«سلاح الضفة»... مصادر متنوعة ومعركة مُعقدة واتهامات لإسرائيل

مصدر أمني فلسطيني لـ«الشرق الأوسط»: الاحتلال يغرقنا بالسلاح ثم يتخذه ذريعة لمهاجمة السلطة والضفة

TT

«سلاح الضفة»... مصادر متنوعة ومعركة مُعقدة واتهامات لإسرائيل

صورة نشرتها الشرطة الإسرائيلية لما قالت إنه صواريخ ومتفجرات وأدوات عثر عليها في رام الله
صورة نشرتها الشرطة الإسرائيلية لما قالت إنه صواريخ ومتفجرات وأدوات عثر عليها في رام الله

فيما تتجه الأنظار لرد مرتقب من حركة «حماس» على خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لإنهاء الحرب في قطاع غزة، التي تنص على نزع وتفكيك سلاح الحركة في القطاع، تواصل إسرائيل حرباً علنية وأخرى سرية على سلاح الحركة وأسلحة التنظيمات والمجموعات في الضفة الغربية، في معركة قديمة ومعقدة ومستمرة، لا تخلو من اتهامات لإسرائيل بالمسؤولية عن بعض جوانبها.

وعلى الرغم من الفارق الواسع بين قوة «حماس» في غزة مقارنة بالضفة، ومع اختلاف الواقع الأمني؛ إذ تسيطر إسرائيل على الضفة، فإن سلاح الحركة في الضفة والسلاح الفلسطيني بشكل عام يظل مصدر إزعاج وقلق للجيش الإسرائيلي، الذي لم يستطع رغم كل الحملات الكبيرة والصغيرة واليومية إنهاءه.

جنود إسرائيليون يراقبون بينما ينتظر الفلسطينيون عند حاجز قلنديا بين الضفة الغربية والقدس مارس 2024 (إ.ب.أ)

وقدم ترمب خطته، الاثنين الماضي، في مؤتمر صحافي مشترك بالبيت الأبيض مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي أيّد الاقتراح ونص على إطلاق سراح الرهائن الـ48 المتبقين خلال 72 ساعة، مقابل أسرى فلسطينيين، واشترط انسحاباً إسرائيلياً من غزة على ثلاث مراحل، ونزع سلاح «حماس» وتفكيك منظومة تسليحها في غزة.

سلاح الضفة

وفيما بدا محاولة أخرى للفت الانتباه إلى السلاح في الضفة الغربية، أعلن الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، أنه عثر على صواريخ جديدة وعبوات ناسفة في رام الله.

وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» و«القناة الـ12» ووسائل إعلام أخرى، إن الجيش والشرطة عثرا على 15 صاروخاً و18 عبوة ناسفة، ومتفجرات، وأسلحة أخرى في رام الله، ضمن العملية التي عثر فيها على صواريخ مع نفس المجموعة الفلسطينية قبل أسبوعين، وقد أُحيلت بعض المواد المتفجرة والصواريخ التي عُثر عليها إلى التحقيق.

وكان الجيش الإسرائيلي أعلن، منتصف الشهر الماضي، أنه اعتقل خلية قرب رام الله، «مسؤولة عن محاولة إطلاق صواريخ وإنتاج أخرى، إضافة إلى عبوات ناسفة ومواد متفجرة»، وعثرت في مكان اعتقالهم على مخرطة لإنتاج القذائف الصاروخية، وعشرات القذائف الصاروخية، والعبوات الناسفة والمواد المتفجرة.

صورة نشرتها الشرطة الإسرائيلية لما قالت إنه صواريخ ومتفجرات وأدوات عثر عليها في رام الله

وجاء الإعلان بعد أيام قليلة من رصد محاولة فاشلة لإطلاق صواريخ بدائية من قرية كفر نعمة في رام الله، حيث أطلق صاروخ، وتم العثور على آخر.

وقال الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، إنه عُثر على مزيد من الصواريخ في خطوة قيّمتها «يديعوت أحرونوت» بأنها «تعزز مخاوف جدية لدى الأجهزة الأمنية».

وبحسب «القناة الـ12»، فقد قال قائد المجموعة خلال التحقيق معه، إنه «خطط لإطلاق الصواريخ على تل أبيب».

وهذه ليست أول محاولة تجري من الضفة الغربية، فقد سجلت محاولات من جنين شمال الضفة قبل هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وتم ضبط صاروخ في طولكرم قبل أسبوع، وجسم آخر أنبوبي في بيت لحم.

«نسخ نموذج غزة»

وعلى الرغم من أن الصواريخ التي أطلقت سابقاً وحتى آخر محاولة لم تشكل أي تهديد حقيقي، لكن نسخ نموذج قطاع غزة الذي بدأ بمثل هذه الصواريخ، أكثر ما يثير القلق في إسرائيل، خصوصاً أن المسافات بين مدن الضفة والمدن الإسرائيلية، والمستوطنات قريبة للغاية، ومتداخلة.

فلسطينيون يحتجون ضد المستوطنات الإسرائيلية بالقرب من نابلس في الضفة الغربية المحتلة (رويترز - أرشيفية)

واكتشاف الصواريخ يعدّ صادماً لإسرائيل في الضفة التي تشن منذ عقود حرباً منتظمة ضد سوق السلاح في الضفة الغربية، واكتشفت وصادرت ودمرت آلاف القطع الخفيفة والعبوات الناسفة ومخارط التصنيع.

وقال قائد كبير في الجيش الإسرائيلي في الضفة: «سنواصل الجهد الاستخباراتي والعملياتي، وعلى صعيد التحقيقات مع (الشاباك)، ولن نسمح بوجود الأسلحة التي تخل بالتوازن في يهودا والسامرة» (الضفة الغربية).

سلاح الضفة... من أين يأتي؟

المسألة قديمة ومعقدة، حتى إن إسرائيل نفسها التي تحارب هذا السلاح «متورطة فيه بشكل أو بآخر»، وفق تقييم فلسطيني.

وبخلاف قطاع غزة، لا يوجد في الضفة الغربية جيش منظم مثل «كتائب القسام» التابع لـ«حماس»، أو «سرايا القدس» التابعة لحركة «الجهاد الإسلامي»، وإنما مجموعات صغيرة علنية أو سرية تتكون أحياناً من شخص واحد أو عدة أشخاص، ولا يتم كشف أمرهم سوى بعد معلومات استخباراتية أو تنفيذ عمليات، وبالتالي لا يمكن حصر حجم السلاح ونوعه، على غرار غزة.

وخلال الانتفاضات السابقة في الضفة، ظهرت في الضفة كل أنواع الأسلحة، خفيفة، ورشاشات ثقيلة، وهاونات وعبوات وقذائف، ولم يكن مفهوماً من أين جاءت مرة واحدة، والآن تظهر صواريخ أو محاولة إنتاج صواريخ.

صورة نشرتها الشرطة الإسرائيلية لما قالت إنه صواريخ عثر عليها في رام الله

وقال مصدر أمني فلسطيني لـ«الشرق الأوسط» إن «إسرائيل هي التي أغرقت الضفة بالسلاح، بهدف إحداث الفوضى، وتتحمل مسؤولية ذلك».

وأضاف: «السلاح الوحيد المعلن والشرعي هو سلاح السلطة. والسلطة نفسها تمنع وتلاحق أي سلاح آخر هنا. لكن ملاحقة ذلك ليست سهلة؛ لأن إسرائيل تواصل إغراق السوق وهي مصدره بخلاف ما تتدعي».

نوعان من السلاح

ومنذ تأسيس السلطة قبل 32 عاماً، يوجد في الضفة نوعان من السلاح: رسمي بيد السلطة، وغير رسمي بيد الفصائل والتجار والعائلات وبعض المجموعات «الإجرامية».

وهي أسلحة ظلت تتكاثر مع السنوات حتى إن مسؤولاً إسرائيلياً وصف الأمر بأنه «يُشبه انتشار ظاهرة الأجهزة المحمولة (الجوالات) بيد الجميع».

واعترفت إسرائيل بأن الضفة أغرقت بالسلاح من العراق وسوريا عبر التهريب من خلال الأردن، ومن الداخل (إسرائيل) عبر التجار وعبر سرقة الجيش الإسرائيلي نفسه، ومن لبنان، إلى جانب التصنيع المحلي.

الشرطة الفلسطينية تفرق متظاهرين يحتجون على الاشتباكات بين قوات الأمن والمسلحين في مدينة جنين ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)

ورصد تقرير سابق لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، كيف أن النظام الأمني في إسرائيل استيقظ متأخراً على هذه الظاهرة، وحاول سد الثغرة، لكنه واجه صعوبات، من بينها أنه «لا يوجد رقم أو تقدير لعدد هذه الأسلحة».

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى ثمة «5 مصادر للسلاح في الضفة هي: إسرائيل، والأردن، ولبنان، والتصنيع الذاتي، والسلطة الفلسطينية».

وكثف الجيش الإسرائيلي في الفترة الماضية و«الشاباك»، من عمليات مراقبة تهريب الأسلحة، وتم إنشاء وحدة عملياتية للحد من تهريب الأسلحة من الأردن، فيما راح «الشاباك» يلاحق كل عملية سرقة من قواعد جيش الاحتلال الإسرائيلي في إسرائيل أو المناطق النائية في الضفة.

جنود إسرائيليون متورطون

وفي إحدى العمليات، اتضح أن جنوداً إسرائيليين نظاميين ومُسرحين، وكذلك مدنيون، تورطوا في تجارة الذخيرة والأسلحة النارية المسروقة من قواعد الجيش، والتي وصلت في نهاية المطاف إلى الأراضي الفلسطينية.

أما أنواع الأسلحة التي تم تهريبها، فهي متنوعة، وبعضها جاء من قواعد عسكرية تم تفكيكها في العراق أو سوريا كذلك، وكلها تم تهريبها عبر الأردن.

وبين فترة وأخرى، يعلن الجيش الإسرائيلي إحباط تهريب عبر الحدود الأردنية، وكذلك عبر الحدود اللبنانية، وثمة تقديرات في إسرائيل، أنه مقابل كل إحباط ناجح من المحتمل أن يكون هناك تهريب ناجح.

جانب من الحدود بين إسرائيل والأردن (أرشيفية - رويترز)

أما المسار الآخر الذي تتابعه إسرائيل فهو التصنيع المحلي. وداهم الجيش الإسرائيلي خلال السنوات الماضية العديد من المخارط بدعوى تصنيعها السلاح، ومصانع ومعامل صغيرة قال إنه يتم فيها تصنيع السلاح والعبوات الناسفة.

والتصنيع المحلي ازدهر كثيراً في السنوات الأخيرة، وأصبح مستهدفاً من قبل السلطات الإسرائيلية أكثر من سواه.

وعلى مدار السنوات القليلة الماضية، نجح الفلسطينيون في تصنيع بنادق «كارلو»، (المحلية)، التي يعتمد في تصميمها على بندقية «كارل غوستاف» عديمة الارتداد.

أما المصدر الثالث فهو السلطة الفلسطينية، وهو مصدر رسمي مستقل. ويوجد في الضفة الغربية نحو 50 ألف عسكري جميعهم مسلحون بأسلحة مختلفة، لكن معظمها من نوع كلاشينكوف.

وليس سراً أن بعض أعضاء السلطة نفذوا هجمات مستقلة بأسلحتهم الشخصية ضد إسرائيل، إضافة إلى ذلك لا يمكن التقليل من حجم السلاح بيد العائلات والعشائر الفلسطينية.

أسلحة العشائر

وفي بعض الخلافات الدامية في مناطق عشائرية، ظهرت أسلحة ثقيلة لا تملكها حتى السلطة الفلسطينية. وتوجد عائلات في الخليل وبيت لحم مسلحة بشكل كبير، وتحتفظ بكميات متنوعة من الأسلحة.

والسلاح الكثير مع العائلات تموله العائلات نفسها، أما سلاح السلطة فتشتريه السلطة، والسلاح الآخر تموله دول مثل إيران ومنظمات مثل «حماس» و«الجهاد»، وشبان يأخذون على عاتقهم مهاجمة إسرائيل.

وعلق المصدر الأمني الفلسطيني: «من أين يأتي ذلك؟ من يسيطر على الحدود؟ من يسيطر على حواجز وبوابات الضفة؟ من يراقب الجدار الفاصل؟ إسرائيل تغرق الضفة بالسلاح ثم تتخذ منه ذريعة لمهاجمة السلطة والضفة. كما فعلوا مع غزة».


مقالات ذات صلة

شؤون إقليمية دورية للجيش الإسرائيلي في رام الله (رويترز)

بأسلاك شائكة... مستوطنون إسرائيليون يقطعون طريق أطفال فلسطينيين إلى مدارسهم

كانت هاجر ورشيد حثلين يذهبان يومياً إلى مدرستهما في قرية أم الخير قرب رام الله، لكن مع استئناف الدراسة هذا الأسبوع قُطع طريقهما إلى وسط القرية بأسلاك شائكة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي جنود إسرائيليون يمشطون أحد شوارع بلدة كفر عقب في الضفة الغربية (أ.ف.ب)

مقتل شاب فلسطيني برصاص مستوطنين في الضفة الغربية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، السبت، مقتل شاب برصاص مستوطنين إسرائيليين في قرية شرق مدينة رام الله، في ظل تصاعد العنف في الضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي من مراسم إشعال النار المقدسة في كنيسة القيامة بالبلدة القديمة في القدس (رويترز)

الفلسطينيون يحتفلون بـ«سبت النور» متحدِّين القيود والاعتداءات

الفلسطينيون أحيوا «سبت النور» رغم القيود والاعتداءات الإسرائيلية في القدس. وعباس يدعو كنائس العالم لتثبيت الوجود المسيحي في فلسطين.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي سموتريتش يستعرض خريطة لتوسيع مستوطنة «معاليه أدوميم» في الضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)

«الخارجية» الأميركية: ترمب ضد «ضم الضفة»

بعد يوم واحد من إعلان وزير المالية الإسرائيلي المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، أن الاستراتيجية الإسرائيلية تقوم على التوسُّع في لبنان وسوريا والضفة الغربية وقطاع غزة.

كفاح زبون (رام الله)

ترمب: يبدو أننا سنتوصل إلى اتفاق مع إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
TT

ترمب: يبدو أننا سنتوصل إلى اتفاق مع إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في حديث إلى الصحافيين في البيت الأبيض: «يبدو أننا سنتوصل إلى اتفاق مع إيران».

وأضاف أن «الاجتماع التالي مع إيران قد يُعقَد مطلع الأسبوع المقبل»، لافتاً إلى أن إيران «مستعدّة، اليوم، لفعل أمور رفضتها بالأمس»، ومؤكداً إحراز «تقدم كبير» في السعي إلى حل، مستدركاً أنه ليس «متأكداً مما إذا كان يتعين تمديد وقف إطلاق النار» مع طهران.

وجزم بأن «الحصار الأميركي لمضيق هرمز صامد على نحو جيد»، وفق ما أوردته وكالة «رويترز».

وتطرّق الرئيس الأميركي إلى إعلانه هدنة 10 أيام بين إسرائيل ولبنان، موضحاً أن وقف إطلاق النار «سيشمل (حزب الله)».

وتناول موضوع السجال الكلامي مع الفاتيكان بقوله إن «على البابا ليو أن يدرك أن إيران تشكل تهديداً للعالم».


دعوات إصلاحية في إيران لدعم المفاوضات وسط تباين داخلي

خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)
خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)
TT

دعوات إصلاحية في إيران لدعم المفاوضات وسط تباين داخلي

خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)
خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)

نقلت صحف إصلاحية، الخميس، عن الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي دعوته إلى دعم مسار المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة، بوساطة باكستانية، وتثبيت «المكاسب التي حققتها إيران بعد الحرب»، معتبراً أن البلاد باتت في موقع يتيح لها السعي إلى «سلام مستدام» رغم صعوبة المرحلة.

وقال خاتمي، خلال اجتماع مع مستشاريه، إن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، بعد أربعين يوماً من القتال والهجمات المكثفة على الموارد البشرية والعسكرية والاقتصادية والعلمية، أدخلت البلاد في «مرحلة جديدة»، مضيفاً أن هذا الواقع لا يمكن فهمه أو التعامل معه بالأدوات الذهنية والافتراضات السابقة.

وأضاف أن إيران، «بفضل المدافعين الشجعان وتضحيات الشعب الواعي»، تمكنت من إحباط ما وصفه بـ«حلم إسقاط نظامها السياسي واستقلالها ووحدة أراضيها وحضارتها التاريخية»، مضيفاً أن «الصمود» وضعها في «موقع عزة» يجعل الوصول إلى «سلام دائم»، رغم تعقيداته، «ليس بعيد المنال».

وشدّد خاتمي على أن السلام المستدام هو «الوجه الآخر للدفاع الشامل»، لكنه أكثر تعقيداً من الميدان العسكري، موضحاً أن السلام لا يقتصر على غياب الحرب، بل يحتاج إلى «حوارات حقيقية، ومفاوضات ذكية، واتفاقات معقولة». وقال إن الحوار في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وعلى المستويين الداخلي والخارجي، يمثل بدوره شكلاً من أشكال الدفاع الفعال.

وأشار إلى أن مؤسسات الدولة والحكومة بدأت بالفعل خطوات في هذا الاتجاه، مضيفاً أن «الأركان القانونية في البلاد شرعت في إجراءات مهمة، وأجرت المفاوضات اللازمة»، ومعتبراً أن «على الجميع أن يساعدوا في إنجاح هذه الجهود».

ورأى خاتمي أن الحرب أظهرت بوضوح مواقف القوى والتيارات من مسألة السلام، ومنحت صورة أوضح عن الجهات الداعمة له والجهات المنخرطة في تأجيج الحرب. كما قال إن مفكرين ومراكز أبحاث ووسائل إعلام وحكومات عدة باتت تتحدث بوضوح عن فشل الاستراتيجيات الأميركية والإسرائيلية القائمة على الحرب والتصعيد.

وأضاف أن تراجع هذا النهج، إلى جانب التأثير المتزايد للحرب على الاقتصاد العالمي، وضع إيران في موقع يمكنها من امتلاك هامش أوسع بعد الحرب، ليس في إدارة المواجهة فقط، بل أيضاً في الإسهام في تثبيت سلام إقليمي ودولي.

وأعرب خاتمي عن اعتقاده أن البلاد دخلت مرحلة «أكثر حساسية»، تستوجب «تجنب الاندفاع والتطرف، والعمل على تثبيت النجاحات العسكرية والسياسية الراهنة»، فضلاً عن قراءة دقيقة لاحتياجات المجتمع ومتطلبات ما بعد الحرب والتحولات الاقتصادية والسياسية الدولية.

ودعا إلى التوجه نحو مستقبل يبعد شبح الحرب والتهديد عن إيران، ويتيح مشاركة جميع المواطنين، وخصوصاً النخب والمفكرين والشرائح المختلفة، في إعادة بناء البلاد على أسس الحرية والاستقلال والازدهار.

وشدّد خاتمي على أن دعم المفاوضات يمثل أولوية في هذه المرحلة، وأن الحفاظ على المكاسب الحالية يمر عبر إدارة هادئة وعقلانية للمرحلة المقبلة، بما يعزز فرص الوصول إلى تسوية مستقرة.

الحفاظ على السرية

وعكست الصحف الإيرانية الصادرة، الخميس، تبايناً في مقاربة ملف الحرب والمفاوضات مع الولايات المتحدة، بين دعوات إلى الحفاظ على السرية، واعتبار فشل محادثات إسلام آباد موقفاً أفضل من التوصل إلى اتفاق، وانتقادات لضعف إدارة المعلومات الموجهة إلى الرأي العام.

وكتب حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة «كيهان»، أن جميع الأنظمة الحاكمة «لديها أسرار وخفايا لا يمكن كشفها ويجب أن تبقى مخفية»، معتبراً أن حجب بعض المعلومات لا يعني استبعاد الناس، بل يهدف إلى إبقاء أسرار الدولة بعيداً عن الخصوم ومنعهم من القيام بردود فعل استباقية.

وأضاف أن إجابة المسؤولين المعنيين بالحرب على بعض الأسئلة قد تؤدي إلى «كشف أسرار البلاد وتسبب مشكلات للنظام»، مشيراً إلى أن بعض القرارات قد تستند إلى «حسابات دقيقة وواقعية» لا يمكن إعلانها.

أما صحيفة «قدس»، التابعة لهيئة «آستان قدس رضوي» الخاضعة لمكتب المرشد الإيراني، فرأت أن فشل المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في إسلام آباد بدا «أفضل من أي اتفاق»، معتبرة أن الوفد الإيراني واجه «المطالب المفرطة» للجانب الأميركي وتمسك بمصالح البلاد.

وقالت الصحيفة إن إيران «لا تملك خياراً سوى إثبات وجودها وفرضه بقوة»، مضيفة أن ذلك لا يتحقق إلا عبر «المقاومة والاستعداد للمواجهة وتحميل العدو التكلفة». كما اعتبرت أن المفاوضات لا ينبغي أن تستهدف إنهاء النزاع، بل إدارة الصراع وتثبيت الوقائع والضغط المتبادل.

على الضفة الأخرى، انتقدت صحيفة «خراسان»، القريبة من رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، طريقة إدارة المعلومات المرتبطة بالمفاوضات، مشيرة إلى وجود فجوة واضحة بين السلطات والرأي العام.

وقالت إن المشكلة الأساسية ليست في معارضة المجتمع لقرارات النظام، بل في «نقص المعلومات»، مضيفة أن المواطنين الذين أظهروا دعماً خلال «40 ليلة» ينتظرون معلومات دقيقة وسريعة، لا مجرد بيانات عامة.

وحذرت الصحيفة من أن الفراغ المعلوماتي يمكن أن يتحول سريعاً إلى قلق، ثم إلى فقدان للثقة إذا لم يعالج في الوقت المناسب، مشددة على ضرورة بناء رواية إعلامية واضحة للمفاوضات، تتولاها جهة واحدة تتمتع بالمصداقية والسرعة والخبرة الإعلامية، مع رسائل مفهومة وتوقيت واضح.

«تراجع واشنطن»

ورأت صحيفة «فرهيختغان»، المقربة من علي أكبر ولايتي، أن زيارة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران تحمل دلالات تتجاوز الوساطة المباشرة بين واشنطن وطهران.

وبحسب الصحيفة، فإن منير بات، منذ إقصاء عمران خان، صاحب الدور الأبرز في إدارة الملفات الكبرى في باكستان، ولا سيما تلك المرتبطة بالتوازنات الدولية وانعكاسات التنافس بين الصين والولايات المتحدة على بلاده. ومن هذا المنطلق، فسّرت الصحيفة تحركه نحو طهران بوصفه جزءاً من موقع باكستان داخل هذا التنافس، وليس استجابة ظرفية فقط للأزمة الإيرانية - الأميركية.

وأضافت الصحيفة أن اختيار باكستان لتولي الوساطة بعد تراجع أدوار وسطاء إقليميين سابقين، مثل عُمان وقطر، يعكس تحولاً في بيئة التفاوض فرضته الحرب، كما يعكس، في تقديرها، صعوداً نسبياً للموقع الصيني في إدارة التوازنات الإقليمية، في مقابل تراجع هامش الحركة الأميركي.

وأشارت إلى أن إسلام آباد تحركت خلال الحرب في خط أقرب إلى بكين، سواء في مواقفها المعلنة أو في قبولها استضافة المفاوضات.

وفي هذا السياق، اعتبرت «فرهيختغان» أن مجرد عودة عاصم منير إلى طهران بعد جولة إسلام آباد تمثل، في أحد أوجهها، مؤشراً إلى «تراجع واشنطن» عن لهجة الإنذار التي حملها نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، إذ كان قد قدم المقترح الأميركي عند مغادرته باكستان على أنه «العرض النهائي»، وأن على إيران قبوله أو رفضه.

وترى الصحيفة أن دخول منير مجدداً على خط الوساطة بعد ذلك يعني عملياً أن باب التفاوض لم يغلق، وأن الولايات المتحدة عادت إلى البحث عن مخرج عبر الوسيط الباكستاني، بما يوحي، من وجهة نظرها، بأن الضغط العسكري والحصار البحري لم يحققا حسماً سريعاً، وأن واشنطن اضطرت إلى العودة إلى مسار المراجعة والاتصال.


ترحيب محلي ودولي باتفاق وقف النار بين لبنان وإسرائيل

الدخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على النبطية في جنوب لبنان أمس (رويترز)
الدخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على النبطية في جنوب لبنان أمس (رويترز)
TT

ترحيب محلي ودولي باتفاق وقف النار بين لبنان وإسرائيل

الدخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على النبطية في جنوب لبنان أمس (رويترز)
الدخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على النبطية في جنوب لبنان أمس (رويترز)

لاقى الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار لمدة 10 أيام بين لبنان وإسرائيل، الخميس، ترحيباً محلياً ودولياً.

لبنان

لبنانياً، رحّب رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب هدنة لعشرة أيّام بين إسرائيل ولبنان بعد أكثر من شهر على اندلاع المواجهة بين الدولة العبرية و«حزب الله»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال سلام: «أرحّب بإعلان وقف إطلاق النار الذي أعلنه الرئيس ترمب، وهو مطلب لبناني محوري سعينا إليه منذ اليوم الأول للحرب، وكان هدفنا الأول في لقاء واشنطن يوم الثلاثاء»، مضيفاً: «لا يسعني أيضاً إلا أن أشكر كل الجهود الإقليمية والدولية التي بُذلت للوصول إلى هذه النتيجة».

«حزب الله»

من جهته، أعلن «حزب الله» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» عن طريق نائبه في البرلمان إبراهيم الموسوي، أن الحزب سيلتزم بوقف إطلاق النار، شرط أن يكون شاملاً، ويتضمن وقفاً للأعمال العدائية الإسرائيلية والاغتيالات ضد الحزب.

وقال الموسوي: «نحن في (حزب الله) سنلتزم بطريقة حذرة، وشريطة أن يكون وقفاً شاملاً للأعمال العدائية ضدنا، وألا تستغله إسرائيل لتنفيذ أي اغتيالات، وأن يتضمن تقييداً لحركة الإسرائيلي في المناطق الحدودية، وأن يشمل وقف الاعتداءات هذا كل الحدود الجنوبية».

الاتحاد الأوروبي

دولياً، رحّبت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، الخميس، بوقف إطلاق النار عشرة أيام بين إسرائيل ولبنان، وأكدت مجدداً أن أوروبا ستواصل المطالبة باحترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه.

وكتبت فون دير لاين، في بيان: «أرحب بوقف إطلاق النار المعلن لمدة عشرة أيام بين إسرائيل ولبنان، والذي توسط فيه الرئيس ترمب. إنه لأمر يبعث على الارتياح؛ إذ إن هذا الصراع حصد بالفعل أرواحاً كثيرة للغاية»، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضافت: «ستواصل أوروبا المطالبة بالاحترام الكامل لسيادة لبنان ووحدة أراضيه. وسنواصل دعم الشعب اللبناني من خلال تقديم مساعدات إنسانية كبيرة».

فرنسا

بدورها، رحّبت الرئاسة الفرنسية، الخميس، بإعلان وقف إطلاق نار لمدة عشرة أيام في لبنان، مؤكدة ضرورة التحقّق من تنفيذه على الأرض.

وقال مستشار للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: «إنها أنباء ممتازة، لكنها ستحتاج إلى التحقّق (منها) على الأرض».

ورداً على تصريحات السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة الذي قال إن باريس لا دور لها في المفاوضات بين إسرائيل ولبنان، أضاف المستشار أن فرنسا تريد «القيام بدور مفيد».

وتابع: «عندما يحين وقت دعم السلطات اللبنانية لاستعادة الأمن وسيادتها على كامل الأراضي اللبنانية، أعتقد أن كثيرين سيكونون سعداء بالاعتماد على فرنسا، بمن فيهم الإسرائيليون».

وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن إسرائيل ولبنان اتفقا على وقف إطلاق النار لمدة 10 أيام، يبدأ الساعة 5 مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، الخميس، حسبما أفادت وكالة «أسوشييتد برس».

وكتب ترمب عبر حسابه على منصة «تروث سوشيال»، أن اتفاق وقف إطلاق النار جاء عقب محادثات «ممتازة» مع الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.