تناول المكسرات ينشط الذاكرة ويمنع تدهورها

يرتبط بتغيرات إيجابية أكبر في الوظائف الإدراكية

تناول المكسرات ينشط الذاكرة ويمنع تدهورها
TT

تناول المكسرات ينشط الذاكرة ويمنع تدهورها

تناول المكسرات ينشط الذاكرة ويمنع تدهورها

ربما يجدر بمتوسطي العمر وكبار السن الحرص على تناول المكسرات، وجعلها ضمن وجبات طعامهم اليومية. والسبب الجديد لهذه النصيحة «الذهبية» هو ما دلت عليه نتائج إحدى أحدث الدراسات الطبية التي فحصت العلاقة بين تناول المكسرات ومدى التدهور في القدرات الذهنية المعرفية Cognitive Function.

تناول المكسرات

وتُضاف هذه الجدوى إلى فوائد سابقة أثبتتها عدة دراسات طبية سابقة ومحكمة، تتعلق بالتأثيرات الصحية الإيجابية لتناول المكسرات على سلامة الشرايين وصحة القلب وضبط ارتفاع وزن الجسم وحفظ وظائف الكلى وغيرها.

ووفق ما تم عرضه ضمن عدد أغسطس (آب) الماضي من «المجلة الأميركية للتغذية الإكلينيكية» The American Journal of Clinical Nutrition، قدم مجموعة باحثين من إسبانيا نتائج دراستهم بعنوان «استهلاك أعلى مقابل استهلاك أقل للمكسرات، والتغيرات في الأداء المعرفي على مدى عامين في مجموعة سكانية معرضة لخطر التدهور المعرفي: دراسة جماعية».

وأوضح الباحثون في مقدمة عرضهم ما دفعهم إلى إجراء هذه الدراسة بالقول: «لمكسرات Nuts هي منتجات غنية بالعناصر الغذائية وبالمكونات الواقية للأعصاب. وبالتالي، فإن استهلاكها يمكن أن يفيد الصحة الذهنية المعرفية. ومع ذلك، فإن الأدلة حتى الآن محدودة وغير متسقة فيما يتعلق بالفوائد المحتملة للمكسرات للوظيفة الإدراكية». وأضافوا أن الهدف هو: «التقييم المستقبلي للعلاقة بين استهلاك المكسرات لمدة سنتين، والتغيرات في الأداء المعرفي لدى كبار السن الذين هم أعلى عُرضة لخطر التدهور المعرفي». وشملت الدراسة نحو 7 آلاف شخص ممنْ تتراوح أعمارهم ما بين 55 و75 سنة. وكانوا من الذكور والإناث غير الأصحاء، بل الذين يعانون بالفعل من زيادة الوزن أو السمنة، ومتلازمة التمثيل الغذائي (متلازمة الأيض Metabolic Syndrome). وللتوضيح، فإن متلازمة الأيض هي مجموعة من المشاكل التي تحدث معاً، وتزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية ومرض السكري من النوع الثاني. وتشمل تلك المشاكل ارتفاع ضغط الدم، وارتفاع السكر في الدم، وزيادة دهون الجسم حول الوسط، ومستويات غير طبيعية من الكوليسترول أو الدهون الثلاثية.

تقييم وظائف الإدراك

واستخدم الباحثون وسائل دقيقة في تقييم درجات المعرفية المركبة Composite Cognitive Scores، لتقييم القدرات التنفيذية للوظائف الذهنية العامة والانتباه والتنفيذ. كما تم تركيب نماذج لمنحنى متغيرات تقييم الارتباطات بين تناول المكسرات والتغيرات في القدرات المعرفية خلال سنتين من المتابعة.

وأفاد الباحثون بأن حجم حصة المكسرات Nut Serving هو نحو 30 غراماً. وتم تصنيف مدى تناول المكسرات إلى 4 درجات، هي: أقل من 1حصة / الأسبوع، 1 - 2 حصة / الأسبوع، 3 - 6 حصة / الأسبوع، 7 حصص / الأسبوع، أو أكثر.

وقال الباحثون في عرض نتائجهم: «حتى خلال فترة عامين، القصيرة نسبياً، يساعد تناول المكسرات بشكل متكرر في تأخير التدهور المعرفي لدى كبار السن الذين يعانون من زيادة الوزن/السمنة، ومتلازمة التمثيل الغذائي، المعرضون بالأصل لخطر التدهور المعرفي. وتقدم الدراسة الحالية نتائج مستقبلية جديدة للارتباطات بين تناول المكسرات والتغيرات اللاحقة في الوظيفة المعرفية. وتظهر نتائجنا أن التكرار الأعلى لاستهلاك المكسرات يرتبط بالتغيرات الإيجابية الأكبر في الوظائف الإدراكية، مما يشير إلى وجود علاقة استجابة مبنية على مقدار الجرعة، بين استهلاك المكسرات والتأخير في التدهور المعرفي، خلال فترة سنتين».

وأضافوا: «وجدنا أيضاً تفاعلًا تآزرياً Synergistic Interaction بين تناول المكسرات والاكتئاب Depression. مما يشير إلى أن الذين يعانون من أعراض الاكتئاب في الأساس، يميلون إلى الاستفادة من تناول المكسرات، أكثر من أولئك الذين لا يعانون من الاكتئاب».

وقام الباحثون بتقديم تقييم تحليلي لمكونات العناصر الغذائية الصحية في المكسرات، وعلاقة توافرها في الجسم بالحفاظ على القدرات الذهنية المعرفية لدى الشخص. وقالوا: «تم اقتراح العديد من الآليات المحتملة الكامنة وراء الارتباطات بين تناول المكسرات والوظيفة المعرفية».

ويعد الإجهاد التأكسدي Oxidative Stress (بسبب تراكم الجذور الحرّة)، والتهاب الأعصاب Neuroinflammation، وانخفاض تدفق الدم (إلى الدماغ)، من الآليات الحاسمة التي تؤدي إلى تكوين لويحات الشرايين Arterial Plaques (تضييقات الشرايين الناجمة عن تراكم الدهون والكوليسترول في جدران الشرايين)، ما يؤدي إلى موت الخلايا العصبية والخلل العضوي (في الوظائف العصبية الذهنية)، وبالتالي يؤدي إلى التدهور المعرفي والأمراض الانتكاسية للتلف العصبي Neurodegenerative Diseases».

المكسرات تقي الأوعية الدموية

وإزاء هذه الآليات المرضية، عرض الباحثون دور المكسرات، بقولهم: «تحتوي المكسرات على كمية عالية من الدهون غير المشبعة Unsaturated Fat، التي لها تأثيرات وقائية للأوعية الدموية Vasculo - Protective وتعمل كمضادة للالتهابات Anti - Inflammatory. هذا إضافة إلى جانب أدوارها (أي الدهون غير المشبعة) التي لا غنى عنها في الحفاظ على بنية الخلايا العصبية ووظيفتها، وتعديل اللدونة العصبية Neuronal Plasticity، ومختلف عمليات التفاعلات الكيميائية الحيوية في الأعصاب والأوعية الدموية».

وإضافة إلى عنصر الدهون غير المشبعة، الغنية بها المكسرات، عرضوا جوانب أخرى بقولهم: «يمكن للبروتين النباتي عالي الجودة والأحماض الأمينية Amino Acids (المكونات الدقيقة للبروتينات) الموجودة في المكسرات، مثل L - arginine، أن تمارس تأثيرات عصبية إيجابية، من خلال الآليات المضادة لتصلب الشرايين ومضادات الأكسدة Antioxidative Mechanisms، وتعديل الالتهاب العصبي، وتحسين وظيفة بطانة الأوعية الدموية Endothelial Function». وتحدثوا عن المحتوى من المعادن في المكسرات بقولهم: «أظهرت التركيبة المعدنية المثلى للمكسرات، كونها غنية بالكالسيوم والمغنيسيوم والبوتاسيوم ولكنها خالية من الصوديوم، آثاراً مفيدة على ضغط الدم ومدى استجابة الجسم للأنسولين Insulin Sensitivity. علاوة على ذلك، فإن المحتوى العالي من الألياف الغذائية Dietary Fiber، جنباً إلى جنب مع الدهون غير المشبعة ومركبات البوليفينول Polyphenols(المضادة للأكسدة)، يمكن أن يعمل كل ذلك على تعديل (مكونات وظروف بيئة تكاثر وحيوية نشاط) الميكروبات المعوية Gut Microbiota (الصديقة في القولون)، وبالتالي، تحسين الوظيفة المعرفية من خلال ما يُعرف بمحور الأمعاء والدماغ Gut - Brain Axis».

يساعد تناول المكسرات بشكل متكرر في تأخير التدهور المعرفي لدى كبار السن الذين يعانون من زيادة الوزن

صحة شرايين القلب وتناول المكسرات

تعتبر دراسة باحثين من كلية الطب بجامعة «هارفارد»، التي نشرت في مجلة الكلية الأميركية لطب القلب Journal of the American College of Cardiology في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2017، دراسة حاسمة في توضيح التأثيرات الصحية الإيجابية لتناول المكسرات على صحة القلب والأوعية الدموية. وهي أكبر وأوسع دراسة طبية تمت حتى اليوم حول هذا الأمر، وشملت نحو ربع مليون شخص، تمت متابعتهم لمدة تتجاوز 32 سنة.

وإجمالاً، أفادت نتائجها بأن الناس الذين يتناولون المكسرات بانتظام، تنخفض لديهم مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، وبالذات أمراض شرايين القلب التاجية، وذلك مقارنة مع الناس الذين لا يتناولون المكسرات أبداً أو يتناولونها في النادر.

وعلى سبيل المثال لاحظ الباحثون في نتائجها، أن:

- تناول حصة غذائية من مكسرات الجوز Walnuts، أو عين الجمل، مرة واحدة أو أكثر من مرة في الأسبوع ارتبط مع انخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بنسبة 19%، وارتبط كذلك مع انخفاض خطر الإصابة بأمراض شرايين القلب التاجية بنسبة 21%، وذلك بالمقارنة مع منْ لا يتناولونها.

- الأشخاص الذين يتناولون مرتين أو أكثر في الأسبوع حصة غذائية من بقول الفول السوداني Peanuts، الذي هو من البقول بالأصل وليس من المكسرات بالتعريف العلمي (المكسرات ثمار جافة ذات غلاف صلب)، ينخفض لديهم خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بنسبة 13%، كما ينخفض لديهم خطر الإصابة بأمراض شرايين القلب التاجية بنسبة 15%، وذلك بالمقارنة مع منْ لا يتناولونها.

- الأشخاص الذين يتناولون حصة غذائية، مرتين أو أكثر في الأسبوع من أنواع المكسرات الأخرى، مثل اللوز أو المكسرات البرازيلية أو الكستناء أو البندق أو مكسرات الماكاداميا أو البقان أو الفستق أو الصنوبر، ينخفض لديهم خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بنسبة 15%، كما ينخفض لديهم خطر الإصابة بأمراض شرايين القلب التاجية بنسبة 23%، وذلك بالمقارنة مع منْ لا يتناولونها.

- تناوُل كل من الجوز أو الفول السوداني مرتبط بانخفاض معدلات الإصابة بالسكتة الدماغية.

وضمن مقالة تحريرية تم نشرها برفقة هذه الدراسة، ضمن نفس عدد مجلة الكلية الأميركية لطب القلب، قال الدكتور إميليو روس، المتخصص في أمراض الغدد الصماء والتغذية الإكلينيكية بمستشفى كلينيك في برشلونة: «إن اتساق النتائج بقوة يشير إلى وجود علاقة بين استهلاك المكسرات وحماية أمراض القلب، ويمكن اعتبار المكسرات الطبيعية وغير المعالجة، أنها كبسولات صحية طبيعية يمكن دمجها بسهولة في أي نظام غذائي لحماية القلب، وتحسين مستوى صحة القلب والأوعية الدموية، وتعزيز عيش مستوى صحي أفضل في مرحلة الشيخوخة».

المكسرات غنية بالعناصر الغذائية وبالمكونات الواقية للأعصاب، ومن ثم فإن استهلاكها يمكن أن يفيد الصحة الذهنية المعرفية

تناول المكسرات... إشكالية غير حقيقية في التسبب بزيادة الوزن

تم إجراء العديد من الدراسات الطبية حول العلاقة بين تناول المكسرات وزيادة وزن الجسم. وتفيد معظم نتائج الدراسات تلك أن تناول المكسرات لا يؤدي إلى زيادة الوزن.

وكان باحثون من قسم التغذية والأطعمة بجامعة جورجيا بالولايات المتحدة، قد قدموا دراسة مراجعة تحليلية منهجية لـ55 دراسة فحصت تلك العلاقة - نشرت ضمن عدد مارس (آذار)/ أبريل (نيسان) 2021 من «مجلة التغذية المتقدمة» Advances in Nutrition، لسان حال الجمعية الأميركية للتغذية ASN.

وأفاد الباحثون بأن بعض تلك الدراسات فحصت علاقة تناول المكسرات مع تعليمات استبدال النظام الغذائي Dietary Substitution Instructions، أي حساب كمية كالورى السعرات الحرارية في المكسرات، ومعادلتها بخفض تناول أطعمة أخرى، لجعل إجمالي كمية كالورى السعرات الحرارية للأطعمة التي يتناولها المرء خلال اليوم، ضمن النطاق المنصوح به لخفض الوزن ضمن المعدلات الطبيعية. والبعض الآخر من تلك الدراسات كان من دون ذلك.

وأفاد الباحثون في نتائج الدراسة: «لم يكن هناك تغيير في وزن الجسم أو محيط الخصر أو مؤشر كتلة الجسم في نوعي الدراسات. بل في دراسات تناول المكسرات مع تعليمات الاستبدال الغذائي، كان ثمة انخفاض كبير في النسبة الكلية للشحوم في الجسم، إضافة إلى عدم وجود تغيير في مؤشر كتلة الجسم أو محيط الخصر أو مؤشر كتلة الجسم».

وأيدت هذه الجوانب المتعلقة بالوزن وكمية السعرات الحرارية في المكسرات دراسة أخرى لباحثين من جامعة «هارفارد»، نشرت ضمن عدد سبتمبر (أيلول) 2019 لـ«المجلة البريطانية للتغذية والوقاية والصحة» BMJ NPH، وكانت بعنوان «تأثيرات تغير تناول المكسرات على تغير الوزن لدى الرجال والنساء في الولايات المتحدة على المدى الطويل». وقال الباحثون في نتائجها: «ترتبط زيادة الاستهلاك اليومي للمكسرات بانخفاض زيادة الوزن على المدى الطويل، وانخفاض خطر الإصابة بالسمنة لدى البالغين».


مقالات ذات صلة

هل تعاني جفاف وحكة الجلد؟ 9 مكملات غذائية قد تساعدك

صحتك انخفاض مستويات فيتامين د في الجسم يرتبط بزيادة احتمالات جفاف البشرة (بيكسلز)

هل تعاني جفاف وحكة الجلد؟ 9 مكملات غذائية قد تساعدك

تشير دراسات متزايدة إلى أن بعض المكملات الغذائية المتاحة دون وصفة طبية قد تلعب دوراً مهماً في دعم صحة البشرة وتحسين قدرتها على الاحتفاظ بالرطوبة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك يُعد الشاي الأخضر من أكثر المشروبات الصحية شيوعاً حول العالم (بيكسباي)

مكملات غذائية وأطعمة لا تتناولها مع الشاي الأخضر

رغم فوائد الشاي الأخضر الكثيرة، يحذر خبراء التغذية من أن تناوله مع بعض الأطعمة أو المكملات الغذائية قد يقلل فائدته.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك قِطع من الشوكولاته الداكنة (د.ب.أ)

ماذا يحدث لجسمك عند تناول الشوكولاته الداكنة بانتظام؟

تحظى الشوكولاته الداكنة باهتمام متزايد من الباحثين وخبراء التغذية؛ لما قد تحمله من فوائد صحية، فهي تحتوي على نِسب عالية من الكاكاو ومضادات الأكسدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك النشاط البدني المعتدل مثل المشي السريع مفيد لصحة مرضى القلب (جامعة شيكاغو)

هل المشي يعوض عن ممارسة التمارين الرياضية؟

تعد ممارسة رياضة المشي بشكل دائم وسيلة للحصول على فوائد صحية عديدة، منها تعزيز فقدان الوزن وتحسين المزاج.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
صحتك كثير منا يسعى لفقدان الوزن بسرعة (أ.ب)

8 طرق لإنقاص الوزن بسرعة وأمان

يسعى الكثير منا لفقدان الوزن بسرعة، سواء استعدادًا لعطلة أو مناسبة خاصة، أو لتحسين الصحة العامة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

توتر الوالدين… عامل خفي يزيد سمنة الأطفال

توتر الوالدين… عامل خفي يزيد سمنة الأطفال
TT

توتر الوالدين… عامل خفي يزيد سمنة الأطفال

توتر الوالدين… عامل خفي يزيد سمنة الأطفال

تشهد معدلات السمنة بين الأطفال ارتفاعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة؛ إذ أظهرت بيانات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، في الولايات المتحدة، أن نحو طفل أو مراهق من بين كل خمسة استوفى التعريف الطبي للسمنة عام 2024.

وعلى الرغم من تركيز برامج الوقاية التقليدية على التغذية الصحية والنشاط البدني، يشير بحث جديد من جامعة ييل إلى أن توتر الوالدين قد يكون عاملاً خفياً يفاقم خطر السمنة في مرحلة الطفولة المبكرة. وفقاً لموقع «ساينس ديلي».

قاد الدراسة عالمة النفس راجيتا سينها، التي أكدت أن معالجة توتر الآباء يمكن أن تكون «الركيزة الثالثة»، في مكافحة السمنة لدى الأطفال. وقالت: «عندما ساعدنا الآباء على التعامل مع التوتر بشكل أفضل، تحسّن أسلوبهم في التربية، وانخفض خطر إصابة أطفالهم بالسمنة». ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة «Pediatrics» الطبية.

وتشير أبحاث سابقة إلى أن الأطفال أكثر عرضة للسمنة إذا كان آباؤهم يعانون منها. أما الدراسات الجديدة فتوضح أن التوتر النفسي لدى الوالدين قد يؤدي إلى اعتماد وجبات سريعة ونمط غذائي غير صحي، ما ينعكس على الأطفال. ويزيد الضغط النفسي من اضطراب الروتين العائلي، وتراجع الممارسات التربوية الإيجابية، ما يرفع خطر السمنة بين الصغار.

لاختبار هذا التأثير عملياً، أجرى فريق ييل تجربة وقائية استمرت 12 أسبوعاً بمشاركة 114 من الآباء من خلفيات متنوعة، لديهم أطفال تتراوح أعمارهم بين عامين وخمسة أعوام يعانون من زيادة الوزن أو السمنة. تم تقسيم المشاركين إلى مجموعتين:

المجموعة الأولى شاركت في برنامج «التربية الواعية من أجل الصحة (PMH)»، الذي جمع بين تقنيات اليقظة الذهنية، ومهارات ضبط السلوك، وإرشادات حول التغذية والنشاط البدني.

أما المجموعة الثانية فتلقَّت استشارات حول التغذية والنشاط البدني فقط.

وخلال الجلسات الأسبوعية التي استمرت ساعتين، تم قياس مستويات التوتر لدى الوالدين، ومتابعة وزن الأطفال، إضافة إلى مراقبة سلوكيات التربية واستهلاك الأطفال للأطعمة الصحية وغير الصحية قبل وبعد البرنامج، وإعادة القياس بعد ثلاثة أشهر من نهايته.

وأظهرت النتائج أن مجموعة برنامج «PMH» شهدت تحسناً واضحاً في مستويات التوتر لدى الآباء، وتحسناً في أساليب التربية، وتراجع استهلاك الأطفال للأطعمة غير الصحية. كما لم يظهر الأطفال زيادة ملحوظة في الوزن بعد ثلاثة أشهر.

أما الأطفال في المجموعة الثانية، فقد اكتسبوا وزناً أكبر بشكل ملحوظ، وكانوا أكثر عرضة بست مرات للانتقال إلى فئة زيادة الوزن أو خطر السمنة. كما استمرت العلاقة بين توتر الوالدين وضعف أساليب التربية وانخفاض تناول الأطفال للأطعمة الصحية لدى هذه المجموعة.

وقالت سينها: «الجمع بين اليقظة الذهنية، وتنظيم السلوك، والتوعية بالتغذية والنشاط البدني، يبدو أنها توفر حماية للأطفال من آثار التوتر على الوزن».

وتندرج هذه الدراسة ضمن أبحاث مركز ييل لدراسة التوتر، الذي يدرس العلاقة بين الضغوط النفسية والسلوكيات الصحية والأمراض المزمنة. وتشير النتائج إلى أن دعم الآباء نفسياً قد يكون خطوة أساسية في حماية الأطفال من السمنة، مع أهمية متابعة الدراسات طويلة المدى لفهم أفضل لكيفية الحد من هذا الخطر على المدى الطويل.


رجل يعشق صوت طائرة مقاتلة قبل تشخيصه بالخرف… فما القصة؟

قبل عامين من تشخيص إصابته بالخرف طوّر الرجل حباً شديداً لصوت محركات طائرات «سبيتفاير» (بيكسلز)
قبل عامين من تشخيص إصابته بالخرف طوّر الرجل حباً شديداً لصوت محركات طائرات «سبيتفاير» (بيكسلز)
TT

رجل يعشق صوت طائرة مقاتلة قبل تشخيصه بالخرف… فما القصة؟

قبل عامين من تشخيص إصابته بالخرف طوّر الرجل حباً شديداً لصوت محركات طائرات «سبيتفاير» (بيكسلز)
قبل عامين من تشخيص إصابته بالخرف طوّر الرجل حباً شديداً لصوت محركات طائرات «سبيتفاير» (بيكسلز)

قد تظهر أعراض الخرف عادة في صورة فقدان الذاكرة، أو صعوبات التفكير، والتركيز، لكن دراسات حديثة تشير إلى أن المرض قد يرتبط أيضاً بتغيرات غير متوقعة في السلوك، والاهتمامات، وحتى في تفضيلات الأصوات.

ويعيش أكثر من 55 مليون شخص حول العالم مع الخرف، وهو مصطلح عام يصف مجموعة من الاضطرابات التقدمية التي تؤثر في الذاكرة، والقدرات الإدراكية.

ورغم أن مرض ألزهايمر هو الشكل الأكثر شيوعاً من الخرف، فإن بعض الأنواع الأخرى قد ترتبط بأعراض غير متوقعة.

وبحسب صحيفة «نيويورك بوست»، أصيب رجل يبلغ من العمر 68 عاماً بنوع نادر من الخرف، وأصبح شديد الانجذاب إلى نوع محدد من الأصوات. ويرى الخبراء أن التغير في تفضيلات الأصوات قد يكون سمة مهمة في متلازمة جرى التعرف عليها حديثاً.

ولع مفاجئ بصوت محركات الطائرات

وقبل عامين من تشخيص إصابته بالخرف، طوّر الرجل، الذي أُشير إليه في مجلة طبية بالأحرف الأولى من اسمه CP، حباً شديداً ومفاجئاً لصوت محركات طائرات سبيتفاير المقاتلة.

وكان الرجل يعيش بالقرب من مطار صغير حيث كانت هذه الطائرات المقاتلة ذات المقعد الواحد تحلّق كثيراً فوق المنطقة.

ووفقاً لزوجته، كان CP يركض إلى الخارج عند سماع صوت طائرة سبيتفاير، ويلوح لها بيده، ويذرف الدموع فرحاً. وكان هذا التفاعل مقتصراً على هذا النوع من الطائرات تحديداً، إذ لم يكن يبدي اهتماماً بالأصوات الأخرى للطائرات، ولا اهتماماً عاماً بالطيران.

تشخيص الخرف الجبهي الصدغي

جرى لاحقاً تشخيص إصابة الرجل بما يُعرف بالخرف الجبهي الصدغي السلوكي، وهو اضطراب يؤثر في مناطق الدماغ الواقعة في الفصين الجبهي والصدغي. ويظهر هذا النوع عادة في سن أصغر نسبياً مقارنة بأنواع الخرف الأخرى، إذ يُشخَّص معظم المرضى بين 45 و64 عاماً.

وعلى عكس بعض أشكال الخرف الأخرى، يعاني المصابون بالخرف الجبهي الصدغي من مشكلات أقل في الذاكرة، لكنهم قد يواجهون أعراضاً أخرى مثل نوبات انفعالية، وسلوكيات غير لائقة اجتماعياً، وميل مفرط للألفة مع الغرباء، إضافة إلى احتمال حدوث اضطرابات حركية في المراحل المتقدمة.

وقد كُشف أيضاً عن إصابة الممثل بروس ويليس بهذا النوع من الخرف عام 2023.

أنواع الخرف الجبهي الصدغي

يقسم الخبراء هذا المرض إلى ثلاثة أنواع رئيسة:

-النوع السلوكي: يؤثر في السلوك والشخصية.

-النوع غير الطليق: يؤثر في القدرة على الكلام.

-النوع الدلالي: يؤثر في المعرفة ومعالجة اللغة.

وتشمل أعراض النوع السلوكي تدهور الشخصية، وفقدان الضوابط الاجتماعية، واللامبالاة، وتراجع التعاطف، وضعف الحكم على الأمور، وتغير التفضيلات الغذائية، والسلوكيات المتكررة.

أعراض غير معتادة

إلى جانب انجذابه الشديد إلى صوت طائرات سبيتفاير، عانى CP من تقلبات مزاجية، ولا مبالاة عاطفية، وسرعة الانفعال، وضعف السيطرة على الاندفاع، وتراجع الالتزام بالسلوكيات الاجتماعية المقبولة.

كما أبدى نفوراً من أصوات تغريد الطيور، ومن الأشخاص ذوي الأصوات الحادة.

وظهرت عليه أيضاً رغبة متزايدة في تناول الأطعمة الحلوة، إضافة إلى عادة مقاطعة الآخرين أثناء الحديث.

كما أصبح شديد الانشغال بلعب الشطرنج، وحل ألغاز الكلمات المتقاطعة. وعلى الرغم من صعوبة تعرّفه على وجوه بعض معارفه، فإنه لم يجد صعوبة في تمييز أصوات الأشخاص عبر الهاتف، كما لم تظهر لديه مشكلات واضحة في تذكر اللغة، أو الأحداث الماضية.

احتمال وجود نوع رابع من المرض

ورغم تشخيص إصابته بالخرف الجبهي الصدغي السلوكي، يرى الباحثون أن حالته قد تمثل نوعاً رابعاً من المرض يُعرف باسم النوع الصدغي الأيمن.

ويُطلق هذا الاسم لأن فقدان الأنسجة في الدماغ يتركز بشكل أساسي في الفص الصدغي الأيمن، وهو جزء يرتبط بالفهم المفاهيمي، ومعالجة المعلومات غير اللفظية، مثل الإشارات الاجتماعية.

وأظهر تصوير الدماغ بالرنين المغناطيسي وجود ضمور وفقدان انتقائي للأنسجة في هذا الجزء من الدماغ.

ويشير الخبراء إلى أن هذا النوع يجمع بين بعض أعراض النوعين السلوكي والدلالي، إلا أن تعريفه الدقيق ما زال قيد الدراسة.

العلاقة بين الخرف والسمع

وتسلّط هذه الحالة الضوء أيضاً على العلاقة بين الخرف والسمع.

ففي حين تشير بعض الدراسات إلى أن فقدان السمع قد يزيد خطر الإصابة بالخرف، يرى الباحثون أن هذه الحالة قد تشير أيضاً إلى العكس، أي إن الخرف قد يسبب تغيرات في طريقة معالجة الأصوات، أو تفضيلها.

كما توضح هذه الحالة كيف يمكن للخرف أن يغير اهتمامات المرضى، أو يخلق لديهم هوساً، أو نفوراً جديداً من أشياء معينة.

ويؤكد الباحثون أن التعرف المبكر على مثل هذه الأعراض قد يساعد في تشخيص الخرف الجبهي الصدغي، وأنواع الخرف الأخرى.

وتشير أبحاث حديثة إلى أن ملايين الأشخاص قد يعانون أعراض الخرف من دون تشخيص رسمي، لأن بعض المرضى يفسرون هذه الأعراض على أنها جزء طبيعي من التقدم في العمر.

ورغم عدم وجود علاج شافٍ للخرف حتى الآن، فإن التشخيص المبكر يمنح المرضى وعائلاتهم وقتاً أفضل للتخطيط للمستقبل، والتعامل مع المرض.


الهواتف الذكية قادرة على التنبؤ بصحتنا النفسية

راقب الباحثون مجموعة من المشاركين يرتدون أجهزة متصلة بالإنترنت مثل الهواتف والساعات الذكية (جامعة هارفارد)
راقب الباحثون مجموعة من المشاركين يرتدون أجهزة متصلة بالإنترنت مثل الهواتف والساعات الذكية (جامعة هارفارد)
TT

الهواتف الذكية قادرة على التنبؤ بصحتنا النفسية

راقب الباحثون مجموعة من المشاركين يرتدون أجهزة متصلة بالإنترنت مثل الهواتف والساعات الذكية (جامعة هارفارد)
راقب الباحثون مجموعة من المشاركين يرتدون أجهزة متصلة بالإنترنت مثل الهواتف والساعات الذكية (جامعة هارفارد)

كشفت دراسة جديدة أن الأجهزة المتصلة بالإنترنت، كالهواتف أو الساعات الذكية، قادرة على التنبؤ بدقة بالتقلبات النفسية والإدراكية لدى حامليها، ما يفتح آفاقاً واسعة للكشف المبكر عن التغيرات التي تطرأ على صحة الدماغ.

ولطالما تساءل الباحثون: هل يمكن للهواتف أو الساعات الذكية المساعدة في الكشف المبكر عن علامات الأمراض العصبية أو النفسية؟

وللإجابة عن هذا السؤال، راقب باحثون من جامعة جنيف، مجموعة من المشاركين الذين يرتدون أجهزة متصلة بالإنترنت، واستخدموا تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل بيانات مثل معدل ضربات القلب، والنشاط البدني، والنوم، وتلوث الهواء.

ويوضح إيغور ماتياس، مساعد باحث في معهد البحوث للإحصاء وعلوم المعلومات بجامعة جنيف، والمؤلف الرئيسي للدراسة: «كان الهدف هو تحديد ما إذا كان بإمكان هذه الأجهزة التنبؤ بتقلبات الصحة الإدراكية والنفسية للمشاركين بناءً على هذه البيانات».

ويضيف في بيان، الثلاثاء: «بلغ متوسط ​​نسبة الخطأ 12.5 في المائة فقط، وهو ما يفتح آفاقاً جديدة لاستخدام الأجهزة المتصلة بالإنترنت في الكشف المبكر عن أي خلل أو تغيرات في صحة الدماغ».

وكانت الحالات النفسية هي الأكثر دقة في التنبؤ بها بواسطة التقنيات المستخدمة في الدراسة، حيث تراوحت نسب الخطأ عموماً بين 5 في المائة و10 في المائة. في المقابل، كانت دقة التنبؤ بالحالات الإدراكية أقل، حيث تراوحت نسب الخطأ بين 10 في المائة و20 في المائة.

وفيما يتعلق بأهمية المؤشرات السلبية، برز تلوث الهواء، والأحوال الجوية، ومعدل ضربات القلب اليومي، وتقلبات النوم كأهم العوامل المؤثرة على الإدراك. أما بالنسبة للحالات النفسية، فكانت أهم العوامل المؤثرة هي الطقس، وتقلبات النوم، ومعدل ضربات القلب في أثناء النوم.

صحة الدماغ

وتُعدّ صحة الدماغ، التي تشمل الوظائف المعرفية والعاطفية، من أبرز تحديات الصحة العامة في القرن الحادي والعشرين. ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، يعاني أكثر من ثلث سكان العالم من اضطرابات عصبية مثل السكتة الدماغية، والصرع، ومرض باركنسون، بينما سيُصاب أكثر من نصفهم باضطراب نفسي - بما في ذلك الاكتئاب، واضطرابات القلق، والفصام - في مرحلة ما من حياتهم. ومع تقدم السكان في السن، تستمر هذه الأرقام في الارتفاع.

لذا، يُعد تحليل التغيرات اليومية أو الأسبوعية في الوظائف الإدراكية والعاطفية أمراً بالغ الأهمية لتمكين استراتيجيات وقائية استباقية ومخصصة لكل فرد.

في هذه الدراسة، قام الفريق البحثي بدراسة إمكانية استخدام التقنيات القابلة للارتداء والتقنيات المحمولة، مثل الهواتف أو الساعات الذكية، لمراقبة صحة الدماغ بشكل مستمر وغير جراحي، حيث جرى تزويد 88 متطوعاً تتراوح أعمارهم بين 45 و77 عاماً بتطبيق مخصص للهواتف الذكية وساعة ذكية.

ووفق الدراسة المنشورة في مجلة «إن. بي. جيه ديجيتال ميديسين»، جمعت هذه الأجهزة، على مدار عشرة أشهر، بيانات «تلقائية»، دون أي تدخل أو تغيير في عادات المشاركين اليومية، شملت معدل ضربات القلب، والنشاط البدني، وأنماط النوم، بالإضافة إلى الأحوال الجوية ومستويات تلوث الهواء. وتم تحليل 21 مؤشراً في المجمل. كما قدم المشاركون أيضاً بيانات «فعلية» من خلال استكمال استبيانات حول حالتهم النفسية والخضوع لاختبارات الأداء الإدراكي كل ثلاثة أشهر.

وكما أفاد الباحثون في مقدمة دراستهم: «يُعدّ الرصد المستمر والقابل للتطوير للوظائف الإدراكية والحالات النفسية أمراً بالغ الأهمية للكشف المبكر عن صحة الدماغ».

وأضافوا: «كانت النتائج التي أبلغ عنها المرضى أكثر قابلية للتنبؤ مقارنة بتلك القائمة على أساليب وأدوات الأداء التقليدي المستخدمة حالياً في مثل هذه الحالات، ما يُثبت جدوى المناهج الجديدة المنخفضة التكلفة والقابلة للتوسع في المراقبة المستمرة لصحة الدماغ».