الجمود النووي الإيراني... تصعيد بلا أفق مع إسرائيل

باحث أميركي يرى حرباً «حتمية» لكن غير وشيكة

صاروخ باليستي إيراني يُعْرَض بجانب لافتة تحمل صورة المرشد علي خامنئي وقادة من «الحرس الثوري» قُتلوا في هجمات إسرائيلية في أحد شوارع طهران (أرشيفية - رويترز)
صاروخ باليستي إيراني يُعْرَض بجانب لافتة تحمل صورة المرشد علي خامنئي وقادة من «الحرس الثوري» قُتلوا في هجمات إسرائيلية في أحد شوارع طهران (أرشيفية - رويترز)
TT

الجمود النووي الإيراني... تصعيد بلا أفق مع إسرائيل

صاروخ باليستي إيراني يُعْرَض بجانب لافتة تحمل صورة المرشد علي خامنئي وقادة من «الحرس الثوري» قُتلوا في هجمات إسرائيلية في أحد شوارع طهران (أرشيفية - رويترز)
صاروخ باليستي إيراني يُعْرَض بجانب لافتة تحمل صورة المرشد علي خامنئي وقادة من «الحرس الثوري» قُتلوا في هجمات إسرائيلية في أحد شوارع طهران (أرشيفية - رويترز)

مع غياب مفاوضات مباشرة أو رقابة دولية فعلية على البرنامج النووي الإيراني، وتزايد الغموض حول حجم المخزون الفعلي من المواد المخصبة، تتعاظم في المنطقة المخاوف من أن مواجهة جديدة بين إيران وإسرائيل باتت مسألة وقت لا أكثر. ورغم أن احتمالات الحرب تبدو مرتفعة، فإن أغلب المراقبين يجمعون على أن لحظة الانفجار لم تحن بعد، بينما يستمر الطرفان في إعادة بناء قدراتهما العسكرية بوتيرة متسارعة، وسط جمود دبلوماسي غير مسبوق.

يقول فرزين نديمي، كبير الباحثين في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، إن احتمال نشوب حرب جديدة بين إيران وإسرائيل «كبير جداً»، لكنه يستدرك قائلاً إن المؤشرات «لا تدل على أنها وشيكة». ويوضح في حديث إلى «الشرق الأوسط» أن الجانبين «سيحاولان على الأرجح تأجيل ما لا مفر منه عبر محاولات دبلوماسية محدودة لاحتواء التصعيد، بينما يعيدان بناء ترسانتهما الحربية بوتيرة محمومة».

تصعيد ونفي للوساطة مع واشنطن

تواصل إيران إطلاق تهديداتها متمسكة بشروطها في أي مفاوضات مقبلة في ظل شعور بالثقة، انعكس في تصريحات عدد من المسؤولين الإيرانيين الذين شددوا على استعدادهم للرد «بقوة أكبر» على أي هجوم إسرائيلي، نافين في الوقت نفسه أن تكون طهران قد وجهت رسائل أو أبدت استعداداً للتفاوض مع واشنطن، بل إن بعض تلك التحذيرات صدرت، كما يقول مراقبون، عبر قنوات تعمل من داخل العاصمة الأميركية نفسها.

إيرانية تحمل لافتة كُتب عليها: فلتسقط إسرائيل... خلال إحياء الذكرى 46 لأزمة الرهائن الأميركيين بطهران 4 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

ونفى علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، أن تكون بلاده قد طلبت رفع العقوبات من خلال أي وساطة أو مراسلة مع الإدارة الأميركية، مؤكداً أن طهران «لن تستسلم للنزعة إلى الهيمنة الأميركية ولو كلّفها ذلك مواجهة جديدة». وقال لاريجاني إن «رواية الأميركيين عن ضعف إيران سخيفة»، مضيفاً أن بلاده «اختارت طريق المقاومة رغم الصعوبات الاقتصادية»، وأنها «لن تثقل كاهلها بالكلام الفارغ من أي حكومة».

ويرى نديمي أن الخطاب الإيراني المتشدد في الأسابيع الأخيرة يعكس «ثقة متزايدة لدى النظام»؛ إذ يرى قادته أن أداءهم خلال حرب الاثني عشر يوماً الأخيرة ضد إسرائيل كان «ناجحاً»، وأكسبهم زخماً داخلياً، مشيراً إلى أن إيران «تعتقد أنها قادرة على تقديم أداء أفضل في أي مواجهة مقبلة، بعدما أعادت تشغيل خطوط إنتاج الصواريخ والمسيّرات على مدار الساعة».

جمود نووي وغياب الرقابة الدولية

يرى محللون أن المنطقة دخلت مرحلة «جمود خطير»، بعد انتهاء مفاعيل الاتفاق النووي لعام 2015 وعودة العقوبات الأميركية الصارمة، في ظل رفض إيران السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدخول مواقع يشتبه بأنها مخصصة لتخصيب اليورانيوم، ومنها موقع جبل «بيك آكس» الجديد. ووفق تقديرات مدير الوكالة رافاييل غروسي، فإن إيران ما زالت تمتلك نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، وهي كمية تقترب من مستوى الاستخدام العسكري؛ ما يثير مخاوف إسرائيل من اقتراب طهران من «الخط الأحمر».

محطة «بوشهر» الإيرانية للطاقة النووية (أرشيفية - أ.ب)

ويحذر البعض من أن استمرار هذا الغموض حول قدرات إيران النووية «قد يدفع إسرائيل إلى التحرك مجدداً لإكمال المهمة التي ترى أنها لم تُنجز خلال الحرب الماضية». لكن في المقابل، تظهر إيران استعداداً أكبر للردع، معتبرة أن أي هجوم جديد سيشكل فرصة لاستعادة التوازن، وكسر صورة الضعف التي خلفتها الحرب السابقة.

منذ انتهاء المواجهة العسكرية القصيرة بين إيران وإسرائيل في الصيف الماضي، تبدلت موازين القوة الإقليمية على نحو واضح. فإيران تبدو اليوم أكثر عزلة من أي وقت منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، بينما عززت دول عربية عدة نفوذها في واشنطن من خلال علاقات اقتصادية واستراتيجية وثيقة مع إدارة الرئيس ترمب، التي تواصل دعم إسرائيل سياسياً وعسكرياً.

دخان يتصاعد من مبنى أصيب بصاروخ إيراني في بئر السبع بإسرائيل 19 يونيو 2025 (أ.ب)

ومع ذلك، تسعى هذه الدول إلى الإبقاء على قنوات تواصل مفتوحة مع طهران لتفادي اندلاع حرب شاملة في المنطقة؛ فهي لا ترغب في حرب جديدة، لكنها تدرك أن إيران، رغم ضعفها النسبي، لا تزال قادرة على نشر الفوضى من خلال أذرعها في المنطقة، لا بل إن هذا الضعف، كما يقول نديمي، «قد يجعلها أكثر خطورة لأنها قد تلجأ إلى خيارات متهورة، في محاولة لاستعادة هيبتها الإقليمية».

لا بديل عن القوة

على الجانب الإسرائيلي، لا تُخفي الحكومة نيتها استئناف العمليات العسكرية ضد إيران «في اللحظة التي تقترب فيها من إنتاج سلاح نووي». وتعتقد تل أبيب أن احتواء البرنامج النووي الإيراني «لن يتحقق عبر المفاوضات، بل عبر الضربات الوقائية»، في وقت تمارس فيه دول عربية ضغوطاً متزايدة على واشنطن للحد من أي تصعيد إسرائيلي غير محسوب.

لكن فرص العودة إلى طاولة المفاوضات تبدو شبه معدومة، خصوصاً بعد أن أعلن المرشد الإيراني علي خامنئي أن «الطبيعة المتغطرسة لأميركا لا تقبل سوى الاستسلام»، في إشارة إلى رفض أي مفاوضات بشروط واشنطن.

تتلاقى معظم التقديرات على أن المواجهة المقبلة بين إيران وإسرائيل، إن وقعت، ستكون أكثر اتساعاً ودموية من سابقاتها، مع استعداد طهران لاستخدام ترسانتها الصاروخية والمسيّرات على نطاق غير مسبوق، واستمرار إسرائيل في توجيه ضربات نوعية لمواقع يُعتقد أنها تضم منشآت تخصيب سرية.


مقالات ذات صلة

جزيرة خرج تشعل مواجهة بحرية بين واشنطن وطهران

شؤون إقليمية أحد أعضاء فرق الإنقاذ التابعة لجمعية «الهلال الأحمر» الإيراني يعمل في موقع مبنى تضرر جراء غارة جوية أميركية - إسرائيلية في ميدان رسالت (د.ب.أ)

جزيرة خرج تشعل مواجهة بحرية بين واشنطن وطهران

اتسع الاشتباك من الضربات الجوية المباشرة إلى التهديد الصريح بالبنية النفطية، بعدما أعلنت واشنطن قصف أهداف عسكرية في جزيرة خرج.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
شؤون إقليمية الدخان يتصاعد بعد غارة على العاصمة الإيرانية طهران (أ.ب)

إسرائيل تعلن تصفية مسؤولين استخباراتيين إيرانيين

قال الجيش الإسرائيلي، السبت، إن سلاح الجو نفذ ضربة دقيقة في طهران أسفرت عن مقتل مسؤولين بارزين في مديرية الاستخبارات التابعة لمقر عمليات هيئة الأركان الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية صورة ملتقطة بالأقمار الاصطناعية تُظهر المباني المتضررة في أعقاب الغارات الجوية على قاعدة هافاداريا الجوية في بندر عباس بإيران (أ.ب) p-circle

تحليل صور الأقمار الاصطناعية يكشف حجم الأضرار في إيران منذ بدء الحرب

كشف تحليل لبيانات الأقمار الاصطناعية عن صورة أولية واسعة النطاق للأضرار التي لحقت بالمنشآت في مناطق مختلفة من إيران، منذ اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في ممر محطة مترو الأنفاق بطهران (أ.ب)

الجيش الإسرائيلي يصدر «تحذيراً عاجلاً» للإيرانيين في تبريز قبل غارة جوية

أصدر الجيش الإسرائيلي «تحذيراً عاجلاً» للإيرانيين في منطقة تبريز قبل غارة جوية مخطط لها.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ ديفيد ​ساكس مستشار البيت الأبيض لشؤون العملات المشفرة والذكاء الاصطناعي (رويترز)

مسؤول في البيت الأبيض: علينا إعلان النصر والانسحاب من حرب إيران

كشف ديفيد ​ساكس مستشار البيت الأبيض لشؤون العملات المشفرة والذكاء الاصطناعي أن على الولايات المتحدة «إعلان النصر والانسحاب» من ‌حربها مع إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

المواجهة البحرية تشتد والجزر مسرحها

الدمار في موقع ضربة إسرائيلية بالضاحية الجنوبية لبيروت أمس غداة ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)
الدمار في موقع ضربة إسرائيلية بالضاحية الجنوبية لبيروت أمس غداة ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

المواجهة البحرية تشتد والجزر مسرحها

الدمار في موقع ضربة إسرائيلية بالضاحية الجنوبية لبيروت أمس غداة ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)
الدمار في موقع ضربة إسرائيلية بالضاحية الجنوبية لبيروت أمس غداة ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

مع دخول الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران أسبوعها الثالث، اتسع الاشتباك من الضربات الجوية المباشرة إلى تصاعد المواجهة البحرية التي كان مسرحها الأساسي جزر الخليج، خصوصاً خرج وأبو موسى وقشم.

وأعلنت واشنطن، أمس، أنها قصفت أهدافاً عسكرية في جزيرة خرج التي يخرج منها 90 في المائة من صادرات النفط الإيرانية.

كما أعلن المتحدث باسم مقر عمليات هيئة الأركان الإيرانية أن «الجيش الأميركي أطلق صواريخه على جزيرة أبو موسى»، فيما قال حاكم جزيرة قشم التي تقع عند مدخل مضيق هرمز وهي أكبر جزيرة إيرانية، إن هجوماً أميركياً – إسرائيلياً استهدف «أرصفة سياحية ومرافئ صيد» في الجزيرة.

وردت طهران بتهديدات مقابلة على امتداد الخليج ومضيق هرمز، وهاجمت ميناء في إمارة الفجيرة حيث قال المكتب الإعلامي لحكومة الإمارة على «إنستغرام»، إن فرق الدفاع المدني تعاملت مع حريق ناتج عن سقوط شظايا إثر اعتراض ناجح للدفاعات الجوية لطائرة مسيَّرة، دون وقوع أي إصابات.

من جانبه، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن الولايات المتحدة ستكثف قصف السواحل الإيرانية وستواصل استهداف القوارب والسفن الإيرانية وتدميرها. كما هدد ترمب بشن ضربات على البنية التحتية النفطية في جزيرة خرج إذا لم توقف طهران هجماتها على السفن في مضيق هرمز. وأضاف أن الضربات الأميركية لم تستهدف البنية التحتية النفطية في جزيرة خرج، لكن: «إذا قامت إيران أو أي طرف آخر بأي شيء للتدخل في المرور الحر والآمن للسفن عبر مضيق هرمز، فسأعيد النظر في هذا القرار فوراً». وأضاف أن دولاً كثيرة سترسل سفناً حربية لإبقاء مضيق هرمز مفتوحاً، معبراً عن أمله في أن ترسل الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية وبريطانيا سفناً إلى المنطقة.بدوره، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس: «نحن ندخل مرحلة حاسمة ستستمر ما دام ذلك ضرورياً».


منصة: إسرائيل تعاني من نقص حاد للغاية في مخزون الأنظمة الاعتراضية

جنود يعاينون أمس الأضرار في مشارف تل أبيب عقب هجوم صاروخي إيراني (أ.ف.ب)
جنود يعاينون أمس الأضرار في مشارف تل أبيب عقب هجوم صاروخي إيراني (أ.ف.ب)
TT

منصة: إسرائيل تعاني من نقص حاد للغاية في مخزون الأنظمة الاعتراضية

جنود يعاينون أمس الأضرار في مشارف تل أبيب عقب هجوم صاروخي إيراني (أ.ف.ب)
جنود يعاينون أمس الأضرار في مشارف تل أبيب عقب هجوم صاروخي إيراني (أ.ف.ب)

ذكرت منصة «سيمافور» الإخبارية، اليوم السبت، نقلاً عن مسؤولين أميركيين مطلعين، أن إسرائيل أبلغت الولايات المتحدة قبل أيام بأنها تعاني من نقص حاد في أنظمة اعتراض الصواريخ الباليستية مع استمرار الصراع مع إيران.

ولم يتسنَّ لـ«رويترز» التحقق من صحة التقرير حتى الآن.

وأشار التقرير إلى أن الولايات المتحدة على علم بنقص قدرات إسرائيل منذ أشهر.


مقتل 15 شخصاً في هجوم على مصنع بوسط إيران

الدخان يتصاعد عقب غارة على مدينة أصفهان (رويترز)
الدخان يتصاعد عقب غارة على مدينة أصفهان (رويترز)
TT

مقتل 15 شخصاً في هجوم على مصنع بوسط إيران

الدخان يتصاعد عقب غارة على مدينة أصفهان (رويترز)
الدخان يتصاعد عقب غارة على مدينة أصفهان (رويترز)

أفادت وكالة أنباء «فارس» التابعة «الحرس الثوري» الإيراني، السبت، بمقتل ما لا يقل عن 15 شخصاً في هجوم صاروخي استهدف مصنعاً في مدينة أصفهان بوسط إيران.

وذكرت الوكالة أن عمالاً كانوا داخل المصنع، الذي ينتج أجهزة تدفئة وثلاجات، وقت وقوع الهجوم. وحمّلت الوكالة الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية الهجوم الذي قالت إنه نُفذ بصاروخ.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، فلم يعلق الجيش الإسرائيلي على الهجوم حتى الآن.

وأطلقت إيران دفعة جديدة من الصواريخ باتّجاه إسرائيل، وفق ما أعلن التلفزيون الرسمي، مساء السبت، في اليوم الخامس عشر من الحرب التي بدأت بالهجوم الإسرائيلي - الأميركي على إيران.