السجائر الإلكترونية أم العادية... أيهما أخطر؟

يموت أكثر من 75 ألف شخص سنوياً في المملكة المتحدة نتيجة تدخين التبغ (أرشيفية - رويترز)
يموت أكثر من 75 ألف شخص سنوياً في المملكة المتحدة نتيجة تدخين التبغ (أرشيفية - رويترز)
TT

السجائر الإلكترونية أم العادية... أيهما أخطر؟

يموت أكثر من 75 ألف شخص سنوياً في المملكة المتحدة نتيجة تدخين التبغ (أرشيفية - رويترز)
يموت أكثر من 75 ألف شخص سنوياً في المملكة المتحدة نتيجة تدخين التبغ (أرشيفية - رويترز)

هل يمكن أن يكون التدخين الإلكتروني أقل ضرراً من التدخين العادي؟

وفق تقرير نشرته صحيفة «التلغراف»، فإن الأضرار المرتبطة بتدخين التبغ لا جدال فيها؛ إذ يموت أكثر من 75 ألف شخص سنوياً في المملكة المتحدة نتيجة لذلك، ويموت اثنان من كل ثلاثة مدخنين بسبب مرض مرتبط بالتدخين.

يتردد الأطباء عالمياً في إدانة التدخين الإلكتروني. يقول البروفيسور سانجاي أغراوال، المستشار الخاص لشؤون التبغ بالكلية الملكية للأطباء: إن التدخين الإلكتروني «أقل ضرراً بكثير من التدخين العادي، لكنه ليس خالياً من المخاطر».

كما هو الحال مع التدخين العادي، فإن الطريقة التي يدخل بها النيكوتين إلى الجسم هي التي تسبب المشكلة: بالنسبة للسجائر، يدخل أول أكسيد الكربون والقطران الناتج من حرق التبغ إلى الجسم، بينما في التدخين الإلكتروني، يؤدي التفاعل الكيميائي بين السائل والمعدن إلى إطلاق المعادن السامة بما في ذلك الزرنيخ والكروم والنيكل والفورمالدهيد والرصاص.

مشكلة الإدمان

تحتوي السيجارة العادية على نحو 12 ملغ من النيكوتين. بينما تحتوي «Elf Bars» - من بين أكثر أنواع السجائر الإلكترونية استخداماً في المملكة المتحدة - على 20 ملغ من النيكوتين لكل 2 ملغ من السائل، أي ما يعادل نحو 40 - 50 سيجارة في أقل من 600 نفخة. وفي حين أن النيكوتين في حد ذاته ليس ضاراً بشكل كبير (إنه منبّه مثل الكافيين)؛ فهو يسبب الإدمان بدرجة كبيرة.

قد يكون هذا السبب جزئياً وراء ارتفاع استخدام السجائر الإلكترونية: فقد وجدت دراسة حديثة في بريطانيا أنه في الفترة من يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أغسطس (آب) 2023، ارتفع معدل انتشار السجائر الإلكترونية التي تستخدم لمرة واحدة من 0.1 في المائة إلى 4.9 في المائة من مجموع السكان البالغين. والأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن 14.4 في المائة من الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً يستخدمون تلك السجائر الإلكترونية. وأشارت الدراسة إلى ارتفاع بنسبة 7.6 في المائة في استخدام السجائر الإلكترونية لدى الأولاد الذين تتراوح أعمارهم بين 11 و17 عاماً، على الرغم من أنه من غير القانوني بيع السجائر الإلكترونية لمن تقل أعمارهم عن 18 عاماً.

في حين أن التدخين الإلكتروني «أكثر أماناً بكثير» من التدخين العادي، كما يقول البروفيسور نيك هوبكنسون من المعهد الوطني للقلب والرئة في إمبريال كوليدج، فإنه يعترف بالمخاطر المتزايدة على الشباب. ويضيف: «من المحتمل أن تسبب المواد الكيميائية الموجودة في السجائر الإلكترونية على مر السنوات أمراض الرئة. وعندما تنمو الرئتان فإنهما ربما تكونان أكثر عرضة لذلك».

14.4 % من الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً يستخدمون السجائر الإلكترونية (أرشيفية - رويترز)

ويشير هوبكنسون إلى أن هناك أمثلة نادرة لردود الفعل التحسسية المزمنة تجاه السجائر الإلكترونية (في عام 2019، تم إدخال مريض في إلينوي إلى المستشفى بسبب مرض غير مبرر بعد الإبلاغ عن تدخين السجائر الإلكترونية) ويُعتقد أنه توفي متأثراً بإصابات ناجمة عن رد فعل الرئتين تجاه السجائر الإلكترونية.

لكنه يقول إن إحدى أكبر المشكلات المتعلقة بالسجائر الإلكترونية تتعلق بالسلوك: فالسجائر الإلكترونية تسبب الإدمان لدرجة يمكن أن تكون مدمرة بشكل كبير. وعلى الرغم من وجود بيانات حول تأثيرات التدخين العادي، فإنها غير موجودة بالنسبة للتدخين الإلكتروني؛ لذلك من الصعب مقارنة التأثيرات طويلة المدى بدقة. ولكن ماذا نعرف حقاً عما يفعله الاثنان بالجسم؟

عند أخذ النفخة الأولى

التدخين العادي: يقول البروفيسور هوبكنسون: «بمجرد استنشاق الدخان، تتعرض الخلايا الموجودة في بطانة الرئتين والحويصلات الهوائية، وهي الأكياس الهوائية الهشة في الرئتين، لسلسلة من المواد الكيميائية السامة». تؤدي هذه العملية إلى الالتهاب والإجهاد، وتنشيط خلايا الدم البيضاء. الأهداب - الشعر الموجود في حلقك والذي يساعد على التقاط البكتيريا - يتضرر أيضاً بسبب مرور الدخان، وتبدأ الخلايا الكأسية المنتشرة في جميع أنحائها في إنتاج المخاط.

التدخين الإلكتروني: تؤدي عملية الامتصاص الأولى إلى إطلاق تيار كهربائي يعمل بالبطارية لتسخين الأسلاك الرفيعة المشبعة بسائل يحتوي على النيكوتين ومواد كيميائية أخرى، بما في ذلك النكهات. يتحول السائل الساخن بخاراً، والذي، عند استنشاقه، يمر عبر الرئتين ليدخل إلى مجرى الدم؛ مما يزيد من معدل ضربات القلب وضغط الدم. تتهيج بطانة الأنف والحنجرة أيضاً بسبب المواد الكيميائية التي يتم استنشاقها.

وجدت دراسة أجرتها جامعة هارفارد عام 2019، أن مادتين كيميائيتين تستخدمان على نطاق واسع لإضفاء نكهة على السجائر الإلكترونية قد يكون لهما أيضاً تأثير على وظيفة الأهداب، تماماً كما تفعل السجائر. في كلتا الحالتين، سيرتبط النيكوتين بالبروتينات الموجودة في الدماغ خلال 11 ثانية؛ مما يؤدي إلى إطلاق الدوبامين والسيروتونين، وهو ما يمنحك شعورا بالسعادة.

بعد بضع دقائق

التدخين العادي: يبدأ رد فعل خلايا الدم البيضاء في تغيير بطانة الرئتين؛ مما سينتج المزيد من المخاط. سوف تحصل أيضاً على جرعة كبيرة من أول أكسيد الكربون في هذه المرحلة؛ مما يؤثر على توصيل الأكسجين إلى الرئتين والأعضاء الأخرى، مما يؤدي إلى إتلاف العضلات والأوعية الدموية ويجعلك تسعل. النيكوتين الموجود في السيجارة - وهو منبّه خفيف - سوف يتسبب في انقباض الأوعية الدموية، وسيجعلك أيضاً تشعر بمزيد من الحيوية.

النيكوتين الموجود في السيجارة يتسبب في انقباض الأوعية الدموية (أرشيفية - رويترز)

التدخين الإلكتروني: يبدأ النيكوتين في العمل بشكل صحيح؛ مما يزيد من معدل ضربات القلب وضغط الدم مماثلة لجرعة من الكافيين أو ممارسة الرياضة. وجدت دراسة أميركية أجريت عام 2021 أن مستخدمي السجائر الإلكترونية يرتفع لديهم معدل ضربات القلب والتنفس المتكرر ودرجة حرارة الفم. كما تنخفض مستويات الأوكسجين في الدم بشكل ملحوظ بعد التدخين لمدة 20 دقيقة.

يعد نصف ساعة من تدخين السجائر الإلكترونية والعادية، تتعرض الخلايا للإجهاد التأكسدي، الذي يمكن أن يسبب التعب وضباب الدماغ وألم العضلات والصداع.

بعد أسبوع

التدخين العادي: يحدث الشيء نفسه في كل مرة تشعل فيها سيجارة، لكن الأمر يتطلب قدراً معيناً من الإدمان للتغيير المزمن في جسمك، على الرغم من أنك في هذه المرحلة ربما ستبدأ في ملاحظة تغيرات في أسنانك (التي ستصبح صفراء) واللثة والشفتين والجلد (الذي سوف يصبح أكثر جفافاً). بعض هذه الأضرار يمكن عكسها - إذا توقفت عن التدخين - على سبيل المثال، فإن أول أكسيد الكربون داخل جسمك سوف يزول خلال 24 ساعة.

التدخين الإلكتروني: الأوعية الدموية ستبدأ في التصلب.

بعد شهر

التدخين العادي: بعد شهر من التدخين ستشهد أضراراً متراكمة للرئتين والمسالك الهوائية والأوعية الدموية. ويبدأ تلف الحمض النووي الذي يؤدي إلى ظهور السرطان في هذه المرحلة. سوف تتأثر أيضاً حاسة التذوق والشم لديك.

التدخين الإلكتروني: يمكن أن يسبب التدخين الإلكتروني باستمرار لمدة شهر التهاباً في الرئة؛ وذلك بسبب دخول الجسيمات النانوية الناتجة عن البخار في الرئتين؛ سيكون هذا أسوأ إذا كنت تستخدم السيجارة الإلكترونية المنكهة.

بعد سنة

التدخين العادي: من المحتمل أن تبدأ علامات أمراض اللثة بالظهور. قد تعاني أيضاً انخفاضاً في نسبة الخصوبة، وبالنسبة للرجال، في الأداء الجنسي.

تدخين السيجارة يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب وانتفاخ الرئة والسكتة الدماغية (أرشيفية - رويترز)

التدخين الإلكتروني: وجدت إحدى الدراسات أن الأشخاص الذين استخدموا السجائر الإلكترونية لمدة ستة أشهر على الأقل لديهم مستويات عالية من الالتهابات وجروح الفم وزيادة تصل إلى 100 ضعف في فطريات الفم. قامت دراسة نشرت في «المجلة الأميركية للطب الوقائي» بتتبع مدخني السجائر الإلكترونية لمدة ثلاث سنوات، ووجدت أن لديهم خطراً أعلى بنسبة 1.3 مرة للإصابة بأمراض الجهاز التنفسي، مثل أمراض الرئة، مقارنة بالأشخاص الذين لم يستخدموا أي منتج من منتجات التبغ. وتزداد مخاطر الإصابة بالسكتة الدماغية وأمراض القلب والأوعية الدموية مع تدخين السجائر العادية واستخدام السجائر الإلكترونية لفترة طويلة، في حين يمكن أن يكون للنيكوتين تأثير على نمو الدماغ لدى الشباب.

بعد 20 عاماً

التدخين العادي: سيكون كل عضو وجهاز عضوي في جسمك قد تضرر في هذه المرحلة. ستكون أكثر عرضة لخطر الإصابة بأمراض القلب وانتفاخ الرئة والسكتة الدماغية وسرطان الدم والربو والالتهاب الرئوي والسل، كما أن خطر الإصابة بالسرطان بشكل عام سيزداد بشكل كبير. حتى لو كنت مجرد مدخن اجتماعي (تدخن أقل من 10 سجائر يومياً)، وجدت دراسة أجرتها جامعة كولومبيا لمدة 17 عاماً أن خطر الوفاة بسرطان الرئة ليس أقل بكثير من أولئك الذين يدخنون أكثر من 20 سجائر يومياً.

التدخين الإلكتروني: لا توجد بيانات حول تأثيرات التدخين الإلكتروني طويل المدى؛ لذا من الصعب تحديدها. تظهر المؤشرات الحيوية تغيرات في وظيفة الأوعية الدموية وتلف الرئة.

يقول طبيب الغدد الصماء الدكتور غاريث ناي من جامعة تشيستر: «تم الإبلاغ عن أن المعادن الثقيلة الموجودة بشكل كبير في رذاذ السجائر الإلكترونية، مثل الكروم والنحاس والألمنيوم، تعطل الكثير من العمليات الخلوية، مثل التنفس الهوائي؛ مما يؤدي إلى إنتاج أنواع الأكسجين التفاعلية والإجهاد التأكسدي». ويضيف: «بعيداً عن الرئتين، هناك أدلة متزايدة على أن الجزيئات المعدنية (من السجائر الإلكترونية) يمكن أن تدخل مجرى الدم وتؤدي إلى تغييرات جوهرية في وظيفة القلب واستجابات القلب والأوعية الدموية».

من المحتمل أن تكون صحة اللثة قد تأثرت: فالتدخين الإلكتروني يقلل من إنتاج اللعاب، وهو سبب معروف للتسوس، وإذا كنت تدخن السجائر الإلكترونية المنكهة، فإن السكر والنكهات سوف تلحق الضرر بأسنانك أيضاً. أظهرت دراسة حديثة أن مستخدمي السجائر الإلكترونية أكثر عرضة للإصابة بسرطان الفم بنحو 2 - 2.5 مرة مقارنة بغير المستخدمين.


مقالات ذات صلة

استخدام السجائر الإلكترونية أثناء الحمل قد يهدد نمو الأجنة

صحتك استخدام النساء الحوامل للسجائر الإلكترونية قد يؤثر سلباً على الأجنة ويهدد نموها (رويترز)

استخدام السجائر الإلكترونية أثناء الحمل قد يهدد نمو الأجنة

حذّرت دراسة جديدة من أن استخدام النساء الحوامل للسجائر الإلكترونية قد يؤثر سلباً على الأجنة ويهدد نموها.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك تجنب ارتفاع ضغط الدم والسكري والتدخين يقي من الخرف في الكبر (بيكسباي)

تجنب التدخين وارتفاع الضغط والسكري قد يؤخر الخرف 13 عاماً

أظهرت دراسة جديدة أن البالغين في منتصف العمر الذين يتجنبون ارتفاع ضغط الدم والسكري والتدخين، يمكنهم أن يعيشوا ما يقارب 13 عاماً إضافية دون الإصابة بالخرف.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك فتاة تستخدم أحد منتجات التدخين الإلكتروني بلندن (إ.ب.أ)

من تلف الرئتين إلى السرطان... 5 أضرار خطيرة للتدخين الإلكتروني

رغم الاعتقاد الشائع بأن السجائر الإلكترونية أقل ضرراً من السجائر التقليدية، تكشف أبحاث متزايدة عن أضرار محتملة للتدخين الإلكتروني.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك في البدايات يصعب تمييز ما سيصبح عادة (جامعة كاليفورنيا)

دراسة تدقّ ناقوس الخطر بشأن «الفيب» والمراهقين

كشفت دراسة حديثة عن أنّ أجهزة التدخين الإلكتروني «الفيب» تُعرّض أجسام المراهقين لجرعات متزايدة من النيكوتين المُسبّب للإدمان.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك كيف تؤثر السكريات والقهوة والنيكوتين في الدماغ (بكسلز)

القهوة والسكر والسجائر... لماذا يعشقها الدماغ رغم أضرارها؟

رغم التحذيرات الطبية من الإفراط في تناول السكريات والكافيين والتدخين، فإنَّ علماء يقولون إنَّ السبب يعود إلى أنَّها تُنشِّط مراكز المكافأة في الدماغ.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

درجة حرارة غرفة النوم قد تؤثر على الوزن!

تؤثر درجة حرارة الغرفة على جودة النوم وبالتالي على الوزن بشكل غير مباشر (بيكسلز)
تؤثر درجة حرارة الغرفة على جودة النوم وبالتالي على الوزن بشكل غير مباشر (بيكسلز)
TT

درجة حرارة غرفة النوم قد تؤثر على الوزن!

تؤثر درجة حرارة الغرفة على جودة النوم وبالتالي على الوزن بشكل غير مباشر (بيكسلز)
تؤثر درجة حرارة الغرفة على جودة النوم وبالتالي على الوزن بشكل غير مباشر (بيكسلز)

وجدت العديد من الدراسات أن الحرمان من النوم (أي عدم الحصول على قدر كافٍ من النوم)، أو النوم المضطرب، يرتبطان بزيادة الوزن، بسبب تأثير النوم على تنظيم الشهية، والطاقة.

تقول اختصاصية علم نفس النوم ميشيل دريروب إنه كقاعدة عامة يجب ضبط درجة حرارة غرفة النوم على 15 إلى 19 درجة مئوية، وأن تنظر إلى غرفة نومك على أنها «كهفك. يجب أن تكون باردة، ومظلمة، وهادئة لتعزيز نومك».

كيف تؤثر درجة الحرارة على النوم؟

جميعنا جربنا شعور الحصول على نوم مضطرب. نستيقظ في اليوم التالي ونحن نشعر بالخمول، وسوء المزاج، نتحرك ببطء، ونتطلع إلى اللحظة التي نغمض فيها أعيننا مجدداً لنحصل على قسط من الراحة.

هناك عدة عوامل يمكن أن تساهم في مشكلات النوم، أحدها هو درجة الحرارة، وفقاً لموقع «كليفلاند كلينك».

تشير دريروب إلى أنه «إذا أصبحت غرفة نومك ساخنة أو باردة بشكل غير مريح، فمن المرجح أن تستيقظ».

وأضافت: «لكن لماذا يحدث ذلك؟ تشير إحدى الدراسات إلى أن التعرض المفرط للحرارة أو البرودة يرتبط مباشرة بزيادة الاستيقاظ، وانخفاض نوم حركة العين السريعة (وهي المرحلة التي يحلم فيها الشخص). ويعد تنظيم الحرارة أمراً بالغ الأهمية للبقاء في مراحل النوم الترميمي، والموجات البطيئة، فهذه هي المراحل التي نحصل فيها على أكبر قدر من الراحة».

النوم في درجة حرارة مرتفعة

عندما ننام، تنخفض درجة حرارة جسمنا الأساسية كجزء من عملية بدء النوم، لذا قد تشعر بالرغبة في الدفء للشعور بالراحة تحت الأغطية. لكن إذا كانت درجة حرارة غرفة نومك مرتفعة جداً أو رطبة، فمن المرجح أن تعاني من مزيد من الأرق، وصعوبة أكبر في النوم، أو الاستمرار في النوم.

وأوضحت دريروب: «الحرارة عائق كبير لحركة العين السريعة خلال النوم». مع ارتفاع حرارة الغرفة، سترتفع درجة حرارة جسمك أيضاً، مما يؤدي إلى إبطال عملية بدء النوم بالكامل.

إذا كانت درجة حرارة غرفة نومك أعلى من 21 درجة مئوية، فهذا يعني أنها مرتفعة.

النوم في درجة حرارة منخفضة

على الجانب الآخر، فإن النوم في درجة حرارة منخفضة جداً له أيضاً سلبياته. قد لا يؤثر على دورات نومك بشكل جذري مثل النوم في درجة حرارة مرتفعة، لكنه قد يؤدي إلى مشكلات صحية أخرى.

وترى دريروب أنه «عندما نشعر بالبرودة، يدخل جسمنا في حالة تأهب قصوى لمحاولة تدفئتنا مرة أخرى». وتضيف أن الأوعية الدموية تنقبض، ويصبح التنفس سطحياً، مما يضع ضغطاً إضافياً على جهاز القلب والأوعية الدموية لإعادة تنظيم درجة حرارة الجسم.

إذا كانت درجة حرارة غرفة نومك أقل من 15 درجة مئوية، فهذا يعني أنها منخفضة جداً.

كيف تحافظ على درجة حرارة غرفة النوم المثالية؟

اتبع هذه النصائح للحصول على ليلة نوم هانئة: احتفظ بمروحة أو تكييف في غرفتك، بحيث إذا شعرت بارتفاع الحرارة، يكون من السهل تبريد بقية الغرفة. وتجنب تناول الكافيين أو الأطعمة الغنية بالسكر (التي يمكن أن تزيد من درجة حرارة جسمك).

ما الرابط بين جودة النوم وإنقاص الوزن؟

تشير الأبحاث إلى أن الحصول على مزيد من النوم يمكن أن يساعد في إنقاص الوزن. أولئك الذين يحصلون على نوم أطول وبجودة أفضل يميلون إلى فقدان وزن أكبر، بينما يمكن أن يزيد النوم غير الكافي أو المتقطع من الشعور بالجوع.

قد يؤدي عدم الحصول على قسط كافٍ من النوم إلى إضعاف تأثير خفض السعرات الحرارية. الأشخاص الذين لم يناموا جيداً وتناولوا سعرات حرارية أقل حققوا نجاحاً أقل في فقدان الوزن، وفقاً لموقع «فيري ويل هيلث».

تحسين جودة النوم

تؤثر جودة النوم الجيدة بشكل كبير على حرق السعرات الحرارية. فالنوم غير الكافي أو المتقطع يمكن أن يعيق كيفية استخدام جسمك للطعام للحصول على الطاقة، مما يؤثر على عملية التمثيل الغذائي.

يرتبط النوم بمقاومة الأنسولين (حيث لا تستجيب الخلايا للإنسولين لامتصاص الجلوكوز من الدم للحصول على الطاقة، مما يؤدي إلى ارتفاع مستويات السكر في الدم)، وقد يكون هذا مقدمة لحالة مقدمات السكري (وهي أن تكون مستويات السكر في الدم مرتفعة بما يكفي لتكون أعلى من الطبيعي، ولكن ليست مرتفعة بما يكفي لتعتبر داء السكري من النوع الثاني).

قد يساعد النوم الجيد في دعم كل من عملية التمثيل الغذائي (الأيض) والميكروبيوم الصحي في الأمعاء (مجتمع الميكروبات في الأمعاء التي تساعد في الهضم).

قد تعني ليلة من عدم النوم حرق المزيد من السعرات الحرارية في ذلك اليوم بالذات. لكن الحرمان المزمن من النوم يؤثر على العديد من وظائف الجسم، وقد يؤدي إلى زيادة غير مقصودة في الوزن. وإذا كنت تحاول أيضاً إنقاص الوزن عن طريق خفض السعرات الحرارية اليومية، فإن قلة النوم قد تؤدي حتى إلى فقدان دهون أقل.


ما تأثير توقيت ممارسة الرياضة على جودة النوم؟

ممارسة تمارين القرفصاء لمدة دقيقة أو أكثر بعد تناول الطعام تسهم في تقليل ارتفاع سكر الدم (رويترز)
ممارسة تمارين القرفصاء لمدة دقيقة أو أكثر بعد تناول الطعام تسهم في تقليل ارتفاع سكر الدم (رويترز)
TT

ما تأثير توقيت ممارسة الرياضة على جودة النوم؟

ممارسة تمارين القرفصاء لمدة دقيقة أو أكثر بعد تناول الطعام تسهم في تقليل ارتفاع سكر الدم (رويترز)
ممارسة تمارين القرفصاء لمدة دقيقة أو أكثر بعد تناول الطعام تسهم في تقليل ارتفاع سكر الدم (رويترز)

تُظهر الأبحاث أن ممارسة الرياضة بانتظام يمكن أن تساعدك على النوم بشكل أسرع والحصول على نوم أعمق، بينما يمكن أن يؤدي النوم الأفضل إلى تمارين أكثر فاعلية. وعلى الرغم من ذلك فإن الواقع غالباً ما يشهد تعارضاً بين الاثنين.

لسنواتٍ قال خبراء النوم إن أداء التمارين الرياضية قبل النوم لتجنب الاستيقاظ المبكر خطوة محفوفة بالمخاطر؛ لأن التمرين الشاق يرفع درجة حرارة الجسم الأساسية إلى جانب معدل ضربات القلب وضغط الدم، ويطلق الأدرينالين مع تثبيط إنتاج هرمون النوم «الميلاتونين» وكلها تغيرات قد تُبقيك مستيقظاً تماماً وغير قادر على النوم، وفقاً لمجلة «تايم».

لا تدع التمرين المتأخر يعطل نومك

إذا كان الوقت الوحيد المتاح لك لممارسة الرياضة هو قبل النوم بفترة قصيرة، فلا تفترض أن نومك محكوم عليه بالفشل. تقول إميلي كابوديلوبو، نائبة رئيس وحدة البحوث والخوارزميات والبيانات بشركة «هوب» المتخصصة في تكنولوجيا اللياقة البدنية والأجهزة القابلة للارتداء: «تأثير التمرين المزعج للنوم ليس كأنك (لن تحصل على نوم على الإطلاق)، بل هو أشبه بـ(نومك يصبح أقل كفاءة بقليل)».

وتشير كابوديلوبو إلى التفكير في تمرين مسائي شاق بوصفه يضعك على مسار نحو نوم مضطرب، لكن هناك الكثير مما يمكنك فعله لتغيير هذا المسار.

وتنصح طبيبة النوم شيري ماه، التي تُدرب رياضيين محترفين غالباً ما يضطرون لخوض مباريات مسائية، بممارسة تمارين التنفس بعد المباريات؛ لأنها تُنشط الجهاز العصبي السمبثاوي المسؤول عن «الراحة والهضم»، والذي يهيئ الجسم للنوم. كما تُوصي بتطوير روتين استرخاء مسائيّ يتضمن أنشطة مثل اليوغا الخفيفة، أو قراءة كتاب، أو كتابة اليوميات، مع خفض الإضاءة وتجنب الشاشات والأنشطة المحفزة الأخرى.

وتشير كابوديلوبو إلى أنه حتى لو أدى شيء مثل التأمل لمدة 10 دقائق إلى تأخير موعد النوم، فإن تهيئة الجسم لحالة من الهدوء يمكن أن تساعدك على النوم بشكل أسرع بمجرد أن تستلقي بين الأغطية.

كما يمكن أن تكون وجبة ما بعد التمرين الصحية فكرة جيدة. إذا أحرقت كمية كبيرة من الغلوكوز لدرجة أنك تصبح في حالة من نقص الكربوهيدرات، ثم لم تعوّض الوقود، فسيضطر جسمك إلى الاستعانة بمخازن الدهون للحفاظ على نسبة السكر في الدم طوال الليل.

وتشير دراسة صغيرة، نُشرت في مجلة «طب الرياضة»، إلى أن بعض الأشخاص يمكنهم ممارسة التمارين المسائية ما داموا قد تجنبوا النشاط العنيف قبل ساعة على الأقل من موعد النوم.

ودرس الباحثون، وفقاً لموقع جامعة «هارفارد»، 23 دراسة قيّمت بدء النوم وجودته لدى بالغين أصحّاء أدّوا جلسة واحدة من التمارين المسائية، مقارنة ببالغين مماثلين لم يؤدّوها، ووجدوا أن التمارين المسائية لم تؤثر سلباً على النوم، بل بدت كأنها تساعد الأشخاص على النوم بشكل أسرع، وقضاء وقت أطول في النوم العميق. ومع ذلك فإن الذين مارسوا تمارين عالية الكثافة قبل أقل من ساعة من موعد النوم، استغرقوا وقتاً أطول للنوم، وكانت جودة نومهم أسوأ.


ألزهايمر... كيف غيّر العلم فهمه وأتاح آفاقاً جديدة في التشخيص والعلاج؟

ألزهايمر... كيف غيّر العلم فهمه وأتاح آفاقاً جديدة في التشخيص والعلاج؟
TT

ألزهايمر... كيف غيّر العلم فهمه وأتاح آفاقاً جديدة في التشخيص والعلاج؟

ألزهايمر... كيف غيّر العلم فهمه وأتاح آفاقاً جديدة في التشخيص والعلاج؟

لم يعد الخوف من مرض ألزهايمر يقتصر على فقدان الذاكرة فحسب، بل أصبح يشمل تساؤلات يطرحها الكثيرون مع تقدم العمر، وفي مقدمتها: كيف يمكننا حماية أدمغتنا؟ وبينما ظل الطب، حتى وقت قريب، يركز على تشخيص المرض بعد ظهور أعراضه بوضوح، يشهد هذا المجال اليوم تحولاً علمياً لافتاً؛ فقد أدت التطورات المتسارعة إلى إعادة رسم صورة العلماء لمرض ألزهايمر، وأتاحت وسائل تشخيص أكثر دقة، بالإضافة إلى علاجات تستهدف آلياته البيولوجية الجذرية، بعد أن كان التعامل معه يقتصر في الغالب على تخفيف الأعراض فقط.

ولا تعني هذه التحولات أن الطب قد اقترب من إيجاد علاج نهائي للمرض، إلا أنها تعكس نقلة نوعية مهمة في فهمه، وكيفية التعامل معه؛ ما يفتح آفاقاً جديدة أمام المرضى، وأسرهم، ويزود الباحثين بأدق الأدوات لاستكشاف ما يطرأ على الدماغ من تغيرات مع التقدم في العمر.

د. رونالد بيترسن

حوار طبي

وفي هذا السياق أجرت «صحّتك» حواراً بالبريد الالكتروني مع الدكتور رونالد سي. بيترسن (Ronald C. Petersen) -أستاذ أبحاث مرض ألزهايمر في مركز كورا كانو (the Cora Kanow) بكلية طب مايوكلينك، واستشاري طب الأعصاب، وأحد أبرز الباحثين في مجال القدرات المعرفية لدى كبار السن الأصحاء، وحالات الضعف الإدراكي والخرف- لاستعراض أبرز التحولات التي يشهدها هذا المجال، بدءاً من تصحيح المفاهيم الشائعة حول المرض، والمعلومات الأساسية التي ينبغي أن يعرفها الناس اليوم عن صحة الدماغ، ومروراً بالمؤشرات الحيوية، واختبارات الدم، والعلاجات الحديثة، ووصولاً إلى الدور الذي يمكن أن يؤديه نمط الحياة والأسرة في دعم المرضى، والحفاظ على صحة الدماغ.

• ألزهايمر ليس جزءاً طبيعياً من الشيخوخة. لا يزال الاعتقاد بأن مرض ألزهايمر نتيجة حتمية للتقدم في العمر من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً، رغم أن الأبحاث الطبية تؤكد غير ذلك. صحيح أن التقدم في السن يُعد أهم عوامل خطر الإصابة بالمرض، ولكنه لا يعني بالضرورة أن كل شخص سيصاب به. فكثير من الناس يحتفظون بقدراتهم الإدراكية حتى مراحل متقدمة من العمر، دون أن تظهر لديهم علامات مرض ألزهايمر.

ويؤكد الدكتور رونالد بيترسن أن التمييز بين الشيخوخة الطبيعية والمرض يمثل الخطوة الأولى في التشخيص. فالتقييم السريري يبدأ بتحديد ما إذا كانت الوظائف الإدراكية طبيعية، أو أن الشخص يعاني من ضعف إدراكي طفيف، أو من الخرف، وذلك قبل البحث عن السبب الكامن وراء هذه التغيرات. وعندما تشير الأعراض إلى احتمال وجود مرض ألزهايمر، تساعد المؤشرات الحيوية على الكشف عن البروتينات المرتبطة به، وعلى رأسها «أميلويد» و«تاو»، اللذان أصبحا يمثلان حجر الأساس في فهم المرض، وتشخيصه.

• الأعراض وبيولوجيا المرض. ظل تشخيص مرض ألزهايمر لعقود يعتمد بدرجة كبيرة على تقييم الأعراض، والقدرات الإدراكية للمريض، لكن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً مهماً في هذا النهج. فلم يعد الاهتمام منصباً على ما يظهر من تغيرات في الذاكرة، والتفكير فحسب، بل أصبح بالإمكان البحث عن التغيرات البيولوجية التي تسبق ظهور الأعراض بسنوات، وهو ما أسهم في إعادة تعريف المرض، وفهم مراحله بصورة أكثر دقة.

ويشير الدكتور رونالد بيترسن إلى أن هذا التطور ارتبط بتقدم المؤشرات الحيوية القادرة على الكشف عن البروتينات المرتبطة بمرض ألزهايمر، وفي مقدمتها بروتينا «أميلويد» و«تاو»، اللذان يُعد تراكمهما من السمات الأساسية للمرض. ويمكن اليوم رصد هذه المؤشرات باستخدام تقنيات متعددة، مثل التصوير المقطعي المتخصص بالإصدار البوزيتروني (PET)، وتحليل السائل الدماغي الشوكي، إضافة إلى اختبارات الدم التي تمثل أحدث التطورات في هذا المجال، إذ تتيح وسائل أقل تدخلاً وأكثر سهولة للمساعدة في تقييم المرضى، مع استمرار العمل على توسيع استخدامها في الممارسة السريرية.

العلاج• من تخفيف الأعراض إلى استهداف المرض. ظل علاج مرض ألزهايمر لسنوات طويلة يركز على تخفيف الأعراض، وتحسين جودة حياة المرضى، دون أن يتمكن من التأثير في مسار المرض نفسه. لكن فهم الآليات البيولوجية المرتبطة بالمرض -وفي مقدمتها تراكم بروتينَيْ الأميلويد، والتاو- فتح الباب أمام تطوير علاجات تستهدف هذه التغيرات مباشرة، وهي العلاجات بالأجسام المضادة وحيدة النسيلة، وهو تحول يعد من أبرز ما شهده هذا المجال خلال السنوات الأخيرة.

ويؤكد الدكتور رونالد بيترسن أن هذه العلاجات لا تمثل شفاءً من المرض، كما أنها ليست مناسبة لجميع المرضى، إلا أنها تعكس تغيراً مهماً في فلسفة العلاج، إذ أصبح الهدف لا يقتصر على التعامل مع الأعراض، بل يشمل محاولة إبطاء تطور المرض لدى فئات محددة من المرضى الذين تُشخَّص حالتهم في مراحلها المبكرة، مع التأكيد على أن اختيار العلاج يعتمد على تقييم طبي دقيق لكل حالة.

• الأسرة شريك أساسي في رحلة العلاج. ويؤكد الدكتور رونالد بيترسن أن دور الأسرة لا يقل أهمية عن التشخيص، والعلاج، بل يمتد إلى دعم المريض في حياته اليومية، ومساندة أسرته التي تتحمل جزءاً كبيراً من مسؤولية الرعاية. ويؤكد أن نجاح التعامل مع المرض يعتمد على شراكة متكاملة بين الفريق الطبي، والمريض، وأفراد أسرته، لما لهم من دور في ملاحظة التغيرات المبكرة، والمساعدة في الالتزام بالخطة العلاجية، وتوفير بيئة آمنة وداعمة تحافظ على استقلالية المريض لأطول فترة ممكنة.

ويشير إلى أن التطورات العلمية التي يشهدها هذا المجال تمنح المرضى وأسرهم أسباباً واقعية للتفاؤل، لكنها في الوقت نفسه تؤكد أهمية التشخيص المبكر، والمتابعة المنتظمة، لأن الاستفادة من كثير من وسائل التشخيص والعلاجات الحديثة ترتبط باكتشاف المرض في مراحله الأولى. ولذلك، فإن ملاحظة أي تغيرات مستمرة في الذاكرة أو التفكير أو القدرة على أداء الأنشطة اليومية تستدعي استشارة الطبيب، دون افتراض أنها جزء طبيعي من التقدم في العمر.

الحفاظ على صحة الدماع

• كيف يمكن الحفاظ على صحة الدماغ؟ رغم أن التقدم في العمر يظل أهم عوامل خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، فإن الأبحاث تشير إلى أن نمط الحياة قد يؤدي دوراً مهماً في الحفاظ على صحة الدماغ، ودعم الوظائف الإدراكية مع التقدم في السن. ويؤكد الدكتور رونالد سي. بيترسن أن حماية الدماغ لا تعتمد على عامل واحد، بل على منظومة متكاملة من العوامل الصحية والسلوكية التي تعمل معاً، وتشمل نمط الحياة، والعوامل الوراثية، والنشاط الذهني، والمتابعة الطبية المنتظمة.

• نمط الحياة نقطة البداية. يشدد الدكتور بيترسن على أن ممارسة النشاط البدني بانتظام، واتباع نظام غذائي متوازن، والحصول على نوم كافٍ، والسيطرة على عوامل الخطر الوعائية -مثل ارتفاع ضغط الدم، والسكري وارتفاع الكوليسترول- تمثل جميعها ممارسات ترتبط بصحة الدماغ، تماماً كما ترتبط بصحة القلب.

• الوراثة ليست قدراً محتوماً. وفيما يتعلق بالعوامل الوراثية، يشير الدكتور بيترسن إلى أنها تؤدي دوراً في الإصابة بمرض ألزهايمر، ولكنها لا تفسر سوى نسبة محدودة جداً من الحالات. فالحالات الناتجة عن طفرات جينية وراثية نادرة، ولا تمثل سوى نحو واحد في المائة من إجمالي الإصابات، وغالباً ما تظهر في سن مبكرة. أما الغالبية العظمى من الحالات، فإنها تنتج عن تداخل عوامل متعددة، تشمل التقدم في العمر، والاستعداد الوراثي، والعوامل البيئية، ونمط الحياة. ويضيف أن وجود قريب من الدرجة الأولى مصاب بالمرض، أو حمل بعض المتغيرات الجينية، مثل APOE4، قد يزيدان من خطر الإصابة، لكنه لا يعني حتمية حدوثها، مؤكداً أن اتباع نمط حياة صحي يدعم الشيخوخة الصحية، حتى وإن لم يكن بالإمكان الجزم بأنه يمنع الإصابة بمرض ألزهايمر بصورة قاطعة.

• نشّط دماغك وراجع أدويتك. ولا يقتصر الحفاظ على صحة الدماغ على الصحة الجسدية، إذ يوضح الدكتور بيترسن أن النشاط الذهني والاجتماعي لا يقل أهمية، مشيراً إلى أن التعلم المستمر، والقراءة، وممارسة الهوايات، والتفاعل مع الآخرين، كل ذلك قد يسهم في بناء ما يُعرف بـ«الاحتياطي الإدراكي» (Cognitive Reserve)، ويُقصد به قدرة الدماغ على التكيف مع التغيرات المرضية، وتأخير ظهور آثارها السريرية لدى بعض الأشخاص.

ويلفت أيضاً إلى أن بعض الأدوية قد تؤثر في الذاكرة، والقدرات الإدراكية، خاصة لدى كبار السن، ومن أبرزها الأدوية المضادة للكولين المستخدمة في علاج بعض اضطرابات المثانة، إضافة إلى بعض المهدئات، والحبوب المنومة التي قد تضعف الانتباه والتفكير خلال ساعات النهار. لذلك ينصح بمراجعة الأدوية بصورة دورية مع الطبيب، لتقليل استخدام الأدوية التي قد تؤثر سلباً في الذاكرة أو الإدراك كلما كان ذلك ممكناً.

• السمع والبصر أكثر أهمية مما نتصور. يؤكد الدكتور بيترسن أن الاهتمام بصحة السمع والبصر، ومعالجة أي ضعف فيهما عند الحاجة، أصبحا جزءاً من النظرة الحديثة للحفاظ على الوظائف الإدراكية مع التقدم في العمر، لأن المحافظة على صحة الدماغ لا ترتبط بعامل واحد، بل بمنظومة متكاملة من العوامل الصحية، والسلوكية.

5 توصيات من الدكتور بيترسن

وفي ختام الحوار، طلبت «صحّتك» من الدكتور رونالد سي. بيترسن أن يختصر أهم ما يوصي به القراء للحفاظ على صحة الدماغ في خمس رسائل عملية، فجاءت إجابته على النحو الآتي:

1. لا تتجاهل أي تغيرات مستمرة في الذاكرة، أو التفكير، واطلب تقييماً طبياً مبكراً، فليس كل ضعف في الذاكرة يكون ناتجاً عن مرض ألزهايمر.

2. احرص على ممارسة النشاط البدني بانتظام، لأنه أحد أهم العوامل المرتبطة بصحة الدماغ.

3. حافظ على نشاطك الذهني والاجتماعي من خلال التعلم، والقراءة، والهوايات، والتواصل مع الآخرين.

4. اتبع نظاماً غذائياً صحياً، واحرص على نوم كافٍ، وقلل التوتر قدر الإمكان، لما لذلك من أثر في دعم الشيخوخة الصحية.

5. راجع أدويتك بصورة دورية مع طبيبك، خاصة مع التقدم في العمر، لتقليل الأدوية التي قد تؤثر في الذاكرة، أو القدرات الإدراكية، كلما كان ذلك ممكناً.

إن مسيرة فهم مرض ألزهايمر تشهد اليوم مرحلة جديدة تختلف عما كان سائداً قبل سنوات قليلة. فقد أسهم التقدم في المؤشرات الحيوية، واختبارات الدم، والعلاجات الموجهة في تغيير طريقة تشخيص المرض، والتعامل معه، وذلك بعد أن كان التركيز ينصب لسنوات طويلة على تخفيف الأعراض فقط. ويعكس هذا التحول ثمرة عقود من البحث العلمي التي أعادت تشكيل نظرة الأطباء إلى المرض، وفتحت آفاقاً جديدة للتشخيص المبكر، والرعاية الأكثر دقة.

ورغم أن ألزهايمر لا يزال يمثل أحد أكبر التحديات الصحية المرتبطة بالتقدم في العمر، فإن الرسالة التي يحملها هذا التطور تدعو إلى التفاؤل الواقعي؛ فكلما ازداد فهم العلماء لآليات المرض، تحسنت فرص اكتشافه في مراحله الأولى، واتسعت الخيارات المتاحة للتعامل معه، بما يمنح المرضى وأسرهم فرصة أفضل للتخطيط للرعاية، والحفاظ على جودة الحياة.

*استشاري طب المجتمع