الشك يراود إسرائيل بعد الحرب... هل دمر ترمب النووي الإيراني؟

الجيش الإسرائيلي يعلن حصيلة 1500 غارة على إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض يوم 7 أبريل 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض يوم 7 أبريل 2025 (رويترز)
TT

الشك يراود إسرائيل بعد الحرب... هل دمر ترمب النووي الإيراني؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض يوم 7 أبريل 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض يوم 7 أبريل 2025 (رويترز)

انضم خبراء في إسرائيل إلى نظراء لهم في الولايات المتحدة يشككون في أقوال الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، ورئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، حول نتائج الحرب وحجم الأضرار التي لحقت بالبرنامج النووي الإيراني، ورفضوا بشكل خاص الادعاء بأنه «تم إحباط المشروع النووي الإيراني».

وقال رفائيل ميرون، الذي تولى حتى وقت قريب منصب نائب رئيس مجلس الأمن القومي والمسؤول عن إحباط النووي الإيراني، إنه «على حد علمي، لا توجد معلومات مؤكدة حول ما إذا تغير وضع البرنامج الإيراني جذرياً الآن قياساً بالفترة التي سبقت الحرب، أو إذا تمت إزالة تهديده عن دولة إسرائيل».

وتساءل ميرون: «هل نجحت الحرب في تحييد الوضع الخطير جداً الذي كنا فيه (...) لا توجد بحوزتنا معلومات كافية من أجل إعطاء إجابة إيجابية عن هذا السؤال»، وفق ما نقلته صحيفة «يديعوت أحرونوت».

«إسرائيل لا تقول الحقيقة»

بدوره، قال رونين بيرغمان، المتخصص في الشؤون الاستخباراتية في «نيويورك تايمز»، إنه «ينبغي القول باستقامة إن السلطات في تل أبيب لا تقول الحقيقة لمواطني إسرائيل، حول ما حدث في إيران، (بما يتعلق) بالضرر الحاصل هناك والمخاطر التي تم تحملها باسمنا جميعاً قبيل شن الحرب أو الظروف التي أدت إليها في هذا التوقيت خصوصاً».

وكرر بيرغمان السؤال عن حقيقة «زوال التهديد الوجودي الذي بسببه شنت إسرائيل الحرب». وقال: «هل أُحبِط مثلما يقول المتحدثون باسم نتنياهو، أم أُحبِط بشكل كبير، أي ليس بالكامل، مثلما يقول رئيس الموساد، ديفيد برنياع؟».

ونقل بيرغمان عن مسؤول رفيع جداً في الاستخبارات الإسرائيلية، أن الحرب على إيران «كانت نجاحاً باهراً، وأكثر مما توقعنا، وحجم الضرر في إسرائيل أقل من توقعاتنا. لكن رغم أهمية النجاح، الحقيقة هي أنه لا يزال مبكراً جداً وضع تقديرات حول الضرر النهائي للمشروع النووي».

وأشار الخبير إلى أن «القول إننا نجحنا في إزالة التهديد ليس صحيحاً، بل عديم المسؤولية».

وبحسب بيرغمان، فإن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي «لم يقدم، بداية الأسبوع، إجابات وشروحات ولا معلومات حول إلى أين اختفت المادة الانشطارية، كما لا يوجد تقدير مؤكد للأضرار جراء القصف في (المنشأة النووية) فوردو، رغم وجود تقديرات لدى إسرائيل حول الأضرار مع معلومات كثيرة، فإنها ليست نهائية».

وشدد بيرغمان على غياب التقديرات المتعلقة بـ«عدد أجهزة الطرد المركزي التي صُنعت وتم الاحتفاظ بها جانباً. وذلك لأنه بكل ببساطة ليس لدى أحد معلومات أكيدة كهذه».

رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال إيال زامير (الثاني من اليسار) (إ.ب.أ)

1500 غارة على إيران

لكن الجيش الإسرائيلي لخص، في بيان، الجمعة، نتائج الحرب على إيران. ووصف العملية العسكرية بأنها «الأكثر تعقيداً في تاريخ إسرائيل»، واعتبر أنه «حقق أهدافه بشكل كامل».

وعدّد الجيش الأضرار التي ألحقها بإيران ونتائج الحرب بنظره. وحسب البيان، فإن البرنامج النووي الإيراني تضرر بشكل كبير، «ولا توجد قدرة لدى إيران اليوم لتخصيب يورانيوم بنسبة 90 في المائة، التي تم تحييدها لفترة طويلة؛ وتم تحييد قدرة النظام على إنتاج المادة الانشطارية للسلاح النووي؛ وتم تدمير آلاف كثيرة من أجهزة الطرد المركزي، وأكثر من التخطيط الأصلي».

وزعم الجيش بأن إيران «لن تتمكن في السنوات القريبة من صنع آلاف الصواريخ، مع تحييد قدرتها الصناعية بالكامل في هذه المرحلة، بعد تدمير نحو 200 منصة إطلاق صواريخ، التي تشكل 50 في المائة مما كان بحوزة إيران».

ودمرت الحرب 80 بطارية صواريخ أرض - جو من أصل 100 بطارية، إلى جانب نحو 70 راداراً إيرانياً، حسب الجيش، الذي أكد أيضاً أن سلاح الجو الإسرائيلي، خلال الحرب، نفذ أكثر من 1500 غارة، وهاجم أكثر من 900 هدف في جميع أنحاء إيران.

وشاركت الميليشيات الشيعية في العراق في الحرب بشكل مقلص، وأطلقت قرابة 40 طائرة مسيرة باتجاه الأراضي الإسرائيلية، لكن البيان الإسرائيلي أشار إلى أن «بقية المحور الإيراني لم ينضم إلى الحرب. (حزب الله) لم يطلق النار أبداً، والحوثيون أطلقوا صاروخين أو ثلاثة فقط».

وختم الجيش الإسرائيلي بيانه بأن «التهديد الإيراني سيستمر بمرافقتنا، وإيران لن تختفي. لكننا ندخل الآن إلى منافسة على بناء القوة العسكرية استعداداً للمستقبل».

ملصق معروض لمنشأة فوردو لتخصيب الوقود في إيران (رويترز)

معلومات غير كافية

إلى ذلك، كتب عاموس هرئيل، المحرر العسكري في صحيفة «هآرتس»، أنه «كان مهماً لترمب إعلان أن الهجوم لمرة واحدة على منشأة فوردو نجاح غير مسبوق».

وعندما سارعت وسائل الإعلام الأميركية، بالاستناد إلى تقرير استخباراتي مسبق، إلى التقليل من شدة الضربة، تضافرت جهود ترمب ونتنياهو للتأكيد على «الضرر الشديد الذي لحق بالمنشآت النووية».

وأضاف هرئيل أن «الثقة الإسرائيلية بالنتائج تتعلق بقسم من المنشآت التي قُصفت، لكن لا تتعلق بجميعها. والتفاؤل ينبع من الأضرار المتراكمة المحتملة، التي تشمل، إلى جانب المنشآت وأجهزة الطرد المركزي، اغتيال كبار العلماء الذين عملوا على البرنامج».

لكن نتائج القصف الأميركي في «فوردو» تفتقر إلى المعلومات الكافية، وفق هرئيل، الذي يشكك في حقيقة أن البرنامج النووي قد دُمّر بشكل كامل. وقال المحرر العسكري الإسرائيلي: «مطلوب معلومات أخرى من أجل التحليل بثقة. كما أن هناك قضايا ناعمة تتعلق بالأجواء حول المرشد الإيراني علي خامنئي».

ويميل خبراء إسرائيليون إلى الاعتقاد بأن كلاً من إسرائيل والولايات المتحدة لا تمتلك حتى الآن معلومات كافية بشأن ما حصل في اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة 60 في المائة، بكتلة تبلغ 408 كيلوغرامات، كما يصعب عليهما معرفة إذا كان الفشل في الحرب لن يدفع خامنئي إلى الإيعاز للعلماء والجنرالات المتبقين بتجاوز الخط الأحمر، وإجراء تجربة في منشأة نووية بدائية من أجل الإعلان: «نحن هنا».

ولا تزال هناك سيناريوهات إشكالية أخرى. وقال هرئيل إنه بإمكان إيران العودة إلى طاولة المفاوضات، لكن الاستمرار في سياسة عنيدة من المماطلة والأكاذيب، مع احتمالية أن يفقد ترمب الاهتمام بالقضية النووية، قد يزيد المخاطر.


مقالات ذات صلة

إيران: «الطاقة الذرية» تسيس الرقابة على برنامجنا النووي

شؤون إقليمية شعار الوكالة الدولية للطاقة الذرية وعلم إيران (رويترز)

إيران: «الطاقة الذرية» تسيس الرقابة على برنامجنا النووي

قال كاظم ​غريب آبادي، نائب وزير الخارجية الإيراني، إن على الوكالة الدولية للطاقة ‌الذرية أن ‌تتجنب تحويل ​التقارير ‌الفنية ⁠إلى «أدوات ​ضغط سياسي».

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية ستيف ‌ويتكوف ⁠و⁠جاريد ‌كوشنر (رويترز) p-circle

ويتكوف وكوشنر يلتقيان خبراء نوويين تمهيداً للمفاوضات مع إيران

ذكر موقع «أكسيوس» ‌أن مبعوثي ترمب، ​ستيف ‌ويتكوف و⁠جاريد ‌كوشنر، توجّها ‌إلى مختبر ‌في ولاية تنيسي للتشاور مع ⁠خبراء ⁠قد يضطلعون بدور في مفاوضات نووية مع إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية سفن عالقة في مضيق هرمز (رويترز) p-circle

5 مشكلات تحتاج أميركا وإيران إلى حلها للتوصل إلى اتفاق سلام

طالبت إيران بانسحاب إسرائيل من لبنان، فيما يريد الرئيس الأميركي من طهران التنازل عن مخزونها من اليورانيوم المخصب، في توترات تسلّط الضوء على تعقيدات إنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية علم الوكالة الدولية ‌للطاقة الذرية خارج مقرها في فيينا (إ.ب.أ)

دبلوماسيون: واشنطن تعد مشروع قرار يندد بإيران قبل اجتماع وكالة الطاقة الذرية

قال دبلوماسيون، اليوم الجمعة، إن الولايات المتحدة تعد مشروع قرار يندد بإيران قبل اجتماع مجلس محافظي الوكالة الدولية ‌للطاقة الذرية ‌الأسبوع المقبل.

«الشرق الأوسط» (فيينا - باريس)
تحليل إخباري المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي (جماران)

تحليل إخباري ما مدى السلطة الفعلية لمجتبى خامنئي؟

لم يظهر مجتبى خامنئي علناً منذ تعيينه مرشداً لإيران في مطلع مارس، ولا يزال وضعه الصحي غير مؤكد، كما أن حجم سلطته الفعلية لا يزال غامضاً.

«الشرق الأوسط» (باريس)

تركيا: القبض على 361 من عناصر وكوادر «داعش» المالية

عناصر من قوات مكافحة الإرهاب التركية في أثناء مداهمة أحد مواقع عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي (الداخلية التركية)
عناصر من قوات مكافحة الإرهاب التركية في أثناء مداهمة أحد مواقع عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي (الداخلية التركية)
TT

تركيا: القبض على 361 من عناصر وكوادر «داعش» المالية

عناصر من قوات مكافحة الإرهاب التركية في أثناء مداهمة أحد مواقع عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي (الداخلية التركية)
عناصر من قوات مكافحة الإرهاب التركية في أثناء مداهمة أحد مواقع عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي (الداخلية التركية)

ألقت قوات الأمن التركية القبض على 361 من عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي في حملة موسعة شهدت مداهمات متزامنة في 39 ولاية في أنحاء البلاد. وقالت وزارة الداخلية التركية، في بيان، السبت، إن قوات مكافحة الإرهاب التابعة لمديريات الشرطة في هذه الولايات نفذت العملية، بعد التنسيق بين المديرية العامة للاستخبارات الأمنية، وإدارة مكافحة الإرهاب، وجهاز المخابرات، ومكاتب النيابة العامة.

وأضاف البيان أن الموقوفين نشطوا سابقاً في صفوف تنظيم «داعش» الإرهابي، كما قدموا له الدعم المالي، لافتاً إلى أنه تم خلال العمليات مصادرة أسلحة وذخائر غير مرخصة ووثائق تنظيمية ومواد رقمية وأصول مالية عائدة للتنظيم.

عمليات أمنية مكثفة

وشهدت الفترة الأخيرة، عمليات مكثفة ضد خلايا وعناصر تنظيم «داعش» الإرهابي استهدفت تفكيك الهيكل المالي والدعائي الذي لا يزال ينشط على الرغم من العمليات المستمرة ضده منذ مطلع عام 2017.

وفي 19 مايو (أيار) الماضي، ألقت قوات الأمن التركية القبض على 43 من عناصر «داعش» في عمليات متزامنة في 16 ولاية في أنحاء البلاد تبين قيامهم بجمع 170 ألف دولار لصالح التنظيم، غبر تطبيق «تلغرام»، وتحويلها إلى «محافظ باردة» باستخدام العملات الرقمية المشفرة.

عناصر من قوات مكافحة الإرهاب في مديرية أمن إسطنبول خلال عملية ضد عناصر داعش (الداخلية التركية)

وسبق ذلك بأسبوع واحد، القبض على 110 من عناصر التنظيم خلال حملة في إسطنبول وولايتين أخريين، لقيامهم بإعطاء دروس دينية في جمعيات غير قانونية وتربية الأطفال وفقاً لآيديولوجية «داعش»، فضلاً عن جمع الأموال لصالح المنتمين له المحتجزين في السجون والقيام بأنشطة لصالحه.

وكشفت المخابرات التركية في 23 مايو (أيار) عن القبض على 10 مطلوبين أتراك من أعضاء التنظيم بالتنسيق مع المخابرات السورية وأعادتهم إلى البلاد للبدء في محاكمتهم، لتورطهم في هجمات سابقة في تركيا، من بينهم أحد مدبري تفجير إرهابي في محطة قطار استهدف أنصار حزب «الشعوب الديمقراطية»، المؤيد للأكراد، وأعضاء في منظمات مدنية، في أنقرة في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2015 قبل شهر من انتخابات برلمانية مبكرة، ما خلف أكثر من 100 قتيل و200 مصاب، وآخر كان يرأس الوحدة المعنية بتركيا في جهاز مخابرات «داعش».

«داعش» يعاود نشاطه

وأعلن تنظيم «داعش» الإرهابي، الذي أدرجته تركيا على لائحتها للإرهاب عام 2023، أو نسب إليه، سلسلة من الهجمات على أهداف مدنية في تركيا، في الفترة بين عامي 2015 و2017، تسببت في مقتل نحو 300 شخص، وإصابة العشرات، حيث استخدم مقاتلو التنظيم الأجانب تركيا كنقطة عبور رئيسية من وإلى سوريا خلال الحرب الداخلية فيها.

وتشهد تركيا حملات أمنية منتظمة على عناصر التنظيم وخلاياه منذ هجوم إرهابي نفذه الداعشي الأوزبكي، عبد القادر مشاريبوف، المكنى «أبو محمد الخراساني» على نادي «رينا» الليلي في إسطنبول في رأس السنة عام 2017؛ ما أدى إلى مقتل 39 شخصاً، وإصابة 79 آخرين غالبيتهم أجانب.

ومنذ ذلك الحين، أطلقت أجهزة الأمن التركية عمليات مستمرة، ألقت خلالها القبض على آلاف، كما رحّلت مئات من المقاتلين الأجانب، ومنعت دخول آلاف من المشتبه بهم إلى البلاد؛ ما أدى إلى تراجع هجمات «داعش» بشكل ملحوظ.

جانب من اشتباك بين الشرطة التركية وعناصر من داعش في يالوفا غرب البلاد في ديسمبر الماضي (رويترز)

لكن التنظيم الإرهابي عاود نشاطه بعد 7 سنوات، بهجوم نفذه تنظيم «ولاية خراسان» على كنيسة «سانتا ماريا» في إسطنبول، مطلع فبراير (شباط) 2024؛ ما أسفر عن مقتل المواطن التركي تونجر جيهان (52 عاماً)، وألقت السلطات القبض على 17 من عناصر التنظيم على صلة بالهجوم.

وفي 29 ديسمبر (كانون الأول) 2025، قُتل 3 شرطيين و6 من عناصر «داعش» في اشتباكات وقعت في مدينة يالوفا، شمال غربي تركيا، أسفرت أيضاً عن إصابة 8 من رجال الشرطة وحارس أمن، وألقت السلطات القبض على أكثر من 500 من عناصر التنظيم في حملات أعقبت الحادث.

وكانت هذه الاشتباكات هي الأولى من نوعها بهذا الحجم بالنظر إلى عدد العمليات التي تنفذها قوات الأمن التركية ضد التنظيم الإرهابي منذ هجوم نادي رينا في إسطنبول.

انتشار لعناصر من القوات الخاصة بالشرطة التركية في محيط مجمع يقع به مقر القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول عقب هجوم بالقرب منه في 7 أيريل الماضي (أ.ف.ب)

وكشفت تحقيقات في هجوم وقع بالقرب من مقر القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول في 7 أبريل (نيسان) الماضي، عن ارتباط منفذيه بتنظيم «داعش»، وقتل أحد المنفذين، وأصيب آخران، بينما أصيب شرطيان بجروح طفيفة في الهجوم، الذي أعلنت وزارة الداخلية التركية، في أعقابه، توقيف 24 شخصاً لارتباطهم بـ«داعش»، من بين 198 مشتبهاً تم القبض عليهم غداة الهجوم. ودفعت هذه العمليات الإرهابية أجهزة الأمن التركية إلى تصعيد عملياتها ضد «داعش»، بشكل ملحوظ، خلال الأشهر الأخيرة.


الحرب الإقليمية إلى «صراع إرادات مفتوح»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ف.ب)
TT

الحرب الإقليمية إلى «صراع إرادات مفتوح»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ف.ب)

رغم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن إحراز «تقدم كبير»، وتأكيده الحازم بأن طهران لن تمتلك أسلحة نووية مطلقاً، فإن الوقائع على الأرض تعكس معادلة شديدة التعقيد؛ حيث تتداخل أصوات الانفجارات في مضيق هرمز مع مشاورات الخبراء النوويين في الغرف المغلقة، وسط تمسك كل طرف بشروطه القصوى التي تحول دون صياغة اتفاق نهائي حتى الآن.

وفي ظل هذا الانسداد الدبلوماسي والتمسك المتبادل بالشروط، تبدو آفاق الحل السلمي السريع بعيدة المنال؛ حيث يتحول المسار من عملية تفاوضية فنية إلى «صراع إرادات» مفتوح.

وحول مآلات هذا المأزق الشائك، يرى مايكل روبين، الباحث البارز في معهد «أميركان إنتربرايز»، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن المشهد لا يتجه نحو انفراجة قريبة، بل إلى حالة من الجمود الصارم الممزوج بالبارود.

ويقول روبين، إن «طرفي النزاع يتجهان نحو حالة من التجميد المطول للملف، تتخللها عمليات عسكرية خاطفة ومتقطعة. قد تعتقد إيران واهمة أنها تمسك بزمام المبادرة، وأن بإمكانها المناورة لكسب الوقت ونفاد المسعى الحاضر لترمب، لكن ترمب لا يُشبه أيّاً من أسلافه، كما أنه لا يأبه كثيراً لما يعتقده الكونغرس».

ويوضح روبين قائلاً: «لن أجرؤ على الركوب في سيارة واحدة مع قادة عسكريين إيرانيين، مثل علي فدوي أو محمد باقر قاليباف؛ لأن أي شخص يفعل ذلك اليوم قد يتحول بسهولة شديدة إلى أضرار جانبية لضربة أميركية دقيقة بطائرة مسيّرة».

وتؤكد هذه القراءة أن الهامش المتاح للمناورة الإيرانية بات أضيق من أي وقت مضى، وأن الإدارة الأميركية الحالية تتبنى استراتيجية «العصا الغليظة» المستعدة دائماً لتفعيل لغة الاغتيالات والضربات الجراحية لتقليم أظافر طهران الإقليمية، ما يجعل تكلفة العناد السياسي باهظة للغاية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب عقب خروجه من الطائرة الرئاسية في مطار موريستاون (أ.ف.ب)

مخاوف تكرار تجربة أوباما

وتتمحور العقبة الأساسية التي تمنع كسر هذا التجميد حول تسييل الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج، والتي تقدر بنحو 100 مليار دولار.

وتُطالب طهران بـ«ثمن اقتصادي فوري» للمضي قدماً، محددة مطالبها بالحصول على 12 مليار دولار مقدماً و24 مليار دولار خلال فترة المفاوضات الاستراتيجية (التي تمتد إلى 60 يوماً وفق مقترح التهدئة الأحدث)، وذلك لإنعاش اقتصادها المنهك، وإثبات جدوى الدبلوماسية داخلياً.

في المقابل، يجد ترمب نفسه في «حقل ألغام سياسي»؛ فالإذعان للمطالب الإيرانية بتقديم سيولة نقدية مسبقة سيضعه في مرمى انتقادات لاذعة، ويُعيد إلى الأذهان هجومه الضاري طوال سنوات على إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما التي سمحت بنقل أموال سائلة لطهران عام 2016.

ورغم رغبة ترمب في إنهاء الحرب غير الشعبية، فإن أركان إدارته، وعلى رأسهم وزير الخارجية ماركو روبيو، يصرون على عدم منح طهران أي تخفيف للعقوبات أو الإفراج عن الأصول قبل اتخاذ خطوات ملموسة وحاسمة لتفكيك مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب.

استعراض قوة

وبالتوازي مع لغة الدبلوماسية المتعثرة، لم تتوقف الآلة العسكرية عن العمل في الميدان. فقد أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) عن تنفيذ ضربات دفاعية استهدفت مواقع رادار للمراقبة الساحلية في «غوروك» وجزيرة «قشم» بإيران.

وقالت إن الضربات جاءت بعد إسقاط 4 طائرات مسيّرة إيرانية كانت موجهة نحو مضيق هرمز، وشكّلت تهديداً للملاحة المدنية. جاء هذا التصعيد بعد يومين فقط من ضربة صاروخية إيرانية دموية استهدفت مطار الكويت الدولي، وأسفرت عن مقتل مدني، في مؤشر خطير على قدرة طهران على ممارسة الضغط عبر استهداف حلفاء واشنطن.

غير أن ترمب أكد أن الضربات الأميركية السابقة نجحت في تدمير معظم مصانع المسيّرات ومواقع إطلاق الصواريخ الإيرانية، مستشهداً بأن طهران لم يعد لديها سوى 21 في المائة إلى 22 في المائة فقط من ترسانتها الصاروخية السابقة.

وتأتي هذه الأرقام لتُعزز الرؤية الأميركية القائلة بأن واشنطن قادرة على حسم المعركة «عسكرياً أو عبر اتفاق» يفرض شروطها بالكامل، وأبرزها تأمين الملاحة المطلقة في مضيق هرمز.

ستيف ‌ويتكوف ⁠و⁠جاريد ‌كوشنر (رويترز)

ويتكوف وكوشنر

على المقلب الآخر من المشهد، تظهر الجدية الأميركية في التعاطي مع الشق التقني للملف النووي تحسباً لأي اختراق تحققه الوساطات الجارية عبر باكستان وقطر.

فقد كشف موقع «أكسيوس» عن زيارة سرية قام بها مبعوثا ترمب، جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، إلى المختبر الوطني في «أوك ريدج» بولاية تينيسي، المعقل التاريخي لخبراء معالجة اليورانيوم وتكنولوجيا أجهزة الطرد المركزي في الولايات المتحدة.

الاجتماع الذي ضم نحو 100 خبير نووي يستهدف وضع خطط تنفيذية جاهزة للتعامل مع المواد النووية الإيرانية في حال التوصل إلى مذكرة تفاهم.

وتتركز النقاشات الفنية الحالية حول صياغة جداول زمنية دقيقة؛ حيث يُطالب ترمب بإنهاء عملية خفض تخصيب اليورانيوم الإيراني خلال 60 يوماً، في حين تضغط طهران لتمديد المهلة إلى 90 يوماً.

وتعكس هذه التحركات رغبة واشنطن في تجنب ثغرات الاتفاقات السابقة، وضمان التحقق الصارم من عدم قدرة طهران على العودة السريعة للتخصيب العالي إذا ما تقرر المُضي في خيار التسوية الدبلوماسية.


واشنطن وطهران تتبادلان الهجمات في «هرمز»... وتبتعدان عن الاتفاق

صورة جوية التقطتها طائرة من دون طيار لسفن راسية في مضيق هرمز (رويترز)
صورة جوية التقطتها طائرة من دون طيار لسفن راسية في مضيق هرمز (رويترز)
TT

واشنطن وطهران تتبادلان الهجمات في «هرمز»... وتبتعدان عن الاتفاق

صورة جوية التقطتها طائرة من دون طيار لسفن راسية في مضيق هرمز (رويترز)
صورة جوية التقطتها طائرة من دون طيار لسفن راسية في مضيق هرمز (رويترز)

اتهمت إيران الولايات المتحدة، السبت، بانتهاك اتفاق وقف إطلاق النار القائم بين الجانبين بعد ضربات أميركية استهدفت منشآت رادار ومراقبة ساحلية إيرانية، في تصعيد جديد تقول إيران إنه يهدد بتقويض جهود الوساطة الرامية إلى إنهاء الحرب المستمرة منذ أكثر من 3 أشهر.

وقالت وزارة الخارجية الإيرانية إن «الانتهاكات المتكررة لوقف إطلاق النار تظهر أن الولايات المتحدة لا تنوي التهدئة»، مضيفة أن الهجمات الأميركية على منشآت الرادار والمراقبة الساحلية في منطقة سيريك وجزيرة قشم تمثل «انتهاكاً فاضحاً» للهدنة.

وجاءت التصريحات الإيرانية بعد ساعات من تبادل الطرفين ضربات عسكرية قالت مصادر إيرانية وأميركية إنها وقعت، فجر السبت، في منطقة الخليج ومضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم.

هجمات متبادلة

وجاء في رواية «الحرس الثوري» الإيراني، أن 4 ناقلات نفط حاولت عبور مضيق هرمز «بشكل غير قانوني»، وبتوجيه من الجيش الأميركي ومن دون تنسيق مع السلطات الإيرانية. وأضاف أن قواته أوقفت إحدى الناقلات بعد توجيه تحذيرات، بينما عادت الناقلات الثلاث الأخرى أدراجها.

وذكر «الحرس الثوري» أن طائرات أميركية مسيرة قصفت لاحقاً برجَي اتصالات ومراقبة في جزيرة قشم ومنطقة سيريك، قبل أن ترد إيران بإطلاق صواريخ استهدفت مواقع في الكويت والبحرين.

من جانبها، قالت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» إنها اعترضت 6 صواريخ باليستية و4 طائرات مسيرة أطلقتها إيران باتجاه الكويت والبحرين ومضيق هرمز، مضيفة أن الصاروخ السابع لم يبلغ هدفه.

وأضافت «سنتكوم» أن الضربات الأميركية استهدفت مواقع رادار ومراقبة ساحلية إيرانية في جزيرة قشم ومنطقة غوروك، ووصفت العملية بأنها إجراء دفاعي يهدف إلى منع هجمات إضافية قد تهدد الملاحة البحرية.

وقالت «سنتكوم» إنه لم تقع إصابات في صفوف القوات الأميركية، كما لم تتعرض منشآت الأسطول الخامس لأضرار جراء الهجمات الإيرانية.

وفي وقت لاحق، قال الجيش الكويتي، السبت، إنه تصدى لسبعة صواريخ باليستية دخلت المجال الجوي للبلاد في الصباح ‌الباكر ومرّت فوق عدة ‌مناطق سكنية، مما أدى إلى سقوط بعض الحطام.

وتحدثت وسائل إعلام إيرانية، بينها وكالة «مهر»، عن واحدة من أعقد المواجهات العسكرية المباشرة بين البلدين خلال السنوات الأخيرة، مشيرة إلى أن القوات الإيرانية استخدمت مزيجاً من الزوارق السريعة والطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية في إطار ما وصفته بعقيدة «الحرب غير المتكافئة».

وذكرت الوكالة أن صواريخ من طرازات «قيام» أو «سجيل» أو «خيبر» ربما استخدمت في الهجمات، كما تحدثت عن إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه قطع بحرية أميركية في بحر عُمان، الأمر الذي قالت إنه دفع بعض السفن الأميركية إلى الانسحاب. ولم يتسن التحقق من هذه الروايات بشكل مستقل.

ناقلة نفط راسية بميناء الفجيرة في ظلّ تضييق الخناق على حركة الملاحة البحرية بمضيق هرمز (رويترز)

جهود الوساطة

يأتي التصعيد بينما تتواصل جهود وساطة تقودها باكستان منذ أسابيع لإحياء المفاوضات بين واشنطن وطهران والحفاظ على الهدنة التي تم التوصل إليها في الثامن من أبريل (نيسان).

وقالت مصادر أمنية ودبلوماسية باكستانية إن وزير الداخلية محسن نقوي توجه إلى طهران، السبت، لإجراء محادثات مع مسؤولين إيرانيين في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار بين الطرفين بعد تجدد الاشتباكات.

وكانت وزارة الداخلية الباكستانية قد أعلنت عقب لقاء بين نقوي ونظيره الإيراني إسكندر مؤمني على هامش اجتماع وزراء داخلية منظمة شنغهاي للتعاون أن الجانبين أكدا ضرورة مواصلة الجهود الدبلوماسية لتحقيق «سلام مستدام» في المنطقة.

وفي موازاة التصعيد العسكري، واصل مسؤولون إيرانيون إطلاق مواقف متشددة بشأن أمن الخليج ومضيق هرمز.

وقال عضو هيئة رئاسة البرلمان الإيراني علي رضا سليمي إن مضيق هرمز «جزء من الأراضي الإيرانية وليس من المياه الدولية»، مضيفاً أن البرلمان يعتزم تحويل آليات فرض السيادة الإيرانية على المضيق إلى قانون.

كما حذر محسن رضائي، مستشار المرشد الإيراني، الولايات المتحدة من العودة إلى الحرب، قائلاً إن أي استئناف للعمليات العسكرية قد يؤدي إلى توسيع رقعة الصراع من الخليج ومضيق هرمز إلى المحيط الهندي ومضيق باب المندب والبحر الأحمر والبحر المتوسط.

وأضاف في مقابلة مع شبكة «سي إن إن» أن «تكلفة المفاوضات أقل كثيراً من تكلفة الحرب»، معتبراً أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يمثل العقبة الرئيسية أمام التقدم في المسار الدبلوماسي.

من جهته، قال رئيس مجلس «تشخيص مصلحة النظام» صادق آملي لاريجاني إن أي اتفاق مستقبلي مع الولايات المتحدة يجب أن يعكس «تحولاً استراتيجياً عميقاً» على المستويين الإقليمي والدولي، بينما رأى علي أكبر ولايتي أن السلام الدائم لا يتحقق إلا عبر «توازن القوى» وليس من خلال ما وصفه بالتفاؤل الدبلوماسي غير المضمون.

«أدوات الضغط السياسي»

وفي ملف منفصل، انتقد نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية كاظم غريب آبادي الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومديرها العام رافائيل غروسي، متهماً الوكالة بتحويل التقارير الفنية المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني إلى أدوات ضغط سياسي.

وقال غريب آبادي إن الوكالة تتجاهل، بحسب تعبيره، تأثير الضربات الأميركية والإسرائيلية على المنشآت النووية الإيرانية الخاضعة للضمانات، مضيفاً أن طهران لن تقبل استخدام تداعيات تلك الهجمات كأدلة على وجود «غموض» في برنامجها النووي.

اندلعت الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في 28 فبراير (شباط)، وفق الرواية الإيرانية، وأسفرت عن آلاف القتلى وأضرار واسعة في المنطقة. وتوصل الطرفان إلى هدنة مؤقتة بوساطة باكستانية في 8 أبريل، إلا أن المفاوضات تعثرت بعد أيام.

وزادت التوترات بعد فرض واشنطن حصاراً على الموانئ الإيرانية، بما فيها الموانئ المطلة على مضيق هرمز، بينما أعلنت طهران أنها لن تسمح بمرور السفن عبر المضيق إلا بالتنسيق معها.

ويُعد مضيق هرمز ممراً حيوياً يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً؛ ما يجعل أي تصعيد عسكري فيه مصدر قلق للأسواق العالمية وإمدادات الطاقة، وسط مخاوف متزايدة من انهيار الهدنة وعودة المواجهة المفتوحة بين واشنطن وطهران.