«فرصة محدودة» أمام إيران لتفادي «سناب باك» أوروبي

«الترويكا» اشترطت الكشف عن 400 كغم من اليورانيوم عالي التخصيب

موظف يُشير بيده أثناء مغادرة وفد أوروبي القنصلية الإيرانية عقب محادثات نووية بإسطنبول في 25 يوليو 2025 (إ.ب.أ)
موظف يُشير بيده أثناء مغادرة وفد أوروبي القنصلية الإيرانية عقب محادثات نووية بإسطنبول في 25 يوليو 2025 (إ.ب.أ)
TT

«فرصة محدودة» أمام إيران لتفادي «سناب باك» أوروبي

موظف يُشير بيده أثناء مغادرة وفد أوروبي القنصلية الإيرانية عقب محادثات نووية بإسطنبول في 25 يوليو 2025 (إ.ب.أ)
موظف يُشير بيده أثناء مغادرة وفد أوروبي القنصلية الإيرانية عقب محادثات نووية بإسطنبول في 25 يوليو 2025 (إ.ب.أ)

رفضت طهران بشدة أي محاولات أوروبية لتمديد القرار الأممي رقم «2231» الذي يحدد أطر الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، مؤكدة أن هذا الطرح «لا أساس له قانونياً ولا منطقياً»، وسط جولة محادثات جمعت إيران والترويكا الأوروبية (فرنسا، وبريطانيا، وألمانيا) في إسطنبول، لبحث مستقبل الاتفاق النووي في ظل اقتراب انتهاء بنوده الرئيسية.

«محادثات صريحة»

نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن دبلوماسي إيراني رفيع المستوى، أن المفاوضين الإيرانيين أجروا محادثات «صريحة» مع المبعوثين الأوروبيين واتفقوا على مواصلة المشاورات. واستمرت المفاوضات ساعات عدة وفق ما أفادت تقارير. واعتبرت طهران أن اجتماع إسطنبول شكّل فرصة لـ«تصحيح» موقف هذه القوى الأوروبية من البرنامج النووي الإيراني.

وفي تصريحات سبقت بدء المحادثات، الجمعة، قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، إن «الحديث عن تمديد القرار (2231) عبثي، ولا يمكن القبول به»، مضيفاً أن «الدول الأوروبية فقدت أهليتها القانونية لاستخدام أو حتى تمديد الآليات المرتبطة بالاتفاق النووي، بعد انتهاكها المتكرر لبنوده».

وبحسب وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري»، اعتبر بقائي أن اللقاء بين مسؤولين إيرانيين وممثلي دول «الترويكا الأوروبية» في إسطنبول، هو «فرصة مناسبة لتصحيح النظرة، واختبار واقعية تلك الدول بشأن الملف النووي الإيراني».

ودعا بريطانيا وفرنسا وألمانيا إلى «استغلال هذه الفرصة لتعويض السياسات غير البنّاءة السابقة التي أضعفت من مصداقية أوروبا ومكانتها التفاوضية وحوّلتها إلى لاعب هامشي».

وفي 16 مايو (أيار) 2025، بحث نواب وزراء خارجية إيران والأطراف الأوروبية في اجتماع مغلق بمقر القنصلية العامة الإيرانية في إسطنبول، آخر مستجدات المحادثات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة حول الملف النووي الإيراني ورفع العقوبات، والتي كانت نشطة ذلك الشهر.

وقالت إيران حينها إنها عازمة على مواصلة المحادثات مع الترويكا الأوروبية، وعلى الاستمرار في الجهود الدبلوماسية بشأن الملف النووي، في حين اشترطت رفع العقوبات قبل توقيع اتفاق مع الولايات المتحدة.

صحافيون ينتظرون خارج القنصلية الإيرانية في إسطنبول قبل محادثات حول البرنامج النووي في 25 يوليو 2025 (أ.ب)

وجاء الرفض الإيراني لتمديد القرار الدولي وسط تسريبات أوروبية كشفت عنها صحيفة «فايننشال تايمز»، تفيد بأن الترويكا الأوروبية طرحت على طهران شروطاً لتأجيل تفعيل «سناب باك» التي تعني العودة التلقائية للعقوبات الأممية، وتتضمن «استئناف المحادثات بين طهران وواشنطن، والتعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إضافة إلى تقديم توضيحات حول مصير نحو 400 كغم من اليورانيوم عالي التخصيب لم يُعرف مكانها منذ القصف الإسرائيلي - الأميركي الأخير على مواقع نووية إيرانية».

ويميل مراقبون إلى الاعتقاد بأن الحديث عن التعاون مع الوكالة الدولية يعني بالضرورة أن «إيران ملزمة بالكشف عن أماكن تخزين المواد والمعدات النووية، بما في ذلك مخزون اليورانيوم المخصب بأي نسبة كانت».

«سناب باك»

أفادت مصادر دبلوماسية أوروبية بأن المهلة النهائية لتمديد بنود القرار الأممي تنتهي في 18 أكتوبر (تشرين الأول)، لكن يتعين تفعيل «سناب باك» قبل 30 يوماً من هذا التاريخ؛ أي بحلول منتصف سبتمبر (أيلول) 2025.

مع ذلك، فإن الأوروبيين يتركون باب التأجيل مفتوحاً حتى نهاية أغسطس (آب)، لإعطاء فرصة للجهود الدبلوماسية الجارية في إسطنبول، وأن يقدم الإيرانيون خلال هذا الوقت المتبقي تعهدات بتلبية الشروط.

وتلوّح القوى الأوروبية الثلاث بأنها ستفعِّل آلية «سناب باك» للعودة التلقائية للعقوبات الأممية، وهي جزء من اتفاق عام 2015، وتتيح إعادة فرض عقوبات مجلس الأمن الدولي على إيران في حال انتهاكها الاتفاق النووي. وتنتهي المهلة المتاحة لتفعيل هذه الآلية في أكتوبر المقبل.

وتدهورت العلاقات بين الدول الأوروبية الثلاث وإيران العام الماضي، على الرغم من الاجتماعات المتقطعة، وذلك على خلفية فرض عقوبات جديدة على طهران بسبب برنامجها للصواريخ الباليستية، واحتجازها مواطنين أجانب، ودعمها روسيا في حربها ضد أوكرانيا.

وقال نائب وزير الخارجية الإيراني، كاظم غريب آبادي، الذي ترأس الوفد الإيراني في المحادثات، إن «اللقاء مع الترويكا الأوروبية كان جاداً وصريحاً ومفصلاً»، مشيراً إلى أن بلاده عرضت مواقفها «بشكل واضح، لا سيما بشأن آلية (سناب باك) والعقوبات».

سيارة تغادر القنصلية الإيرانية بعد محادثات نووية بين إيران ومجموعة فرنسا وبريطانيا وألمانيا بإسطنبول في 25 يوليو 2025 (رويترز)

وأضاف آبادي: «ناقشنا أفكاراً محددة من مختلف الجوانب، لكننا لا نقبل أي شروط مسبقة، ولا نساوم على حقوقنا النووية».

وأكد غريب آبادي أن المفاوضات ستستمر، لكنه شدد على أن بلاده «لن تتهاون في الرد على السياسات العدوانية»، في إشارة إلى الدعم الأوروبي للهجمات الإسرائيلية والأميركية على منشآت إيرانية مثل «نطنز» و«فوردو» و«أصفهان».

بدوره، أكّد مصدر أوروبي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أن «تقاعس مجموعة الدول الأوروبية الثلاث (ألمانيا، وفرنسا، والمملكة المتحدة) ليس خياراً» تجاه إيران، محذّراً من أنّ الأوروبيين أبلغوا الإيرانيين في اجتماع إسطنبول بأنّ «نافذة العودة إلى الوضع الطبيعي ستُغلق في الخريف».

وأوضح المصدر أنّ الأوروبيين يستعدّون لتفعيل «سناب باك»، وذلك «في حال عدم التوصّل إلى حلّ تفاوضي»، داعياً الإيرانيين لاستئناف تعاونهم مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

عودة المفتشين

من جانبه، عبّر المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، عن «تفاؤله» بعودة مفتشي الوكالة إلى إيران هذا العام، مؤكداً أهمية «البدء بمناقشة سبل استئناف الزيارات التفتيشية وتحديد المواقع وآليات العمل».

وقال غروسي إن «إيران يجب أن تكون واضحة بشأن منشآتها وأنشطتها، ونحن مستعدون للاستماع إلى وجهة نظرها بشأن الإجراءات الأمنية التي ترى ضرورة اتباعها».

وفي الوقت الذي شدد فيه الإيرانيون على رفضهم التفاوض مع واشنطن في الوقت الراهن، أو تقديم تنازلات بشأن التخصيب، تسعى الدول الأوروبية إلى كسب الوقت عبر تأجيل أي خطوات تصعيدية، في انتظار تغير محتمل في سلوك طهران أو تهيئة أرضية لاتفاق أوسع يشمل ملفات أخرى.

كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية الإيراني (أ.ب)

وكانت «رويترز» قد نقلت أن اجتماع إسطنبول هو الأول من نوعه منذ الهجمات الأميركية والإسرائيلية مطلع يوليو (تموز) الجاري، والتي استهدفت مواقع حساسة في البرنامج النووي الإيراني، ووصفتها طهران بأنها «عدوانية وخرق واضح للقانون الدولي».

في المقابل، تؤكد إيران أن برنامجها النووي سلمي، وأنه لا علاقة له بأي مساعٍ لتطوير سلاح نووي، متهمة الدول الغربية بـ«تسييس» الملف والتغاضي عن الاعتداءات التي طالت منشآتها الحيوية.

وتبدو الهوة واسعة بين الطرفين، في حين يقول مراقبون إن الأيام القليلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت أوروبا ستختار المواجهة عبر تفعيل آلية العقوبات، أم ستراهن على تهدئة هشّة تمدّد العمل بالقرار «2231» مؤقتاً، في انتظار ما قد تحمله الأشهر المقبلة من تطورات إقليمية أو تفاهمات أوسع تشمل الولايات المتحدة.


مقالات ذات صلة

«أكسيوس»: أميركا وإسرائيل تدرسان إرسال قوات خاصة للاستيلاء على مخزون إيران النووي

شؤون إقليمية ضابط أمن إيراني يرتدي الملابس الوقائية في منشأة لتخصيب اليورانيوم خارج مدينة أصفهان بوسط البلاد في عام 2005 (أ.ب)

«أكسيوس»: أميركا وإسرائيل تدرسان إرسال قوات خاصة للاستيلاء على مخزون إيران النووي

أفاد ​موقع «أكسيوس»، نقلاً عن 4 مصادر ‌مطلعة، ‌بأن ⁠أميركا وإسرائيل ناقشتا ⁠إرسال قوات خاصة إلى ⁠إيران ‌للحصول على ‌مخزونها ​من ‌اليورانيوم عالي التخصيب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية صورة بالقمر الاصطناعي لمنشأة أصفهان النووية في إيران (رويترز) p-circle

تقرير: إيران قادرة على استعادة مخزون اليورانيوم المدفون في أصفهان

كشف مسؤولون مطلعون عن أن وكالات الاستخبارات الأميركية خلصت إلى أن إيران قادرة على استعادة مخزونها من اليورانيوم المدفون في أصفهان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب طالب كبار الرؤساء التنفيذيين لشركات تصنيع الأسلحة بتعزيز إنتاجهم العسكري في البيت الأبيض (أ.ب)

ترمب يضغط على شركات الدفاع لزيادة إنتاج العتاد العسكري

يدفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب كبرى شركات تصنيع الأسلحة إلى تسريع وتيرة إنتاج صواريخ «باتريوت» و«توماهوك» و«ثاد»، مع استنزاف الضربات على إيران للمخزونات.

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعقد اجتماعاً لكبرى شركات إنتاج الأسلحة الأميركية يوم الجمعة بالبيت الأبيض (ا.ف.ب) p-circle

ترمب يجتمع الجمعة بكبار شركات الدفاع الأميركية لتسريع إنتاج الأسلحة

ترمب يجتمع الجمعة بكبار شركات الدفاع الأميركية لتسريع إنتاج الأسلحة... تقييمات تشير إلى أن واشنطن تستنفد مخزوناتها من الذخائر الدقيقة والصواريخ الاعتراضية.

هبة القدسي (واشنطن)
شؤون إقليمية صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهر منشأة نطنز النووية في إيران (أ.ب) p-circle

وكالة الطاقة الذرية: أضرار بالقرب من موقع أصفهان النووي الإيراني

قالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الأربعاء، إن هناك أضراراً واضحة في مبنيين بالقرب من موقع أصفهان النووي في إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)

المرشد الجريح يتمسّك بـ«الثأر» وإغلاق هرمز

إيرانيون يعاينون بنايات سكنية متضررة بفعل القصف الأميركي ـ الإسرائيلي وسط طهران أمس (إ.ب.أ)
إيرانيون يعاينون بنايات سكنية متضررة بفعل القصف الأميركي ـ الإسرائيلي وسط طهران أمس (إ.ب.أ)
TT

المرشد الجريح يتمسّك بـ«الثأر» وإغلاق هرمز

إيرانيون يعاينون بنايات سكنية متضررة بفعل القصف الأميركي ـ الإسرائيلي وسط طهران أمس (إ.ب.أ)
إيرانيون يعاينون بنايات سكنية متضررة بفعل القصف الأميركي ـ الإسرائيلي وسط طهران أمس (إ.ب.أ)

استهل المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي عهده برسالة تمسّك فيها بخيار «الثأر» وإبقاء مضيق هرمز مغلقاً، في خطوة بدت امتداداً لموقف القيادة العسكرية الإيرانية و«الحرس الثوري» في خضم الحرب الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وجاء في رسالة لخامنئي، تلاها التلفزيون الرسمي أمس، أن طهران قد تفتح «جبهات أخرى» إذا استمر التصعيد العسكري، مشدداً على أن مطلب قطاعات واسعة من الإيرانيين هو «استمرار الدفاع الفعّال والرادع». وقال إن إيران «لن تتنازل عن الثأر» لدماء قتلاها. وبُثت الرسالة وسط تباين بشأن الوضع الصحي لمجتبى خامنئي الذي أصيب بجروح في الضربة الأولى للحرب التي قتل فيها والده المرشد السابق علي خامنئي.

وقال «الحرس الثوري» إنه سيُنفذ توجيهات المرشد بإبقاء المضيق مغلقاً، متوعداً بتوجيه «أشد الضربات» للخصوم. كما لوّح بتصعيد محتمل في مضيق باب المندب إذا استمرت العمليات العسكرية.

وشنت إيران هجمات جديدة على منشآت الطاقة في الخليج واستهدفت سفناً، ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط مجدداً فوق 100 دولار للبرميل.

وهدد المتحدث باسم عمليات هيئة الأركان الإيرانية بإشعال قطاع النفط والغاز في المنطقة إذا تعرضت البنى التحتية للطاقة أو الموانئ الإيرانية لأي هجوم.

وسعى الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى طمأنة الأسواق، مؤكداً أن بلاده أكبر منتج للنفط في العالم، لكنه شدد على أن أولويته هي منع إيران من امتلاك سلاح نووي. كما أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أنها ضربت نحو 6000 هدف داخل إيران ضمن عملية «ملحمة الغضب».


إسرائيل تعلن شن سلسلة ضربات جديدة «واسعة النطاق» على طهران

سحابة كثيفة من الدخان تتصاعد جراء ضربات إسرائيلية على خزانات نفط في العاصمة الإيرانية طهران (أ.ب)
سحابة كثيفة من الدخان تتصاعد جراء ضربات إسرائيلية على خزانات نفط في العاصمة الإيرانية طهران (أ.ب)
TT

إسرائيل تعلن شن سلسلة ضربات جديدة «واسعة النطاق» على طهران

سحابة كثيفة من الدخان تتصاعد جراء ضربات إسرائيلية على خزانات نفط في العاصمة الإيرانية طهران (أ.ب)
سحابة كثيفة من الدخان تتصاعد جراء ضربات إسرائيلية على خزانات نفط في العاصمة الإيرانية طهران (أ.ب)

أعلن الجيش الإسرائيلي، مساء الخميس، أنه يشن سلسلة جديدة من الضربات التي تستهدف بنى تحتية في طهران، في اليوم الثالث عشر من الحرب في الشرق الأوسط.

وقال، في بيان، إن «الجيش الإسرائيلي بدأ تواً سلسلة جديدة من الضربات الواسعة النطاق، والتي تستهدف البنى التحتية للنظام الإرهابي الإيراني في طهران»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».


بعثة أممية: الحرب ستفاقم على الأرجح القمع في إيران

عناصر من الأمن الإيراني يقفون على سطح سيارتهم حاملين صور المرشد السابق علي خامنئي وخليفته وابنه مجتبى خلال تجمُّع لدعمه بطهران (أ.ب)
عناصر من الأمن الإيراني يقفون على سطح سيارتهم حاملين صور المرشد السابق علي خامنئي وخليفته وابنه مجتبى خلال تجمُّع لدعمه بطهران (أ.ب)
TT

بعثة أممية: الحرب ستفاقم على الأرجح القمع في إيران

عناصر من الأمن الإيراني يقفون على سطح سيارتهم حاملين صور المرشد السابق علي خامنئي وخليفته وابنه مجتبى خلال تجمُّع لدعمه بطهران (أ.ب)
عناصر من الأمن الإيراني يقفون على سطح سيارتهم حاملين صور المرشد السابق علي خامنئي وخليفته وابنه مجتبى خلال تجمُّع لدعمه بطهران (أ.ب)

حذّرت بعثة تقصّي الحقائق المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الوضع في إيران، من أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط قد تؤدي إلى تفاقم القمع المؤسسي داخل البلاد، مشيرة إلى أن المدنيين الإيرانيين باتوا عالقين بين تصاعد العمليات العسكرية وتشديد القيود الأمنية التي تمارسها السلطات.

وقالت «البعثة»، في تقرير، إن المدنيين في إيران يقفون «بين مطرقة استمرار الأعمال العدائية المسلَّحة وسندان قمع بلغ مستويات غير مسبوقة»، وعَدَّت أن بعض الانتهاكات قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية. وأضافت أن تفاقم أزمة حقوق الإنسان «مرجَّح في أعقاب الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران، والضربات الانتقامية التي تشنُّها طهران في أنحاء المنطقة».

وأوضحت «البعثة»، التي تضم ثلاثة أعضاء ومكلَّفة بجمع الأدلة وتوثيق الانتهاكات، أنها حدّدت، خلال الأشهر الأحد عشر الماضية، «نمطاً واضحاً» من القمع يرتبط بالتطورات الجارية في البلاد. وأشارت إلى أن حماية المدنيين، بما في ذلك المحتجَزون، تصبح أكثر خطورة، خلال النزاعات المسلَّحة، خصوصاً في ظل قطع الاتصالات والإنترنت.

كان مجلس حقوق الإنسان، التابع للأمم المتحدة، قد أنشأ «البعثة» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، عقب حملة القمع التي أعقبت الاحتجاجات الواسعة على خلفية وفاة الشابة مهسا أميني.

وذكر التقرير أن وضع حقوق الإنسان في إيران «تفاقم بشكل حاد»، منذ بدء الضربات الأميركية الإسرائيلية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وعَدَّ أن الشعب الإيراني يواجه حالياً «حملة عسكرية واسعة النطاق قد تستمر لأسابيع أو أشهر»، بالتزامن مع تشديد القيود الداخلية.

ودعت «البعثة» جميع الأطراف إلى الوقف الفوري للهجمات لتفادي إلحاق مزيد من الأذى بالمدنيين في إيران وفي المنطقة.

وقدّمت «البعثة» أحدث تقاريرها إلى مجلس حقوق الإنسان، الأربعاء، ويغطي التقرير الفترة الممتدة من أبريل (نيسان) 2025 حتى 18 فبراير من العام الحالي. وأكد أن أنماط القمع التي تقودها الدولة «لم تستمرَّ فحسب، بل تطورت وتعززت»، خصوصاً بعد موجة الاحتجاجات التي اندلعت في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

واتهم التقرير قوات الأمن باستخدام «قوة فتّاكة مُفرطة»، بما في ذلك بنادق هجومية ورشاشات ثقيلة، ما أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى.

كما تطرَّق التقرير إلى الحرب التي استمرت 12 يوماً بين إيران وإسرائيل، في يونيو (حزيران) 2025، مشيراً إلى أن الهجوم الذي استهدف مَجمع سجن إيفين خلصت البعثة إلى أنه قد يشكل جريمة حرب بسبب استهداف موقع مدني، وقد أسفر عن مقتل نحو 80 شخصاً.

وخلصت «البعثة» إلى أن عدداً من الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها السلطات الإيرانية، بما في ذلك القتل والحبس والتعذيب والعنف الجنسي والاضطهاد على أساس النوع الاجتماعي والإخفاء القسري، قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية ارتُكبت «في إطار هجوم واسع النطاق ومنهجيّ ضد المدنيين».

في سياق متصل، أفادت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان «هرانا» بأن السلطات الإيرانية أوقفت نحو 200 شخص بتُهم مرتبطة بالحرب الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وأوضحت الوكالة، ومقرُّها الولايات المتحدة، أن 195 شخصاً، على الأقل، اعتُقلوا في مناطق مختلفة من البلاد، بينها طهران ووسط البلاد وشمالها الغربي.

ووفقاً للتقارير، وُجّهت إلى الموقوفين اتهامات تتعلق بنشاطهم على شبكات التواصل الاجتماعي، وإرسال مواد إعلامية إلى وسائل إعلام أجنبية، والتجسس، فضلاً عن الإخلال بالأمن العام.

وأعلن جهاز الاستخبارات، التابع لـ«الحرس الثوري»، أنه أوقف عشرة أشخاص صوّروا مواقع تعرضت للضربات وأرسلوا الصور إلى وسائل إعلام أجنبية، في حين نشرت وسائل إعلام رسمية تسجيلات مصوَّرة لاعترافاتهم، قالت «هرانا» إنها أُخذت تحت الضغط.

وفي الوقت نفسه، حذّر قائد الشرطة الوطنية أحمد رضا رادان المتظاهرين من أنهم سيُعامَلون «كأعداء»، مشيراً إلى أن يد القوات الأمنية «على الزناد».

كما أثار تسجيلٌ بثّه التلفزيون الرسمي جدلاً واسعاً بعد أن قال فيه أحد المذيعين إن السلطات «ستجعل الأمهات يبكين»، إذا حاول البعض استغلال الفوضى للقيام بأنشطة مُعارضة.

تأتي هذه التطورات في ظل توتر داخلي متصاعد أعقب موجة احتجاجات واسعة شهدتها البلاد قبل اندلاع الحرب، وأسفر قمعها عن سقوط آلاف القتلى واعتقال عشرات الآلاف، وفق منظمات حقوقية.

وقالت بهار قندهاري، من «مركز حقوق الإنسان في إيران»، إن السلطات «اعتادت استغلال أجواء الحرب والأزمات لتشديد القمع الداخلي»، مضيفة أن الحكومة «تساوي بشكل متزايد بين المعارضة والتجسس، وتصف المنتقدين بأنهم أعداء للدولة، ما يوفر غطاء سياسياً لتشديد الإجراءات الأمنية».