ترمب يمهل «حماس» 4 أيام على الأكثر للرد على خطته

خبراء يحذرون من تحويل فرصة إحلال السلام إلى ذريعة لتصعيد جديد

تصاعد الدخان من غزة كما يظهر من الجانب الإسرائيلي للحدود يوم الاثنين (رويترز)
تصاعد الدخان من غزة كما يظهر من الجانب الإسرائيلي للحدود يوم الاثنين (رويترز)
TT

ترمب يمهل «حماس» 4 أيام على الأكثر للرد على خطته

تصاعد الدخان من غزة كما يظهر من الجانب الإسرائيلي للحدود يوم الاثنين (رويترز)
تصاعد الدخان من غزة كما يظهر من الجانب الإسرائيلي للحدود يوم الاثنين (رويترز)

بعد ساعات من إعلانه خطة موسعة من 20 بنداً لإنهاء الحرب في قطاع غزة، وجَّه الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحذيراً لحركة «حماس» بأن أمامها مهلة من ثلاثة إلى أربعة أيام للموافقة عليها، وأن النهاية ستكون «محزنة للغاية» إن لم توافق.

وأشار ترمب قبل سفره إلى القاعدة العسكرية في ولاية فرجينيا، صباح الثلاثاء، إلى أن الحركة دفعت ثمناً باهظاً للحرب وعليها أن تقبل الخطة التي وافقت عليها الأطراف المختلفة، وأن تبدأ مرحلة جديدة في «غزة جديدة خالية من الإرهاب»، يجري تطويرها «لصالح سكانها».

وأضاف: «لقد دفعوا ثمناً باهظاً بعد أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لقد قُتلت قياداتهم، كان الثمن باهظاً. ونأمل أن يحظوا بحياة بها وظائف طيبة، وإذا حدث ذلك فسوف يكون أحد أعظم الإنجازات التي تحققت على الإطلاق في مجال إحلال السلام الحقيقي في الشرق الأوسط».

وأكد ترمب: «كل الدول العربية وافقت. والدول الإسلامية كلها وافقت، وكذلك إسرائيل. نحن فقط ننتظر (حماس)».

وأضاف: «إما أن توافق (حماس) أو لا. وإذا لم توافق، ستكون نهاية محزنة للغاية».

ويتضمن الاقتراح وقفاً فورياً لإطلاق النار، والإفراج عن الرهائن الإسرائيليين المتبقين لدى «حماس» مقابل الإفراج عن محتجزين فلسطينيين في السجون الإسرائيلية، والانسحاب التدريجي للجيش الإسرائيلي من قطاع غزة، ونزع سلاح «حماس».

ويدعو الاقتراح أيضاً إلى خضوع قطاع غزة لإدارة انتقالية تضم مجموعة من التكنوقراط الفلسطينيين تحت إشراف هيئة دولية.

تعديلات على الخطة الأصلية

وفقاً لمصادر بالبيت الأبيض تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، أُدخلت تعديلات على الخطة الأصلية التي اقترحها المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، وكانت تطالب بانسحاب إسرائيلي كامل وفوري، ودور أكبر للسلطة الفلسطينية، ووجود مسؤولين من التكنوقراط تحت رئاسة الرئيس الفلسطيني محمود عباس في فترة الحكم الانتقالي المؤقت، مع ضمانات لدولة فلسطينية مستقبلية.

وصرحت المصادر بأن نتنياهو، الذي يواجه ضغوطاً داخلية من ائتلافه اليميني المتطرف، رفض هذه النقاط، معتبراً إياها «انتحاراً سياسياً» سيؤدي إلى انهيار حكومته.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد انتهاء مؤتمر صحافي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالبيت الأبيض يوم الاثنين (أ.ب)

وقالت المصادر، التي طلبت عدم نشر أسمائها، إن التعديلات الرئيسية شملت «انسحاباً مشروطاً» بدلاً من الانسحاب الكامل، بما يجعل انسحاب القوات الإسرائيلية مرتبطاً بـ«معايير ومعالم أمنية وإطارات زمنية» متفق عليها، مما يسمح ببقاء القوات في مناطق استراتيجية مثل ممر فيلادلفيا على الحدود مع مصر لشهور أو ربما لسنوات.

وأضافت أن نتنياهو أصر أيضاً على الحفاظ على «سلطة الجيش الإسرائيلي» في المناطق الحساسة داخل قطاع غزة، مع السماح لمقاولين أميركيين ودول حليفة بالإشراف، بدلاً من قوات عربية مستقلة.

ووفقاً للمصادر، أُضيف بند يمنح إسرائيل «حرية عمل عسكرية» إذا رفضت «حماس» الخطة؛ وهو ما يُعتبر «إشارة خضراء» لعمليات عسكرية مفتوحة.

تفاؤل حذر

وسادت أجواء من التفاؤل الحذر بعد إعلان البيت الأبيض نص الخطة الأميركية لإنهاء الحرب في غزة والمؤتمر الصحافي الخالي من أسئلة الصحافيين الذي أعلن فيه ترمب تجاوب رئيس الوزراء الإسرائيلي وموافقته على الخطة.

ولقي الإعلان تأييداً وتفاؤلاً من قبل الدول العربية والقوى الإقليمية والدولية، وأكد ترمب أن الخطة لن تسفر فقط عن السلام في غزة بل ستؤدي إلى إعادة هيكلة شاملة للعلاقات في منطقة الشرق الأوسط، مبشراً بسلام «أبدي».

وطرح الكثير من الخبراء تساؤلات حول موقف «حماس»، وما إذا كانت ستوافق على الخطة، والعقبات التي يمكن أن تعرقل التوصل للسلام.

ويتركز ذلك الحذر على إمكانية تدمير جميع أسلحة «حماس» وقبولها الصفقة، وهو ما يعني استسلامها، في حين أنه ليست أمامها خيارات كثيرة.

ويشير المحلل السياسي الفلسطيني إبراهيم المدهون، في حديث لصحيفة «نيويورك تايمز» إلى أن خطة ترمب تقوم على استبعاد «حماس» وتنازلها عن السلاح، مما سيجعل قبول الخطة المطروحة صعباً عليها، خاصة أن عناصر بالحركة سبق وأن قالت مراراً إن تسليم السلاح «خط أحمر».

ويرى المدهون أنه يمكن لـ«حماس» قبول المقترح بصفته أساساً لمفاوضات إنهاء الحرب، والمطالبة بتفسيرات لبعض النقاط في الخطة التي تعتبرها «غامضة»، مما يعني أن الأمر سيتطلب الكثير من المحادثات المطولة.

ويشير خبراء إلى «غموض» التفاصيل المتعلقة بإنشاء لجنة فلسطينية انتقالية تتشكل من مسؤولين تكنوقراط يعملون على إدارة حياة السكان اليومية، وتشرف عليها لجنة سلام يديرها ترمب، وتضم رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير وآخرين، ورؤساء دول، وهو ما سيكشف عنه النقاب قريباً، وفقاً للمسؤولين الأميركيين.

ويقول آرون ديفيد ميلر، الباحث المخضرم بمعهد كارنيغي، إنه لأمر مدهش أن يعتمد مقترح للسلام في الأساس على لجنة سلام يلعب ترمب بنفسه دوراً بارزاً فيها. وأضاف: «لقد وافق ترمب على أمر أعتقد أنه سيتطلب قدراً هائلاً من التدخل والمراقبة الأميركية، وقد جعل نفسه المراقب الرئيسي لتنفيذ الخطة».

وأشار المقال الافتتاحي لصحيفة «وول ستريت جورنال» إلى أن الخطة تمنح نتنياهو «قبلة حياة سياسية»، حيث تربط الانسحاب الإسرائيلي بمعايير أمنية «غامضة»، مما يسمح ببقاء القوات الإسرائيلية في مناطق استراتيجية في غزة.

«المهمة الجبارة»

ووصف الكاتب الصحافي توماس فريدمان خطة ترمب لإنهاء الحرب في غزة بـ«الخطة الذكية لتحويل قنبلة إلى منصة انطلاق للسلام». وقال في مقاله بصحيفة «نيويورك تايمز» إنها تضع أسساً جديدة لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وتوسيع خطط التطبيع بين إسرائيل ودول أخرى في المنطقة، متوقعاً أن تُحدث أيضاً تحولاً في إيران.

وبينما وجَّه الشكر لمهندسي الخطة الرئيسيين: غاريد كوشنر، وستيف ويتكوف، وتوني بلير، أشار إلى أنها «تأتي بعد عامين من القتال الأكثر ضراوة ودموية بما جعل تحقيق السلام أمراً مستحيلاً».

ويقول فريدمان إن عدد القتلى والجرحى الضخم بين صفوف الفلسطينيين أدى إلى انعدام الثقة وتجذر الكراهية، بما يجعل تنفيذ هذه الخطة المعقدة لوقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي التدريجي من غزة وإطلاق سراح الرهائن ثم إعادة إعمار القطاع تحت إشراف دولة «مهمة جبارة، وسط مخاطر محاولات جميع أعداء الخطة عرقلتها يومياً»، مشيراً إلى أن هناك طرقاً عديدة يمكن لنتنياهو و«حماس» تخريبها بها.


مقالات ذات صلة

مشاورات لـ«حماس» في القاهرة لإحياء «اتفاق غزة»

خاص طفل فلسطيني نازح يسير في شارع موحل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب) p-circle

مشاورات لـ«حماس» في القاهرة لإحياء «اتفاق غزة»

تنخرط إسرائيل في معارك حرب إيران، مبتعدة عن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة والتزاماته، فيما تواصل «حماس» حراكاً آخر في القاهرة، بحثاً عن مخرج لتعثر الاتفاق.

محمد محمود (القاهرة)
أوروبا وزير خارجية إستونيا مارغوس تساكنا يتحدث إلى وسائل الإعلام لدى وصوله إلى اجتماع مجلس الشؤون الخارجية لمناقشة الحرب الروسية ضد أوكرانيا والوضع في الشرق الأوسط... بروكسل 16 مارس 2026 (أ.ف.ب)

إستونيا لا تستبعد المشاركة في حماية السفن بمضيق هرمز

قال وزير خارجية إستونيا مارغوس تساكنا للإذاعة الإستونية، الثلاثاء، إن بلاده لا تستبعد إرسال أصول عسكرية للمساعدة في حماية الشحن التجاري في مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (ريغا)
رياضة عالمية الرئيس دونالد ترمب (أ.ب)

«وادا» تدرس منع ترمب من حضور الفعاليات الرياضية!

تدرس الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات (وادا) مقترحاً مثيراً للجدل يهدف إلى منع الرئيس دونالد ترمب والمسؤولين الحكوميين الأميركيين من حضور الأحداث الرياضية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (يمين) يستقبل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بمقر رئاسة الوزراء البريطانية في العاصمة لندن يوم 17 مارس 2026 (د.ب.أ)

ستارمر يؤكد لزيلينسكي ضرورة إبقاء التركيز على أوكرانيا رغم الحرب في إيران

أكد رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، للرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، في لندن، الثلاثاء، ضرورة أن «يظل التركيز منصباً على أوكرانيا» رغم الحرب في إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ لقطة عن التلفزيون الكوبي للرئيس ميغيل دياز كانيل وبجانبه صورة للزعيم فيديل كاسترو (أ.ف.ب)

ترمب لإطاحة الرئيس الكوبي ومنح السلطة الفعلية لـ«كاسترو الحفيد»

طالب الرئيس دونالد ترمب بإطاحة الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل كشرط رئيسي لإنهاء أزمة كوبا، التي قال إنه سيحظى «بشرف» الاستيلاء عليها.

علي بردى (واشنطن)

بعد أخبار عن مقتله... نتنياهو ينفي الشائعات في فيديو مع السفير الأميركي

رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القدس يوم 12 يوليو 2025 (د.ب.أ)
رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القدس يوم 12 يوليو 2025 (د.ب.أ)
TT

بعد أخبار عن مقتله... نتنياهو ينفي الشائعات في فيديو مع السفير الأميركي

رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القدس يوم 12 يوليو 2025 (د.ب.أ)
رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القدس يوم 12 يوليو 2025 (د.ب.أ)

نفى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الشائعات المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بشأن مقتله، وسط الحرب المستمرة مع إيران.

وفي لقطات نشرت على موقع «إكس»، الثلاثاء، ظهر نتنياهو إلى جانب السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي. ويقول هاكابي ضاحكاً إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب طلب منه التأكد من أن نتنياهو بخير.

ورد نتنياهو مبتسماً: «نعم يا مايك، نعم، أنا حي».

ثم أظهر نتنياهو لهاكابي بطاقة، قائلاً إنه تم حذف اسمين منها الثلاثاء؛ في إشارة واضحة إلى تقارير عسكرية إسرائيلية عن مقتل اثنين من كبار المسؤولين الإيرانيين، حسبما أفادت «وكالة الأنباء الألمانية».

وكانت وكالة «تسنيم» الإيرانية للأنباء قد أوردت على وسائل التواصل الاجتماعي أن نتنياهو قُتل أو أُصيب، قائلة إن التسجيلات الأخيرة لرئيس الوزراء تم توليدها بواسطة الذكاء الاصطناعي.


رئيس إسرائيل: مقتل لاريجاني فرصة للاحتجاجات في إيران

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يلقي خطاباً في تولوز بجنوب فرنسا 20 مارس 2022 (رويترز)
الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يلقي خطاباً في تولوز بجنوب فرنسا 20 مارس 2022 (رويترز)
TT

رئيس إسرائيل: مقتل لاريجاني فرصة للاحتجاجات في إيران

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يلقي خطاباً في تولوز بجنوب فرنسا 20 مارس 2022 (رويترز)
الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يلقي خطاباً في تولوز بجنوب فرنسا 20 مارس 2022 (رويترز)

قال الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، إن مقتل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران علي لاريجاني يفتح المجال أمام الشعب الإيراني للاحتجاج.

وأشاد هرتسوغ، الثلاثاء، بعملية قتل لاريجاني ووصفها بأنها «خطوة مهمة للغاية»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وكان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس قد قال في وقت سابق، إن لاريجاني قُتل في غارة جوية إسرائيلية في طهران.

وأعلنت إسرائيل في عدة مناسبات أن هدفها هو تغيير السلطة في طهران ودعت الشعب الإيراني إلى الإطاحة بقيادته السياسية.

كما أعلن الجيش الإسرائيلي أنه قتل قائد وحدات الباسيج الإيرانية غلام رضا سليماني.

وقال هرتسوغ إن لاريجاني وسليماني نشرا الكراهية والإرهاب. وأشار أيضاً إلى اختطاف جنديين إسرائيليين عام 2006، ما أدى إلى اندلاع حرب في لبنان.

وأوضح هرتسوغ أن لاريجاني أعطى موافقته لجماعة «حزب الله» اللبنانية. وأضاف: «آمل بصدق أن يفتح هذا الصراع آفاقاً جديدة للشرق الأوسط. وآمل أن يفيد هذا أيضاً العالم وأوروبا».


غلام رضا سليماني… قائد «الباسيج» في زمن الاحتجاجات والحرب

غلام رضا سليماني قائد قوات «الباسيج» في إيران (مهر)
غلام رضا سليماني قائد قوات «الباسيج» في إيران (مهر)
TT

غلام رضا سليماني… قائد «الباسيج» في زمن الاحتجاجات والحرب

غلام رضا سليماني قائد قوات «الباسيج» في إيران (مهر)
غلام رضا سليماني قائد قوات «الباسيج» في إيران (مهر)

لم يكن غلام رضا سليماني من الشخصيات التي اعتادت الظهور في واجهة المشهد السياسي الإيراني، لكن نفوذه داخل منظومة الأمن الداخلي كان واسعاً. فقد تولى قيادة قوات «الباسيج»، الذراع التعبوية لـ«الحرس الثوري» التي تشكل إحدى أهم أدوات الضبط الاجتماعي والأمني في إيران، رغم أن كثيراً من تفاصيل حياته ومسيرته ظل بعيداً عن الضوء.

وذكرت وسائل إعلام رسمية إيرانية، اليوم الثلاثاء، أن قائد قوات «الباسيج» التابعة لـ«الحرس الثوري»، قُتل في هجمات أميركية - إسرائيلية. وكانت إسرائيل قد أعلنت في وقت سابق من اليوم مقتل سليماني في ضربة استهدفته في طهران.

ولا تربط سليماني أي صلة قرابة بالجنرال قاسم سليماني، القائد السابق لـ«فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الذي قُتل في ضربة أميركية عام 2020. لكن الرجلين تقاطعا في نقطة واحدة: فكلاهما كان جزءاً من شبكة النفوذ العسكري والأمني التي تعتمد عليها الدولة في إدارة صراعاتها، داخلياً وخارجياً.

وُلد غلام رضا سليماني في منتصف ستينات القرن الماضي في مدينة فارسان بمحافظة چهارمحال وبختياري في غرب إيران. ودخل الحياة العسكرية مبكراً حين انضم متطوعاً إلى قوات «الباسيج» عام 1984 خلال الحرب الإيرانية - العراقية. وفي تلك المرحلة اكتسبت هذه القوة سمعتها القتالية عبر تكتيك «الموجات البشرية» الذي استخدمه المتطوعون الإيرانيون لاختراق المواقع العراقية المحصنة.

تدرج سليماني في صفوف «الباسيج» على مدى عقود، مستفيداً من طبيعة هذه المؤسسة التي تجمع بين العمل العسكري والتنظيم الاجتماعي والديني. وفي عام 2019 عُيّن قائداً عاماً لهذه القوة، ليصبح مسؤولاً عن شبكة واسعة تضم مئات الآلاف من الأعضاء والمتطوعين المنتشرين في مختلف أنحاء البلاد.

ولا تقتصر «الباسيج» على دور عسكري تقليدي. فهي بنية متعددة الوظائف داخل النظام الإيراني، تضم وحدات ذات طابع قتالي، وقوات مكافحة شغب، وشبكات مراقبة اجتماعية. وتعمل هذه القوة في الأحياء والجامعات والمؤسسات الحكومية، وتدير في كثير من الأحيان شبكة واسعة من المخبرين الذين يقدمون معلومات عن النشاط السياسي والاجتماعي داخل المجتمع الإيراني.

وخلال موجات الاحتجاج التي شهدتها إيران في السنوات الأخيرة، كانت «الباسيج» في الخط الأمامي لعمليات القمع. وغالباً ما يظهر عناصرها بملابس مدنية وهم يهاجمون المتظاهرين ويعتقلونهم أو يقتادونهم بعيداً عن الشوارع. وقد جعل هذا الدور من القوة، ومن قائدها، أحد أبرز رموز القبضة الأمنية للنظام.

وبسبب هذا الدور، فرضت الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية عقوبات على غلام رضا سليماني منذ عام 2021، على خلفية تورطه في قمع الاحتجاجات التي أعقبت الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها عام 2009، كما اتهمت وزارة الخزانة الأميركية قوات «الباسيج» بالمسؤولية عن مقتل «مئات الرجال والنساء والأطفال الإيرانيين» خلال حملة القمع التي رافقت احتجاجات عام 2019.

وتكرر المشهد في موجة الاحتجاجات الواسعة التي اندلعت في إيران خلال السنوات الأخيرة، عندما خرج آلاف الإيرانيين إلى الشوارع احتجاجاً على الأوضاع السياسية والاقتصادية. وقد قُتل الآلاف واعتُقل عشرات الآلاف خلال تلك الأحداث، في واحدة من أعنف حملات القمع منذ الثورة الإسلامية عام 1979.

داخل بنية النظام، كان سليماني يمثل وجهاً مختلفاً للقوة مقارنة بقادة «الحرس الثوري» العاملين في الخارج. فإذا كان «فيلق القدس» يشكل الذراع الخارجية لإيران في الإقليم، فإن «الباسيج» تمثل الذراع الداخلية الخشنة. فهي شبكة تعبئة اجتماعية وأداة أمنية في الوقت نفسه، تُستخدم لمراقبة المجتمع، وتنظيم المؤيدين، والتدخل الميداني في حالات الاضطراب.

وخلال الأسابيع الأخيرة من الحرب، برز دور «الباسيج» مجدداً مع تشديد الإجراءات الأمنية داخل المدن الإيرانية. فقد أقامت هذه القوة نقاط تفتيش في طهران ومدن أخرى، وشاركت في عمليات التفتيش والمراقبة، في محاولة لاحتواء أي اضطرابات داخلية محتملة في ظل الحرب والتوتر السياسي.

ويمثل مقتل سليماني، إذا ثبتت تفاصيله الكاملة، ضربة لإحدى أبرز أدوات الضبط الداخلي في إيران، إذ ترتبط قوات «الباسيج» مباشرة بإدارة الأمن الداخلي ومواجهة الاحتجاجات، فضلاً عن دورها في تعبئة الأنصار ومراقبة المجتمع. ولهذا يحمل استهداف قائدها بعداً رمزياً وعملياً في آن واحد، في لحظة يحتاج فيها النظام الإيراني إلى تماسك مؤسساته الأمنية أكثر من أي وقت مضى.