«سلاح الضفة»... مصادر متنوعة ومعركة مُعقدة واتهامات لإسرائيل

مصدر أمني فلسطيني لـ«الشرق الأوسط»: الاحتلال يغرقنا بالسلاح ثم يتخذه ذريعة لمهاجمة السلطة والضفة

TT

«سلاح الضفة»... مصادر متنوعة ومعركة مُعقدة واتهامات لإسرائيل

صورة نشرتها الشرطة الإسرائيلية لما قالت إنه صواريخ ومتفجرات وأدوات عثر عليها في رام الله
صورة نشرتها الشرطة الإسرائيلية لما قالت إنه صواريخ ومتفجرات وأدوات عثر عليها في رام الله

فيما تتجه الأنظار لرد مرتقب من حركة «حماس» على خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لإنهاء الحرب في قطاع غزة، التي تنص على نزع وتفكيك سلاح الحركة في القطاع، تواصل إسرائيل حرباً علنية وأخرى سرية على سلاح الحركة وأسلحة التنظيمات والمجموعات في الضفة الغربية، في معركة قديمة ومعقدة ومستمرة، لا تخلو من اتهامات لإسرائيل بالمسؤولية عن بعض جوانبها.

وعلى الرغم من الفارق الواسع بين قوة «حماس» في غزة مقارنة بالضفة، ومع اختلاف الواقع الأمني؛ إذ تسيطر إسرائيل على الضفة، فإن سلاح الحركة في الضفة والسلاح الفلسطيني بشكل عام يظل مصدر إزعاج وقلق للجيش الإسرائيلي، الذي لم يستطع رغم كل الحملات الكبيرة والصغيرة واليومية إنهاءه.

جنود إسرائيليون يراقبون بينما ينتظر الفلسطينيون عند حاجز قلنديا بين الضفة الغربية والقدس مارس 2024 (إ.ب.أ)

وقدم ترمب خطته، الاثنين الماضي، في مؤتمر صحافي مشترك بالبيت الأبيض مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي أيّد الاقتراح ونص على إطلاق سراح الرهائن الـ48 المتبقين خلال 72 ساعة، مقابل أسرى فلسطينيين، واشترط انسحاباً إسرائيلياً من غزة على ثلاث مراحل، ونزع سلاح «حماس» وتفكيك منظومة تسليحها في غزة.

سلاح الضفة

وفيما بدا محاولة أخرى للفت الانتباه إلى السلاح في الضفة الغربية، أعلن الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، أنه عثر على صواريخ جديدة وعبوات ناسفة في رام الله.

وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» و«القناة الـ12» ووسائل إعلام أخرى، إن الجيش والشرطة عثرا على 15 صاروخاً و18 عبوة ناسفة، ومتفجرات، وأسلحة أخرى في رام الله، ضمن العملية التي عثر فيها على صواريخ مع نفس المجموعة الفلسطينية قبل أسبوعين، وقد أُحيلت بعض المواد المتفجرة والصواريخ التي عُثر عليها إلى التحقيق.

وكان الجيش الإسرائيلي أعلن، منتصف الشهر الماضي، أنه اعتقل خلية قرب رام الله، «مسؤولة عن محاولة إطلاق صواريخ وإنتاج أخرى، إضافة إلى عبوات ناسفة ومواد متفجرة»، وعثرت في مكان اعتقالهم على مخرطة لإنتاج القذائف الصاروخية، وعشرات القذائف الصاروخية، والعبوات الناسفة والمواد المتفجرة.

صورة نشرتها الشرطة الإسرائيلية لما قالت إنه صواريخ ومتفجرات وأدوات عثر عليها في رام الله

وجاء الإعلان بعد أيام قليلة من رصد محاولة فاشلة لإطلاق صواريخ بدائية من قرية كفر نعمة في رام الله، حيث أطلق صاروخ، وتم العثور على آخر.

وقال الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، إنه عُثر على مزيد من الصواريخ في خطوة قيّمتها «يديعوت أحرونوت» بأنها «تعزز مخاوف جدية لدى الأجهزة الأمنية».

وبحسب «القناة الـ12»، فقد قال قائد المجموعة خلال التحقيق معه، إنه «خطط لإطلاق الصواريخ على تل أبيب».

وهذه ليست أول محاولة تجري من الضفة الغربية، فقد سجلت محاولات من جنين شمال الضفة قبل هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وتم ضبط صاروخ في طولكرم قبل أسبوع، وجسم آخر أنبوبي في بيت لحم.

«نسخ نموذج غزة»

وعلى الرغم من أن الصواريخ التي أطلقت سابقاً وحتى آخر محاولة لم تشكل أي تهديد حقيقي، لكن نسخ نموذج قطاع غزة الذي بدأ بمثل هذه الصواريخ، أكثر ما يثير القلق في إسرائيل، خصوصاً أن المسافات بين مدن الضفة والمدن الإسرائيلية، والمستوطنات قريبة للغاية، ومتداخلة.

فلسطينيون يحتجون ضد المستوطنات الإسرائيلية بالقرب من نابلس في الضفة الغربية المحتلة (رويترز - أرشيفية)

واكتشاف الصواريخ يعدّ صادماً لإسرائيل في الضفة التي تشن منذ عقود حرباً منتظمة ضد سوق السلاح في الضفة الغربية، واكتشفت وصادرت ودمرت آلاف القطع الخفيفة والعبوات الناسفة ومخارط التصنيع.

وقال قائد كبير في الجيش الإسرائيلي في الضفة: «سنواصل الجهد الاستخباراتي والعملياتي، وعلى صعيد التحقيقات مع (الشاباك)، ولن نسمح بوجود الأسلحة التي تخل بالتوازن في يهودا والسامرة» (الضفة الغربية).

سلاح الضفة... من أين يأتي؟

المسألة قديمة ومعقدة، حتى إن إسرائيل نفسها التي تحارب هذا السلاح «متورطة فيه بشكل أو بآخر»، وفق تقييم فلسطيني.

وبخلاف قطاع غزة، لا يوجد في الضفة الغربية جيش منظم مثل «كتائب القسام» التابع لـ«حماس»، أو «سرايا القدس» التابعة لحركة «الجهاد الإسلامي»، وإنما مجموعات صغيرة علنية أو سرية تتكون أحياناً من شخص واحد أو عدة أشخاص، ولا يتم كشف أمرهم سوى بعد معلومات استخباراتية أو تنفيذ عمليات، وبالتالي لا يمكن حصر حجم السلاح ونوعه، على غرار غزة.

وخلال الانتفاضات السابقة في الضفة، ظهرت في الضفة كل أنواع الأسلحة، خفيفة، ورشاشات ثقيلة، وهاونات وعبوات وقذائف، ولم يكن مفهوماً من أين جاءت مرة واحدة، والآن تظهر صواريخ أو محاولة إنتاج صواريخ.

صورة نشرتها الشرطة الإسرائيلية لما قالت إنه صواريخ عثر عليها في رام الله

وقال مصدر أمني فلسطيني لـ«الشرق الأوسط» إن «إسرائيل هي التي أغرقت الضفة بالسلاح، بهدف إحداث الفوضى، وتتحمل مسؤولية ذلك».

وأضاف: «السلاح الوحيد المعلن والشرعي هو سلاح السلطة. والسلطة نفسها تمنع وتلاحق أي سلاح آخر هنا. لكن ملاحقة ذلك ليست سهلة؛ لأن إسرائيل تواصل إغراق السوق وهي مصدره بخلاف ما تتدعي».

نوعان من السلاح

ومنذ تأسيس السلطة قبل 32 عاماً، يوجد في الضفة نوعان من السلاح: رسمي بيد السلطة، وغير رسمي بيد الفصائل والتجار والعائلات وبعض المجموعات «الإجرامية».

وهي أسلحة ظلت تتكاثر مع السنوات حتى إن مسؤولاً إسرائيلياً وصف الأمر بأنه «يُشبه انتشار ظاهرة الأجهزة المحمولة (الجوالات) بيد الجميع».

واعترفت إسرائيل بأن الضفة أغرقت بالسلاح من العراق وسوريا عبر التهريب من خلال الأردن، ومن الداخل (إسرائيل) عبر التجار وعبر سرقة الجيش الإسرائيلي نفسه، ومن لبنان، إلى جانب التصنيع المحلي.

الشرطة الفلسطينية تفرق متظاهرين يحتجون على الاشتباكات بين قوات الأمن والمسلحين في مدينة جنين ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)

ورصد تقرير سابق لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، كيف أن النظام الأمني في إسرائيل استيقظ متأخراً على هذه الظاهرة، وحاول سد الثغرة، لكنه واجه صعوبات، من بينها أنه «لا يوجد رقم أو تقدير لعدد هذه الأسلحة».

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى ثمة «5 مصادر للسلاح في الضفة هي: إسرائيل، والأردن، ولبنان، والتصنيع الذاتي، والسلطة الفلسطينية».

وكثف الجيش الإسرائيلي في الفترة الماضية و«الشاباك»، من عمليات مراقبة تهريب الأسلحة، وتم إنشاء وحدة عملياتية للحد من تهريب الأسلحة من الأردن، فيما راح «الشاباك» يلاحق كل عملية سرقة من قواعد جيش الاحتلال الإسرائيلي في إسرائيل أو المناطق النائية في الضفة.

جنود إسرائيليون متورطون

وفي إحدى العمليات، اتضح أن جنوداً إسرائيليين نظاميين ومُسرحين، وكذلك مدنيون، تورطوا في تجارة الذخيرة والأسلحة النارية المسروقة من قواعد الجيش، والتي وصلت في نهاية المطاف إلى الأراضي الفلسطينية.

أما أنواع الأسلحة التي تم تهريبها، فهي متنوعة، وبعضها جاء من قواعد عسكرية تم تفكيكها في العراق أو سوريا كذلك، وكلها تم تهريبها عبر الأردن.

وبين فترة وأخرى، يعلن الجيش الإسرائيلي إحباط تهريب عبر الحدود الأردنية، وكذلك عبر الحدود اللبنانية، وثمة تقديرات في إسرائيل، أنه مقابل كل إحباط ناجح من المحتمل أن يكون هناك تهريب ناجح.

جانب من الحدود بين إسرائيل والأردن (أرشيفية - رويترز)

أما المسار الآخر الذي تتابعه إسرائيل فهو التصنيع المحلي. وداهم الجيش الإسرائيلي خلال السنوات الماضية العديد من المخارط بدعوى تصنيعها السلاح، ومصانع ومعامل صغيرة قال إنه يتم فيها تصنيع السلاح والعبوات الناسفة.

والتصنيع المحلي ازدهر كثيراً في السنوات الأخيرة، وأصبح مستهدفاً من قبل السلطات الإسرائيلية أكثر من سواه.

وعلى مدار السنوات القليلة الماضية، نجح الفلسطينيون في تصنيع بنادق «كارلو»، (المحلية)، التي يعتمد في تصميمها على بندقية «كارل غوستاف» عديمة الارتداد.

أما المصدر الثالث فهو السلطة الفلسطينية، وهو مصدر رسمي مستقل. ويوجد في الضفة الغربية نحو 50 ألف عسكري جميعهم مسلحون بأسلحة مختلفة، لكن معظمها من نوع كلاشينكوف.

وليس سراً أن بعض أعضاء السلطة نفذوا هجمات مستقلة بأسلحتهم الشخصية ضد إسرائيل، إضافة إلى ذلك لا يمكن التقليل من حجم السلاح بيد العائلات والعشائر الفلسطينية.

أسلحة العشائر

وفي بعض الخلافات الدامية في مناطق عشائرية، ظهرت أسلحة ثقيلة لا تملكها حتى السلطة الفلسطينية. وتوجد عائلات في الخليل وبيت لحم مسلحة بشكل كبير، وتحتفظ بكميات متنوعة من الأسلحة.

والسلاح الكثير مع العائلات تموله العائلات نفسها، أما سلاح السلطة فتشتريه السلطة، والسلاح الآخر تموله دول مثل إيران ومنظمات مثل «حماس» و«الجهاد»، وشبان يأخذون على عاتقهم مهاجمة إسرائيل.

وعلق المصدر الأمني الفلسطيني: «من أين يأتي ذلك؟ من يسيطر على الحدود؟ من يسيطر على حواجز وبوابات الضفة؟ من يراقب الجدار الفاصل؟ إسرائيل تغرق الضفة بالسلاح ثم تتخذ منه ذريعة لمهاجمة السلطة والضفة. كما فعلوا مع غزة».


مقالات ذات صلة

«رسالة غير مسبوقة لنتنياهو»... سياسيون وعسكريون سابقون يحذرون من «الإرهاب اليهودي»

المشرق العربي فلسطيني يحمل أغراضه من مخيم طولكرم بالضفة الغربية المحتلة بعدما منح الجيش الإسرائيلي بعض السكان تصريحاً لفترة قصيرة لجمع متعلقاتهم من المنازل التي أجبرهم على النزوح عنها (أ.ب)

«رسالة غير مسبوقة لنتنياهو»... سياسيون وعسكريون سابقون يحذرون من «الإرهاب اليهودي»

في رسالة وصفتها صحيفة «هآرتس» بأنها «الأشد من نوعها»، وجه مسؤولون وعسكريون سابقون إسرائيليون خطاباً إلى بنيامين نتنياهو للتحذير من «الإرهاب اليهودي» في الضفة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي المسجد الإبراهيمي في البلدة القديمة بالخليل في الضفة الغربية المحتلة وعلى أحد جوانبه ترفع أعلام إسرائيلية يوم الأربعاء (رويترز)

«جبهة الضفة ساخنة»: مستوطنون يضرمون النار في مسجدين... واستعدادات لبناء مدرسة يهودية

سخّنت إسرائيل جبهة الضفة الغربية وفيما أضرم مستوطنون النار بمسجدين في رام الله، صادق مجلس استيطاني على إنشاء مئات الوحدات تضمنت مدرسة يهودية في الخليل.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي فلسطيني يمر بجانب مسجد متضرر بعدما أضرم مستوطنون إسرائيليون فيه النار في جلجليا بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

مستوطنون إسرائيليون يضرمون النار بمسجدين في الضفة الغربية

أضرم مستوطنون إسرائيليون النار الأربعاء في أجزاء من مسجدين في قريتي جلجليا ومزارع النوباني شمال رام الله في وسط الضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (الضفة الغربية)
المشرق العربي جنود إسرائيليون يقفون في دورية حراسة خلال جولة أسبوعية للمستوطنين في الخليل بالضفة الغربية المحتلة 16 مايو 2026 (رويترز)

«جزء من أوسلو»... ماذا يعني إلغاء سموتريتش لاتفاق الخليل؟

أعلن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الذي يشغل أيضاً منصب وزير في وزارة الدفاع، الثلاثاء، إلغاء «اتفاقية الخليل» الخاصة بمدينة الخليل كبرى مدن الضفة…

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي القوات الإسرائيلية تداهم عدداً من محال الصرافة في مدن مختلفة من الضفة الغربية المحتلة مايو الماضي (أ.ف.ب)

«الأزمات الدولية»: المؤسسات المالية الفلسطينية شارفت على الإفلاس

حذّر تقرير أصدرته مجموعة «الأزمات الدولية» من تنامي الضغوط والعقوبات الإسرائيلية على الضفة الغربية، مشيراً إلى أن المؤسسات المالية الفلسطينية شارفت على الإفلاس.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مقارنة بين اتفاقي ترمب وأوباما مع إيران

الرئيسان الأميركيان دونالد ترمب وباراك أوباما في المكتب البيضاوي يوم 10 نوفمبر 2016 (أ.ب)
الرئيسان الأميركيان دونالد ترمب وباراك أوباما في المكتب البيضاوي يوم 10 نوفمبر 2016 (أ.ب)
TT

مقارنة بين اتفاقي ترمب وأوباما مع إيران

الرئيسان الأميركيان دونالد ترمب وباراك أوباما في المكتب البيضاوي يوم 10 نوفمبر 2016 (أ.ب)
الرئيسان الأميركيان دونالد ترمب وباراك أوباما في المكتب البيضاوي يوم 10 نوفمبر 2016 (أ.ب)

يصر الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الاتفاق الذي توصل إليه مع إيران أفضل من ذلك الذي أبرمه الرئيس الأسبق باراك أوباما في عام 2015، في حين يقول منتقدو ترمب إن مكاسبه في هذه المرحلة أقل كثيراً مقارنة بما حصل عليه أوباما، كما أن التنازلات التي قدمها لطهران أكثر.

وفيما يلي مقارنة بين الاتفاقين:

المضمون

الاتفاقان مختلفتان تماماً. ولا تمثل مذكرة التفاهم التي وقعها ترمب مع إيران اتفاقاً نهائياً، بل هي إطار عمل من ورقة ونصف ورقة، يتألف من 14 نقطة جرى التفاوض عليه بشكل متقطع على مدى أسابيع. وأطلقت هذه المذكرة فترة تفاوض مدتها 60 يوماً للسعي إلى تسوية شاملة للحرب التي استمرت قرابة أربعة أشهر، لكن لا يزال هناك العديد من العقبات التي يتعين تجاوزها بشأن قضايا منها البرنامج النووي الإيراني وتخفيف العقوبات ومستقبل مضيق هرمز.

أما اتفاق أوباما فكان وثيقة نهائية ومفصلة بعنوان (خطة العمل الشاملة المشتركة) في أكثر من 160 ورقة. وركز ذلك الاتفاق بشكل محدود على تقييد الأنشطة النووية الإيرانية، لكنه تضمن معايير صارمة. وانسحب ترمب من الاتفاق في عام 2018 واصفاً إياه بالسيئ.

وبينما اعتمد نهج ترمب على مفاوضات ثنائية بين الولايات المتحدة وإيران، أشرك أوباما الصين وفرنسا وألمانيا وروسيا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي في مفاوضات استمرت نحو عامين.

البرنامج النووي

تضمن كلا الاتفاقين التزاماً مكتوباً من إيران بعدم السعي أبداً إلى حيازة سلاح نووي لكن ترمب يصر، على غير الحقيقة، على أن طهران لم تتعهد بذلك مطلقاً من قبل. وقال ترمب إن التهديد النووي كان السبب الرئيسي لدخوله الحرب.

فرض اتفاق أوباما قيوداً صارمة على مساعي إيران لإنتاج اليورانيوم بدرجة النقاء اللازمة للاستخدام في صنع الأسلحة بهدف إطالة فترة «الانطلاق» التي ستحتاج إليها لإنتاج قنبلة. وقالت الحكومة الأميركية إن طهران كانت ملتزمة بالاتفاق حتى انسحب ترمب من خطة العمل الشاملة المشتركة.

محطة «بوشهر» النووية الإيرانية (أرشيفية - رويترز)

ولا يحدد الاتفاق المؤقت الذي أبرمه ترمب سوى مسار عام نحو كبح الأنشطة النووية الإيرانية دون أي التزامات محددة من طهران بخلاف مناقشة القضايا النووية خلال فترة الستين يوماً. ويشير الاتفاق إلى استعداد إيران لحل الخلاف حول مخزونها من اليورانيوم المخصب لدرجة قريبة من المستوى اللازم لصنع القنابل، بما يتضمن إمكانية «تخفيف التركيز» في الموقع تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي هيئة الرقابة النووية التابعة للأمم المتحدة، لكنه يترك هذا القرار للاتفاق النهائي.

وتضمنت خطة العمل الشاملة المشتركة عمليات تفتيش دولية واسعة النطاق لكن مذكرة التفاهم لا تدعو إلى أي إعادة لتلك العملية في المستقبل.

العقوبات والأصول المجمدة

يتضمن الاتفاقان تخفيف العقوبات والإفراج عن أصول مجمدة، ولكن بأساليب مختلفة تماماً. وتتوق إيران إلى ذلك الآن أكثر من أي وقت مضى لدعم اقتصادها المتعثر.

وخفف أوباما بعض العقوبات في وقت مبكر، لكن ذلك لم يحدث إلا بعد توقيع تسوية شاملة، ثم بدأ في تطبيق تخفيف العقوبات تدريجياً بعد التحقق من اتخاذ خطوات من جانب إيران.

أما مذكرة ترمب فقد خففت العقوبات أولاً وسمحت لإيران بتصدير النفط على الفور مع تأجيل التفاوض حول حزمة نهائية إلى مرحلة لاحقة.

كما تفتح المذكرة الباب أمام الإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال المجمدة، دون أن تحدد متى قد يحدث ذلك.

ويدعو بند آخر الولايات المتحدة وحلفاءها في الشرق الأوسط إلى إنشاء صندوق بقيمة 300 مليار دولار لإيران من أجل التنمية الاقتصادية، لكن لا يزال الغموض يكتنف الشروط والجدول الزمني لعمل هذا الصندوق.

وأثار ذلك انتقادات من مناهضين لإيران داخل الحزب الجمهوري نفسه الذي ينتمي إليه ترمب، الذين رأوا أنه يقدم تنازلات أكثر من اللازم.

وانتقد ترمب أوباما لسنوات بسبب إعادة الرئيس الديمقراطي إلى طهران مبلغ 1.7 مليار دولار من عائدات مبيعات الأسلحة المجمدة منذ عام 1981.

لكن يبدو الآن أن ترمب، الذي عبر بوضوح عن ازدرائه لأي مقارنة بين اتفاقه واتفاق أوباما، سيقدم لإيران أموالاً تفوق ذلك أضعافاً مضاعفة.

مضيق هرمز

لم تتناول خطة العمل الشاملة المشتركة سوى القضايا النووية، وهو خيار كان متعمداً من إدارة أوباما التي رأت أن إدراج قضايا أخرى للمنطقة في الخطة سيجعل التوصل إلى اتفاق نهائي أمراً مستحيلاً.

لكن مذكرة التفاهم التي أبرمها ترمب تمثل نقطة الانطلاق الدبلوماسية لإنهاء الحرب التي شنها جنباً إلى جنب مع إسرائيل في 28 فبراير (شباط) والتي أحدثت صدمات في الاقتصاد العالمي.

سفن تعبر مضيق هرمز قبالة بندر عباس بعد توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران (رويترز)

ونتيجة لذلك يتمثل أحد محاور الاتفاق الحالي الرئيسية في إعادة فتح مضيق هرمز، وهو ممر مهم لمرور شحنات النفط كانت إيران قد أبقته في حكم المغلق منذ بداية الحرب. وتصر إيران الآن على الاحتفاظ بدور إداري في المضيق لم تكن تتمتع به قبل الحرب، وربما يشكل ذلك نقطة خلاف في المفاوضات المقبلة.


وسائل إعلام أميركية تنتقد «تنازلات» ترمب لإيران

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول مذكرة التفاهم مع إيران (أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول مذكرة التفاهم مع إيران (أ.ب)
TT

وسائل إعلام أميركية تنتقد «تنازلات» ترمب لإيران

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول مذكرة التفاهم مع إيران (أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول مذكرة التفاهم مع إيران (أ.ب)

أجمعت وسائل إعلام أميركية على انتقاد ما تعتبره تنازلات قدّمها الرئيس دونالد ترمب لإيران ضمن مذكرة التفاهم الخاصة بوقف الحرب في الشرق الأوسط، معتبرة أن الاتفاق تخلّى عن عدد من الأهداف التي أعلنتها واشنطن عند بدء الحرب، ومنح طهران مكاسب سياسية واقتصادية كبيرة، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

ووقّع ترمب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان عن بُعد مذكرة التفاهم التي أنهت الحرب التي اجتاحت الشرق الأوسط وأثارت اضطرابات واسعة في الاقتصاد العالمي.

ويواجه ترمب، مع عودته إلى الولايات المتحدة، موجة انتقادات من أطراف متباينة، تشمل معارضين للحرب ومؤيدين لها على حد سواء.

وحتى شبكة «فوكس نيوز»، المعروفة بقربها من الجمهوريين، خصصت مساحة واسعة لمنتقدي الاتفاق الذين اعتبروا أن مذكرة التفاهم منحت إيران «مكاسب مالية كبيرة من دون أن تلزمها بتفكيك برنامجها النووي».

ولا تمثل المذكرة سوى خطوة انتقالية تسبق مفاوضات تفصيلية تبدأ الجمعة في سويسرا بشأن الملف النووي الإيراني والعقوبات، وسط استمرار الشكوك الأميركية حيال وجود برنامج سري محتمل لتطوير سلاح نووي.

وتنص إحدى فقرات مذكرة التفاهم على أن تعمل الولايات المتحدة، بالتعاون مع شركاء إقليميين، على تسهيل تمويل صندوق لإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية بقيمة 300 مليار دولار، وذلك بعد التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن البرنامج النووي الإيراني.

ويبدو أن الرسائل الصادرة عن الدائرة المقربة من ترمب لم تنجح في تغيير مقاربة «فوكس نيوز»، التي قالت إن الإدارة الأميركية تصوّر المذكرة على أنها «إنجاز تاريخي»، بينما يرى منتقدوها أن التنازلات المقدمة لإيران تفوق بكثير ما حصلت عليه واشنطن في المقابل.

وقالت شبكة «إم إس ناو» ذات التوجهات اليسارية إن البيت الأبيض وافق على تمديد وقف إطلاق النار من دون تحقيق الأهداف التي أعلنها قبل الحرب، في وقت قدم فيه «تنازلات مالية هائلة» لإيران.

وأضافت الشبكة أن الإدارة الأميركية «تحاول جاهدة تقديم رواية مختلفة»، معتبرة أن ترمب «انخدع بالإيرانيين»، وأن تبريراته لا تحظى بتصديق واسع.

وأشارت صحيفة «وول ستريت جورنال» إلى أن مذكرة التفاهم تُعد «أكبر رهان في السياسة الخارجية خلال الولاية الثانية لترمب»، لافتة إلى أنه سيواجه معارضة من أنصار النهج المتشدد تجاه إيران الذين يرون أنه يقدّم تنازلات تفوق ما يحصل عليه في المقابل.

وأضافت الصحيفة أن مراسم توقيع المذكرة شهدت قدراً من الارتباك، بعدما وقّع ترمب الوثيقة للمرة الثانية مساء الأربعاء، الأمر الذي فاجأ بعض مساعديه وأربك خطط مراسم كانت مقررة في سويسرا.

من جهتها، رأت صحيفة «نيويورك تايمز» أن إيران قد تخرج من الحرب وهي تمتلك «الكثير مما يدعو للاحتفال»، معتبرة أن المذكرة «لا توحي مطلقاً بأنها وثيقة استسلام».

وقالت الصحيفة إن الجمهورية الإسلامية أثبتت قدرتها على استخدام الفوضى الاقتصادية كسلاح، مشيرة إلى أنه في بداية الحرب التي اندلعت بضربات أميركية - إسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط)، كان ترمب يتحدث عن احتمال سقوط النظام الإيراني.

لكن الصحيفة رأت أن الرئيس الأميركي انتهى إلى تعزيز موقع القيادة الإيرانية الجديدة، محذرة من أن طهران قد تصبح أقرب من أي وقت مضى إلى السعي لامتلاك سلاح نووي.

وأضافت أن إيران بقيت لأكثر من عقدين على عتبة القدرة النووية العسكرية من دون أن تتجاوزها، متسائلة عما إذا كان قادتها، بعد انتهاء الحرب واستئناف تدفق عائدات النفط، سيعيدون تقييم استراتيجيتهم النووية.

بدورها، ركزت الإذاعة الوطنية العامة الأميركية (إن بي آر) على الكلفة البشرية للحرب، معتبرة أنها وضعت «أقوى جيش في العالم في مواجهة خصم أضعف بكثير، لكنه يتمتع بقدرات استراتيجية عالية».


ما العقوبات المفروضة على إيران؟ وهل سيجري رفعها؟

امرأة إيرانية تمر أمام جدارية مناهضة لإسرائيل في طهران (رويترز)
امرأة إيرانية تمر أمام جدارية مناهضة لإسرائيل في طهران (رويترز)
TT

ما العقوبات المفروضة على إيران؟ وهل سيجري رفعها؟

امرأة إيرانية تمر أمام جدارية مناهضة لإسرائيل في طهران (رويترز)
امرأة إيرانية تمر أمام جدارية مناهضة لإسرائيل في طهران (رويترز)

يتضمن الاتفاق المؤقت لإنهاء حرب إيران إعفاءً من العقوبات على مبيعات النفط، لكن طهران لا تزال تواجه شبكة معقدة من القيود الدولية على أنشطتها وتجارتها.

وفرضت الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول أخرى عقوبات وحظراً تجارياً وتجميداً للأصول على إيران منذ عقود بسبب برنامجها النووي وسجلها في مجال حقوق الإنسان ودعمها لجماعات في أنحاء المنطقة.

وتأمل إيران في تخفيف أكبر للعقوبات عبر المحادثات بشأن برنامجها النووي، مع دخول المرحلة التالية من الاتفاق المؤقت حيز التنفيذ.

وفيما يلي بعض العقوبات المفروضة على إيران، التي تتراوح بين حظر شامل على التجارة وعقوبات محددة، تستهدف أفراداً أو كيانات بعينها.

إيراني يمر أمام صورة للمرشد مجتبى خامنئي في طهران غداة توقيع اتفاق إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة (إ.ب.أ)

عقوبات الأمم المتحدة

ترتبط عقوبات الأمم المتحدة على إيران ببرنامجها النووي، وبما تعتبره المنظمة الدولية انتهاكاً لالتزاماتها بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

وأصدر مجلس الأمن الدولي قرارات بفرض عقوبات في أعوام 2006 و2007 و2008 و2010.

وشملت هذه العقوبات حظراً على الأسلحة، ومنع توريد بعض المواد والتقنيات المرتبطة بالأنشطة النووية، إضافة إلى تجميد أصول عدد من الشركات والأفراد.

كما حظرت القرارات على إيران أي أنشطة لتطوير أو إنتاج صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية.

ورغم تجميد أموال وأصول «الحرس الثوري» الإيراني وشركة الشحن الحكومية، فإن العقوبات لم تتضمن حظراً على صادرات النفط الإيرانية.

وبعد التوصل إلى الاتفاق النووي الشامل في عام 2015، وضع مجلس الأمن جدولاً زمنياً لرفع العقوبات المفروضة على إيران.

غير أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب انسحب من الاتفاق في 2018، ما دفع إيران إلى التوقف عن الالتزام ببعض بنوده، وأُعيد فرض عقوبات الأمم المتحدة بموجب آلية «العودة التلقائية» العام الماضي.

العقوبات الأميركية

فرضت واشنطن عقوبات على إيران لأول مرة عام 1979، عندما اقتحم طلاب ثوريون السفارة الأميركية في طهران واحتجزوا دبلوماسيين رهائن.

ومنذ ذلك الحين، فرضت العديد من العقوبات الإضافية بسبب دعم إيران لجماعات تصنفها الولايات المتحدة منظمات إرهابية، فضلاً عن برنامجها النووي.

ويشكل «الحرس الثوري» الإيراني، وهو الكيان الأكثر نفوذاً في البلاد والمتداخل بعمق مع الاقتصاد، عقبة كبيرة، إذ تصنفه واشنطن منظمة إرهابية.

وتتولى وزارة الخزانة الأميركية إدارة هذه العقوبات، لكن نظراً لتعدد الأطر القانونية والآليات التي تقوم عليها، لا توجد طريقة سريعة أو سهلة لإلغائها دفعة واحدة.

ويستند فرض العقوبات إلى قانونين من سبعينات القرن الماضي يمنحان الرئيس صلاحيات استثنائية تجدد سنوياً، إضافة إلى قوانين صدرت في عامي 1996 و2017 تستهدف إيران ودولاً أخرى بشكل خاص.

ويمكن للرئيس الأميركي إلغاء العقوبات التي يفرضها عبر أوامر تنفيذية بسهولة، إذ يكفي قرار مكتوب من ترمب لإلغائها. وتشمل هذه العقوبات تجميد أصول إيرانية بمليارات الدولارات، وحظراً على الأسلحة، ومنعاً كاملاً للتجارة أو الاستثمار في إيران، وكذلك حظر شراء نفطها.

وفي المقابل، يصعب رفع العقوبات التي أقرّها الكونغرس، إذ لا تتضمن إعفاءات أو استثناءات مرتبطة بتصرفات إيران في ما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان أو دعمها لجماعات تعتبرها واشنطن إرهابية.

كما أن عدداً كبيراً من الشركات والأفراد والهيئات الحكومية مدرجون بشكل محدد على قائمة العقوبات. وإزالة جميع هذه التصنيفات قد يستغرق وقتاً طويلاً.

إيرانية تمر بجوار جدارية حول المفاوضات على حائط السفارة الأميركية السابقة في طهران (إ.ب.أ)

عقوبات الاتحاد الأوروبي

فرض الاتحاد الأوروبي حظراً على صادرات النفط الإيرانية عام 2012، وجمّد أصول البنك المركزي الإيراني، كما أوقف تجارة المعادن النفيسة والمنتجات البتروكيماوية من إيران، وإليها.

كما فرض قيوداً على التجارة الخارجية والخدمات المالية وقطاعي الطاقة والتكنولوجيا.

وفي 2012 أيضاً، جرى فصل بعض البنوك الإيرانية عن نظام «سويفت» للمدفوعات الدولية بموجب توجيهات من الاتحاد الأوروبي، ما أدى إلى عزل أجزاء كبيرة من النظام المالي الإيراني عن العالم.

ورغم رفع بعض العقوبات في إطار الاتفاق النووي الشامل، فقد أعيد فرضها لاحقاً، مع إجراءات إضافية استهدفت أفراداً وأجزاء محددة من برامج الصواريخ والطائرات المسيرة.

وفرض التكتل أيضاً عقوبات على «الحرس الثوري» الإيراني، كما أقرّ حزمة عقوبات جديدة هذا العام بعد إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز.

أين توجد أصول إيران المجمدة؟

تحتفظ إيران بعشرات المليارات من الدولارات في بنوك أجنبية، معظمها من عائدات صادرات النفط والغاز، لكنها غير قادرة على الوصول إليها بسبب العقوبات المفروضة على قطاعيها المصرفي والنفطي.

ومن بين الدول التي تحتجز في بنوكها مليارات الدولارات الإيرانية من عائدات النفط؛ كوريا الجنوبية والصين واليابان ولوكسمبورغ والعراق.