​قلق أوروبي بالغ من تداعيات الضربة الأميركية... وإغلاق هرمز

متفقون على عدم انتقاد واشنطن وعاجزون عن لعب دور فاعل

مبنى المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)
مبنى المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)
TT

​قلق أوروبي بالغ من تداعيات الضربة الأميركية... وإغلاق هرمز

مبنى المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)
مبنى المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)

تضاعفت المخاوف الأوروبية من تصاعد الحرب الدائرة في الشرق الأوسط بعد دخول الولايات المتحدة طرفاً مباشراً فيها، وخصوصاً بعدما أكد المسؤولون الإيرانيون، السياسيون والعسكريون، أن طهران لا بد أن ترد الصاع صاعين للولايات المتحدة، الأمر الذي أثار موجة من ردود الفعل التي تذهب كلها في التحذير من التصعيد وما ستكون له من تبعات عسكرية سياسية واقتصادية.

وكان اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، الاثنين، في بروكسل مناسبة للتعبير عن هذا القلق.

ويجهد الأوروبيون، رغم انقساماتهم العميقة حيال الحملة العسكرية الإسرائيلية على إيران وانضمام واشنطن إليها، في تكثيف اتصالاتهم ومشاوراتهم لبلورة موقف مشترك. بيد أنهم يدركون تماماً أن قدراتهم في التأثير على واشنطن أو تل أبيب «إما ضعيفة وإما منعدمة» وفق تعبير دبلوماسي أوروبي في باريس.

المستشار الألماني فريدريتش ميرتس لا يجد سبباً لانتقاد الضربات الأميركية لمواقع نووية إيرانية (رويترز)

ويرى المصدر أن الاجتماع الذي ضم وزراء خارجية فرنسا وألمانيا وبريطانيا ومسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كاياك كالاس مع نظيرهم الإيراني في جنيف، الجمعة، أظهر «بطلان جهودهم الدبلوماسية» إلى درجة أن فترة الأسبوعين التي فهموا أن الرئيس دونالد ترمب يمنحها للجهود الدبلوماسية لم تكن صادقة. ويرى كثير من المحللين أن غرضها كان «التعمية» أو «إنهاء التحضيرات العسكرية».

ورغم أن الطرفين الأوروبي والإيراني أعربا عن رغبتهما في الاجتماع مجدداً، لكن ترمب قطع الطريق على الجميع بإعلانه أن «أوروبا غير قادرة على المساعدة» في الملف الإيراني، وأن طهران «تفضل التفاوض مع واشنطن».

وبكلام آخر، قطع ترمب الطريق على أي دور أوروبي رغم أن المفاوضين الأوروبيين الأربعة تبنوا الطرح الأميركي خصوصاً لجهة حرمان إيران من أي عملية تخصيب لليورانيوم مهما كانت نسبتها. وجاءت الضربات العسكرية الأميركية بعد 24 ساعة فقط على اجتماع جنيف، لتجهض الدور الذي أراد الأوروبيون أن يضطلعوا به.

صياغة موقف مشترك

منذ صباح الأحد وحتى الساعات الأخيرة، يسعى الأوروبيون إلى استعادة المبادرة والتكيّف مع المعطى الجديد وإبراز الأسس المركزية التي ينهض عليها موقفهم الجماعي. وصدر ذلك، جماعياً، عن المسؤولين الثلاثة الكبار في الاتحاد الأوروبي وعن المسؤولين فردياً. وسارعت كايا كالاس إلى نشر تدوينة على منصة «إكس» صباح الأحد تدعو فيها «الأطراف كافة إلى القيام بخطوة إلى الوراء والعودة إلى طاولة المفاوضات وتجنب أي تصعيد».

كذلك ذكرت كالاس أنه «لا يعني ذلك أن يسمح لإيران بتطوير سلاح نووي لأنه سيشكل تهديداً للأمن العالمي». وذهبت رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين في الاتجاه نفسه بتأكيدها أنه «حان الوقت لإيران لأن تنخرط في حل دبلوماسي يتمتع بالصدقية»، وأن طاولة المفاوضات هي «المكان الوحيد الذي يمكن من وضع حد للأزمة». وبخفر لا مثيل له، لمحت المسؤولة الأوروبية إلى أن «احترام القانون الدولي أمر أساسي» من غير أن تحدد لمن توجه دعوتها. أما رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، فقد نبه من جانبه إلى أن «كثيراً من المدنيين سيكونون ضحايا أي تصعيد جديد».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بين الأمين العام لرئاسة الجمهورية إيمانويل مولان والجنرال الفرنسي فابيان ماندون حين ترأس الأحد اجتماعاً لمجلس الأمن القومي في قصر الإليزيه (أ.ب)

لا انتقاد صريحاً لواشنطن

البارز أن أياً من المواقف الأوروبية لم يتجرأ على انتقاد الضربات الأميركية ولو من بعيد. وحدها فرنسا ذهبت أبعد من ذلك قليلاً، إذ دعا وزير خارجيتها من بروكسل، الاثنين، إلى «وقف الضربات» التي تستهدف إيران لتجنب «حرب أبدية معها». وتتميز باريس بأن الرئيس إيمانويل ماكرون يسعى إلى أن يلعب دوراً من خلال توسعة مروحة اتصالاته مع القادة الإقليميين ومنهم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان للمرة الثانية في 24 ساعة ونظرائه الأوروبيين. وكتب في تغريدة مساء الأحد على منصة «إكس» إنه حث الأخير على ممارسة «أقصى درجات ضبط النفس» من أجل «إفساح المجال للعودة إلى المسار الدبلوماسي».

وبرأي ماكرون، فإن «استئناف المناقشات الدبلوماسية والتقنية هو السبيل الوحيد لتحقيق الهدف الذي نسعى إليه جميعاً، وهو منع إيران من امتلاك أسلحة نووية، ولكن أيضاً تجنب تصعيد لا يمكن السيطرة عليه في المنطقة». وتعد باريس أنه لا يمكن لأي رد عسكري بحت أن يحقق النتائج المرجوة. وفي أي حال، فإن ماكرون ينبه من «خطورة اللحظة الراهنة للسلام والاستقرار في الشرق الأدنى والأوسط، مع تداعيات واضحة للغاية أيضاً على أمننا الجماعي» في أعقاب الضربات الأميركية. وبرأيه، فإن هذه الضربات تدشن «مرحلة جديدة تتطلب اليقظة والعمل الحازم من جانبنا». وجدّد الوزير بارو استبعاد الحل العسكري سبيلاً لوضع حد للأزمة الناشبة، ورفضه الدعوات أو الخطط لاستخدام الضربات العسكرية لإسقاط النظام الإيراني. وبالمقابل، حاول الترويج لدور أوروبي في أي مسار تفاوضي، حيث تستطيع أوروبا أن «تقدم خبرتها وكفاءتها ومعرفتها الدقيقة بهذه القضايا لفتح مساحة تفاوض تؤدي إلى إشراف على هذه الأنشطة المزعزعة للاستقرار التي تقوم بها إيران».

الخوف الأول: إغلاق هرمز

تسعى أطراف الترويكا (الأوروبية) إلى إحياء الدور الذي لعبته سابقاً في التوصل إلى اتفاق 2015 النووي مع طهران. وعكس ذلك البيان المشترك الصادر عن قادة فرنسا وبريطانيا وألمانيا أولويات الترويكا وهي: أولاً: «عدم القيام بأعمال إضافية من شأنها زعزعة استقرار المنطقة»، رداً على الضربات الأميركية. وثانياً الإلحاح على طهران للانخراط مجدداً في مفاوضات حول برنامجها النووي من أجل إبرام اتفاق جديد أكثر تشدداً يقوم على عدم التخصيب، والقضاء على أي حلم بالحصول على السلاح النووي. وثالثاً، التعبير عن الاستعداد للدفع دبلوماسياً بهذا الاتجاه.

مضيق هرمز كما يبدو في صورة وزعتها ناسا الأميركية والتقطها رواد في المحطة الدولية الفضائية عام 2021 (أ.ف.ب)

وفي السياق، لا ينسى القادة الثلاثة إعادة التأكيد على دعمهم لأمن إسرائيل. ونقل وزير الخارجية الألماني، الاثنين، عن مسؤولين أميركيين رغبتهم ببقاء الأوروبيين على تواصل مع إيران. وحجتهم في ذلك أن طهران ترفض التفاوض مع الجانب الأميركي ما دام يواصل العمليات العسكرية ضدها، فيما لم تتردد في حضور اجتماع جنيف.

ويأمل الجانب الأوروبي من أن التواصل مع طهران قد يمنعها من الذهاب إلى ردود أفعال يعدها خطيرة وعلى رأسها إغلاق مضيق هرمز، وقالت كالاس صباح الاثنين: «المخاوف من الرد وتصاعد هذه الحرب كبيرة، وخاصة أن إغلاق إيران لمضيق هرمز أمر بالغ الخطورة وليس في صالح أحد».

ويعد إغلاق الممر المذكور أحد الخيارات (مع الانسحاب من معاهدة منع انتشار السلاح النووي) التي يمكن أن تلجأ إليها إيران والتي ناقشها البرلمان الإيراني. ومن المعروف أن نحو 20 في المائة من حجم الطلب العالمي على النفط والغاز يمر عبره. ومن جانبه، شدّد ديفيد لامي، وزير الخارجية البريطاني، بعد اتصال مع نظيره الأميركي ماركو روبيو على تأمين الاستقرار الإقليمي. وكتب على منصة «إكس»: «سوف نستمر في العمل مع حلفائنا لحماية شعبنا وتأمين الاستقرار الإقليمي والدفع نحو حل دبلوماسي».

تقارب لا يلغي انقساماً حاداً

تصطدم رغبة الأوروبيين بلعب دور فاعل بعجزهم عن الابتعاد عن السردية الأميركية وبانقساماتهم الحادة رغم التشاور المستمر فيما بينهم. كذلك، فإن لـ«الترويكا» انقساماتها رغم أنها الجهة المعنية بالدرجة الأولى بالملف الإيراني، وتعني مبدئياً أن يدفع أطرافها كلهم في اتجاه واحد. فالمراقبون لم ينسوا قول المستشار الألماني ميرتس أن «إسرائيل قامت مكاننا بالعمل القذر». والاثنين، عدّ ميرتس، في كلمة له أمام اتحاد الصناعات الألمانية أنه «لا سبب لانتقاد ما فعلته الولايات المتحدة. نعم إنه لا يخلو من المخاطر. ولكن ترك الأمور كما هي لم يكن خياراً أيضاً». وفيما تعبر باريس عن قلقها ومخاوفها، قال وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس: «ما هو حاسم، برأيي، هو أنه تمّ القضاء على تهديد كبير (...) هذه أنباء سارة للشرق الأوسط والأدنى، وأيضاً لأوروبا».

رئيس الوزراء البريطاني خلال زيارة قام بها لشركة الهندسة «هوريبا ميرا» في مدينة نانيتون بمقاطعة واريكشير الإنجليزية (أ.ف.ب)

كذلك لم يتردد كير ستارمر، رئيس الوزراء البريطاني بالقول، بعد اتصال الأحد بالرئيس ترمب، إن «الولايات المتحدة اتخذت إجراءات لتخفيف التهديد». وكلام ميرتس وستارمر بعيد كل البعد عن مواقف ماكرون، رغم أن باريس التصقت بالمواقف الأميركية لجهة حرمان طهران من التخصيب ومنعها، نهائياً، من الحصول على السلاح النووي. كذلك هناك خلافات داخل الاتحاد الأوروبي لجهة المواقف من واشنطن وتل أبيب، فثمة دول مثل ألمانيا والمجر والتشيك وبلدان البلطيق... ترفض أي لغة تشتم منها رائحة انتقاد لهما.


مقالات ذات صلة

بعد 6 أشهر… الصراع مع إيران يؤول إلى جمود مكلف

شؤون إقليمية أشخاص يسيرون بجانب مجسم رمزي لصاروخ إيراني بأحد شوارع طهران في مشهد يعكس تصاعد الخطاب العسكري والتعبئة الداخلية بالتزامن مع المفاوضات الجارية حول اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن لإنهاء الحرب (رويترز)

بعد 6 أشهر… الصراع مع إيران يؤول إلى جمود مكلف

آلت الحرب مع إيران، بعد ستة أشهر، إلى حالة جمود مكلفة. فبعد ستة أشهر على الهجوم الذي شنته القوات الأميركية والإسرائيلية على إيران وأسفر عن مقتل المرشد الإيراني.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية تستمع المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء حديثه إلى الصحافيين في قاعدة أندروز بولاية ماريلاند يوم 21 أغسطس 2026 (أ.ب)

ترمب يرفض العودة إلى تفاهم يونيو مع إيران

قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت إن الولايات المتحدة وإيران لا تجريان حالياً أي مفاوضات لإنهاء الحرب في ظل تركيز واشنطن على تكثيف الضغط الاقتصادي.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
شؤون إقليمية بزشكيان يستقبل عاصم منير في طهران (الرئاسة الإيرانية)

باكستان ترى «زخماً» لإعادة فتح «هرمز»

قالت باكستان، الخميس، إنها ترى «زخماً» بالجهود الدبلوماسية لإعادة فتح مضيق «هرمز»، لكنها شددت على أن القرار النهائي بشأن استئناف الملاحة يعود إلى طهران وواشنطن.

«الشرق الأوسط» (لندن - إسلام آباد)
شؤون إقليمية صورة نشرها غروسي على منصة «إكس» من لقائه مع وزير الطاقة الأميركي كريس رايت في واشنطن

غروسي: المفاوضات النووية مع إيران في مأزق

قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي إن المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني متوقفة حالياً.

«الشرق الأوسط» (لندن-واشنطن)
شؤون إقليمية الدخان يتصاعد في طهران بعد غارة جوية

6 تداعيات لـ6 أشهر من حرب إيران

بعد ستة أشهر على بدء الولايات المتحدة وإسرائيل شن ضربات على إيران تحولت الحرب التي وصفها الرئيس دونالد ترمب بأنها «نزهة صغيرة» إلى مأزق يلقى رفضاً واسعاً

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«بيانات»: حركة الشحن عبر مضيق هرمز دون متوسطها ​لعشرة أيام

سفن في مضيق هرمز قرب ساحل بندر عباس جنوب إيران، الثلاثاء 25 أغسطس 2026 (رويترز)
سفن في مضيق هرمز قرب ساحل بندر عباس جنوب إيران، الثلاثاء 25 أغسطس 2026 (رويترز)
TT

«بيانات»: حركة الشحن عبر مضيق هرمز دون متوسطها ​لعشرة أيام

سفن في مضيق هرمز قرب ساحل بندر عباس جنوب إيران، الثلاثاء 25 أغسطس 2026 (رويترز)
سفن في مضيق هرمز قرب ساحل بندر عباس جنوب إيران، الثلاثاء 25 أغسطس 2026 (رويترز)

أظهرت بيانات أولية ​للشحن صدرت اليوم (الجمعة)، أن خمس سفن عبرت مضيق هرمز أمس ‌الخميس ‌بانخفاض عن ​17 ‌سفينة ⁠في ​اليوم السابق وأقل ⁠من متوسط الحركة لعشرة أيام والبالغ 15 سفينة.

ووفقا للبيانات ⁠الأولية الصادرة ‌عن ‌شركة ​كبلر ‌لتتبع السفن، فإن من بين ‌السفن الخمس التي عبرت المضيق ناقلتين متوسطتين ⁠وناقلة ⁠غاز عملاقة.

ويمكن أن تتغير هذه الأرقام لأن بعض السفن تقوم بإيقاف تشغيل أجهزة الإرسال ​والاستقبال ​أثناء الرحلة.


حراك لإحياء التفاوض وسط تشدد إيراني ــ أميركي

 صورة نشرتها قيادة «سنتكوم» أمس لمقاتلتين أميركيتين من طراز «EA-18G» للحرب الإلكترونية تُحلّقان في المنطقة (سنتكوم)
صورة نشرتها قيادة «سنتكوم» أمس لمقاتلتين أميركيتين من طراز «EA-18G» للحرب الإلكترونية تُحلّقان في المنطقة (سنتكوم)
TT

حراك لإحياء التفاوض وسط تشدد إيراني ــ أميركي

 صورة نشرتها قيادة «سنتكوم» أمس لمقاتلتين أميركيتين من طراز «EA-18G» للحرب الإلكترونية تُحلّقان في المنطقة (سنتكوم)
صورة نشرتها قيادة «سنتكوم» أمس لمقاتلتين أميركيتين من طراز «EA-18G» للحرب الإلكترونية تُحلّقان في المنطقة (سنتكوم)

أخذ الحراك الإقليمي لإعادة واشنطن وطهران إلى مسار التفاوض زخماً، أمس، وسط تمسك إيران بشروطها، فيما أكد البيت الأبيض عدم وجود مفاوضات حالياً وإبقاء «كل الخيارات مطروحة».

وبحث رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، استئناف تنفيذ مذكرة التفاهم وحل الخلافات بالحوار. والتقى أيضاً مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وأمين عام مجلس الأمن القومي محسن رضائي، الذي اشترط خطوات أميركية عملية قبل فتح مضيق هرمز، وحذر من رد واسع على أي عمل عسكري. وناقش وزير الخارجية القطري مع نظيره الإيراني عباس عراقجي خفض التصعيد ومقترح ممر ملاحي مؤقت وتطهير المضيق من الألغام.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية، طاهر أندرابي، إن بلاده ترى «زخماً» في جهود إعادة فتح «هرمز»، مؤكداً أن القرار النهائي يعود إلى طهران وواشنطن.

وفي واشنطن، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت، إن المحادثات متوقفة حتى ترى الإدارة استعداداً إيرانياً لتحقيق نتائج، مؤكدة استمرار الحصار البحري والضغط الاقتصادي.


بعد 6 أشهر… الصراع مع إيران يؤول إلى جمود مكلف

أشخاص يسيرون بجانب مجسم رمزي لصاروخ إيراني بأحد شوارع طهران في مشهد يعكس تصاعد الخطاب العسكري والتعبئة الداخلية بالتزامن مع المفاوضات الجارية حول اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن لإنهاء الحرب (رويترز)
أشخاص يسيرون بجانب مجسم رمزي لصاروخ إيراني بأحد شوارع طهران في مشهد يعكس تصاعد الخطاب العسكري والتعبئة الداخلية بالتزامن مع المفاوضات الجارية حول اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن لإنهاء الحرب (رويترز)
TT

بعد 6 أشهر… الصراع مع إيران يؤول إلى جمود مكلف

أشخاص يسيرون بجانب مجسم رمزي لصاروخ إيراني بأحد شوارع طهران في مشهد يعكس تصاعد الخطاب العسكري والتعبئة الداخلية بالتزامن مع المفاوضات الجارية حول اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن لإنهاء الحرب (رويترز)
أشخاص يسيرون بجانب مجسم رمزي لصاروخ إيراني بأحد شوارع طهران في مشهد يعكس تصاعد الخطاب العسكري والتعبئة الداخلية بالتزامن مع المفاوضات الجارية حول اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن لإنهاء الحرب (رويترز)

آلت الحرب مع إيران، بعد ستة أشهر، إلى حالة جمود مكلفة. فبعد ستة أشهر على الهجوم الذي شنته القوات الأميركية والإسرائيلية على إيران، وأسفر عن مقتل المرشد الإيراني وإصابة نجله وخليفته بجروح خطيرة، تواجه الحكومة الإيرانية حصاراً اقتصادياً، لكنها لا تزال ممسكة بالسلطة وتعتقد أن الوقت في صالحها، وفقاً لتحليل وكالة «رويترز».

ويواجه تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض عقوبات جديدة قاسية على إيران مشكلة جوهرية، إذ تراهن طهران على أنه لن يقدم على الخطوة الأخيرة اللازمة لكسر حالة الجمود.

وتتمثل هذه الخطوة في التطبيق الصارم للعقوبات الثانوية على الدول التي تساعد في إبقاء الاقتصاد الإيراني قائماً، وفي مقدمتها الصين والهند.

وتمثل أحدث الإجراءات الأميركية، التي أُعلن عنها الاثنين، مرحلة جديدة في الصراع الذي بدأ في 28 فبراير، إذ تنقل المواجهة من الصواريخ والغارات الجوية إلى استهداف عائدات النفط والقطاع المصرفي والشركاء التجاريين لإيران.

طائرة حربية إسرائيلية في طريقها للمشاركة بالعمليات العسكرية ضد إيران (الجيش الإسرائيلي)

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن الولايات المتحدة ستقطع شرايين التمويل التي تساعد الاقتصاد الإيراني على الصمود، بينما يفرض حصار بحري بقيادة واشنطن قيوداً على صادرات النفط الإيرانية والحصول على العملة الصعبة.

وقال آرون ديفيد ميلر، الدبلوماسي الأميركي السابق والزميل البارز في مؤسسة كارنيغي، إن إدارة ترمب «تتلمس، في حالة من الارتباك واليأس، سبيلاً للخروج من هذا الوضع».

واستحضر بيسنت إنزال قوات الحلفاء على ساحل نورماندي في فرنسا عام 1944 خلال الحرب العالمية الثانية لدى إعلانه العقوبات.

لكن ميلر قال: «بالنسبة إليّ، هذا ليس يوم النصر، بل يوم اليأس. لا أعتقد أن الإدارة اقتربت من إيجاد مخرج من هذا الوضع».

حصار وعقوبات

قال مايكل نايتس، مدير الأبحاث في مؤسسة «هورايزن إنغيدج» للاستشارات الاستراتيجية ومقرها نيويورك، إن الحصار قد تكون له عواقب تفوق العقوبات نفسها.

وأضاف أن التحدي المباشر الذي تواجهه إيران لم يعد كيفية الصمود أمام الضغط الاقتصادي، بل كيفية الخروج منه.

وأشار إلى أن طهران تعايشت مع العقوبات طوال عقود وصمدت أمام حملات «أقصى الضغوط» السابقة من دون أن تغير نهجها.

ورأى نايتس أن تصاعد الضغط الاقتصادي قد يدفع إيران إلى رفع كلفة المواجهة على خصومها، من خلال الضغط على دول المنطقة، خصوصاً السعودية، لدفع واشنطن نحو مخرج دبلوماسي.

وقال إن إيران قد تتجه بصورة متزايدة إلى تبني النموذج الذي يتبعه حلفاؤها الحوثيون في البحر الأحمر: هجمات متقطعة، ومفاوضات متقطعة، وحملة استنزاف طويلة الأمد من دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

ورجح أن تستهدف مثل هذه الحملة الملاحة أو الموانئ أو البنية التحتية للطاقة أو أصولاً حيوية أخرى، بما يرفع كلفة استمرار الصراع إلى مستويات يصعب تحملها.

وترفض واشنطن هذا التقييم، وتقول إن ميزان القوى يميل لصالحها.

وقال تومي بيغوت، المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، رداً على أسئلة لـ«رويترز»: «الاقتصاد الإيراني في حالة سقوط حر وتلقى جيش النظام ضربة قاصمة».

وأضاف: «الرئيس ترمب يمسك بجميع الأوراق، ونحن نقطع كل شريان مالي متبقٍ للنظام».

طهران تستبعد نجاح الاستراتيجية الأميركية

تساءل آلان أير، الدبلوماسي الأميركي السابق الذي عمل على الملف الإيراني، عما إذا كانت واشنطن تمتلك الدعم الدولي والآليات اللازمة لإنفاذ العقوبات بفاعلية.

وقال إن الإجراءات الجديدة، خلافاً للحملة متعددة الأطراف التي سبقت الاتفاق النووي لعام 2015 بين طهران والقوى الكبرى، تعتمد على التهديدات العلنية بدلاً من الدبلوماسية المستمرة مع الحلفاء والشركاء التجاريين.

وكان اتفاق 2015 قد قيّد البرنامج النووي الإيراني في مقابل رفع العقوبات.

ويستبعد مسؤولون إيرانيون نجاح الاستراتيجية الأميركية، معتبرين إياها تكراراً لنهج سبق أن فشل.

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يعرض نسخة موقّعة من مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب في طهران... 18 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

وقال مسؤول إيراني كبير لـ«رويترز» إن دولاً مثل الصين لن تتوقف عن التعاون مع طهران لمجرد خدمة المصالح الأميركية.

ويرى بعض المحللين السياسيين أن الاستراتيجية تواجه مشكلة أعمق؛ فمن كوريا الشمالية إلى روسيا وإيران نفسها، نادراً ما أجبرت العقوبات الحكومات على التخلي عن أهداف تعتبرها أساسية لبقائها.

وقال المسؤول الإيراني الكبير إن طهران تعتقد أن الهدف الأميركي الأوسع هو تأجيج السخط الداخلي، أملاً في أن تتحول الصعوبات الاقتصادية في نهاية المطاف إلى اضطرابات سياسية.

لكنه أشار إلى أن حملة «أقصى الضغوط» فشلت خلال ولاية ترمب الأولى وستفشل مجدداً.

وقال: «إذا ازداد الضغط، فسيتغير نهج إيران أيضاً»، مضيفاً أن دول المنطقة تدرك أن زيادة الضغط على طهران قد تعرضها هي الأخرى لمخاطر أكبر.

خطر الاضطرابات

قالت مصادر مطلعة ومسؤول إيراني إن التهديد الأكبر لحكام إيران قد لا يتمثل في التحديات الاقتصادية بحد ذاتها، وإنما في احتمال أن يشعل تدهور الأوضاع المعيشية مجدداً اضطرابات واسعة النطاق.

وقال مركز الإحصاء الإيراني إن معدل التضخم السنوي بلغ 66 في المائة في يوليو، بينما ارتفعت أسعار المستهلكين 87.9 في المائة مقارنة بمستوياتها قبل عام.

وزادت أسعار المواد الغذائية 128 في المائة على أساس سنوي.

وأقر الرئيس مسعود بزشكيان الأسبوع الماضي بوطأة الضغوط الاقتصادية، قائلاً: «تضاعفت مشاكلنا مرات عدة، في حين تراجعت إيراداتنا أيضاً».

وشهدت إيران خلال السنوات الماضية موجات متكررة من الاحتجاجات على خلفية الأوضاع الاقتصادية.

صورة نشرها التلفزيون الرسمي الإيراني لإطلاق صواريخ باليستية في بداية الحرب (أ.ف.ب)

وفي يناير، قمع «الحرس الثوري» وقوات «الباسيج» مظاهرات اندلعت بسبب الأوضاع الاقتصادية، ما أسفر عن مقتل الآلاف.

وقال مسؤول إصلاحي سابق إن تعيين حسين طائب هذا الشهر قائداً لقوات «الباسيج»، وهو أحد أبرز مهندسي حملات القمع السابقة، يعد من أوضح المؤشرات حتى الآن على قلق السلطات من تجدد الاضطرابات.

و«الباسيج» قوة شبه عسكرية تابعة لـ«الحرس الثوري»، استخدمها حكام إيران مراراً في قمع الاحتجاجات.

ويعكس ذلك مفارقة في صلب الاستراتيجية الأميركية، إذ قد تؤدي العقوبات إلى تعميق الأضرار الاقتصادية في إيران من دون أن تدفع قادتها إلى تغيير نهجهم.

فقد واجهت القيادة الإيرانية تاريخياً الاضطرابات الداخلية بالقمع، والضغوط الخارجية بالتهديد بالرد خارج حدود البلاد.

«مأزق خطير»

بالنسبة إلى دول الخليج، تبدو الحسابات أكثر تعقيداً. فهي تفضل الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية على جولة جديدة من الحرب، لكنها تخشى سيناريو يتيح لإيران إعلان النصر مع احتفاظها بالقدرة على تعطيل الملاحة عبر مضيق هرمز.

وأبقت طهران الممر الحيوي لإمدادات النفط العالمية في حكم المغلق، ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية.

وقال عبد العزيز بن صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، إن حكومات الخليج غير مقتنعة بأن العقوبات وحدها قادرة على تغيير نهج إيران سريعاً، في ظل قدرة القيادة الإيرانية على الصمود والحفاظ على السيطرة الداخلية.

وأضاف أن حدوث تغيير سياسي كبير، أو انهيار القيادة الحاكمة في إيران، أمر غير مرجح في الأمد القريب.

قارب حربي إيراني لـ«الحرس الثوري» خلال مناورة عسكرية في مضيق هرمز جنوب البلاد ديسمبر الماضي (أرشيفية - إ.ب.أ)

وقال إن النتيجة قد تكون «مأزقاً خطيراً» إذا أخفقت المحادثات التي تجري بوساطة في تحقيق اختراق.

فواشنطن تريد من إيران التخلي عن أوراق الضغط التي تمتلكها في مضيق هرمز من دون منحها دوراً في إدارة الممر المائي.

في المقابل، تريد طهران رفع الحصار البحري الأميركي من دون أن تبدو وكأنها رضخت للضغوط، بينما تسعى دول الخليج إلى احتواء الصراع من دون أن تخرج إيران منه بمظهر المنتصر.