واشنطن وطهران إلى هدنة مشروطة واختبار صعب في باكستان

ترمب اشترط نزع اليورانيوم... ورواية إيرانية تكرس «النصر»... وإسلام آباد لـ«ضبط النفس» بعد انتهاكات

الدخان يتصاعد بموقع غارة أميركية - إسرائيلية على طهران مساء الثلاثاء قبل لحظات من إعلان الهدنة (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد بموقع غارة أميركية - إسرائيلية على طهران مساء الثلاثاء قبل لحظات من إعلان الهدنة (أ.ف.ب)
TT

واشنطن وطهران إلى هدنة مشروطة واختبار صعب في باكستان

الدخان يتصاعد بموقع غارة أميركية - إسرائيلية على طهران مساء الثلاثاء قبل لحظات من إعلان الهدنة (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد بموقع غارة أميركية - إسرائيلية على طهران مساء الثلاثاء قبل لحظات من إعلان الهدنة (أ.ف.ب)

دخلت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران منعطفاً مفاجئاً مع إقرار هدنة لمدة أسبوعين بوساطة باكستانية، فتحت الباب أمام مفاوضات مباشرة في إسلام آباد الجمعة، لكن الهدنة بدت منذ ساعاتها الأولى محاطة بتناقضات جوهرية بين روايتين متباينتين.

وسرعان ما تبدد الارتياح الذي أعقب إعلانها، الأربعاء، مع عودة التوتر إلى واجهة المشهد الإقليمي، بعدما واصلت إسرائيل هجماتها على لبنان، في حين تحدثت تقارير عن ضربات إيرانية طالت منشآت في دول مجاورة.

وجاءت الهدنة بعد تحول مفاجئ في مسار الحرب، مع إقرار هدنة لمدة أسبوعين بوساطة باكستانية، تمهد لمفاوضات مباشرة في إسلام آباد الجمعة، لكنها بدت منذ لحظاتها الأولى محاطة بتناقضات حادة بين الروايتين الأميركية والإيرانية بشأن شروطها وحدودها.

ففي حين دفعت واشنطن باتجاه نزع اليورانيوم ووقف التخصيب، قدمت طهران الاتفاق على أنه قبول أميركي بشروطها و«انتصار» سياسي وعسكري بعد أربعين يوماً من القتال، مع تأكيدها أن وقف إطلاق النار يفترض أن يشمل جميع الجبهات، بما فيها لبنان.

وفي موازاة ذلك، شدد مسؤولون إيرانيون على أن طهران ستدير مضيق هرمز «بذكاء» وأنها ستُبقي على جاهزيتها العسكرية خلال فترة التفاوض، بينما قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن الولايات المتحدة ستعمل «بشكل وثيق» مع إيران، وستبحث ملف العقوبات والرسوم.

وبينما بقيت تفاصيل الاتفاق نفسه، وهوية من سيمثل إيران في محادثات باكستان، موضع التباس سياسي وإعلامي، تصاعدت التحذيرات من هشاشة الهدنة، بعدما تحدثت مصادر إيرانية عن احتمال الانسحاب منها إذا استمرت الهجمات الإسرائيلية، في وقت دعا فيه رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف إلى ضبط النفس حفاظاً على «روح عملية السلام».

وأضاف شريف، منشور على منصة «إكس»: «أحث جميع الأطراف بصدق وإخلاص على ممارسة ضبط النفس واحترام وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، كما تم الاتفاق عليه، حتى تتيح الدبلوماسية التوصل إلى تسوية سلمية للصراع».

وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن شروط وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة «واضحة وصريحة»، مشدداً على أن واشنطن «عليها أن تختار بين وقف إطلاق النار أو استمرار الحرب عبر إسرائيل، ولا يمكنها الجمع بين الاثنين».

وأضاف، في منشور على منصة «إكس»، أن «العالم يرى ما يحدث في لبنان»، معتبراً أن «الكرة الآن في ملعب الولايات المتحدة»، وأن المجتمع الدولي يراقب مدى التزامها بتعهداتها.

وفي تصعيد إضافي يهدد الهدنة، حذّر «الحرس الثوري» من أن استمرار الهجمات الإسرائيلية على لبنان سيقابل برد، قائلاً إن ما جرى في بيروت بعد ساعات من بدء وقف إطلاق النار يمثل، بحسب وصفه، «مجزرة وحشية».

وأضاف، في بيان بثه التلفزيون الإيراني، أنه يوجه «إنذاراً حازماً» إلى واشنطن وحليفتها إسرائيل، مؤكداً أن إيران «ستقوم بواجبها» إذا لم تتوقف الهجمات على لبنان فوراً.

وقال وزير الخارجية الإيراني السابق جواد ظريف إن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أكد أن وقف إطلاق النار يشمل لبنان ومناطق أخرى، مشيراً إلى أن إيران والولايات المتحدة «اتفقتا، مع حلفائهما، على وقف فوري لإطلاق النار في كل مكان».

وأضاف ظريف، في منشور على منصة «إكس»، أن ما وصفها بـ«انتهاكات في لبنان والخليج» تسعى عمداً إلى إعادة إشعال الحرب.

وقال قائد الوحدة الصاروخية، مجيد موسوي، في منشور على منصة «إكس»، إن استهداف «(حزب الله) يعد استهدافاً لإيران»، مضيفاً أن «الميدان» يستعد لرد «قاس» على ما سماه «جرائم» إسرائيل.

في المقابل، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إسرائيل ما زالت مستعدة لمواجهة إيران إذا اقتضى الأمر، رغم الهدنة المعلنة بين واشنطن وطهران. وقال في تصريح متلفز إن لدى إسرائيل أهدافاً «يتعين استكمالها» وستحققها «إما بالاتفاق أو عبر معاودة القتال»، مضيفاً أن إسرائيل «مستعدة للعودة إلى القتال في أي لحظة إذا لزم الأمر»، وأن «الإصبع ما زال على الزناد».

كما شكك وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر في فرص صمود الهدنة، مشيراً إلى أن نقاطاً خلافية رئيسية ما زالت قائمة بين الولايات المتحدة وإيران. وقال في مقابلة مع «القناة 11» الإسرائيلية الرسمية: «لم ينته شيء بعد.. لا أرى كيف يمكن تقريب مواقف الولايات المتحدة وإيران».

ترمب بعد الهدنة

بعد ساعات من إعلان الهدنة، قال ترمب إن الولايات المتحدة ستعمل من كثب مع إيران التي شهدت «تغييراً في النظام»، وإنه سيجري بحث تخفيف الرسوم الجمركية والعقوبات مع طهران خلال المرحلة التالية من المحادثات.

وكتب ترمب على وسائل التواصل الاجتماعي: «نحن نتحدث، وسنتحدث، مع إيران بشأن تخفيف الرسوم الجمركية والعقوبات»، في إشارة إلى أن وقف إطلاق النار لم يكن نهاية الأزمة، بل بداية مسار تفاوضي جديد أوسع من المسار العسكري السابق.

وحذر من أن أي دولة تزود إيران بأسلحة عسكرية ستواجه فوراً رسوماً جمركية بنسبة 50 في المائة على أي سلع تصدرها إلى الولايات المتحدة، قائلاً: «لن تكون هناك استثناءات أو إعفاءات»، في رسالة ضغط موازية موجهة إلى موردي السلاح المحتملين.

وفي ملف البرنامج النووي، قال ترمب إن إيران لن تستأنف تخصيب اليورانيوم، مشيراً إلى أن مخزونها المخصب بنسبة 60 في المائة، والموجود، حسب تقديرات، تحت منشأة أصفهان المتضررة، سيستخرج ويؤمن ضمن آلية مشتركة بين الطرفين.

وقال في منشور على منصة «تروث سوشيال» إنه «لن يكون هناك أي تخصيب لليورانيوم»، وإن الولايات المتحدة، بالتعاون مع إيران، ستقوم على «استخراج وإزالة» المواد المدفونة، مؤكداً أنها تخضع «لمراقبة دقيقة عبر الأقمار الاصطناعية» ولم تمس منذ الهجوم.

وأشار أيضاً إلى أن المحادثات تشمل بحث العقوبات والرسوم، قائلاً إن «عدداً من بنود خطة من 15 نقطة جرى الاتفاق عليها بالفعل»، وذلك بعد تحوله من التهديد بتدمير البنية التحتية الإيرانية إلى القبول بهدنة مؤقتة.

قاذفات قنابل استراتيجية من طراز «بي 52» تابعة للقوات الجوية الأميركية تقف على مدرج قاعدة فيرفورد الجوية البريطانية الأربعاء (إ.ب.أ)

ولاحقاً هوّن ترمب من قيمة ما يتداول عن المفاوضات، قائلاً إن كثيراً من الاتفاقات والرسائل المتداولة تصدر عن أشخاص لا صلة لهم بالمسار الأميركي - الإيراني، مؤكداً أن واشنطن تعتمد فقط «نقاطاً» محددة ستناقش سراً خلال المحادثات.

رسائل تحت الضغط

جاءت تصريحات ترمب بعد ساعات فقط من تهديده بأن «حضارة بأكملها ستموت الليلة، ولن تعود أبداً» إذا لم تلب إيران مطالبه المرتبطة بفتح مضيق هرمز. ثم عاد وقدم الهدنة بوصفها «يوماً عظيماً للسلام العالمي» وتحولاً إيجابياً واسع الأثر.

وقال ترمب إن الولايات المتحدة ستساعد في تخفيف الازدحام الملاحي في مضيق هرمز، وإن هذه اللحظة قد تفتح ما سماه «عصراً ذهبياً» جديداً للشرق الأوسط، مضيفاً أن إيران يمكن أن تبدأ إعادة الإعمار تحت مظلة هذا الاتفاق المؤقت.

لكنه، في المقابل، أبقى أدوات الضغط قائمة، فربط أي إعادة تسليح لإيران بتكلفة اقتصادية مباشرة، وأصر على أن أي اتفاق نهائي يجب أن يتضمن وقف التخصيب والتعامل مع المواد النووية الإيرانية المدفونة وفتح المضيق بصورة آمنة وكاملة وفورية.

وسط سباق دبلوماسي، برزت باكستان بوصفها الوسيط الأكثر حضوراً في الساعات الأخيرة التي سبقت الهدنة. وأعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أن إسلام آباد ستستضيف وفدين من الولايات المتحدة وإيران الجمعة للتفاوض «على اتفاق نهائي لحلّ الخلافات كلها».

وكتب شريف في منشور على منصة «إكس» أنه يدعو الوفدين إلى إسلام آباد في 10 أبريل «لمزيد من التفاوض من أجل التوصل إلى اتفاق نهائي لحل جميع الخلافات»، واضعاً باكستان في صدارة المشهد الدبلوماسي الخاص بالهدنة ومآلاتها.

ولعب شريف وقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير دوراً مباشراً في تثبيت الهدنة في اللحظة الأخيرة. ودعا شريف إلى «وقف فوري لإطلاق النار في كل مكان بما في ذلك لبنان».

باكستانيون يحملون لافتات للمارشال عاصم منير أثناء احتفالهم بوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران في لاهور الأربعاء (إ.ب.أ)

غير أن إسرائيل عادت وأعلنت أن وقف إطلاق النار لا يشمل الحملة الجارية ضد «حزب الله» في لبنان، ما أبرز منذ الساعات الأولى اتساع الهوة بين الصيغة التي روجت لها باكستان، والصيغة التي تبنتها إسرائيل والولايات المتحدة لاحقاً.

وشكر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، شهباز شريف وعاصم منير على «الجهود الدؤوبة» لإنهاء الحرب في المنطقة، في إشارة مباشرة إلى أن الوساطة الباكستانية كانت جزءاً أساسياً من التفاهم المؤقت.

كواليس الهدنة

منذ اللحظة الأولى، بدت الهدنة قائمة على روايتين مختلفتين جذرياً. ففي الرواية الأميركية، قال ترمب إن إيران طرحت في البداية خطة من 10 نقاط «تمثل أساساً عملياً للتفاوض»، قبل أن يعود ويصفها لاحقاً بأنها «زائفة».

وأصر ترمب على أن أساس التفاوض يتجه نحو خطة أميركية من 15 نقطة جرى الاتفاق على عدد من بنودها، وأن أي اتفاق نهائي يجب أن يتضمن وقف التخصيب والتعامل مع المواد النووية الإيرانية المدفونة وفتح مضيق هرمز.

أما في الرواية الإيرانية، فقد عرض الاتفاق بصفته قبولاً أميركياً بخطة إيرانية من 10 نقاط. وتشمل هذه الخطة، حسبما نشرت وسائل إعلام إيرانية، عدم الاعتداء، واستمرار سيطرة إيران على مضيق هرمز، وقبول التخصيب، ورفع العقوبات.

وتتضمن الشروط الإيرانية أيضاً إنهاء جميع قرارات مجلس الأمن ومجلس المحافظين، ودفع تعويضات لإيران، وانسحاب القوات القتالية الأميركية من المنطقة، ووقف الحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، وهو بند لا يتطابق مع الموقف الإسرائيلي المعلن.

وقال عراقجي، باسم المجلس الأعلى للأمن القومي، إن إيران ستوقف هجماتها الدفاعية إذا توقفت الهجمات عليها، وإن العبور الآمن في مضيق هرمز سيكون ممكناً لمدة أسبوعين بالتنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية ومع مراعاة القيود الفنية القائمة.

إيرانية تمر أمام لوحة جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران الأربعاء (إ.ب.أ)

أفاد موقع «أكسيوس» بأن التحول نحو الهدنة لم يكن نتيجة اختراق مفاجئ، بل جاء بعد ساعات من الضغط والتردد والمراجعات. ووفق الموقع، أصدر مجتبى خامنئي تعليماته لمفاوضيه بالتحرك نحو اتفاق للمرة الأولى منذ بدء الحرب.

وفي وقت كان ترمب يهدد علناً بالإبادة الكاملة، كانت القوات الأميركية في الشرق الأوسط ومسؤولو البنتاغون يستعدون لحملة قصف واسعة على البنية التحتية الإيرانية، فيما قال مسؤول دفاعي للموقع: «لم يكن لدينا أي فكرة عما سيحدث. كان الوضع جنونياً».

وتصف الرواية صباح الاثنين بأنه لحظة التوتر الأقصى، مع عدّ ستيف ويتكوف أن المقترح الإيراني المؤلف من 10 نقاط كان «كارثة». ثم بدأت تعديلات متلاحقة نقل خلالها الوسطاء الباكستانيون مسودات جديدة بين ويتكوف وعراقجي، مع مساهمة مصرية وتركية في تقليص الفجوات.

وبحلول ليل الاثنين، حاز الوسطاء موافقة أميركية على مقترح محدث لوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، لكن القرار النهائي بقي عند خامنئي، الذي شارك، حسب المصادر، في العملية عبر قنوات سرية، فيما لعب عراقجي دوراً محورياً في قبول «الحرس الثوري» بالصيغة المؤقتة.

ساعات الحسم

بحلول ظهر الثلاثاء، كان هناك إجماع عام على أن الأطراف تتجه نحو وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين. وبعد ثلاث ساعات، نشر شهباز شريف الشروط على منصة «إكس» ودعا الجانبين إلى قبولها، واضعاً التفاهم في المجال العام.

وعلى الفور، بدأ ترمب يتلقى مكالمات ورسائل من حلفائه ومقربيه المتشددين يحثونه على رفض العرض، فيما ظل كثيرون من مساعديه يعتقدون، حتى اللحظة الأخيرة، أنه سيرفض وقف إطلاق النار المؤقت.

وقبل نشر رده بقليل، تحدث ترمب إلى بنيامين نتنياهو للحصول على تعهده بالالتزام بالهدنة، ثم إلى المشير الباكستاني عاصم منير لإبرام الاتفاق، قبل أن تتلقى القوات الأميركية الأمر بالتراجع بعد 15 دقيقة من نشر منشوره.

وأعقب ذلك إعلان عباس عراقجي أن إيران ستلتزم بوقف إطلاق النار، وستفتح مضيق هرمز أمام السفن العاملة «بالتنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية». ومع ذلك أبقت رواية «أكسيوس» مساحة للشك، مؤكدة أن الفجوات بين الموقفين الأميركي والإيراني لا تزال واسعة، وأن احتمال استئناف الحرب يبقى قائماً إذا أخفقت محادثات إسلام آباد.

ردود إيرانية حذرة

على الجانب الإيراني، حملت الردود الرسمية نبرة احتفالية لكنها حذرة. فقد قال مسعود بزشكيان إن قبول «وقف إطلاق النار بالمبادئ التي تريدها إيران» هو «ثمرة دم» علي خامنئي، وإنجاز «حضور الناس في الساحة»، مؤكداً في الوقت نفسه ضرورة الحفاظ على الوحدة.

وأضاف بزشكيان: «من اليوم أيضاً، سنبقى معاً. سواء في ساحة الدبلوماسية، أو في ساحة الدفاع، أو في ساحة الشارع، أو في مجال تقديم الخدمات»، في رسالة جمعت بين الاحتفال السياسي ومحاولة تعبئة الجبهة الداخلية في لحظة تفاوضية حساسة.

وأعلن مجلس الأمن القومي الإيراني، في بيان، أنه حتى يتم الانتهاء من تفاصيل الاتفاق مع الولايات المتحدة، هناك حاجة إلى الحفاظ على وحدة وتضامن الشعب. وقدم المجلس الاتفاق بوصفه «نصراً» على الولايات المتحدة فرضته الشروط الإيرانية المعلنة.

وقال أيضاً إن الولايات المتحدة التزمت مبدئياً بعدم الاعتداء، واستمرار سيطرة إيران على مضيق هرمز، وقبول التخصيب، ورفع جميع العقوبات الأولية والثانوية، وإنهاء جميع قرارات مجلس الأمن ومجلس المحافظين، ودفع تعويضات، وانسحاب القوات القتالية الأميركية من المنطقة.

وفي بيان آخر، قالت هيئة الأركان الإيرانية إن «أربعين يوماً من الصمود والقتال انتهت إلى قبول الطرف الآخر بالشروط التي طرحتها إيران»، عادّة أن الحرب أظهرت حدود القوة العسكرية للطرفين الأميركي والإسرائيلي.

أما «الحرس الثوري» فأعلن التزامه بوقف إطلاق النار المؤقت، لكنه حذر من أن «إصبعه على الزناد»، وأنه مستعد للعودة إلى الحرب إذا «أخطأ العدو في تقديره مرة أخرى»، مضيفاً أن «العدو دائماً يخادع» وأنه لا ثقة بوعوده.

وفي الاتجاه نفسه، قال النائب علاء الدين بروجردي عضو لجنة الأمن القومي إن جميع الشروط ستُدرج كتابة في الاتفاق بعد التفاوض، وإن السياسة السابقة ستستمر إذا لم تصل المحادثات إلى نتيجة. كما شدد محسن رضائي على أن يد القوات المسلحة ستظل على الزناد حتى التأكد الكامل من تأمين مصالح البلاد.

ترمب «متعجل»

وصف نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، الأربعاء، وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران لمدة أسبوعين بأنه «هش»، وذلك في ختام زيارة استغرقت يومين إلى المجر، مؤكداً أن فتح المضيق ووقف إطلاق النار المتبادل هما أساس هذه الهدنة المؤقتة.

وسيقود فانس الوفد الأميركي الذي يضم مبعوث الرئيس ستيف ويتكوف، وصهر الرئيس جاريد كوشنر، في مفاوضات الجمعة.

وقال فانس إن ترمب «متعجل» لإحراز تقدم نحو إنهاء الحرب مع إيران، وإنه أصدر تعليماته لفريق التفاوض بالتعامل مع الإيرانيين بنية حسنة. وأضاف أن التوصل إلى اتفاق لا يزال ممكناً إذا تفاوضت إيران بصدق خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن داخل إيران أطرافاً تتعامل مع المحادثات بصورة بناءة، وأخرى تسعى إلى تقويضها. وقال: «إذا كان الإيرانيون مستعدين للعمل معنا بحسن نية، فأعتقد أننا نستطيع التوصل إلى اتفاق»، لكنه حذر من أن الأمر متروك في النهاية للإيرانيين.

وأضاف أنه إذا لم يتفاوض الإيرانيون بحسن نية، فسيعود ترمب إلى استخدام النفوذ العسكري والاقتصادي الأميركي. وقال: «سيكتشفون أن رئيس الولايات المتحدة لا يمكن العبث معه»، مؤكداً أن الهدنة الحالية لا تعني انتهاء عناصر الضغط الأميركية.

قبل يومين فقط من محادثات إسلام آباد، بقيت هوية رئيس الوفد الإيراني موضع خلاف إعلامي واضح. فقد نقلت وكالة «تسنيم»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، عن مصدر مطلع أن تعيين رئيس فريق المفاوضين الإيراني في باكستان لم يحسم بعد.

وأضافت الوكالة أن أمانة مجلس الأمن القومي والسلطات الثلاث والمسؤولين المعنيين يدرسون جميع الأبعاد والظروف اللازمة بشأن المفاوضات، في إشارة إلى أن القرار النهائي بشأن التمثيل الإيراني لا يزال يخضع لمداولات داخلية لم تحسم بعد.

في المقابل، ذكرت وكالة «إيسنا» الحكومية أن محمد باقر قاليباف سيتولى رئاسة الوفد الإيراني وسيتفاوض مع جي دي فانس في إسلام آباد، قبل أن تحذف الخبر بعد دقائق من موقعها الإلكتروني، ما زاد الغموض بدل أن يبدده.

وتداولت وسائل إعلام إيرانية أخرى أخباراً متضاربة عن توجه قاليباف إلى باكستان وتوليه رسمياً رئاسة الوفد، لكن «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» سارعت إلى نفي ذلك. وبذلك، بقي الملف مفتوحاً حتى بعد تثبيت الهدنة وإعلان موعد المحادثات المقبلة في إسلام آباد.

وتزداد أهمية هذا الالتباس لأن قاليباف، إذا تأكدت مشاركته، سيكون أول رئيس للبرلمان يلعب هذا الدور مباشرة، بعدما كانت قيادة التفاوض الإيراني تُسند في الجولات السابقة إلى وزير الخارجية، وقبل أمين مجلس الأمن القومي.

هرمز بعد الهدنة

بقي مضيق هرمز هو النقطة الأكثر حساسية في الهدنة، وهو ما يفسر وصفها بأنها «هشة». فواشنطن قدمت الاتفاق على أنه مشروط بفتح «كامل وفوري وآمن» للمضيق، بينما قالت إيران إنها ستتيح المرور «بالتنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية».

وفي هذا التباين يكمن الخلاف العملي على معنى «الفتح» وحدوده وآلياته. فقد أفادت «وول ستريت جورنال» بأن إيران لا تزال تطلب من جميع السفن الحصول على إذن من قواتها العسكرية للمرور عبر المضيق بعد إعلان الهدنة.

وقالت الصحيفة إن البحرية الإيرانية أبلغت السفن الراسية بالقرب من المضيق، في تسجيل إذاعي، أنها ما زالت «مضطرة للحصول على إذن من البحرية الإيرانية (سباه) لعبور المضيق»، محذرة من أن أي سفينة تحاول العبور من دون إذن «ستدمر».

وفي المقابل، قال الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية أرسينيو دومينغيز إنه يعمل مع «الأطراف المعنية» لوضع «آلية مناسبة لضمان المرور الآمن للسفن عبر مضيق هرمز»، مضيفاً أن «الأولوية الآن هي ضمان عملية إخلاء تضمن سلامة الملاحة».

وأفادت شركة «مارين ترافيك» بأن سفينتين عبرتا المضيق منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار، إحداهما مملوكة لجهة يونانية والأخرى ترفع علم ليبيريا، مشيرة إلى أنهما سفينتا شحن للبضائع السائبة وليستا ناقلتي نفط، ما يحد من دلالة العبور المبكر.

كما نقل التلفزيون الإيراني الرسمي مرور أول سفينة عبر المضيق بإذن من إيران بعد وقف إطلاق النار، فيما قال مسؤول إيراني كبير لـ«رويترز» إن طهران يمكن أن تفتح المضيق الخميس أو الجمعة قبل اجتماع باكستان إذا تم التوصل إلى إطار عمل.

وفي هذا السياق، قال سفير إيران لدى الأمم المتحدة في جنيف علي بحريني لـ«رويترز» إن الحرب «ستؤثر على النظام القانوني لمضيق هرمز من الآن فصاعداً»، مضيفاً أن طهران ستتعامل بحذر مع المفاوضات وستبقي قواتها المسلحة على أهبة الاستعداد.

وفيما يتصل بمضيق هرمز، قال رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين خلال مؤتمر صحافي إنه يعتقد أن المضيق مفتوح «استناداً إلى المفاوضات الدبلوماسية»، فيما أكد وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث أن «ما تم الاتفاق عليه، وما تم التصريح به، هو أن المضيق مفتوح»، مضيفاً أن القوات الأميركية والإيرانية تراقبان الوضع، لكن «التجارة ستتدفق».

وجاءت هذه التصريحات رغم تقارير عن استمرار تكدس مئات السفن في المنطقة، مع عبور عدد محدود فقط منذ بدء الهدنة.

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون الأربعاء (أ.ف.ب)

وفي سياق متصل، قال هيغسيث إن الولايات المتحدة ستبقي قواتها في المنطقة خلال فترة وقف إطلاق النار، «للتأكد من التزام إيران بكل شروط الهدنة»، بما في ذلك ضمان المرور الآمن للسفن عبر المضيق. وأضاف أن الجيش الأميركي «لن يغادر»، وسيواصل مراقبة التطورات الميدانية والبحرية من كثب.

وبالتوازي، شدد هيغسيث على أن ملف اليورانيوم الإيراني يبقى في صلب المرحلة المقبلة، مؤكداً أن واشنطن تراقب «بدقة» المخزون العالي التخصيب المدفون تحت منشأة أصفهان. وقال: «نعرف تماماً ما لديهم»، مضيفاً أن هذا الملف سيكون محورياً في أي اتفاق نهائي.

وفي عرض للحصيلة العسكرية، قال هيغسيث إن «عملية ملحمة الغضب» حققت «انتصاراً تاريخياً وساحقاً»، عاداً أن القاعدة الصناعية الدفاعية الإيرانية تعرضت لتدمير واسع، وأن إيران «لم تعد قادرة» على تصنيع الصواريخ أو الطائرات المسيّرة كما في السابق، رغم إقراره بأنها «لا تزال قادرة على إطلاق النار بشكل محدود».

ومن جهته، قال الجنرال كين إن وقف إطلاق النار «مجرد توقف مؤقت»، وإن القوات الأميركية تبقى مستعدة لاستئناف العمليات «بالسرعة والدقة نفسيهما» إذا انهارت الهدنة.

وفيما يتعلق بالتصعيد المحتمل، قال هيغسيث إن الولايات المتحدة كانت مستعدة، في حال عدم التوصل إلى اتفاق، لتنفيذ ضربات واسعة على «الجسور ومحطات الكهرباء والبنية التحتية للطاقة»، مؤكداً أن هذه الأهداف كانت «جاهزة». وأضاف أن التهديد بتوسيع بنك الأهداف أسهم في دفع طهران إلى مسار التفاوض.

الهجمات الأخيرة

قبيل دخول الهدنة حيز التنفيذ مباشرة، أعلن «الحرس الثوري» تنفيذ «الموجة 100» من عملية «الوعد الصادق 4»، متحدثاً عن إطلاق 9 صواريخ في وقت واحد واستهداف أكثر من 25 هدفاً استراتيجياً في المنطقة وإسرائيل.

وحسب بيانه، شملت الأهداف 13 مجمعاً للطاقة وخطوط نقل نفط تابعة للولايات المتحدة وإسرائيل، و10 أهداف عسكرية وأمنية ولوجيستية، إضافة إلى أهداف تكنولوجية وبنى تحتية، في توسيع واضح لبنك الأهداف عشية بدء وقف إطلاق النار.

وسرد البيان أهدافاً قال إنها شملت منشآت نفطية ومصافي وشركات أميركية في السعودية وقطر والبحرين والإمارات والكويت، ومراكز تكنولوجيا ومقرات استخبارية وعسكرية ومطار بن غوريون ومصفاة حيفا ومراكز قيادة إسرائيلية في مواقع متعددة.

وأضاف أن القوات البحرية التابعة له استهدفت في الوقت نفسه حاملة مروحيات وسفينة حربية ومواقع أخرى في الخليج، «مع استمرار إدارة السيطرة الذكية على الممرات البحرية في مضيق هرمز»، في ربط مباشر بين العمل العسكري والضغط الملاحي في المضيق.

وفي المقابل، قالت واشنطن وتل أبيب إن إيران لم تجرد من قدرتها على ضرب دول الجوار بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وهو ما أبقى ملف الصواريخ الباليستية ضمن الشروط الأميركية التي قالت إسرائيل إن واشنطن ستصر عليها في المحادثات المقبلة.

غارات جوية تستهدف منشآت نفطية في جزيرة لاوان الإيرانية صباح الأربعاء (شبكات التواصل)

في اليوم نفسه الذي بدأت فيه الهدنة، أكدت شركة وطنية إيرانية لتكرير وتوزيع النفط وقوع «هجوم من العدو» على مصفاة في جزيرة لاوان، من دون تسجيل إصابات، قائلة إن فرق السلامة والإطفاء عملت على احتواء الحريق وتأمين الموقع.

وعندما سُئل الجيش الإسرائيلي عن مسؤوليته، نفى المتحدث باسمه نداف شوشاني أن تكون إسرائيل وراء الهجوم على المصفاة، ما أضاف عنصراً جديداً من الغموض إلى الساعات الأولى للهدنة، وسط استمرار التقارير عن ضربات متفرقة في بعض المواقع.

وفي السياق نفسه، كانت الولايات المتحدة قد نفذت ضربات على أهداف عسكرية في جزيرة خرج، حسب مسؤول أميركي لـ«رويترز» و«وول ستريت جورنال»، استهدفت أكثر من 50 موقعاً من دون المساس بالبنية التحتية النفطية في الجزيرة.

وتعد جزيرة خرج مركزاً رئيسياً لتصدير النفط الإيراني، وقدمت الضربات الأميركية عليها مثالاً على اتساع نطاق الضغط العسكري عشية الهدنة، مع تجنب استهداف مباشر لمنشآت التصدير ذات الحساسية القصوى على أسواق الطاقة العالمية.

تحول مفاجئ

توجت الهدنة يوماً عاصفاً اتسم بواحد من أكثر التحولات حدة في مسار الحرب. فقبل ساعات فقط من إعلانها، كان ترمب يهدد بتدمير الجسور ومحطات الكهرباء في إيران إذا لم تفتح المضيق، ملوحاً بفناء «حضارة بأكملها».

وأثارت تلك التهديدات تنديداً دولياً وقلقاً واسعاً في أسواق المال والطاقة، فيما حذر خبراء قانونيون من أن الهجمات العشوائية على البنية التحتية المدنية قد ترقى إلى جرائم حرب، في لحظة بلغ فيها التصعيد السياسي والعسكري ذروته.

لكن تحت ضغط الوساطة والتهديدات المتبادلة وتكلفة استمرار الحرب على أسواق الطاقة والسياسة الداخلية الأميركية، انتقل الموقف في اللحظة الأخيرة من حافة التصعيد إلى هدنة مشروطة، من دون أن يعني ذلك تسوية نهائية أو مستقرة.

ومع ذلك، فإن اتساع الفجوة بين الشروط الأميركية والإيرانية، والتضارب حول هرمز والتخصيب والعقوبات ولبنان، يترك الباب مفتوحاً على عودة الحرب بسرعة إذا فشلت مفاوضات الجمعة في باكستان في تثبيت هذه «الهدنة الهشة».


مقالات ذات صلة

بنك إنجلترا يطرح 3 سيناريوهات للاقتصاد والتضخم في ظل الحرب

الاقتصاد مبنى بنك إنجلترا في لندن (إ.ب.أ)

بنك إنجلترا يطرح 3 سيناريوهات للاقتصاد والتضخم في ظل الحرب

في ظل حالة عدم اليقين المتصاعدة الناتجة عن الحرب الإيرانية تخلى بنك إنجلترا عن إصدار توقعات اقتصادية موحّدة بتقرير السياسة النقدية لشهر أبريل 2026

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

بنك إنجلترا يثبت الفائدة ويحذّر من تشديد نقدي محتمل بفعل الحرب

أبقى بنك إنجلترا أسعار الفائدة دون تغيير يوم الخميس، مقدّماً في الوقت نفسه مجموعة من السيناريوهات لتأثير الحرب الإيرانية على الاقتصاد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية جنود من الجيش الإيراني يقفون أمام صورة المرشد مجتبى خامنئي خلال مسيرة حكومية في طهران (أ.ف.ب)

إيران تحذر واشنطن من استمرار الحصار البحري

قال المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، في بيان، إن «فصلاً جديداً» للخليج العربي ومضيق هرمز بدأ يتشكل منذ اندلاع الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران)
الاقتصاد عامل في مصنع للدرجات في مدينة هانغزو الصينية (رويترز)

استمرار توسع النشاط الصناعي في الصين مع تزايد مخاطر «حرب إيران»

توسع النشاط الصناعي في الصين للشهر الثاني على التوالي في أبريل، حيث كثّف المصنّعون الإنتاج لشحن البضائع مبكراً. 

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد يمشي أشخاص خارج بورصة نيويورك (رويترز)

تباين العقود الآجلة للأسهم الأميركية بين زخم التكنولوجيا ومخاوف التضخم

تباين أداء العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية يوم الخميس مع موازنة المستثمرين بين قوة نتائج شركات التكنولوجيا وتجدد مخاوف التضخم

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

إيران تحذر واشنطن من استمرار الحصار البحري

جنود من الجيش الإيراني يقفون أمام صورة المرشد مجتبى خامنئي خلال مسيرة حكومية في طهران (أ.ف.ب)
جنود من الجيش الإيراني يقفون أمام صورة المرشد مجتبى خامنئي خلال مسيرة حكومية في طهران (أ.ف.ب)
TT

إيران تحذر واشنطن من استمرار الحصار البحري

جنود من الجيش الإيراني يقفون أمام صورة المرشد مجتبى خامنئي خلال مسيرة حكومية في طهران (أ.ف.ب)
جنود من الجيش الإيراني يقفون أمام صورة المرشد مجتبى خامنئي خلال مسيرة حكومية في طهران (أ.ف.ب)

حذّرت إيران الولايات المتحدة، الخميس، من أن حصارها البحري «محكوم بالفشل». وقال المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، في بيان، إن «فصلاً جديداً» للخليج العربي ومضيق هرمز بدأ يتشكل منذ اندلاع الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، في 28 فبراير (شباط).

وجاء بيان خامنئي بعدما أشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى إمكان استمرار الحصار أشهراً، في مواجهة تسببت حتى الآن باضطراب واسع في الأسواق العالمية.

وقال خامنئي في البيان إن الوجود الأميركي في المنطقة يمثل «أهم عامل لانعدام الأمن».

ونقلت وسائل إعلام إيرانية عن خامنئي قوله إن التطورات الأخيرة أظهرت، ليس فقط للرأي العام وشعوب المنطقة بل أيضاً للحكومات، أن تمركز القوات الأميركية وقواعدها في المنطقة «يشكل مصدر التوتر الرئيسي». وأضاف أن القوات الأميركية «لا تملك القدرة على تأمين نفسها».

ووصف الخليج العربي بأنه «جزء من الهوية والحضارة» و«مسار حيوي للاقتصاد العالمي» عبر مضيق هرمز وبحر عمان. وقال إن المنطقة شهدت، خلال القرون الماضية، «تنافساً وتدخلات خارجية» ، مشيراً إلى ما عدّه «اعتداءات أوروبية وأميركية» وأحدثها الحرب الراهنة.

وأكد خامنئي أن «مستقبل سيكون بلا أميركا»، مضيفاً أن إيران وجيرانها في الخليج العربي وبحر عمان «أصحاب مصير مشترك». وقال إن الأطراف الأجنبية التي تأتي من آلاف الكيلومترات «لا مكان لها» في هذه المياه، مستخدماً عبارة حادة قال فيها إن مكانها «في قاع مياهه».

وتطرق البيان إلى مضيق هرمز، قائلاً إن إيران ستعمل على «إدارة» هذا الممر المائي بما يضمن أمن المنطقة، وإن «القواعد القانونية والإدارة الجديدة» للمضيق ستخدم شعوب المنطقة، وفق نص الرسالة.

وجاءت تصريحات خامنئي في وقت يتصاعد فيه التوتر البحري بين واشنطن وطهران، مع استمرار الحصار الأميركي على السفن الإيرانية، وطرح مسؤولين إيرانيين أفكاراً لفرض قواعد عبور جديدة في مضيق هرمز.

وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن «أي محاولة لفرض حصار بحري أو قيود مماثلة تتعارض مع القانون الدولي ستكون محكومة بالفشل».

وأضاف أن هذه الإجراءات «لن تفشل فحسب في تعزيز الأمن الإقليمي، بل تشكل في الواقع مصدراً للتوتر وإخلالاً بالاستقرار الدائم في الخليج العربي».

وتفرض الولايات المتحدة حصاراً على الموانئ الإيرانية منذ 13 أبريل (نيسان)، بعد أيام من سريان وقف إطلاق النار. في المقابل، تُبقي القوات المسلحة الإيرانية على إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز منذ اندلاع الحرب أواخر فبراير، وهددت بالرد إذا استمر الحصار الأميركي.

وجدد محسن رضائي، المستشار العسكري للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي، التحذير، الأربعاء، قائلاً في تصريحات للتلفزيون الرسمي: «لن نتحمل الحصار البحري. وإن استمر، فإن إيران سترد».

وحذر رضائي أيضاً من جولة جديدة من القتال بين الولايات المتحدة وإيران، مشيراً إلى أنها قد تشهد إغراق سفن أميركية ومقتل «جنود». وأضاف: «إذا بدأت الولايات المتحدة حرباً جديدة، فعليها أن تتوقع أن نأسر عدداً كبيراً منهم».

وفي السياق نفسه، قال قائد بحرية الجيش الإيراني شهرام إيراني، الأربعاء، إن بلاده ستنشر أسلحة بحرية طورتها حديثاً «في المستقبل القريب جداً».

وقال وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد إن الولايات المتحدة «لن تجني أي نتائج» من حصارها، رافضاً ما يُثار من مخاوف بشأن إمدادات النفط وتوزيعه.

وجاءت هذه التصريحات بعدما ناقش ترمب مع مسؤولين في قطاع النفط احتمال استمرار الحصار على الموانئ الإيرانية أشهراً عدة، فيما نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» أنه أبلغ إدارته بالاستعداد لحصار طويل، أملاً في إلزام طهران بتعليق تخصيب اليورانيوم 20 عاماً، والقبول بقيود صارمة بعد ذلك.

ووصفت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» الحصار بأنه «فعال للغاية»، قائلة إنها اعترضت حتى الآن 42 سفينة، وإن 41 ناقلة لا تستطيع مغادرة إيران.

وفي ظل عدم تحقيق اختراق في المباحثات التي تجري منذ أوائل أبريل بوساطة باكستان، كتب ترمب على منصته «تروث سوشيال» أن «إيران عاجزة عن ترتيب أمورها... من الأفضل لهم أن يعقلوا قريباً».

النفط في أعلى مستوياته

يثير الإغلاق الإيراني لمضيق هرمز والحصار الأميركي المضاد قلقاً كبيراً في أسواق الطاقة والمال العالمية، إذ يمر خُمس الإنتاج العالمي من النفط والغاز المسال عبر هذا المضيق الاستراتيجي.

وارتفع سعر النفط إلى أكثر من 125 دولاراً للبرميل بعد حديث واشنطن عن حصار طويل. وبعدما بلغ خام برنت بحر الشمال، المرجعي في الأسواق العالمية، مستويات غير مسبوقة، الأربعاء، منذ بدء الحرب في أوكرانيا عام 2022، واصل ارتفاعه، الخميس، بنسبة 7 في المائة ليصل إلى 125.6 دولار للبرميل.

وحذر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في مكالمة مع ترمب، من «العواقب الضارة» التي قد تترتب على أي عمل عسكري جديد ضد إيران على العالم كله.

25 مليار دولار

تتصاعد الانتقادات للحرب داخل الولايات المتحدة، وتعرض وزير الدفاع بيت هيغسيث لوابل من الانتقادات في أول جلسة استماع له في الكونغرس منذ بداية الحرب.

وقال البنتاغون إن الحرب في إيران كلفت حتى الآن 25 مليار دولار. ودافع وزير الدفاع عن هذه الكلفة قائلاً: «ما الثمن الذي يجب دفعه لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي؟».


«سنتكوم»: حاملة «فورد» تواصل عملياتها في البحر الأحمر

حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جيرالد آر فورد» (د.ب.أ)
حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جيرالد آر فورد» (د.ب.أ)
TT

«سنتكوم»: حاملة «فورد» تواصل عملياتها في البحر الأحمر

حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جيرالد آر فورد» (د.ب.أ)
حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جيرالد آر فورد» (د.ب.أ)

قالت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» إن حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد آر. فورد» تواصل تنفيذ عمليات طيران اعتيادية خلال إبحارها في البحر الأحمر، بالتزامن مع تأكيد قائدها الأدميرال براد كوبر استمرار فرض الحصار على إيران.

وقال كوبر في بيان نشرته «سنتكوم» على منصات التواصل إن القوات الأميركية حققت «محطة مهمة» بعد تحويل مسار السفينة التجارية الثانية والأربعين التي حاولت انتهاك الحصار المفروض على إيران.

وأضاف قائد العمليات الأميركية في الشرق الأوسط أن ذلك يعكس «العمل البارز» الذي تقوم به القوات الأميركية لمنع حركة التجارة البحرية من الدخول إلى الموانئ الإيرانية أو الخروج منها.

وأشار إلى أن هناك حالياً 41 ناقلة تحمل 69 مليون برميل من النفط لا يستطيع النظام الإيراني بيعها، مقدِّراً قيمتها بأكثر من 6 مليارات دولار لا يمكن للقيادة الإيرانية الاستفادة منها مالياً.

وأكد قائد «سنتكوم» أن «الحصار فعال للغاية»، وأن القوات الأميركية «ملتزمة بالكامل بفرضه بصورة شاملة».

جاء تأكيد «سنتكوم» بعد ساعات من تقرير نشرته وكالة «أسوشييتد برس» أفاد بأن حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد آر. فورد» ستتجه إلى موطنها بعد انتهاء مهمة قياسية استمرت أكثر من 300 يوم، وشملت المشاركة في الحرب ضد إيران والقبض على الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو.

وقالت «أسوشييتد برس»، نقلاً عن مسؤولين أميركيين، إن «فورد» ستغادر الشرق الأوسط خلال الأيام المقبلة، وتعود إلى مينائها الأصلي في ولاية فرجينيا في منتصف مايو (أيار)، وفقاً للمسؤولَين اللذين تحدثا شريطة عدم الكشف عن هويتيهما، لتفصيل تحركات عسكرية حساسة. وكانت صحيفة «واشنطن بوست» قد أوردت هذا التطور في وقت سابق.

وكان وصول حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش. دبليو. بوش» إلى المنطقة الأسبوع الماضي يعني وجود ثلاث حاملات طائرات أميركية منتشرة في الشرق الأوسط، وهو عدد لم تشهده المنطقة منذ عام 2003، خلال وقف إطلاق نار هش في حرب إيران. كما توجد «يو إس إس أبراهام لينكولن» في المنطقة منذ يناير (كانون الثاني)، مع تصاعد التوترات مع طهران.

وحطمت «فورد» هذا الشهر الرقم القياسي الأميركي لأطول انتشار بعد حرب فيتنام، في فترة قاربت عشرة أشهر منذ مغادرتها قاعدة «نورفولك» البحرية في يونيو (حزيران).

وتجاوز اليوم الـ295 للسفينة في البحر أطول انتشار سابق لحاملة طائرات خلال الأعوام الخمسين الماضية، عندما أُرسلت «لينكولن» لمدة 294 يوماً في عام 2020 خلال جائحة «كوفيد-19»، وفق بيانات جمعتها «يو إس نافال إنستيتيوت نيوز»، وهي وسيلة إخبارية يديرها المعهد البحري الأميركي، وهو منظمة غير ربحية.

وأثار الانتشار الطويل لـ«فورد» تساؤلات بشأن تأثيره في أفراد الخدمة الذين يبتعدون عن منازلهم لفترات طويلة، فضلاً عن زيادة الضغط على السفينة ومعداتها، خصوصاً أن الحاملة تعرضت بالفعل لحريق أجبرها على الخضوع لإصلاحات مطولة.

ورداً على سؤال حول الانتشار الطويل لـ«فورد» خلال جلسة استماع، الأربعاء، أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، قال وزير الدفاع بيت هيغسيث إنه تشاور مع البحرية، وإن مسؤوليها أشاروا بالفعل إلى مفاضلات تتعلق بالجاهزية والصيانة.

وقال هيغسيث: «في مرات عدة، تطلبت الاحتياجات العملياتية، سواء في منطقة القيادة الجنوبية أو في منطقة القيادة المركزية، أصولاً إضافية في الوقت الفعلي، وهو ما أدى، عبر عملية صعبة لاتخاذ القرار، إلى تمديد المهمة»، في إشارة إلى القيادة الجنوبية الأميركية، التي تشرف على أميركا اللاتينية، والقيادة المركزية الأميركية في الشرق الأوسط.

وبدأت «فورد» انتشارها بالتوجه إلى البحر المتوسط، ثم أعيد توجيهها إلى البحر الكاريبي في أكتوبر (تشرين الأول) ضمن أكبر حشد بحري في المنطقة منذ أجيال.

وشاركت الحاملة في العملية العسكرية للقبض على مادورو. ثم شهدت مزيداً من القتال، متجهةً نحو الشرق الأوسط مع تصاعد التوترات مع إيران.

وشاركت الحاملة في الأيام الأولى من حرب إيران من البحر المتوسط، قبل أن تعبر قناة السويس وتتجه إلى البحر الأحمر في أوائل مارس (آذار).

لكنَّ حريقاً في أحد أماكن غسل الملابس أجبر الحاملة على الدوران والعودة إلى البحر المتوسط لإجراء إصلاحات، تاركاً مئات البحارة من دون أماكن للنوم.

ويقصر انتشار «فورد» البالغ 295 يوماً عن أطول انتشار خلال الحرب الباردة، وهو رقم تحتفظ به «يو إس إس ميدواي» التي خرجت من الخدمة. فقد انتشرت لمدة 332 يوماً في عامي 1972 و1973.

وفي وقت أحدث، ظل طاقم «يو إس إس نيميتز» في الخدمة وبعيداً عن الوطن لمدة إجمالية بلغت 341 يوماً في عامي 2020 و2021. غير أن ذلك شمل فترات عزل مطولة على البر داخل الولايات المتحدة، كانت تهدف إلى المساعدة في منع انتشار «كوفيد-19».


إسرائيل اعترضت «175 ناشطاً على متن 20 قارباً» ضمن أسطول المساعدات لغزة

سفن ضمن «أسطول الصمود العالمي» تعتزم التوجه إلى غزة تقف في ميناء برشلونة الإسباني منتصف الشهر الجاري (إ.ب.أ)
سفن ضمن «أسطول الصمود العالمي» تعتزم التوجه إلى غزة تقف في ميناء برشلونة الإسباني منتصف الشهر الجاري (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل اعترضت «175 ناشطاً على متن 20 قارباً» ضمن أسطول المساعدات لغزة

سفن ضمن «أسطول الصمود العالمي» تعتزم التوجه إلى غزة تقف في ميناء برشلونة الإسباني منتصف الشهر الجاري (إ.ب.أ)
سفن ضمن «أسطول الصمود العالمي» تعتزم التوجه إلى غزة تقف في ميناء برشلونة الإسباني منتصف الشهر الجاري (إ.ب.أ)

أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية الخميس أنّ سلاح البحرية الإسرائيلي اعترض نحو 175 ناشطاً من أسطول المساعدات لغزة الذي انطلق خلال أبريل (نيسان) من السواحل الأوروبية، وأن هؤلاء باتوا الآن في طريقهم إلى إسرائيل.

وكتبَت الوزارة على منصة «إكس»: «نحو 175 ناشطاً كانوا على متن أكثر من 20 سفينة (...) يسلكون حالياً طريقهم إلى إسرائيل بشكل سلمي»، مرفقة المنشور بمقطع فيديو يَظهَر فيه «الناشطون وهم يمرحون على متن سفن إسرائيلية»، بحسب وصفها.

وكان منظمو هذا الأسطول الذي يضم ناشطين مؤيدين للفلسطينيين يسعون إلى كسر الحصار الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة وتوصيل المساعدات إليه، أفادوا في وقت سابق بأن سفناً عسكرية إسرائيلية حاصرت قواربهم لدى وجودها قبالة سواحل جزيرة كريت اليونانية، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

تظهر لقطات كاميرات المراقبة طاقم الأسطول الثاني الذي أبحر من ميناء برشلونة الإسباني حاملاً مساعدات إنسانية للفلسطينيين في غزة وهم يرفعون أيديهم بينما يُزعم أن الجيش الإسرائيلي اعترض السفينة في موقع يُعتقد أنه في البحر قبالة سواحل اليونان (رويترز)

وأبحر أسطول ثان يحمل مساعدات إنسانية للفلسطينيين في غزة من برشلونة في إسبانيا في 12 أبريل (نيسان)، في محاولة لكسر الحصار الإسرائيلي. وأوضحت مبادرة «أسطول الصمود العالمي» أن إسرائيل ‌سيطرت على السفن على ‌بُعد مئات الأميال ​من ‌غزة.

وقالت ⁠في ​بيان: «هذه قرصنة... ⁠هذا احتجاز غير قانوني لبشر في عرض البحر قرب جزيرة كريت، وهو تأكيد على أن إسرائيل تستطيع العمل بإفلات تام من العقاب، بعيداً جداً عن حدودها، ودون تحمل أي عواقب».

وقال داني دانون مبعوث ⁠إسرائيل لدى الأمم المتحدة إن ‌الأسطول «تم إيقافه قبل ‌الوصول إلى منطقتنا».

وكان الجيش الإسرائيلي قد أوقف أسطولاً سابقاً نظمته المبادرة نفسها في أكتوبر (تشرين الأول) ‌الماضي لمحاولة الوصول إلى قطاع غزة المحاصر، واعتقل الناشطة السويدية غريتا تونبري، ⁠وأكثر ⁠من 450 مشاركاً، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتنفي إسرائيل، التي تسيطر على جميع منافذ قطاع غزة، حجب الإمدادات عن سكانه الذين يزيد عددهم على مليوني نسمة. ومع ذلك، يقول الفلسطينيون وهيئات الإغاثة الدولية إن الإمدادات التي تصل إلى القطاع لا تزال غير كافية، على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في أكتوبر (تشرين الأول)، واشتمل ​على ضمانات بزيادة ​المساعدات.