود من «المعززات المركزية» central enhancers إلى انهيار الشبكة بأكملها وانخفاض نشاط معززات أخرى وإيقاف تشغيل كثير من الجينات المحفزة للسرطان، فضلاً عن إبطاء نمو الخلايا السرطانية بشكل ملحوظ.

وتشير هذه النتائج إلى أن تلك المعززات تعمل كمراكز تحكم رئيسية تنسق نشاط شبكة واسعة من المفاتيح الوراثية.

«المعززات الوراثية» تعمل كمفاتيح تشغيل تتحكم في توقيت نشاط الجينات وشدته

هدف جديد لعلاج السرطان

ويرى الباحثون أن هذا الاكتشاف قد يغير طريقة تطوير علاجات السرطان مستقبلاً. فبدلاً من استهداف جين واحد في كل مرة قد يصبح بالإمكان تعديل هذه «المفاتيح الرئيسية» للتحكم في نشاط عشرات الجينات المرتبطة بالسرطان في آن واحد.

ومع ذلك، يؤكد العلماء أن الطريق لا يزال طويلاً قبل تحويل هذه الفكرة علاجاً سريرياً؛ إذ ينبغي أولاً التأكد من أن استهداف المعززات الصحيحة لن يؤدي إلى تأثيرات جانبية غير مرغوبة؛ نظراً إلى دورها الواسع في تنظيم وظائف الخلية.

ويعتقد الباحثون أن المبادئ التي كشفت عنها الدراسة لا تقتصر على سرطان البروستاتا، بل قد تنطبق على أنواع عدّة من السرطان وأمراض أخرى.

ويعمل الفريق حالياً على دراسة دور شبكات المعززات الوراثية في سرطان الثدي، إضافة إلى بحث علاقتها بمقاومة الأورام للعلاجات الحالية.

وتكتسب هذه النتائج أهمية إضافية في ظل النجاح الذي حققه أول علاج معتمد يعتمد على تحرير الجينات وهو دواء Casgevy الذي يستهدف أحد المعززات الوراثية لعلاج فقر الدم المنجلي والثلاسيميا المعتمدة على نقل الدم؛ ما يؤكد أن استهداف هذه المفاتيح الجينية يمكن أن يتحول استراتيجيةً علاجية فعالة.

ورغم أن الدراسة لا تزال في إطار الأبحاث الأساسية، فإنها تقدم واحدة من أوضح الصور حتى الآن عن الكيفية التي تُدار بها شبكة التحكم الوراثية داخل الخلايا. كما تفتح الباب أمام جيل جديد من العلاجات الدقيقة التي قد تستهدف البنية التنظيمية للجينوم بدلاً من التركيز على الجينات منفردة في خطوة قد تغير مستقبل علاج السرطان.


ليزرات لإعادة شحن الطائرات المسيَّرة

ليزرات لإعادة شحن الطائرات المسيَّرة
TT

ليزرات لإعادة شحن الطائرات المسيَّرة

ليزرات لإعادة شحن الطائرات المسيَّرة

قد تشكل محدودية عمر البطارية عائقاً أمام الاستفادة الكاملة من الطائرات المسيّرة في حالات الاستجابة للكوارث، وفحص البنية التحتية، أو توصيل الإمدادات. وفي هذا السياق، نجح باحثون في الصين في تطوير نظام جديد يتيح نقل الطاقة إلى الطائرة المسيَّرة أثناء تحليقها باستخدام أشعة الليزر. وأكد الباحثون أن هذا الابتكار قد يُسهم في إطالة زمن الطيران بشكل كبير.

مستقبِلات أشعة الليزر

ومن المعلوم أن الكثير من الطائرات المسيَّرة تعتمد حالياً على بطاريات، لا تسمح لها بالبقاء محلقة لأكثر من ساعة في كثير من الحالات، قبل أن تضطر إلى الهبوط لإعادة التزود بالوقود أو الاستعانة ببطارية جديدة. ويفرض ذلك قيوداً صارمة على تنفيذ مهام طويلة، مثل توصيل الطرود لمسافات بعيدة، أو مسح مناطق واسعة، أو تنفيذ عمليات البحث والإنقاذ.

وفي محاولة لتجاوز هذه العقبة، قدّم فريق بحثي من جامعة الطيران المدني الصينية، بمدينة تيانجين، وجامعة تسينغهوا في بكين، مقترحاً لبناء نظام ينقل الطاقة إلى الطائرة في أثناء تحليقها عبر أشعة الليزر. وصمّم الفريق مستقبلاً مبتكراً يعتمد على «البيروفسكايت»، وهي فئة من المواد تُستخدم عادة في الألواح الشمسية. ويتميّز جهاز الاستقبال هذا، البالغة مساحته سنتيمترين مربعين، بخفة وزنه بما يسمح بتركيبه أسفل جناح الطائرة، فضلاً عن كفاءته التي تمكّنه من تشغيل مروحة.

وكتب المؤلف الرئيس للدراسة جيان هوا هان، الأستاذ المشارك في جامعة الطيران المدني الصينية، في رسالة بريد إلكتروني مع مجلة «سبيكتروم» الأميركية: «يشكل نقص سعة البطارية عائقاً عملياً بالغ الخطورة أمام عمليات الطائرات المسيّرة طويلة المدى. وفي ظل هذا النظام الجديد، تُصدر أجهزة الإرسال الأرضية أو المحمولة جواً، أشعة ليزر لتزويد الطائرات المسيَّرة بالطاقة بشكل مستمر في أثناء تحليقها».

إن فكرة نقل الطاقة عبر أشعة الليزر ليست بالأمر الجديد. ويكمن التحدي الأكبر هنا في أنّ تعريض جهاز الاستقبال لكثافة عالية من الضوء، يؤدي إلى ارتفاع سريع في حرارته، مما يقلل من كفاءة التحويل بشدة، وقد يتسبب في تلفه نهاية الأمر. وعليه، سعى الباحثون إلى صياغة مستقبل قادر على تحمّل التشغيل لفترات طويلة، دون فقدان الكفاءة.

واعتمد الفريق البحثي على مركّب «بروميد الرصاص السيزيومي» من عائلة البيروفسكايت، لما يتمتع به من استقرار عالٍ، يجعله مناسباً للعمل في درجات حرارة مرتفعة، وفي ظل تعرّض مستمر للإشعاع. كما أنّ مواد البيروفسكايت عموماً أقل تكلفة وأسهل تصنيعاً، مقارنة بمواد كهروضوئية أخرى، إضافة إلى قدرتها العالية على امتصاص الضوء.

ويتكوّن التصميم من طبقة البيروفسكايت فوق قطب كربوني، يعمل على جمع التيار الكهربائي الناتج، بينما توضع أسفلها طبقة حرارية كهربائية تستفيد من الحرارة المهدرة، الناتجة عن تسليط الليزر لتوليد طاقة إضافية. وقد نُشرت تفاصيل هذا الابتكار في دراسة علمية أواخر يوليو (تموز) بدورية Matter & Light («المادة والضوء»).

غير أنّ القطب الكربوني يمتاز كذلك بقدرته العالية على تحويل الفوتونات الواردة إلى حرارة، مما يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة المستقبل بسرعة، لتصل إلى نحو 85 درجة مئوية. وهذا الأمر ينعكس سلباً على كفاءته. ولمعالجة هذه المشكلة، أضاف الباحثون قضباناً نانوية دقيقة من «سيلينيد الأنتيمون» إلى القطب الكربوني، يتراوح قطرها بين 50 و80 نانومتراً تقريباً، لحماية طبقة البيروفسكايت. وتمتاز هذه الجسيمات بانخفاض قدرتها على توصيل الحرارية، مما يجعلها تعمل بمثابة حاجز يقلل انتقال الحرارة، وفي الوقت نفسه تُحسّن من تدفّق التيار الكهربائي من طبقة البيروفسكايت إلى القطب.

اختبار «أرضي» ناجح

ولاختبار جهاز الاستقبال، أطلق الفريق شعاع ليزر أخضر بقدرة 5 واط على المنطقة النشطة في المستقبل، البالغ مساحتها 12 مليمتراً مربعاً، مع نفخ الهواء فوق سطحه لمحاكاة تدفق الهواء في أثناء التحليق، الأمر الذي يعزز كفاءة الطبقة الكهروحرارية. وأفاد الباحثون بكفاءة تحويل طاقة تقارب 39 في المائة، ما يكفي لتشغيل مروحة قطرها 6.7 سنتيمتر بسرعة 7820 دورة في الدقيقة.

وسعياً نحو مزيد من التطوير، حاول الفريق دمج جهاز الاستقبال في نموذج ثابت لطائرة مسيَّرة ذات جناح ثابت. ولتعزيز كفاءته، أنشأوا قنوات هوائية في جناح الطائرة لتوجيه الهواء فوق الطبقة الكهروحرارية، مما يُسهم في تبريدها. وعندما سلطوا شعاع الليزر الأخضر على جهاز الاستقبال، ولّد طاقة كافية لتشغيل مروحة مثبتة على الجناح بسرعة تتراوح بين 1200 و1450 دورة في الدقيقة لمدة نحو دقيقة.

ولم يختبر الباحثون الجهاز على طائرة مسيَّرة. وأقر هان بأنّ الاعتماد فقط على نتائج المحاكاة الأرضية يُعدّ أحد قيود الدراسة. وقال: «قد يتساءل الباحثون عمّا إذا كان بالإمكان الحفاظ على الأداء المختبري المتميز في الظروف الخارجية، بما في ذلك هبوب الرياح الطبيعية، وتغيّر درجات الحرارة، وتداخل ضوء الشمس، والاهتزازات والتذبذبات الطبيعية للطائرات المسيّرة».

وأقر هان كذلك بأنّ استهداف مركبة متحركة بشعاع ليزر عالي الطاقة بشكل آمن وفعَّال سينطوي على تحدٍ هندسي معقد، موضحاً أنه: «تُمثّل سلامة الليزر الشاغل الأبرز، ويقصد به كيفية منع أشعة الليزر من التداخل مع الطائرات الأخرى وتعريض حياة الكائنات الحية الأرضية للخطر».

ويركّز فريقه في الوقت الحاضر بشكل أساسي على تطوير جهاز الاستقبال. إلا أنه أشار إلى أن مجموعات أخرى تعمل على تقنيات استهداف الشعاع، بالإضافة إلى طرق لتفعيل إيقاف الليزر في غضون أجزاء من الثانية في حال عبور أي شيء مسار شعاع الليزر، عن غير قصد. كما يواصل فريقه العمل على المرحلة التالية من المشروع التي ستتضمن اختبارات طيران على طائرة مسيَّرة خفيفة الوزن. وقال: «هدفنا الواضح تحقيق طيران المسيرة باستخدام الليزر، إذ إنه حتى التحليق لفترة قصيرة يمثل نقلة نوعية من مرحلة اختبارات إثبات المفهوم إلى التحقق الفعلي من الطيران».