هل يمكن للعقل أن يسيطر على الألم؟

«بيوفيدباك» يتحدى «الشقيقة»... والذكاء الاصطناعي يعزز العلاج

هل يمكن للعقل أن يسيطر على الألم؟
TT

هل يمكن للعقل أن يسيطر على الألم؟

هل يمكن للعقل أن يسيطر على الألم؟

هل يمكن أن يتحول العقل من متلقٍ للألم إلى متحكم فيه؟ في زمنٍ باتت فيه آلام الرأس تفوق قدرة المسكنات على المواجهة، تبرز تقنية فريدة لا تعوّل على العقاقير أو الجراحة، بل على وعي الإنسان بجسده، وعلى قدرته على إعادة ضبط أجهزته الداخلية... إنها تقنية البيوفيدباك (Biofeedback)، أو ما يُعرف بـ«التغذية الراجعة الحيوية».

إن هذا المنطلق العلاجي، الذي يمزج بين الجسد والعقل، بات يُثير اهتماماً عالمياً متزايداً، خصوصاً في علاج الشقيقة (الصداع النصفي)، التي تُعد من أكثر أنواع الصداع إعاقة، وتؤثر على ملايين البشر حول العالم، بينهم ملايين في العالم العربي.

ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى هذا الحقل، لم يعد «البيوفيدباك» مجرد تدريب ذهني، بل أصبح منظومة ذكية، تستشعر التغيرات البيولوجية في الجسم، وتُديرها قبل أن تتحول إلى ألم.

«علاجات سلوكية جسدية» للصداع النصفي

في دراسة مراجعة حديثة نُشرت في مارس (آذار) 2025 في مجلة العلاجات التكميلية في الطب «Complementary Therapies in Medicine»، قادها الباحثان براياش باوديل وأسوتوش ساه من جامعة تريبهوفان للعلوم الطبية في نيبال، جرى تحليل نتائج تسع تجارب سريرية امتدت من عام 2000 حتى 2024، وشملت 558 مريضاً بالغاً يعانون من الشقيقة.

وحملت نتائج الدراسة رسائل مهمة للباحثين... وللمرضى أيضاً: قد لا يكون الحل دائماً في الصيدلية، بل في داخلنا.

* ما هو البيوفيدباك؟ البيوفيدباك تقنية علاجية غير دوائية تنتمي إلى ما يُعرف بـ«العلاجات السلوكية الجسدية»، وتقوم على مبدأ بسيط لكنه عميق: حين يعرف الإنسان ما يجري داخل جسده بدقة، يصبح قادراً على التأثير فيه والتحكم به.

في الظروف العادية، تحدث في الجسم مئات العمليات الحيوية دون أن نلاحظها، مثل تسارع نبض القلب عند التوتر، توتر العضلات في حالات القلق، أو تغيّر حرارة اليدين نتيجة الغضب أو الخوف. وهذه العمليات تُدار لا إرادياً عبر الجهاز العصبي الذاتي.

وهنا يأتي دور البيوفيدباك: تدريب المريض على أن يُصبح على وعي بهذه التغيرات، ومن ثم تعلّم كيفية تعديلها بإرادته.

* نظم استشعار. ويتم ذلك من خلال توصيل المريض بجهاز يحتوي على مستشعرات دقيقة تقيس مؤشرات مثل:

- نشاط العضلات الكهربائية (EMG)

- معدل نبض القلب (HR)

- وتيرة التنفس (Respiratory rate)

- حرارة الجلد أو تدفق الدم في الأطراف (Thermal biofeedback)

- موجات الدماغ (Neurofeedback أو EEG biofeedback)

تُعرض هذه المؤشرات على شاشة أمام المريض بشكل لحظي على هيئة رسوم بيانية أو إشارات سمعية أو مرئية، فيبدأ الشخص بملاحظة كيف يؤثر توتره أو تنفسه أو أفكاره على جسده فوراً.

ثم، وبمساعدة المعالج، يتعلّم تقنيات التنفس العميق، الاسترخاء التدريجي، التصور العقلي، أو التركيز الذهني (Mindfulness) لضبط تلك المؤشرات، مما يُساعد على تهدئة الجهاز العصبي وتقليل التوتر الفيزيولوجي.

بديل فعّال

* في حالة الشقيقة (الصداع النصفي)، يلعب التوتر العضلي وتغير تدفق الدم دوراً كبيراً في تحفيز النوبات. ويساعد البيوفيدباك المريض على:

- تقليل التوتر العضلي في الرقبة والجبين والكتفين

- تنظيم تدفق الدم إلى الرأس

- خفض معدل نبض القلب عند بداية التوتر

- السيطرة على ردود الفعل الجسدية المبكرة التي تسبق النوبة

ومع تكرار التدريب، يصبح المريض قادراً على استخدام هذه المهارات بشكل تلقائي، دون الحاجة لجهاز، وهو ما يُعرف بـ«الاستقلال العلاجي». والجانب الجميل في البيوفيدباك أنه لا يُعالج العرض فقط، بل يُعيد تعليم الجسم كيف يستجيب للضغوط، ويُعيد للمريض شعوره بالسيطرة، وهي نقطة غائبة في كثير من العلاجات الدوائية التقليدية.

* نتائج واعدة. كشفت الدراسة التحليلية، التي شملت 558 مريضاً يعانون من الشقيقة، عن نتائج واعدة تجعل من البيوفيدباك خياراً جاداً في مسار العلاج. أبرز هذه النتائج كان الانخفاض الملحوظ في عدد نوبات الصداع التي يعاني منها المريض شهرياً، مقارنةً بمن لم يتلقوا أي علاج.

وهذا التحسن الإحصائي - وإن وُصف بأنه بسيط سريرياً - يحمل أهمية كبيرة على مستوى راحة المريض اليومية، لا سيما مع الأمراض المزمنة التي لا تختفي فجأة، بل تُدار على المدى الطويل.

كما أظهرت الدراسة أن البيوفيدباك ساهم في خفض شدة الألم بنسبة تصل إلى 27 في المائة، وهو تحسن له أثر مباشر على جودة حياة المرضى، من القدرة على العمل إلى النوم والتفاعل الاجتماعي. والأهم من ذلك، أن المرضى لم يبلغوا عن آثار جانبية تُذكر، مما يجعل البيوفيدباك خياراً آمناً لمن لا يحتملون الأدوية أو يعانون من مضاعفاتها.

ومن النقاط اللافتة أيضاً، أن فعالية البيوفيدباك كانت قريبة جداً من فعالية «البروبرانولول»، وهو أحد أشهر الأدوية المستخدمة للوقاية من نوبات الشقيقة، كما قاربت نتائجه تلك التي تُسجل عادةً مع العلاج السلوكي المعرفي، وهو خيار نفسي يتطلب إشرافاً متخصصاً ومتابعة طويلة.

أما المفاجأة الإيجابية، فكانت في النتائج المركّبة: إذ وعند دمج البيوفيدباك مع العلاج الدوائي، لوحظ تحسن ملحوظ في مؤشرات القلق والاكتئاب، وكذلك نوعية النوم، وهي عوامل مرتبطة بشكل وثيق بنوبات الشقيقة. هذا يعزز فكرة أن الدمج بين التقنية السلوكية والدعم الدوائي قد يُقدّم حلاً متكاملاً وفعّالاً على المدى الطويل.

الذكاء الاصطناعي: من التحليل إلى التخصيص

لم يعد البيوفيدباك في العقد الأخير مجرد تقنية تعتمد على جلسات يدوية في عيادات متخصصة، بل دخل عصراً جديداً مدفوعاً بثورة الذكاء الاصطناعي، الذي أضاف بُعداً غير مسبوق من التفاعلية والدقة والمرونة. لقد تحوّلت التقنية من مجرد وسيلة لمراقبة المؤشرات الحيوية إلى أداة ذكية قادرة على تحليل هذه المؤشرات، وتقديم استجابات علاجية مخصصة بشكل لحظي.

* أبرز التطورات، وتشمل:

- التحليل الفوري لإشارات الجسد: أصبحت الخوارزميات قادرة على معالجة بيانات مثل معدل نبض القلب، وتوتر العضلات، ونمط التنفس في الزمن الحقيقي، ما يمكّن من مراقبة التغيرات الفسيولوجية المرتبطة بالتوتر أو ببدء نوبة شقيقة.

- التنبؤ المسبق بالنوبات: بفضل التعلم الآلي، يمكن لهذه الأنظمة التنبؤ باقتراب نوبة الصداع بناءً على بصمة كل مريض البيولوجية، مما يتيح فرصة للتدخل المبكر قبل تفاقم الأعراض.

- تخصيص البروتوكول العلاجي: لم يعد العلاج موحداً للجميع، بل أصبح قابلاً للتعديل الفوري بحسب استجابة المريض اللحظية، مما يرفع من فاعلية الجلسات العلاجية ويزيد من التزام المرضى بها.

- العلاج من المنزل بوسائل رقمية: تم دمج البيوفيدباك مع تطبيقات الهاتف الذكي، وتقنيات الواقع الافتراضي، مما أتاح للمريض إجراء الجلسات في منزله، تحت إشراف افتراضي من الذكاء الاصطناعي، دون الحاجة إلى زيارات متكررة للعيادة.

ومن التطبيقات الرائدة في هذا المجال، يبرز تطبيق Heart Math، الذي يستخدم مستشعرات حيوية صغيرة تُربط بالهاتف المحمول، وتقدّم جلسات تفاعلية تعتمد على تنظيم التنفس والانتباه، وقد أظهرت تجارب سريرية استخدامه تحسناً ملحوظاً في النوم، وانخفاضاً في عدد نوبات الشقيقة، وتحسناً في الحالة المزاجية لدى المستخدمين.

هذه التكنولوجيا لا تفتح آفاقاً جديدة لعلاج الشقيقة فحسب، بل تمثل أيضاً فرصة لنقل العلاج إلى المناطق التي تفتقر للاختصاصيين، من خلال أدوات بسيطة وذكية تدعم اللغة العربية، وتوفر تجربة علاجية آمنة ومخصصة في متناول اليد.

* دراسة أميركية تدعم التوجه. في دراسة أميركية أخرى نُشرت في مجلة Life (يونيو/ حزيران 2024)، تحت عنوان «دمج الذكاء الاصطناعي في علاج البيوفيدباك»، قام الباحث الدكتور دانيال جيفرسون من معهد هارفارد للأعصاب والذكاء الاصطناعي بتحليل آفاق استخدام الذكاء الاصطناعي في تحسين الاستجابة للعلاج الحيوي.

وأظهرت الدراسة أن خوارزميات التعلم العميق أصبحت قادرة على مراقبة المؤشرات الحيوية للمريض في الزمن الحقيقي، والتنبؤ بنوبة الصداع بدقة تصل إلى 85 في المائة، وتقديم بروتوكولات علاجية مصممة حسب البصمة البيولوجية لكل فرد.

الحالات في العالم العربي

* لماذا يهمّنا هذا في العالم العربي؟ الشقيقة ليست مجرد صداع عابر، بل مرض مزمن يُقيد الحياة اليومية للملايين، خاصة النساء. وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 15 في المائة من البالغين في العالم العربي يعانون من هذا النوع من الصداع، بينما ترتفع النسبة إلى قرابة 20 في المائة في بعض دول الخليج، حيث يسود نمط الحياة السريع والتوتر المزمن.

ورغم هذا الانتشار الواسع، لا تزال خيارات العلاج غير الدوائي محدودة في كثير من البلدان العربية، خصوصاً في المناطق الريفية أو التي تفتقر إلى وجود أخصائيين في الطب النفسي والسلوكي. وفي المقابل، هناك ازدياد مقلق في الاعتماد المفرط على المسكنات، التي قد تؤدي في بعض الحالات إلى تفاقم الحالة أو ظهور ما يُعرف بـ«الصداع المرتبط بالإفراط في استخدام الأدوية».

هنا يبرز دور البيوفيدباك، وخاصة حين يُدمج بالذكاء الاصطناعي، كخيار مثالي: علاج آمن، لا دوائي، يعتمد على وعي المريض بجسده، وقابل للتطبيق عبر أدوات ذكية بسيطة حتى في البيئات ذات الموارد المحدودة.

إن نشر هذه التقنية وتوطينها باللغة والثقافة العربية، لا يمثل رفاهية، بل ضرورة ملحة لتحسين جودة حياة ملايين المرضى، وتقديم بديل حديث ومستدام لأنظمة الرعاية الصحية في العالم العربي.

مستقبل بلا ألم

* هل نقترب من عصر بلا ألم؟ ما كان يُنظر إليه يوماً كأداة مساعدة في جلسات الاسترخاء، يتحوّل اليوم إلى نظام علاجي متكامل تقوده الخوارزميات. تخيّل أن يحمل هاتفك الذكي تطبيقاً يُنذرك قبل نوبة الصداع بدقائق، ويُطلق تلقائياً جلسة تنفس عميق بصوت هادئ، مع تعليمات مرئية موجّهة، مصممة خصيصاً لاستجابتك البيولوجية. هذا ليس مشهداً من فيلم علمي، بل واقع قيد التطبيق في مختبرات ومراكز ناشئة حول العالم.

إن البيوفيدباك، عندما يُدعم بالذكاء الاصطناعي، لا يُقدّم علاجاً فحسب، بل يُعيد للمريض دور البطولة في معركته مع الألم. إنه لا يعد بالشفاء التام، لكنه يزرع مفاتيح السيطرة داخل الجسد نفسه، ويُقدّم بديلاً عصرياً للدواء الكلاسيكي، بأقل قدر من الآثار الجانبية وأكثر قدر من التمكين الذاتي... ربما لا نستطيع إلغاء الألم تماماً، لكننا نستطيع - بتقنيات ذكية وقلبٍ واعٍ - أن نتحكم به قبل أن يتحكم بنا.


مقالات ذات صلة

كيف يؤثر تناول الميلاتونين والأشواغاندا معاً على النوم والتوتر؟

صحتك حبوب الأشواغاندا (بيكسباي)

كيف يؤثر تناول الميلاتونين والأشواغاندا معاً على النوم والتوتر؟

يلجأ كثيرون إلى مكملات الميلاتونين لتحسين النوم، بينما تُستخدم الأشواغاندا بوصفها خياراً عشبياً شائعاً لتخفيف التوتر والقلق... لكن ماذا يحدث عند تناولهما معاً؟

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الإفطار على التمر يُعد تقليداً شائعاً ومفيداً (جامعة بيرمنغهام)

كيف تحافظ على اليقظة والنشاط في رمضان؟

مع حلول شهر رمضان، يواجه كثير من الصائمين تحدياً في الحفاظ على اليقظة الذهنية والتركيز طوال ساعات النهار الطويلة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
صحتك تنويع التمارين الرياضية قد يكون الطريقة المثلى لإطالة العمر (رويترز)

تنويع التمارين الرياضية... مفتاحك لحياة أطول وصحة أفضل

كشفت دراسة جديدة عن أن تنويع التمارين الرياضية بدلاً من الاقتصار على النوع نفسه يومياً قد يكون الطريقة المثلى لإطالة العمر.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لمشروب الكركديه فوائد صحية متعددة (بيكسباي)

فوائد شرب الكركديه يومياً

يُعد الكركديه أحد المشروبات الرمضانية المنعشة، وله فوائد صحية متعددة منها ترطيب الجسم وتعويض السوائل بعد الصيام، ويشتهر بقدرته على تنظيم ضغط الدم وتحسين الهضم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك صحة القلب لا تعتمد فقط على نوعية الطعام وكميته بل أيضاً على توقيت تناوله (رويترز)

لحماية قلبك... متى يجب أن تتوقف عن الأكل قبل الخلود إلى النوم؟

كشفت دراسة حديثة عن أن صحة القلب لا تعتمد فقط على نوعية الطعام وكميته، بل أيضاً على توقيت تناوله، خصوصاً في المساء.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

خبراء صحة الأسنان: روتين بسيط لتنظيف الأسنان قد يقلّل خطر الخرف

المواظبة على تنظيف الأسنان تسهم في خفض الالتهاب ومنع الأضرار طويلة الأمد (أرشيفية - رويترز)
المواظبة على تنظيف الأسنان تسهم في خفض الالتهاب ومنع الأضرار طويلة الأمد (أرشيفية - رويترز)
TT

خبراء صحة الأسنان: روتين بسيط لتنظيف الأسنان قد يقلّل خطر الخرف

المواظبة على تنظيف الأسنان تسهم في خفض الالتهاب ومنع الأضرار طويلة الأمد (أرشيفية - رويترز)
المواظبة على تنظيف الأسنان تسهم في خفض الالتهاب ومنع الأضرار طويلة الأمد (أرشيفية - رويترز)

تشير أبحاث كثيرة إلى أنّ العناية الجيدة بصحة الفم ترتبط بانخفاض خطر الإصابة بحالات خطيرة، من بينها مرض «ألزهايمر»، والتهاب المفاصل الروماتويدي.

ووفق تقرير نشره موقع «هاف بوست»، استعرض فريق من الباحثين، خلال المؤتمر السنوي للجمعية الأميركية لتقدّم العلوم في ولاية أريزونا الأسبوع الماضي، هذه الأدلة، واصفين الفم بأنه «بوابة إلى الصحة العامة».

وناقش مشاركون من كليات طب مختلفة في أنحاء الولايات المتحدة كيف كان يُنظر إلى الفم سابقاً على أنه كيان منفصل عن بقية الجسم.

لكنّ «الباحثين يدركون الآن أنّ تجويف الفم والجسم مترابطان على نحو وثيق»، وفق ملخّص العرض المنشور على موقع الجمعية الأميركية لتقدّم العلوم.

وأشار المشاركون في الجلسة إلى أنّ أبحاثاً سابقة تُظهر أنّ تجويف الفم قد يؤثّر في صحة أعضاء أخرى، بما في ذلك المفاصل والدماغ والأمعاء.

وقال أحد المشاركين، ألبدوغان كانتارجي، الأستاذ في كلية طب الأسنان بجامعة مينيسوتا: «نعتقد الآن أنّ الحفاظ على صحة الأسنان قد يرتبط بانخفاض خطر الإصابة بأكثر من 50 حالة مرضية جهازية».

وأضاف: «تُظهر الأبحاث حالياً أنّ الأشخاص الذين يعانون أمراضاً خفيفة أو متوسطة، والذين يحرصون على تنظيف أسنانهم والعناية بها أو مراجعة طبيب الأسنان وإجراء تنظيفات متقدمة، يُظهرون استجابات معرفية أفضل بكثير».

ناقش المشاركون كيف يؤثّر التهاب دواعم السنّ، وهو شكلٌ شديد من أمراض اللثة يزداد سوءاً مع التقدّم في العمر، في العظام والأنسجة الداعمة للأسنان.

ويؤدي هذا المرض إلى «التهابٍ مستمر وتلفٍ متفاقم»، ما يحرّك استجاباتٍ مناعية، ويزيد خطر الإصابة بالتهاب المفاصل الروماتويدي والخرف.

صحة الفم وطول العمر

وخلصت دراسة من كلية طب الأسنان بجامعة تافتس في بوسطن، نُشرت عام 2024 في دورية «The Lancet Healthy Longevity»، إلى أنّ صحة الفم ينبغي أن تُعدّ «جزءاً أساسياً من منظومة الرعاية الصحية العامة، وعاملاً مهماً في الشيخوخة الصحية».

وقال الباحثون إن «حالات صحة الفم قد تمثّل عوامل خطر محتملة للهشاشة البدنية أو الإعاقة الوظيفية»، مؤكدين أنّ «أهمية صحة الفم للرفاهية العامة وطول العمر يجب التشديد عليها».

كما وجدت أبحاث إضافية نُشرت في مجلة «Neurology» عام 2023 أنّ الأشخاص الذين يتمتعون بعادات جيدة للعناية بالأسنان كانت لديهم ذاكرة أفضل، في حين ارتبطت أمراض اللثة وفقدان الأسنان بانخفاض حجم المادة الرمادية في الدماغ وتدهورٍ أكبر في الصحة العقلية.

تنظيف الأسنان يومياً

وأكد الدكتور مايكل جيه واي، طبيب الأسنان التجميلي والترميمي في مدينة نيويورك، أنّ لتنظيف الأسنان بوتيرةٍ أكثر عدداً كثيراً من الفوائد.

قال: «من منظور الوقاية الصحية، يساعد تنظيف الأسنان ثلاث مرات يومياً على ضبط الغشاء الحيوي البكتيري الذي يغذّي أمراض اللثة والالتهاب المزمن»، مضيفاً: «الالتهاب في الفم لا يبقى معزولاً، بل يمكن أن يؤثّر في صحة القلب والأوعية الدموية ووظائف الأيض وتوازن المناعة».

وأوضح واي أنّ إزالة اللويحات السنية على مدار اليوم تقلّل من محفّزات الالتهاب في الجسم.

وأضاف: «مع مرور الوقت، قد يسهم خفض هذا العبء في شيخوخةٍ أكثر صحة، وتقليل خطر الأمراض الجهازية. فالعادات اليومية الصغيرة والمنضبطة غالباً ما يكون لها أكبر الأثر على المدى الطويل».

وأشار إلى أنّ الحفاظ على صحة الفم الجيدة ليس «ضماناً مؤكداً» للوقاية من الخرف، لكنه يراه «إحدى الطرق المفيدة لتقليل عوامل الخطر القابلة للتعديل».

وأضاف أنّ المواظبة على تنظيف الأسنان، واستخدام خيط الأسنان، وإجراء تنظيفات دورية لدى طبيب الأسنان، ومعالجة مشكلات مثل صرير الأسنان أو توتّر الفك، «كلّها تسهم في خفض الالتهاب، ومنع الأضرار طويلة الأمد».


كيف يؤثر تناول الميلاتونين والأشواغاندا معاً على النوم والتوتر؟

حبوب الأشواغاندا (بيكسباي)
حبوب الأشواغاندا (بيكسباي)
TT

كيف يؤثر تناول الميلاتونين والأشواغاندا معاً على النوم والتوتر؟

حبوب الأشواغاندا (بيكسباي)
حبوب الأشواغاندا (بيكسباي)

يلجأ كثيرون إلى مكملات الميلاتونين لتحسين النوم، بينما تُستخدم الأشواغاندا بوصفها خياراً عشبياً شائعاً لتخفيف التوتر والقلق. لكن ماذا يحدث عند تناولهما معاً؟ هذا ما استعرضه تقرير لموقع «فيري ويل هيلث» العلمي، حيث أشار إلى أبرز تأثيرات تناول الميلاتونين والأشواغاندا معاً على النوم والتوتر، وهي كما يلي:

تحسّن محتمل في النوم

الميلاتونين يُعد من أكثر المكملات استخداماً لمساعدة الأشخاص على النوم بسرعة.

وهناك مؤشرات على أن الأشواغاندا قد تساعد أيضاً في تحسين جودة النوم، خصوصاً إذا كان التوتر سبباً في الأرق.

لكن، على الرغم من ذلك، لا تزال الأبحاث التي تختبر تحديداً تأثير الجمع بين الميلاتونين والأشواغاندا على النوم قليلة. وحتى الآن، لا يوجد دليل علمي على أن استخدام هذين المكملين معاً يُحسّن النوم أكثر من تأثير كل مكمل على حدة.

تقليل محتمل للتوتر

تُستخدم الأشواغاندا لدعم إدارة التوتر والقلق، مع وجود أدلة على أنها آمنة للاستخدام قصير المدى لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر، ولكن لا توجد معلومات كافية حول سلامتها على المدى الطويل.

ومن جهته، قد يساعد الميلاتونين في حالات القلق المؤقت، مثل القلق قبل العمليات الجراحية، ولا يوجد دليل يدعم استخدامه لعلاج القلق والتوتر على المدى الطويل.

ولا يوجد بعد دليل على أن الجمع بين هذين المكملين يُخفف مستوى التوتر أكثر من تناول كل منهما على حدة.

ومن الأمور الأخرى التي تجب مراعاتها أن كلا المكملين غير مُوصى به لإدارة أعراض التوتر أو القلق على المدى الطويل. فإذا كنت ستستخدم أياً منهما للمساعدة في إدارة القلق؛ فمن المهم استشارة طبيب مختص لوضع خطة علاجية طويلة الأمد.

آثار جانبية محتملة

يمكن أن يتسبب تناول الأشواغاندا في بعض الآثار الجانبية، مثل الاضطرابات الهضمية والحساسية ومشاكل الكبد والاضطرابات الهرمونية، في حين أن الميلاتونين قد يسبب صداعاً ودواراً وغثياناً ونعاساً مفرطاً واضطرابات هرمونية

وزيادة التبول الليلي لدى الأطفال.

تفاعلات سلبية لبعض الأشخاص

إذا كنت تفكر في تناول الميلاتونين والأشواغاندا معاً، فمن الأفضل استشارة طبيب مختص أولاً للتأكد من عدم وجود أي موانع استخدام.

ولكل من الميلاتونين والأشواغاندا موانع استخدام، مما يعني أنه لا يمكنك تناولهما إذا كنت تعاني من مخاطر معينة.

فالأشواغاندا قد لا تناسب من لديهم أمراض مناعية ذاتية أو اضطرابات الغدة الدرقية أو سرطان البروستاتا أو من يتناولون أدوية للسكري أو الضغط أو الغدة الدرقية أو الصرع أو من يخضعون لعلاج مثبط للمناعة أو المقبلين على جراحة.

أما الميلاتونين فقد يتعارض مع الأدوية أو المكملات الغذائية التي تُسبب سيولة الدم وأدوية السكري والضغط والصرع ومضادات الاكتئاب والمهدئات والأدوية التي تؤثر في جهاز المناعة.

لذلك يُنصح باستشارة الطبيب قبل البدء بأي منهما.


تنويع التمارين الرياضية... مفتاحك لحياة أطول وصحة أفضل

تنويع التمارين الرياضية قد يكون الطريقة المثلى لإطالة العمر (رويترز)
تنويع التمارين الرياضية قد يكون الطريقة المثلى لإطالة العمر (رويترز)
TT

تنويع التمارين الرياضية... مفتاحك لحياة أطول وصحة أفضل

تنويع التمارين الرياضية قد يكون الطريقة المثلى لإطالة العمر (رويترز)
تنويع التمارين الرياضية قد يكون الطريقة المثلى لإطالة العمر (رويترز)

قد يكون التنوع سرّ الحياة، ولكنه قد يكون أيضاً سرّ حياة أطول.

ونحن نعلم جميعاً أن ممارسة الرياضة بانتظام ضرورية للصحة الجيدة، ولكن وفقاً لدراسة جديدة، فإن تنويع التمارين الرياضية بدلاً من الاقتصار على النوع نفسه يومياً قد يكون الطريقة المثلى لإطالة العمر.

وبحسب صحيفة «التلغراف» البريطانية، فقد تابع الباحثون أكثر من 111 ألف شخص على مدى أكثر من 30 عاماً، ودرسوا تأثير أنشطة متنوعة كالمشي والجري ورفع الأثقال والتنس على صحتهم وطول عمرهم.

وبينما ارتبطت ممارسة أي من هذه الأنشطة بانتظام بانخفاض خطر الوفاة المبكرة، لوحظت الفائدة الأكبر لدى مَن جمعوا بين رياضات عدة وتمارين مختلفة.

ووجد الفريق أن الأشخاص الذين مارسوا أنشطة بدنية متنوعة انخفض لديهم خطر الوفاة المبكرة بنسبة 19 في المائة لأي سبب. في الوقت نفسه، انخفض خطر الوفاة بأمراض القلب والسرطان وأمراض الجهاز التنفسي وغيرها من الأسباب بنسبة تتراوح بين 13 في المائة و41 في المائة.

وقال الدكتور يانغ، المؤلف الرئيسي للدراسة، والأستاذ بكلية هارفارد للصحة العامة: «من المهم الحفاظ على مستوى عالٍ من النشاط البدني الإجمالي، وفوق ذلك، قد يكون تنويع الأنشطة أكثر فائدة للصحة وإطالة العمر».

وأضاف: «على عكس ما قد نتصوره، فإن فوائد نشاط معين لا تزداد كلما ازداد تكراره. على سبيل المثال، من غير المرجح أن يُحقق الجري لمدة 5 ساعات أسبوعياً فائدة تعادل 5 أضعاف فائدة الجري لمدة ساعة واحدة. لكن قد يُساعد تنويع الأنشطة على تعزيز الفوائد».

وأكمل قائلاً: «للأنشطة المختلفة فوائد صحية مُكمّلة. فعلى سبيل المثال، تُقوّي التمارين الهوائية القلب وتُحسّن الدورة الدموية بشكل أساسي، بينما تُركّز تمارين القوة على اكتساب كتلة عضلية والوقاية من ضمور العضلات (فقدان كتلة العضلات وقوتها المرتبط بالتقدم في السن)».

ومن جهته، قال الدكتور هنري تشونغ، المحاضر في علم وظائف الأعضاء بكلية الرياضة والتأهيل وعلوم التمارين بجامعة إسكس، إن اللياقة البدنية تتضمن كثيراً من العناصر المختلفة، بما في ذلك اللياقة القلبية الوعائية، وقوة العضلات وتحملها، والتوازن، والتناسق، والمرونة.

وأضاف: «تشير النتائج إلى أن تحسين أيٍّ من هذه العناصر يُحسّن بشكل ملحوظ الصحة الوظيفية وأداء التمارين، ويقلل من خطر الإصابة بالأمراض المزمنة. لذا، فإن تحقيق التوازن والسعي لتحسين جميع هذه العناصر أمرٌ ضروري لتحقيق أقصى استفادة».

ولفت تشونغ إلى أن هناك فوائد أخرى للتنويع في التمارين، فهو يقلل من خطر الإصابة بالإجهاد المتكرر والإفراط في استخدام العضلات، مما يساعد الناس على الحفاظ على نشاطهم طوال حياتهم.

ما المزيج الأمثل؟

تقول كيت رو-هام، المدربة الشخصية ومؤلفة كتاب «حلول طول العمر»: «من الناحية المثالية، نحتاج إلى ممارسة مزيج من التمارين الهوائية، وتمارين القوة، وتمارين التمدد، والحركات الانفجارية (تمارين تعتمد على السرعة والقوة لإنتاج حركة سريعة وعنيفة مثل القفز مع تمرين القرفصاء والتصفيق مع تمرين الضغط)، أسبوعياً، وذلك لتفعيل جميع عضلات الجسم، بنسبة 4:3:2:1، أي 40 في المائة تمارين هوائية، و30 في المائة تمارين قوة، و20 في المائة تمارين تمدد، و10 في المائة تمارين حركات انفجارية».

وخلص فريق الدراسة إلى أنه، باختصار، كلما كان روتينك الرياضي متنوعاً ومدروساً، ازدادت فرصك في بناء جسم قوي، وارتفعت فرصتك للعيش حياة أطول وأكثر صحة.