ترمب يحذّر إيران من «الإشارات السيئة» ويلوّح بقصفها مجدداً

بزشكيان: مستعدون للحوار ولسنا طلاب حرب... فرنسا دعت إلى اتفاق شامل مع طهران يشمل الصواريخ والأنشطة الإقليمية

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب في منتجع ترمب تورنبري للغولف باسكوتلندا (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب في منتجع ترمب تورنبري للغولف باسكوتلندا (إ.ب.أ)
TT

ترمب يحذّر إيران من «الإشارات السيئة» ويلوّح بقصفها مجدداً

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب في منتجع ترمب تورنبري للغولف باسكوتلندا (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب في منتجع ترمب تورنبري للغولف باسكوتلندا (إ.ب.أ)

حذر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، من أنه سيأمر بشن هجمات أميركية جديدة على المنشآت النووية الإيرانية إذا حاولت طهران العودة إلى عملية تخصيب اليورانيوم في المنشآت التي قصفتها الولايات المتحدة الشهر الماضي.

وأصدر ترمب التحذير أثناء إجراء محادثات مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في منتجع تيرنبري للغولف على الساحل الغربي لاسكوتلندا.

وتصر إيران، التي تنفي سعيها إلى صنع سلاح نووي، على أنها لن تتخلى عن تخصيب اليورانيوم محلياً على الرغم من قصف ثلاثة مواقع نووية.

وقال الرئيس ترمب للصحافيين إن إيران ترسل «إشارات سيئة ومزعجة جداً، وما كان عليهم أن يفعلوا ذلك...»، وإن أي محاولة منها لاستئناف برنامجها لتخصيب اليوروانيوم «ستُسحق على الفور». وأضاف: «قضينا على قدراتهم النووية، قد يستأنفون البرنامج من جديد، وإذا فعلوا ذلك، فسنقضي عليه بأسرع مما تتخيلون»، حسبما أوردت «رويترز».

والأحد، أعلن ترمب، خلال لقائه مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، أنه تحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو بشأن إيران.

وأضاف ترمب: «أعتقد أن إيران كانت شديدة العدوانية بأقوالها. لقد تلقوا ضربة قاسية، ولا أظن أنهم يدركون ذلك. إيران تعرضت لهزيمة كبيرة ولأسباب وجيهة. لا يمكننا السماح لهم بامتلاك سلاح نووي».

وأشار إلى أن إيران تواصل الإصرار على تخصيب اليورانيوم على أراضيها في أي اتفاق. وقال: «من قد يقول ذلك؟ كم يجب أن تكون غبياً لتقول ذلك؟ لذلك لن نسمح بحدوث ذلك».

وسافر اثنان من كبار مساعدي نتنياهو إلى الولايات المتحدة يوم الأحد، وسيجريان محادثات هذا الأسبوع مع مسؤولي البيت الأبيض بشأن إيران وغزة، بحسب ما قاله مسؤول إسرائيلي ومصدر آخر مطلع لموقع «أكسيوس».

وتأتي زيارة وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر ومستشار الأمن القومي تساحي هنغبي في ظل الجمود في مفاوضات غزة، وفي الوقت الذي تقوم فيه إسرائيل والولايات المتحدة بتنسيق الخطوات التالية بشأن إيران.

طهران ترفض التنازل

في طهران، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، اليوم الاثنين، إن طهران تُدرك تماما تأثير ما وصفه بـ«العدوان الأميركي الإسرائيلي على كلا الجانبين»، وحذر من أن معاودة شن مثل هذه الهجمات ستؤدي إلى رد حاسم.وكتب عراقجي على منصة «إكس» قائلا: «إذا تكرر العدوان، فلن نتردد في أن يكون ردنا أكثر حسماً وبطريقة سيكون من المستحيل التستر عليها»، دون تقديم مزيد من التفاصيل.

وفي وقت سابق، قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن بلاده «لا تسعى للحرب وهي مستعدة للحوار، لكن ردها على أي عدوان محتمل سيكون قوياً وحاسماً»، حسبما أورد بيان للرئاسة الإيرانية.

وقال بزشكيان خلال مراسم تسلم أوراق اعتماد السفير الفرنسي الجديد بيير كوشار إن حكومته تسعى إلى «تحقيق الوفاق الداخلي والتفاعل مع العالم»، متهماً الدول الغربية بـ«تعطيل هذا المسار من خلال الدعاية الكاذبة واتهام إيران بالسعي لامتلاك سلاح نووي».

بزشكيان يتسلم أوراق السفير الفرنسي الجديد (الرئاسة الإيرانية)

وأوضح الرئيس الإيراني أن بلاده تطالب بحقوقها في إطار القوانين الدولية وتلتزم بمتطلباتها، مشيراً إلى أن إيران «سبق أن قبلت بأشد أنظمة الرقابة على أنشطتها النووية، وهي الآن أيضاً مستعدة للتعاون في هذا المجال»، لكنه شدد على أن ذلك «لا يعني التنازل عن حقوق الشعب الإيراني».

وعبَّر بزشكيان عن أمله في تطوير العلاقات مع فرنسا «على أساس الاحترام المتبادل»، في إشارة إلى محاولة كسر العزلة الدولية التي تفرضها واشنطن وحلفاؤها على طهران.

ونسب بيان الرئاسة الإيرانية إلى السفير الفرنسي قوله إن بلاده «تعتقد أن الحوار هو السبيل الوحيد لحل الخلافات في الملف النووي، وتؤكد ضرورة منح الدبلوماسية المزيد من الوقت».

ودعت فرنسا، الأحد، إلى «اتفاق شامل» مع طهران يشمل برنامجها الصاروخي ونفوذها الإقليمي. وقال وزير الخارجية الفرنسي جان - نويل بارو لشبكة «سي بي إس نيوز» إن الحكومات الغربية تسعى إلى «اتفاق شامل» مع إيران، من أهدافه تجنّب «خطر» عملها سراً على حيازة سلاح نووي، وهو أمر تصرّ طهران مراراً على أنها لا تطمح إليه.

وذكر بارو أن اتفاقاً من هذا النوع سيشمل «البعد النووي» و«المكوّن البالستي» و«أنشطة زعزعة الاستقرار الإقليمي التي تقوم بها إيران»، في إشارة إلى المجموعات المسلحة التي تدعمها طهران في أنحاء الشرق الأوسط، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعقبت تصريحاته اجتماعاً الجمعة بين دبلوماسيين إيرانيين ومبعوثين فرنسيين وبريطانيين وألمان، في أول مباحثات حول برنامج طهران النووي منذ الحرب بين إسرائيل وإيران التي استمرت 12 يوماً في يونيو (حزيران).

وجاءت محادثات الجمعة في إسطنبول في وقت هددت القوى الأوروبية الثلاث بتفعيل آلية «سناب باك» التي يسميها الإيرانيون «آلية الزناد» والواردة في الاتفاق النووي، والتي تسمح بإعادة فرض عقوبات مجلس الأمن الدولي على طهران في حال عدم امتثالها لبنود الاتفاق. وتنتهي مهلة تفعيل الآلية في أكتوبر (تشرين الأول).

وقال بارو إنه «ما لم يتم التوصل إلى اتفاق جديد وقوي ومستدام ويمكن التحقق منه بحلول نهاية الصيف، فلن يكون أمام فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة أي خيار سوى إعادة فرض الحظر العالمي الذي تم رفعه قبل عشر سنوات».

وسبق لإيران أن حذّرت من أنها ستنسحب من معاهدة عدم الانتشار النووي الدولية في حال أعيد فرض العقوبات عليها.

ورداً على تأكيدات بارو، قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي إن إيران «لن تتفاوض على إمكانياتها الدفاعية».

وأفاد في مؤتمر صحافي دوري «فيما يتعلّق بالأمور المرتبطة بإمكانياتنا الدفاعية، لن تكون هناك أي محادثات إطلاقاً». وأضاف أن الحرب مع إسرائيل جعلت إيران «أكثر عزماً... على حماية جميع أصولها بما في ذلك أدواتها للدفاع عن نفسها في مواجهة العدوان والعداء الخارجيين».

وأوضح بقائي أن اجتماع إسطنبول مع القوى الأوروبية ركّز فقط على «الملف النووي ورفع العقوبات». وتابع أن طرح أي «مواضيع أخرى لا علاقة لها بذلك... هو مجرّد مؤشر على الإرباك الذي يشعر به الطرف الآخر».

وقال بقائي: «لا يمكن أن نتوقع من بلد أن يبقى طرفاً في معاهدة حظر الانتشار بينما يتم حرمانه من حقوقه المدرجة فيها، وخصوصاً الاستخدام السلمي للطاقة النووية».

وأشار بقائي إلى أن فريقاً من الوكالة الدولية للطاقة الذرية سيجري زيارة لإيران في غضون أسبوعين.

يأتي ذلك بعد أيام قليلة من تصريح المدير العام للوكالة بأن طهران مستعدة لاستئناف المحادثات الفنية.

وأضاف بقائي أنه سيتم تقديم دليل إرشادي بشأن مستقبل تعاون إيران مع الوكالة الذرية التابعة للأمم المتحدة؛ بناءً على قانون برلماني صدر في الآونة الأخيرة يفرض قيوداً على هذا التعاون.

واستهدفت إسرائيل خلال الحرب منشآت نووية وعسكرية على وجه الخصوص، وقُتل خلالها مسؤولون عسكريون كبار وعلماء يعملون على تطوير البرنامج النووي الإيراني. وانضمت الولايات المتحدة إلى الحرب لمدة قصيرة لتقصف ثلاثة مواقع نووية استراتيجية.

وأخرج القتال المفاوضات النووية الأميركية - الإيرانية التي بدأت في أبريل (نيسان) عن مسارها ودفع إيران للحد من التعاون مع المنظمة الدولية للطاقة الذرية.

وأفادت صحيفة «يديعوت أحرونوت»، الأحد، بأن وزير الدفاع يسرائيل كاتس هدد باستهداف المرشد الإيراني علي خامنئي «شخصياً» إذا استمر في «تهديد» إسرائيل.

ونقلت الصحيفة عن كاتس القول خلال تفقده قاعدة رامون الجوية برفقة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو: «إذا واصلتم تهديد إسرائيل، فستصل ذراعنا الطويلة إلى طهران مجدداً بقوة أكبر، وهذه المرة شخصياً».

وشنت إسرائيل هجوماً مباغتاً على إيران الشهر الماضي، وتبادل البلدان القصف الجوي والصاروخي؛ ما أسفر عن مقتل المئات. ونفذت الولايات المتحدة ضربة باستخدام قاذفات مزودة بقنابل خارقة للتحصينات استهدفت المواقع النووية الإيرانية الرئيسية.

وقال ترمب حينذاك إنه كان يعلم على وجه الدقة مكان خامنئي، لكنه لم يسمح لإسرائيل أو للجيش الأميركي بقتله.


مقالات ذات صلة

تسرب محتمل يطوق جزيرة خرج الإيرانية

شؤون إقليمية صورة ملتقطة بالأقمار الاصطناعية تظهر تسرباً نفطياً يُرجح حدوثه يغطي عشرات الكيلومترات المربعة بالقرب من جزيرة خرج الإيرانية يوم الأربعاء (رويترز)

تسرب محتمل يطوق جزيرة خرج الإيرانية

أظهرت صور التقطتها أقمار صناعية هذا الأسبوع ما يُشتبه في أنه تسرب نفطي يغطي عشرات الكيلومترات المربعة من مياه البحر قرب جزيرة خرج، المركز الرئيسي لصادرات النفط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية تمثال يجسّد الشخصية الأسطورية الفارسية آرش الرامي قرب لوحة في ساحة ونك بطهران تُظهر مضيق هرمز مع عبارة بالفارسية «إلى الأبد في يد إيران» (أ.ف.ب)

خطاب الداخل الإيراني يتصاعد بعد اشتباك «هرمز»

اتسع الخطاب السياسي المتشدد داخل إيران بعد تبادل إطلاق النار الجديد قرب مضيق هرمز، وانتقل السجال من مواجهة واشنطن إلى ملاحقة خصوم التفاوض في الداخل.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية طائرة أميركية تقلع بشكل عمودي من على سطح السفينة «تريبولي» في بحر العرب (القيادة المركزية الأميركية) p-circle

مسؤول إيراني: إصابة 10 بحارة وفقدان 5 بعد الهجمات الليلية الأميركية

أعلن مسؤول إيراني، الجمعة، أن هجمات أميركية ليلاً في مضيق هرمز أصابت سفينة شحن إيرانية، ما أدى إلى إصابة 10 بحارة وفقدان خمسة آخرين.

«الشرق الأوسط» (طهران)
الخليج علم الإمارات (الشرق الأوسط)

الإمارات تُعلن اعتراض صاروخين باليستيين و3 مسيّرات إيرانية

أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية أن الدفاعات الجوية اعترضت، الجمعة، صاروخين باليستيين و3 طائرات مسيّرة قادمة من إيران.

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)
شؤون إقليمية جنود أميركيون وإسرائيليون في مركز التنسيق المدني العسكري وهو المركز الذي تقوده الولايات المتحدة للإشراف على تنفيذ خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنهاء الحرب بغزة... في كريات غات جنوب إسرائيل 17 نوفمبر 2025 (رويترز)

إسرائيل توجه اتهامات لـ3 جنود ومدني بالتجسس لصالح إيران

أفاد بيان مشترك صادر عن الجيش الإسرائيلي وجهاز الشاباك والشرطة الإسرائيلية بأنه من المقرر توجيه تهم التجسس لصالح إيران في المحكمة لثلاثة جنود ومدني.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

روسيا نقلت مكونات مسيّرات إلى إيران عبر قزوين

جنود البحرية الصينية على ظهر سفينتهم الحربية خلال تمرين بحري مشترك مع إيران وروسيا في خليج عمان... مارس العام الماضي (أ.ب)
جنود البحرية الصينية على ظهر سفينتهم الحربية خلال تمرين بحري مشترك مع إيران وروسيا في خليج عمان... مارس العام الماضي (أ.ب)
TT

روسيا نقلت مكونات مسيّرات إلى إيران عبر قزوين

جنود البحرية الصينية على ظهر سفينتهم الحربية خلال تمرين بحري مشترك مع إيران وروسيا في خليج عمان... مارس العام الماضي (أ.ب)
جنود البحرية الصينية على ظهر سفينتهم الحربية خلال تمرين بحري مشترك مع إيران وروسيا في خليج عمان... مارس العام الماضي (أ.ب)

في خضم تصاعد التوترات الإقليمية، والعقوبات الغربية المتشابكة، تتكشف ملامح شبكة معقدة من طرق الإمداد، والتحالفات بين روسيا، وإيران، والصين، في مواجهة ضغط أميركي متزايد يستهدف بالدرجة الأولى البرنامج العسكري الإيراني، وقدرته على الاستمرار في التصنيع، والانتشار.

وتشير معطيات استخباراتية، ومسارات تجارية وملاحية إلى أن بحر قزوين، الذي طالما بقي هامشياً في حسابات الصراع الدولي، بات اليوم أحد أهم الممرات اللوجستية غير التقليدية في دعم القدرات العسكرية الإيرانية، خصوصاً في مجال الطائرات المسيّرة، وبالتوازي مع حملة عقوبات جديدة تستهدف شبكات إمداد مرتبطة بشركات في الصين، وهونغ كونغ، وفق تقريرين منفصلين نشرتهما السبت صحيفة «نيويورك تايمز».

سفينة إيرانية استُهدفت في بحر قزوين من قِبل الطيران الإسرائيلي في مارس 2026 (فيديو وزعه الجيش الإسرائيلي)

قزوين... الممر البديل

وفق تقديرات مسؤولين أميركيين، بدأت روسيا في نقل مكوّنات أساسية للطائرات المسيّرة إلى إيران عبر هذا الممر، في خطوة تُسهم في إعادة بناء جزء من الترسانة الإيرانية بعد خسائر كبيرة قُدّرت بنحو 60 في المائة من مخزونها من الطائرات المسيّرة خلال جولات القتال الأخيرة.

هذه الشحنات لا تأتي في إطار عسكري صرف، بل تتداخل مع حركة تجارية واسعة تشمل القمح، والذرة، وزيوت الطعام، والأعلاف، وتُنقل عبر موانئ إيرانية مطلة على بحر قزوين تعمل على مدار الساعة لتأمين احتياجات الاقتصاد الإيراني المتأثر بالعقوبات.

ويرى خبراء أن هذا التحول في مسارات الإمداد يعكس «تكيّفاً استراتيجياً» بين موسكو وطهران، إذ باتت روسيا تعيد توجيه صادرات كانت تمر عبر البحر الأسود، ومضايق أكثر هشاشة أمنياً، نحو الشمال الإيراني الأكثر عزلة عن الرقابة الغربية.

وفي هذا السياق، تقول الباحثة نيكول غرايفسكي، المتخصصة في الشأنين الروسي والإيراني، إن «بحر قزوين يمثل البيئة المثالية تقريباً للالتفاف على العقوبات، ونقل المعدات الحساسة، نظراً لطبيعته المغلقة، وصعوبة تتبعه».

وتشير بيانات ملاحية إلى أن جزءاً من حركة السفن بين الموانئ الروسية والإيرانية يتم دون تشغيل أجهزة التتبع، ما يزيد من تعقيد عملية الرصد الدولي للشحنات، ويحول بحر قزوين إلى ثقب أسود جيوسياسي.

ولا تقتصر أهمية هذا المسار البحري على التجارة التقليدية، بل تمتد إلى البنية العسكرية الإيرانية نفسها. فالمكوّنات الروسية التي تصل عبر بحر قزوين، بحسب مسؤولين أميركيين، تُستخدم لتعزيز قدرة إيران على إنتاج الطائرات المسيّرة بوتيرة أسرع، ما يمنحها هامشاً أكبر في الصراعات الإقليمية، وفي مواجهة التفوق العسكري الأميركي، والإسرائيلي.

وبينما لا يعتقد أن هذه المكونات تغيّر ميزان القوى بشكل جذري، إلا أنها توفر لإيران قدرة مستمرة على إعادة الإمداد، وهو ما يُعد عاملاً حاسماً في الحروب طويلة الأمد.

في المقابل، ترى موسكو وطهران في هذا التعاون جزءاً من «اقتصاد مقاوم للعقوبات»، يتيح لكلا البلدين تقليل الاعتماد على المسارات التجارية الخاضعة للرقابة الغربية، مثل مضيق هرمز، أو البحر الأسود.

جانب من عملية إطلاق سابقة لمسيرات إيرانية الصنع (أرشيفية - إكس)

خناق على الشبكات الآسيوية

بالتوازي، أعلنت الولايات المتحدة عن حزمة جديدة من العقوبات تستهدف أفراداً وشركات في الصين، وهونغ كونغ، إلى جانب كيانات في بيلاروسيا، بتهمة المساعدة في تزويد إيران بمعدات تدخل في تصنيع الصواريخ، والطائرات المسيّرة.

تأتي هذه الخطوة في إطار سياسة أميركية أوسع تهدف إلى تفكيك سلسلة الإمداد الصناعية التي تدعم البرنامج العسكري الإيراني، عبر استهداف حلقاته الوسيطة، وليس فقط المنتج النهائي.

وتشير واشنطن إلى أن شركات صينية خاصة، بعضها مرتبط بمصافي نفط، لعبت دوراً في تسهيل تدفق الموارد إلى الاقتصاد الإيراني، رغم العقوبات القائمة منذ سنوات.

وتكتسب هذه الإجراءات بعداً سياسياً إضافياً، إذ تتزامن مع تحضيرات لقمة مرتقبة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ في بكين، وسط توتر متصاعد حول دور الصين في دعم الاقتصاد الإيراني عبر مشترياتها من النفط.

وتظهر الصورة الكاملة اليوم أن الصراع بين الولايات المتحدة وإيران لم يعد يقتصر على البرنامج النووي، أو المواجهات العسكرية المباشرة، بل تحول إلى حرب شبكات إمداد عالمية تمتد من بحر قزوين إلى بحر الصين الجنوبي، مروراً بالموانئ الخليجية، والمصافي المستقلة في آسيا.

وفي هذا الإطار، تبدو إيران وروسيا والصين وكأنها تبني تدريجياً منظومة بديلة للتجارة، والتسليح، وتعمل خارج النظام المالي والتجاري الغربي، لكنها تظل عرضة لضغوط العقوبات، ومحاولات الاحتواء المستمرة.

ومع تصاعد هذه الشبكات المتشابكة، يبدو أن بحر قزوين، رغم هدوئه الجغرافي، قد تحول إلى أكثر المساحات حساسية في صراع عالمي يتجاوز حدود المنطقة إلى إعادة تشكيل موازين القوى الدولية نفسها.


تقرير: إسرائيل ستطلق اليوم سراح ناشطَي «أسطول الصمود» تمهيداً لترحيلهما

الناشط الإسباني سيف أبو كشك الذي تم احتجازه على متن أسطول الصمود العالمي المتجه إلى غزة يظهر أمام محكمة في جنوب إسرائيل (رويترز)
الناشط الإسباني سيف أبو كشك الذي تم احتجازه على متن أسطول الصمود العالمي المتجه إلى غزة يظهر أمام محكمة في جنوب إسرائيل (رويترز)
TT

تقرير: إسرائيل ستطلق اليوم سراح ناشطَي «أسطول الصمود» تمهيداً لترحيلهما

الناشط الإسباني سيف أبو كشك الذي تم احتجازه على متن أسطول الصمود العالمي المتجه إلى غزة يظهر أمام محكمة في جنوب إسرائيل (رويترز)
الناشط الإسباني سيف أبو كشك الذي تم احتجازه على متن أسطول الصمود العالمي المتجه إلى غزة يظهر أمام محكمة في جنوب إسرائيل (رويترز)

أفادت منظمة حقوقية بأن إسرائيل ستطلق اليوم السبت سراح الناشطين في «أسطول الصمود العالمي» الداعم لغزة، البرازيلي تياغو أفيلا والإسباني سيف أبو كشك، على أن يبقيا في عهدة سلطات الهجرة تمهيداً لترحيلهما من البلاد، وففاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل «عدالة»، الذي يتولى تمثيل الناشطين: «اليوم، أبلغ جهاز الشاباك (الأمن الداخلي) فريق (عدالة) القانوني أنه سيتمّ اليوم السبت التاسع من مايو (أيار) 2026 إطلاق سراح الناشطين في أسطول الصمود العالمي تياغو أفيلا وسيف أبو كشك، من الاحتجاز الإسرائيلي»، على أن يسلّما إلى «سلطات الهجرة الإسرائيلية في وقت لاحق اليوم، ويبقيا في عهدتها في انتظار ترحيلهما».

ودعا أسطول الصمود العالمي الذي يحمل مساعدات إنسانية لغزة إلى إعادة التجمع في ميناء مرمريس التركي في الأيام المقبلة.

الناشط البرازيلي تياغو أفيلا الذي تم احتجازه على متن أسطول الصمود العالمي المتجه إلى غزة يظهر أمام محكمة في جنوب إسرائيل (رويترز)

وقال النشطاء، أمس الجمعة، إن العديد من القوارب وصلت بالفعل في خليج البلدة وهناك قوارب أخرى من اليونان وإيطاليا في طريقها إلى هناك.

كما أظهرت البيانات من منصة تعقب إلكترونية أمس الخميس أن القوارب متجهة إلى مرمريس.

ومن غير الواضح متى يعتزم النشطاء الإبحار مجدداً من مرمريس باتجاه قطاع غزة مع إمدادات المساعدات.

وقال المنظمون إن المزيد من المعلومات بشأن «المرحلة المقبلة» من الحملة سوف تتوفر في 12 مايو (أيار).

واعترضت البحرية الإسرائيلية الأسبوع الماضي، أكثر من 20 سفينة من أسطول الصمود العالمي في المياه الدولية غرب جزيرة كريت واعتقلت 175 شخصاً.


هرمز... سجن بحري مفتوح يحتجز آلاف البحارة

صورة نشرتها «سنتكوم» لحاملة الطائرات «جورج إتش دبليو بوش» خلال عملياتها في المنطقة غداة عبورها بحر العرب باتجاه مضيق هرمز
صورة نشرتها «سنتكوم» لحاملة الطائرات «جورج إتش دبليو بوش» خلال عملياتها في المنطقة غداة عبورها بحر العرب باتجاه مضيق هرمز
TT

هرمز... سجن بحري مفتوح يحتجز آلاف البحارة

صورة نشرتها «سنتكوم» لحاملة الطائرات «جورج إتش دبليو بوش» خلال عملياتها في المنطقة غداة عبورها بحر العرب باتجاه مضيق هرمز
صورة نشرتها «سنتكوم» لحاملة الطائرات «جورج إتش دبليو بوش» خلال عملياتها في المنطقة غداة عبورها بحر العرب باتجاه مضيق هرمز

تحول مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إلى ما يشبه «سجناً بحرياً مفتوحاً» يحتجز آلاف البحارة العالقين على متن سفن الشحن، وناقلات النفط، وسط تصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، واستمرار إغلاق المضيق منذ أسابيع.

ووفقاً لتقرير نشرته «وول ستريت جورنال»، فإن نحو 20 ألف بحار ما زالوا عالقين داخل الخليج العربي، فيما بدأت الإمدادات الغذائية والطبية بالنفاد على عدد من السفن، بينما يعيش البحارة تحت تهديد الطائرات المسيرة، والصواريخ، والألغام البحرية.

ويقول بحارة إنهم باتوا يقضون أيامهم في ترقب التعليمات العسكرية، والتحذيرات المتكررة عبر أجهزة اللاسلكي، في وقت أصبحت فيه العودة إلى الموانئ، أو محاولة العبور عبر المضيق محفوفة بالمخاطر.

«المنطقة حمراء»

وفي واحدة من أكثر الشهادات تعبيراً عن حجم الأزمة، روى ضابط الملاحة البنغلاديشي شميم صبير، العامل على متن ناقلة نفط مملوكة لشركة صينية، كيف بات طاقمه يعيش أيامه الأخيرة من الإمدادات الغذائية بعد أكثر من شهرين من التعطل داخل المضيق.

وقال صبير إن سفينته كانت ضمن أكثر من 800 سفينة تنتظر السماح لها بالمغادرة، مضيفاً أن الطائرات المسيّرة الإيرانية كانت تحلق باستمرار فوق السفن العالقة، بينما امتلأت قنوات الاستغاثة البحرية بنداءات بحارة يطلبون الطعام، والمياه، والمساعدة الطبية.

وأضاف أن رد البحرية الإيرانية على استفسارات الطواقم بشأن موعد فتح المضيق كان يتكرر بصورة ثابتة: «المنطقة خطيرة جداً... إنها منطقة حمراء».

ويقول البحارة إن بعض السفن اضطرت إلى التخلص من النفايات الفاسدة في البحر بعد تراكمها لأسابيع، فيما بدأ الطعام ينفد تدريجياً على عدد من السفن التي كانت تعتقد أن إغلاق المضيق لن يستمر طويلاً.

أزمة إنسانية في البحر

وتقول المنظمة البحرية الدولية إن ما لا يقل عن عشرة بحارة لقوا حتفهم منذ بدء الحرب، بينما تعرضت أكثر من 30 سفينة لهجمات بطائرات مسيّرة، وصواريخ إيرانية.

وبحسب التقرير، فإن الأزمة الإنسانية تتفاقم بشكل متسارع، خصوصاً على السفن التي تعاني نقصاً في المياه العذبة، والأدوية، والوقود.

وأبلغ بحار هندي عبر أجهزة الاتصال البحرية أن سفينته نفدت منها المؤن، والمياه، فيما دخل اثنان من أفراد الطاقم في حالة صحية حرجة. كما قال بحار روسي يعمل على ناقلة نفط إن أفراد طاقمه لم يتبقَّ لهم سوى الماء، والأرز، دون توافر أدوية لعلاج حالته المرضية المرتبطة بارتفاع ضغط الدم.

ويقول خبراء شحن إن الأزمة مرشحة للتفاقم خلال الأسابيع المقبلة، مع ازدياد أعداد السفن التي تتخلى عنها الشركات المالكة بسبب الخسائر المالية الضخمة، وارتفاع تكاليف التأمين.

محاولة أميركية متعثرة

وكانت الولايات المتحدة قد أطلقت عملية محدودة لإخراج السفن العالقة أطلقت عليها اسم «مشروع الحرية»، حيث تواصلت البحرية الأميركية مع عدد من السفن، وشجعتها على محاولة المغادرة، مؤكدة أنها نجحت في تقليص مخاطر الألغام البحرية باستخدام طائرات مسيّرة، وتقنيات مدعومة بالذكاء الاصطناعي.

لكن العملية توقفت بعد نحو 36 ساعة فقط، وسط استمرار التهديدات الإيرانية، والهجمات المتبادلة في المنطقة.

وقال أحد الضباط العاملين على متن سفينة شحن إن كثيراً من البحارة لم يقتنعوا بسلامة الممرات البحرية التي تحدثت عنها واشنطن، مضيفاً: «الحرس الثوري ينتظر في البحر، ومعه أسلحة... الوضع ليس آمناً بالنسبة لنا».

وأشار بحارة إلى أن التحذيرات الإيرانية عبر أجهزة اللاسلكي لا تتوقف، وتشمل رسائل متكررة تؤكد أن «مضيق هرمز مغلق بالكامل».

صورة من الأقمار الاصطناعية لمجموعة من الزوارق الصغيرة شمال مضيق هرمز (رويترز)

تكاليف قياسية للشحن والتأمين

ألقت الأزمة بظلالها الثقيلة على قطاع الشحن العالمي، إذ ارتفعت أقساط التأمين على السفن الموجودة داخل المضيق إلى مستويات غير مسبوقة، وصلت إلى نحو 8 ملايين دولار لناقلة نفط كبيرة واحدة، أي أكثر من 30 ضعف مستويات ما قبل الحرب.

وتقول شركات شحن إن كثيراً من ملاك السفن باتوا عاجزين عن تحمل التكاليف المتزايدة، فيما بدأت الخلافات تتصاعد بين بعض الشركات وأطقم السفن بسبب تأخر الرواتب، ونقص الإمدادات.

وأكد اتحاد عمال النقل الدولي أنه تلقى أكثر من ألفي طلب استغاثة من بحارة عالقين، نصفها يتعلق بعدم دفع الرواتب، بينما ترتبط مئات البلاغات الأخرى بنقص الطعام، والوقود، والمياه.

وقال منسق الاتحاد في الشرق الأوسط محمد العرشدي إن ما يجري «غير مسبوق في تاريخ الملاحة الحديثة».

محاولات يائسة للمرور

وفي محاولة للحصول على مرور آمن، بدأت بعض السفن تغيير أعلامها، أو كتابة عبارة «الطاقم كله صيني» على أجهزة التعريف الخاصة بها، بينما لجأت سفن أخرى إلى إطفاء أجهزة التتبع، والإبحار باستخدام المناظير فقط بعد تعرض إشارات الملاحة للتشويش.

ورغم ذلك، لم تتمكن سوى أعداد محدودة من السفن من عبور المضيق خلال الأيام الأخيرة.

وفي حادثة لافتة، ذكرت الصحيفة أن يختاً فاخراً يملكه الملياردير الروسي أليكسي مورداشوف تمكن من عبور الحصار الإيراني قبل ساعات من زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى موسكو للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وفي ظل استمرار الأزمة، يحاول البحارة الحفاظ على توازنهم النفسي بوسائل بسيطة. بعضهم يمارس الرياضة على سطح السفن، وآخرون يشاهدون الأفلام، أو يقرأون الكتب، أو يحاولون التواصل مع عائلاتهم رغم الانقطاع المتكرر لخدمات الإنترنت والاتصالات.

وقال صبير إن طاقمه بدأ يقتصد فيما تبقى من الطعام، الذي يقتصر حالياً على الشعيرية سريعة التحضير، وبعض الخضراوات.

وأضاف: «الوضع أصبح حرجاً للغاية».

ومع استمرار إغلاق المضيق، وتصاعد المخاوف من مواجهات بحرية جديدة، أو انتشار الألغام، يبقى آلاف البحارة عالقين في انتظار إجابة عن السؤال الذي يحدد مصيرهم، ومصير جزء كبير من حركة التجارة والطاقة العالمية: متى سيُعاد فتح مضيق هرمز؟