ما الذي يمنع الاتحاد الأوروبي من فرض عقوبات جماعية على إسرائيل؟

المفوضية تقترح تجميد استفادة تل أبيب من برنامج «هورايزون أوروبا»

أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج المفوضية في بروكسل (رويترز)
أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج المفوضية في بروكسل (رويترز)
TT

ما الذي يمنع الاتحاد الأوروبي من فرض عقوبات جماعية على إسرائيل؟

أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج المفوضية في بروكسل (رويترز)
أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج المفوضية في بروكسل (رويترز)

يوم الاثنين الماضي، وبعد كثير من التردد، اقترحت المفوضية الأوروبية على الدول الأعضاء تجميد مشاركة إسرائيل في برنامج «هورايزون أوروبا»، بوصفه وسيلة ضغط على السلطات الإسرائيلية، احتجاجاً على سياستها التجويعية في غزة، ودفعها إلى تخفيف الإجراءات التي تحرم سكان القطاع من الحصول على الغذاء والمياه والدواء؛ أي المستلزمات التي تمكّنهم من البقاء على قيد الحياة.

ومنذ بداية يونيو (حزيران) الماضي، تقدمت هولندا وقبلها السويد بطلب من المفوضية للتحقيق فيما إذا كانت إسرائيل تحترم البند الثاني من اتفاقية الشراكة الأوروبية معها التي دخلت حيز التنفيذ في عام 2000. وينص البند الثاني منها على ضرورة احترام الطرفَيْن الحقوق الإنسانية والمبادئ الديمقراطية. وفي 23 من الشهر نفسه، أكدت مسؤولة الشؤون الخارجية في الاتحاد، كايا كالاس، في التقرير الصادر عنها، أن إسرائيل «تنتهك التزاماتها فيما يتعلق بحقوق الإنسان (في غزة) والمنصوص عليها في البند الثاني من اتفاقية الشراكة».

«هورايزن أوروبا»

وحتى يوم الاثنين الماضي، لم تكن المفوضية قد اتخذت أي إجراء أو قرار بحق إسرائيل رغم تجاوز أعداد القتلى في القطاع 60 ألفاً، وهي أرقام تتبناها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية. كذلك، فإن ما لا يقل عن ألف قتيل سقطوا منذ بداية عملية توزيع الأغذية التي تقوم بها منظمة أميركية-إسرائيلية يديرها عسكريون أميركيون قدامى.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس مستقبلاً في رام الله الجمعة وزير خارجية ألمانيا يوهان فادفول الذي تُعد بلاده من أشد أنصار إسرائيل داخل الاتحاد الأوروبي (أ.ف.ب)

من هنا، فإن مقترح المفوضية الأخير يُعدّ أول خطوة عملية جماعية من جانب الاتحاد الأوروبي. لكن المقترح يحتاج إلى موافقة أكثرية معززة من الأعضاء البالغ عددهم 27 عضواً، وهذا ليس بعد أمراً محسوماً. ويعني عملياً أن المقترح سيُطرح على التصويت، ويُفترض أن يحظى بموافقة 15 دولة (من أصل 27)، وأن تمثّل ما لا يقل عن 65 في المائة من عدد سكان الاتحاد. وثمة اعتقاد أن الاقتراح سيُقر عندما يُطرح على التصويت؛ إذ حتى اليوم، ثمة أربع دول أعلنت معارضتها، بينها ألمانيا وإيطاليا، وهي تضم على الأرجح التشيك والمجر. ويمكن للنمسا أن تلتحق بها. وتجدر الإشارة إلى أن أصواتاً أوروبية تطالب بإجراءات أشد إزاء إسرائيل، ومنها تجميد استفادتها من كامل برنامج «هورايزون أوروبا» البحثي العلمي، والمرصود له مبلغ 93.5 مليار يورو ما بين عامَي 2021 و2027.

كذلك فإن دولاً اقترحت تجميد الاتفاقية التجارية، بل كامل اتفاقية الشراكة بين الجانبَيْن. لكن إجراءات من هذا النوع لا يمكن أن تمر بسبب الدعم الأعمى الذي تتمتع به من الدول الداعمة لها التي تعول عليها لإجهاض أي إجراء تعدّه معادياً لها.

وتجدر الإشارة إلى أن الاتحاد لم يُدن يوماً ما تقوم به إسرائيل، رسمياً وجماعياً، في غزة. والتدبير الواحد الذي أُقر جماعياً يتناول اتخاذ عقوبات «رمزية» بحق عدد من المستوطنين الذين يلجأون إلى العنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية؛ الأمر الذي لم يوقف حركة الاستيطان قط ولا مضاعفة العنف الأعمى.

وقال مدير الطوارئ في برنامج الأغذية العالمي، روس سميث: «لا يشبه هذا أي شيء شهدناه في هذا القرن. إنه يذكرنا بالكوارث التي حدثت في إثيوبيا أو بيافرا خلال القرن الماضي».

الأطفال ضحايا سياسة التجويع الإسرائيلية (رويترز)

تكمن أهمية المقترح في أن المفوضية تسعى لاستخدام البحث العلمي وسيلة ضاغطة على إسرائيل من خلال تعليق مشاركة واستفادة «الكيانات الإسرائيلية المشاركة في برنامج «مسرّع مجلس الابتكار الأوروبي»، وهو برنامج مخصص للشركات الناشئة والصغيرة والمتوسطة التي تطوّر تقنيات متقدمة للاستخدامات المدنية والعسكرية، مثل الأمن السيبراني والمسيرات والذكاء الاصطناعي.

و«مسرع مجلس الابتكار» جزء أساسي من برنامج «هورايزون أوروبا»، ويتمتع بميزانية قدرها 10.1 مليار يورو للفترة الممتدة من 2021 إلى 2027. وقال مصدر في المفوضية إن الاختيار «مرده إلى أن إسرائيل تعتمد إلى حد بعيد، في حربها على غزة، على ما يوفره الذكاء الاصطناعي من جهة، ومن جهة ثانية على الإكثار من اللجوء إلى المسيّرات». ولأن إسرائيل استشعرت الخطر، فقد سارع رئيسها إسحاق هرتسوغ إلى القول: «سيكون من الخطأ الفادح أن يتخذ الاتحاد الأوروبي مثل هذه الإجراءات، خصوصاً في ظل الجهود الإنسانية المستمرة والمعززة التي تبذلها إسرائيل». ولم يُفهم عن أي «جهود» يتحدث هرتسوغ. ويتخوّف الأخير من أن تدبيراً مثل هذا «من شأنه الإساءة لصورة إسرائيل، وأن يكون فاتحة لتدابير عقابية أخرى». وأدانت وزارة الخارجية الإسرائيلية توصية المفوضية الأوروبية، ورأت أنها «خاطئة ومؤسفة وغير مبررة»، وأنها «لن تؤدي سوى إلى تقوية» حركة «حماس». وقالت إسرائيل إنها ستسعى للحيلولة دون تبني هذا الإجراء. وخوف إسرائيل التي تعاني، منذ أشهر خصوصاً بعد أن بدأت سلسلة الدول الأوروبية العازمة على الاعتراف بالدولة الفلسطينية في شهر سبتمبر (أيلول) المقبل، من عزلة دبلوماسية غير مسبوقة، أن تتطور الضغوط الأوروبية إلى درجة إلغاء اتفاقية التجارة أو الشراكة مع الاتحاد الأوروبي؛ مما ستكون له انعكاسات قوية على اقتصادها، كون الاتحاد شريكها الاقتصادي الأول.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال زيارة الأخير لبرلين في 12 مايو الماضي (أ.ب)

نقطة الضعف الأوروبية

ليس سراً أن الانقسامات الأوروبية تحول دون تمكين الاتحاد من أن يقدم دوراً فاعلاً في حرب غزة وبشكل عام، بخصوص أزمات الشرق الأوسط. فمن جهة، ثمة دول أوروبية تريد اللجوء إلى تدابير قاسية تجاه إسرائيل؛ فالسويد التي اعترفت بالدولة الفلسطينية منذ عام 2015، تطالب بتجميد اتفاقية التجارة (التي هي جزء من اتفاقية الشراكة) مع إسرائيل. وكتب رئيس الوزراء السويدي، أولف كريسترسون، عبر منصة «إكس»، أن «الوضع في غزة مروع جداً، وتمتنع إسرائيل عن الالتزام بواجباتها الأساسية والاتفاقات بشأن المساعدات الطارئة. لذا تطالب السويد بتجميد الشق التجاري في اتفاقية الشراكة في أسرع وقت ممكن». وطلب نظيره الهولندي، ديك شوف، الشيء نفسه حال استمرار إسرائيل في انتهاك واجباتها الإنسانية.

أما سلوفينيا التي اعترفت بالدولة الفلسطينية ربيع العام الماضي (مع إسبانيا وآيرلندا والنرويج) فقد قررت، الخميس، فرض حظر على صادرات وواردات وعبور الأسلحة عبر أراضيها إلى إسرائيل. وسبق لها أن عدّت «وزيرَين إسرائيليين (وزير الأمن القومي بن غفير ووزير المالية سموتريتش) غير مرغوب فيهما» على أراضيها. وهذان الوزيران ممنوعان أيضاً، منذ الاثنين الماضي، من الدخول إلى هولندا. وأكدت سلوفينيا أنها «سوف تواصل الدعوة إلى اتخاذ إجراءات أكثر حسماً ضد الحكومة الإسرائيلية».

ومن جهتها، تعمل آيرلندا على إعداد تشريع يحظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

حتى اليوم، ثمة 12 دولة داخل الاتحاد اعترفت بالدولة الفلسطينية التي يتعيّن أن تُضاف إليها فرنسا والبرتغال ومالطا ولوكسمبورغ وفنلندا التي ستُقدم على هذه الخطوة رسمياً الشهر المقبل، ما يعني أن الأكثرية المؤهلة (المعززة) أصبحت متوافرة للموافقة على إجراءات ضد إسرائيل.

لكن هذا التحول لا يعني أن الاتحاد أصبح مكسوب الولاء؛ إذ إن دولاً رئيسية، مثل ألمانيا وإيطاليا والنمسا، لن تنتهج هذا السبيل غداً، لأسباب متعددة (داخلية وخارجية)، مما سيمنع الاتحاد الأوروبي من التحدث بلغة واحدة إزاء أزمة رئيسية على حدوده الجنوبية. وتكفي الإشارة إلى ما صدر عن مارتن هوبر الأمين العام للحزب المسيحي الاجتماعي البافاري، عضو التحالف الحكومي الألماني، الذي جزم بأنه «من الوارد انتقاد الحكومة الإسرائيلية، لكن فرض عقوبات بين الأصدقاء غير وراد بالتأكيد».


مقالات ذات صلة

«عقبات عالقة» تهدد مسار «الإدارة الجديدة» في غزة

تحليل إخباري خيام تأوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة بينما تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)

«عقبات عالقة» تهدد مسار «الإدارة الجديدة» في غزة

دخل اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة مرحلة جديدة بتشكيل لجنة إدارة القطاع التي واجهت على الفور سيل تصريحات إسرائيلية بشأن التمسك باسترجاع الرفات الأخيرة أولاً.

محمد محمود (القاهرة)
أوروبا الدمار يظهر في موقع غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً وسط قطاع غزة (رويترز) play-circle

يدعو لتنفيذها بالكامل... الاتحاد الأوروبي يرحّب بإطلاق المرحلة الثانية من خطة ترمب بشأن غزة

رحَّب الاتحاد الأوروبي، اليوم (الخميس)، بإعلان البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للسلام في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الولايات المتحدة​  فلسطينيون يسيرون بجانب مبان دمرتها غارات إسرائيلية في حي الزيتون بقطاع غزة (ا.ب)

مسؤولون أميركيون: إرسال دعوات «مجلس سلام غزة»

قال مسؤولون أميركيون ​إنه تم توجيه دعوات لأطراف للمشاركة في «مجلس السلام» الدولي ‌الذي سيتولى ‌إدارة ‌غزة ⁠مؤقتاً، ​وذلك ‌في إطار خطة ترمب لإنهاء الحرب في غزة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (إ.ب.أ)

تقرير: رئيس وزراء بريطانيا سيقبل مقعداً في مجلس ترمب لإدارة غزة

يُتوقع أن ينضم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى المجموعة التي يخطط لها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لترتيب الوضع في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي 
أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الدروس داخل خيمة قرب الخط الفاصل بين «حماس» وإسرائيل في بيت لاهيا شمال غزة (رويترز)

مشاورات في القاهرة لحسم «لجنة إدارة غزة»

انطلقت في القاهرة، أمس، مشاورات جديدة بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وأفاد مصدر فلسطيني «الشرق الأوسط»، الاثنين، بوصول وفد من حركة «حماس» برئاسة خليل الحية.

محمد محمود (القاهرة) «الشرق الأوسط» (غزة)

موسكو تكثف وساطتها بين إيران وإسرائيل لاحتواء التصعيد

صورة ملتقطة في 15 يناير 2026 بموسكو تُظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مراسم تسلُّم أوراق اعتماد السفراء المعينين حديثاً لدى روسيا (د.ب.أ)
صورة ملتقطة في 15 يناير 2026 بموسكو تُظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مراسم تسلُّم أوراق اعتماد السفراء المعينين حديثاً لدى روسيا (د.ب.أ)
TT

موسكو تكثف وساطتها بين إيران وإسرائيل لاحتواء التصعيد

صورة ملتقطة في 15 يناير 2026 بموسكو تُظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مراسم تسلُّم أوراق اعتماد السفراء المعينين حديثاً لدى روسيا (د.ب.أ)
صورة ملتقطة في 15 يناير 2026 بموسكو تُظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مراسم تسلُّم أوراق اعتماد السفراء المعينين حديثاً لدى روسيا (د.ب.أ)

كثف الكرملين، الجمعة، تحركاته الدبلوماسية لخفض التوتر بين إيران وإسرائيل، عبر سلسلة اتصالات أجراها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في مسعى لمنع انزلاق الأوضاع الإقليمية إلى مواجهة مباشرة.

وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، إن بوتين أجرى اتصالاً هاتفياً مع بزشكيان، شدد خلاله على مواصلة الجهود الرامية إلى تهدئة الوضع بالمنطقة، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد المخاوف من توسع دائرة المواجهة.

وأضاف بيسكوف أن بوتين بحث، في اتصال منفصل باليوم نفسه، مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تطورات الوضع في الشرق الأوسط وإيران، مؤكداً استعداد موسكو لمواصلة دور الوساطة وتيسير الحوار بين جميع الأطراف المعنية.

وأفاد بأن موسكو ستعلن «نتائج مكالمتنا الهاتفية مع الرئيس الإيراني قريباً جداً». وقال إن بوتين «يواصل جهوده للتشجيع على خفض التوتر».

ووفق بيان الكرملين، عرض بوتين خلال الاتصال مع نتنياهو، رؤيته القائمة على «تكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية لضمان الاستقرار والأمن في الشرق الأوسط»، مشدداً على استعداد روسيا للقيام «بجهود وساطة مناسبة» في هذه المرحلة الحساسة.

وفي الأثناء، نقل ​موقع «أكسيوس» عن مصادر مطلعة، أن رئيس الموساد الإسرائيلي ‌ديفيد ‌برنياع، ‌وصل إلى الولايات ​المتحدة ‌صباح الجمعة، لإجراء محادثات حول الوضع في إيران. وذكر «أكسيوس» أنه من ‌المتوقع أن ‍يلتقي برنياع في ميامي بالمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، المسؤول ​عن قنوات الاتصال المباشر بين الولايات المتحدة وإيران.

وتأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه إيران ضغوطاً متزايدة، بعد اندلاع احتجاجات أواخر ديسمبر (كانون الأول) الماضي على خلفية الأوضاع الاقتصادية، أسفرت، وفق منظمات حقوقية، عن مقتل ما لا يقل عن 3428 متظاهراً واعتقال آلاف آخرين.

وتزامن ذلك مع تهديدات متكررة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بالتدخل، وسط تقارير إعلامية عن تعزيز الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، ما زاد من منسوب القلق حيال احتمالات التصعيد. وفي العام الماضي، قصفت كل من ‌إسرائيل والولايات المتحدة ‌مواقع نووية إيرانية، وخاضت ‌إيران حرباً ​استمرت 12 يوماً ‌مع إسرائيل في يونيو (حزيران).

إيراني يمشي بالقرب من حطام حافلة عامة محترقة في طهران الخميس (إ.ب.أ)

تطمينات سرية

وقبل يوم واحد من اتصالات بوتين، أفادت صحيفة «واشنطن بوست» بأن إسرائيل وإيران تبادلتا تطمينات سرية عبر روسيا، أكدت فيها كل منهما أنها لن تبادر إلى شن هجوم استباقي على الأخرى، في قنوات اتصال غير معلنة.

ووفق الصحيفة، جرى نقل هذه الرسائل عبر وسيط روسي قبل أيام من اندلاع الاحتجاجات في إيران أواخر ديسمبر، في خطوة وُصفت بأنها غير مألوفة في ظل العداء العلني بين الخصمين الإقليميين.

وبحسب دبلوماسيين ومسؤولين إقليميين اطلعوا على مضمون الرسائل، أبلغ مسؤولون إسرائيليون القيادة الإيرانية، عبر القناة الروسية، بأن إسرائيل لن تشن هجمات على إيران ما لم تتعرض لهجوم أولاً.

وردت طهران، وفق المصادر نفسها، عبر الوسيط الروسي بأنها ستلتزم أيضاً بعدم تنفيذ أي ضربة استباقية، في محاولة متبادلة لاحتواء احتمالات التصعيد المباشر بين الطرفين.

وجاءت هذه الاتصالات رغم أن البلدين خاضا حرباً مباشرة استمرت 12 يوماً في يونيو (حزيران) الماضي، ما يعكس، وفق المصادر، إدراكاً متزايداً لمخاطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع.

وأوضح دبلوماسيون أن هذه القناة السرية عكست رغبة إسرائيل في تفادي الظهور بمظهر الطرف الذي يصعّد التوتر مع إيران، أو يقود هجمات جديدة ضدها، في وقت كانت تستعد فيه لحملة عسكرية واسعة ضد «حزب الله» في لبنان.

في المقابل، تعاملت طهران بحذر مع التطمينات الإسرائيلية، معتبرة أن هذه الرسائل، حتى لو كانت صادقة، لا تستبعد احتمال قيام الولايات المتحدة بشن ضربات على إيران ضمن حملة منسقة مع إسرائيل.

وقال مسؤول إقليمي رفيع المستوى، إن البقاء خارج أي مواجهة بين إسرائيل و«حزب الله» كان «خياراً جيداً لإيران»، مشيراً إلى أن الدعم العملي الذي تقدمه طهران للحزب تراجع بالفعل مع انشغالها باضطراباتها الداخلية.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يجتمع مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في موسكو اليوم (رويترز)

حسابات متغيرة

ولا يزال من غير الواضح كيف أثرت الاحتجاجات الأخيرة في إيران على حسابات الطرفين، وما إذا كانا سيواصلان الالتزام بالتفاهم غير المعلن، في ظل تصاعد الضغوط السياسية والعسكرية المحيطة بالأزمة.

ويرى محللون أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يدرس توجيه ضربات ضد أهداف للنظام الإيراني رداً على قمع الاحتجاجات، محذرين من أن أي هجوم قد يدفع طهران إلى ردود واسعة النطاق.

وقال مسؤول إيراني رفيع لوكالة «رويترز»، إن إيران سترد، في حال تعرضها لهجوم، باستهداف قواعد عسكرية أميركية في الشرق الأوسط، من دون أن يذكر إسرائيل ضمن الأهداف المحتملة.

وفي إسرائيل، لا يزال الغموض قائماً بشأن ما إذا كانت الحكومة ستتمسك بتطمينات ديسمبر، أو ستنضم إلى أي عمل عسكري تقوده الولايات المتحدة إذا رأت فرصة لإسقاط الحكومة الإيرانية.

ومع اندلاع الاحتجاجات، وصف مسؤولون إسرائيليون استعداداتهم العسكرية بأنها دفاعية بطبيعتها، وتجنبوا استخدام خطاب تصعيدي علني، رغم تنفيذ إسرائيل في يونيو، هجوماً مباغتاً ضد إيران خلال مفاوضات نووية جارية.

خيار التسوية

ولا يعد تحرك موسكو الأول من نوعه، إذ نقل أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني في منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، رسالة من المرشد علي خامنئي إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وقبل تلك الزيارة بأيام، كشف بوتين علناً عن وساطة روسية بين إيران وإسرائيل، مشيراً إلى تلقي موسكو إشارات من القيادة الإسرائيلية تطلب نقلها إلى طهران، وتؤكد تمسك تل أبيب بخيار التسوية ورفض التصعيد.

وفي وقت لاحق، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، أن طهران تلقت رسالة روسية تفيد بأن إسرائيل لا تسعى إلى مواجهة جديدة مع إيران، مشيراً إلى اتصال هاتفي جرى بين نتنياهو وبوتين.

وكان بوتين وبزشكيان قد وقعا في يناير (كانون الثاني) اتفاقية شراكة استراتيجية لا تتضمن بنداً للدفاع المشترك. وأكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في الأيام الأخيرة، التزام بلاده بالاتفاقيات الموقعة مع طهران.

وترى مصادر دبلوماسية أن موسكو تسعى، عبر تكثيف اتصالاتها مع طهران وتل أبيب، إلى تثبيت دورها وسيطاً رئيسياً في ساحة إقليمية شديدة الهشاشة، في توقيت يتقاطع فيه التصعيد مع الحرب في أوكرانيا.

ومن شأن أي تهديد لبقاء القيادة الإيرانية أن يشكل مصدر قلق بالغاً لموسكو، بعد 13 شهراً من خسارتها حليفاً رئيسياً آخر في الشرق الأوسط مع الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد. وفي وقت ​سابق من هذا الشهر، ألقت الولايات المتحدة القبض على حليف آخر لروسيا وهو الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وجرى نقله إلى نيويورك لمواجهة اتهامات بتهريب المخدرات.

ورداً على سؤال حول الدعم الذي يمكن أن تقدمه روسيا لإيران، قال بيسكوف: «تقدم روسيا بالفعل المساعدة؛ ليس فقط لإيران بل للمنطقة بأسرها، ولقضية الاستقرار والسلام الإقليميين. ويعود الفضل في ذلك لأسباب منها جهود الرئيس الروسي للمساعدة في تهدئة التوترات».


حالات الانتحار تزداد في صفوف الجيش الإسرائيلي

جنود إسرائيليون يقفون على دبابات قرب حدود إسرائيل مع غزة... جنوب إسرائيل 1 يناير 2024 (رويترز)
جنود إسرائيليون يقفون على دبابات قرب حدود إسرائيل مع غزة... جنوب إسرائيل 1 يناير 2024 (رويترز)
TT

حالات الانتحار تزداد في صفوف الجيش الإسرائيلي

جنود إسرائيليون يقفون على دبابات قرب حدود إسرائيل مع غزة... جنوب إسرائيل 1 يناير 2024 (رويترز)
جنود إسرائيليون يقفون على دبابات قرب حدود إسرائيل مع غزة... جنوب إسرائيل 1 يناير 2024 (رويترز)

تعاني إسرائيل من زيادة كبيرة في حالات الانتحار واضطراب ما بعد الصدمة في صفوف الجيش بعد حملتها العسكرية التي استمرت عامين على قطاع غزة رداً على هجوم حركة «حماس» في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وتناولت تقارير حديثة من ​وزارة الدفاع الإسرائيلية ومقدمي الخدمات الصحية بالتفصيل أزمة الاضطرابات النفسية التي يعاني منها الجنود مع استمرار القتال في غزة ولبنان وتصاعد التوتر مع إيران، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وسرعان ما اتسع نطاق الحرب في غزة وامتد إلى لبنان مع تبادل إسرائيل وجماعة «حزب الله» إطلاق النار عبر الحدود. ونشرت إسرائيل مئات الآلاف من الجنود وقوات الاحتياط على الجبهتين في بعض من أعنف المعارك منذ قيامها.

وقال مسؤولون من غزة ولبنان، إن القوات الإسرائيلية قتلت أكثر من 71 ألف فلسطيني في غزة و4400 في جنوب لبنان. وذكرت إسرائيل أن أكثر من 1100 جندي قُتلوا منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023.

وأدت الحرب إلى تدمير معظم قطاع غزة الذي يعاني سكانه البالغ عددهم نحو مليونين من نقص حاد في المأوى والغذاء والرعاية الصحية.

وقال متخصصون فلسطينيون في الصحة النفسية، إن سكان غزة يعانون من «بركان» من الصدمات النفسية، وتسعى أعداد كبيرة منهم الآن للعلاج، وإن الأطفال يعانون من أعراض مثل نوبات الفزع الليلية وعدم القدرة على التركيز.

جنود إسرائيليون يتمركزون خلال العملية البرية للجيش الإسرائيلي في قطاع غزة... 13 نوفمبر 2023 (رويترز)

ارتفاع حالات اضطراب ما بعد الصدمة

تظهر دراسات إسرائيلية أن ‌الحرب أثّرت على الصحة النفسية للجنود الذين ينفّذون أهداف الحرب الإسرائيلية المعلنة، وهي القضاء على «حماس» في غزة واستعادة الرهائن ونزع ‌سلاح «⁠حزب ​الله».

ويعاني أيضاً بعض ‌الجنود الذين تعرّضوا للهجوم عندما اجتاحت «حماس» قواعدهم العسكرية في هجوم السابع من أكتوبر من اضطرابات نفسية.

وذكرت وزارة الدفاع الإسرائيلية أنها سجلت زيادة بنسبة 40 في المائة تقريباً في حالات اضطراب ما بعد الصدمة بين الجنود منذ سبتمبر (أيلول) 2023، وتتوقع أن ترتفع النسبة إلى 180 في المائة بحلول عام 2028.

وأضافت الوزارة أن 60 في المائة من بين 22 ألفاً و300 من الجنود والعسكريين يتلقون العلاج من إصابات خلال الحرب يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة.

ووسّعت الوزارة الرعاية الصحية المقدمة لمن يعانون من مشاكل نفسية وزادت المخصصات المالية لهذا الغرض، وقالت إن هناك زيادة بنحو 50 في المائة في استخدام العلاجات البديلة.

وقالت شركة مكابي، ثاني أكبر مزود للرعاية الصحية في إسرائيل، في تقريرها السنوي لعام 2025، إن 39 في المائة من العسكريين الإسرائيليين الذين يتلقون العلاج لديها طلبوا دعما نفسيا بينما عبّر 26 في المائة منهم عن مخاوف تتعلق بالاكتئاب.

واستقبلت عدة منظمات إسرائيلية، مثل هاغال شيلي غير الحكومية التي تستخدم ركوب ⁠الأمواج أسلوباً علاجياً، مئات الجنود النظاميين والاحتياط الذين يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة. ويقتني بعض الجنود السابقين أيضا كلاباً مدربة تدريباً خاصاً للمساعدة في الدعم النفسي والعاطفي.

صورة نُشرت في 2 يناير 2024 تظهر جنوداً إسرائيليين خلال العملية في قطاع غزة (رويترز)

الشعور بالذنب

قال الطبيب النفسي رونين ‌سيدي، الذي يشرف على أبحاث المحاربين القدامى في مركز هعيمك الطبي بشمال إسرائيل، إن الجنود يعانون ‍بشكل عام من مصدرين مختلفين للصدمة.

يرتبط المصدر الأول «بتجارب خوف شديد» و«الخوف ‍من الموت» في غزة ولبنان أو حتى داخل إسرائيل. فقد عايش العديد من الجنود هجوم «حماس»، الذي اقتادت فيه الحركة الفلسطينية أيضاً حوالي 250 رهينة إلى القطاع، وتداعياته بشكل مباشر.

وذكر سيدي أن المصدر الثاني هو الأضرار المعنوية، أو الشعور بالذنب الذي يعاني منه الشخص بسبب شيء ما فعله، أو بسبب مقتل أبرياء في القطاع.

وقال بول (28 عاماً)، وهو جندي احتياط وأب لثلاثة أطفال، إنه اضطر إلى ترك وظيفته كمدير مشروع في شركة عالمية لأن «صوت الرصاص» فوق رأسه ظل ​يلازمه حتى بعد عودته من القتال.

وذكر بول، الذي رفض الكشف عن اسمه بالكامل بسبب مخاوف تتعلق بالخصوصية، أنه شارك في مهام قتالية في غزة ولبنان وسوريا.

وأضاف أنه يعيش في حالة تأهب دائم رغم تراجع حدة القتال في الشهور القليلة الماضية.

وأردف يقول: «أعيش ⁠هكذا كل يوم».

مركبة عسكرية إسرائيلية على طريق في جنوب إسرائيل بالتزامن مع إطلاق صواريخ من قطاع غزة... خارج مدينة سديروت 7 أكتوبر 2023 (رويترز)

صدمات بلا علاج

يتعين على الجندي الذي يسعى للحصول على دعم حكومي لصحته النفسية أن يمثل أمام لجنة تقييم تابعة لوزارة الدفاع لتحديد مدى خطورة حالته ومنحه موافقة رسمية. وقال بعض المتخصصين في علاج الصدمات النفسية إن هذه العملية قد تستغرق شهورا ويمكن أن تثني الجنود عن طلب المساعدة.

وقالت وزارة الدفاع الإسرائيلية إنها تقدّم بعض أشكال المساعدة الفورية للجنود بمجرد بدء عملية التقييم، وإنها كثفت هذه الجهود منذ اندلاع الحرب.

وخلصت لجنة في الكنيست الإسرائيلي في أكتوبر، إلى أن 279 جندياً حاولوا الانتحار في الفترة من يناير (كانون الثاني) 2024 إلى يوليو (تموز) 2025، وهي زيادة حادة مقارنة بالسنوات السابقة. وجاء في تقرير اللجنة أن الجنود المقاتلين شكلوا 78 في المائة من مجمل حالات الانتحار في إسرائيل عام 2024.

وذكر الطبيب النفسي سيدي أن خطر الانتحار أو إيذاء النفس يزيد إذا لم يتم العلاج من الصدمة.

وأضاف: «بعد السابع من أكتوبر والحرب، أصبحت مؤسسات الصحة النفسية في إسرائيل مكتظة تماماً، والكثير من الناس إما لا يستطيعون الحصول على العلاج أو حتى لا يعلمون أن الضيق الذي يشعرون به له علاقة بما مروا به».

ولا تزال احتمالات مشاركة الجنود في القتال عالية. ولا يزال الجيش الإسرائيلي منتشراً في أكثر من نصف قطاع غزة ومستمراً في القتال هناك رغم الهدنة التي دعمتها الولايات المتحدة في أكتوبر وقُتل خلالها أكثر من 440 فلسطينياً وثلاثة جنود إسرائيليين.

ولا يزال الجيش الإسرائيلي يحتل أجزاء من جنوب لبنان، في الوقت الذي يواصل فيه الجيش اللبناني ‌عملية نزع سلاح «حزب الله» بموجب اتفاق منفصل توسطت فيه الولايات المتحدة.

وفي سوريا، احتلت القوات الإسرائيلية جزءاً كبيراً من جنوب البلاد منذ الإطاحة ببشار الأسد.

ومع احتدام التوتر مع إيران وتهديد واشنطن بالتدخل لحماية المحتجين هناك، تجد إسرائيل نفسها أيضا في مواجهة عنيفة أخرى مع طهران بعد حرب دامت بينهما 12 يوماً في يونيو (حزيران) 2025.


نيوزيلندا تعلن إغلاق سفارتها في إيران وإجلاء دبلوماسييها

سيارات تعبر على طول أحد شوارع طهران 15 يناير الحالي (أ.ف.ب)
سيارات تعبر على طول أحد شوارع طهران 15 يناير الحالي (أ.ف.ب)
TT

نيوزيلندا تعلن إغلاق سفارتها في إيران وإجلاء دبلوماسييها

سيارات تعبر على طول أحد شوارع طهران 15 يناير الحالي (أ.ف.ب)
سيارات تعبر على طول أحد شوارع طهران 15 يناير الحالي (أ.ف.ب)

أعلنت نيوزيلندا يوم الجمعة إغلاق سفارتها في طهران مؤقتاً، وإجلاء دبلوماسييها بسبب تدهور الوضع الأمني ​​في إيران.

وصرَّح متحدث باسم وزارة الخارجية، بأن الطاقم الدبلوماسي غادر إيران بسلام على متن رحلات تجارية خلال الليل. ونُقلت عمليات سفارة طهران إلى أنقرة في تركيا نظراً لتدهور الوضع الأمني ​​في إيران، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأضاف المتحدث: «نواصل نصيحتنا بعدم السفر إلى إيران. على جميع النيوزيلنديين الموجودين حالياً في البلاد المغادرة فوراً».

وأوضحت وزارة الخارجية أن قدرتها على تقديم المساعدة القنصلية للنيوزيلنديين في إيران «محدودة للغاية».

وأشار المتحدث باسم الوزارة إلى أن صعوبات التواصل الشديدة تعيق تواصل النيوزيلنديين مع عائلاتهم وأصدقائهم في إيران، ناصحاً إياهم بالتواصل مع أقاربهم متى أمكنهم ذلك.