تقرير: مهاجمة أميركا لإيران ستظهر محدودية قوة الصين

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
TT

تقرير: مهاجمة أميركا لإيران ستظهر محدودية قوة الصين

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)

تعتمد الصين على إيران في الحصول على النفط ومواجهة النفوذ الأميركي، وستخسر بكين كثيراً من أي حرب واسعة النطاق بين إيران وإسرائيل تشارك بها الولايات المتحدة، لكن ليس لديها كثير لتفعله حيال ذلك.

وقالت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية إنه بينما يُفكّر الرئيس الأميركي دونالد ترمب في نشر قوات أميركية للانضمام إلى إسرائيل في مهاجمة إيران، تتضح حدود نفوذ الصين في المنطقة، حيث ستخسر كثيراً من أي صراع واسع النطاق، فنصف وارداتها من النفط ينتقل عبر ناقلات النفط من خلال مضيق هرمز على الساحل الجنوبي لإيران ولطالما اعتمدت بكين على طهران، أقرب شركائها في المنطقة، في التصدي للنفوذ الأميركي.

لكن على الرغم من هذه المصالح الاستراتيجية، فإنه من غير المرجح أن تتدخل الصين، التي لا تتمتع بنفوذ يُذكر على إدارة ترمب، للدفاع عن إيران عسكرياً، خصوصاً إذا تدخلت الولايات المتحدة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماع مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان يوم 29 يونيو 2019 (رويترز)

وقال زاك كوبر، الزميل البارز في معهد «أميركان إنتربرايز» في واشنطن: «في الواقع، ليست لديهم القدرة على نشر قوات صينية للدفاع عن المنشآت الإيرانية، وما يفضلون فعله هو تقديم بعض الدعم المادي، وبعض الدعم المعنوي، وربما بعض المساعدات الإنسانية، بهدوء تام».

وعلى الرغم من أن الصين تُفضِّل الاستقرار في الشرق الأوسط، فإنها قد تستفيد أيضاً إذا تورطت الولايات المتحدة في حرب طويلة هناك، مما قد يُحوِّل القوات والسفن والموارد العسكرية الأميركية الأخرى بعيداً عن آسيا.

وقرار ترمب بضرب إيران سيُقدم لبكين دروساً قد تُشكل استراتيجيتها الجيوسياسية، حيث ستحاول الصين فهم نهج ترمب في السياسة الخارجية واستعداده لاستخدام القوة.

وقد تؤثر هذه النتيجة على تقييم بكين لما إذا كانت الولايات المتحدة ستدافع عن تايوان - الجزيرة المتمتعة بالحكم الذاتي والتي تدّعي بكين ملكيتها - في حال قررت الصين غزوها.

وعلى الرغم من علاقة الصين الوثيقة بإيران، فإن خطابها حول الصراع الحالي كان مدروساً بشكل لافت للنظر على أعلى المستويات.

فبعد أن دعا زعيمها شي جينبينغ، إلى وقف إطلاق النار خلال مكالمة هاتفية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يوم الخميس، لم يتضمن البيان عن المكالمة الذي أصدرته الحكومة الصينية انتقاداً صريحاً لإسرائيل لانتهاكها سيادة إيران.

وامتنع شي جينبينغ أيضاً عن حثّ الولايات المتحدة بشكل مباشر على عدم مهاجمة إيران، مكتفياً بالقول: «على المجتمع الدولي، خصوصاً القوى الكبرى ذات النفوذ الخاص على طرفَي النزاع، بذل جهود لتهدئة الوضع، لا العكس».

ولم ينتقد الزعيم الصيني إسرائيل صراحةً لانتهاكها سيادة إيران، وعندما اتصل وزير الخارجية الصيني وانغ يي، بنظيره الإسرائيلي، أعرب عن معارضة بكين الهجمات الإسرائيلية، وفقاً للبيان الصيني للمكالمة.

لكنه لم يصل إلى حدّ القول إن الصين «تدينها»، كما فعل في مكالمته مع إيران.

وفي مكالمة أخرى، مع وزير خارجية سلطنة عُمان، قال وانغ: «لا يمكننا أن نقف مكتوفي الأيدي ونشاهد الوضع الإقليمي ينزلق نحو هاوية مجهولة»، وفقاً لبيان حكومي صيني.

لكن من غير الواضح ما إذا كانت الصين قد بذلت أي جهود محددة لإيجاد حل دبلوماسي.

وعلى أي حال، من المرجح أن تشكك إسرائيل في حياد الصين بوصفها وسيطاً؛ بسبب انحيازها لإيران وتواصلها مع حركة «حماس».

وركزت جهود الصين، علناً على الأقل، على إجلاء أكثر من 1000 من مواطنيها من إسرائيل وإيران.

وقال جوليان جيويرتز، المسؤول البارز في ملف شؤون الصين في البيت الأبيض ووزارة الخارجية خلال إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن: «تسعى بكين جاهدةً لمواكبة وتيرة الأحداث المتسارعة، وتعطي الأولوية لرعاياها ومصالحها في المنطقة، بدلاً من أي نوع من المبادرات الدبلوماسية الأوسع».

وركزت مناقشات الصراع في المنتديات الإلكترونية الصينية الخاضعة لرقابة مشددة، بشكل كبير، على ضعف أداء الأجهزة العسكرية والأمنية الإيرانية، مع أن بعض المشاركين أشاروا إلى محدودية دعم الصين لإيران.

وذكر تشو تشاويي، الخبير في شؤون الشرق الأوسط بجامعة الأعمال والاقتصاد الدولية في بكين، في منشور له، أن الصين لا تستطيع توفير «حماية غير مشروطة» لإيران، ومواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل عسكرياً.

وأضاف أن بكين لا تستطيع ممارسة الضغط إلا من خلال مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والصين عضو دائم فيه.

وقال تشو: «إن الاضطرابات في الشرق الأوسط تُمثل تحدياً واختباراً للصين».

ويشبه رد فعل الصين الهادئ رد فعل شريكتها التي تُشاركها الرأي، روسيا، التي لم تُقدم سوى بيانات دعم لإيران، على الرغم من تلقيها مساعدات عسكرية كانت طهران في أمسّ الحاجة إليها في حربها في أوكرانيا، كما عدّت كل من بكين وموسكو متفرجتين العام الماضي، عندما أُطيح بشريكهما المشترك، نظام بشار الأسد، في سوريا.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جينبينغ يحضران عرضاً عسكرياً في يوم النصر إحياءً للذكرى الثمانين للانتصار على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية في الساحة الحمراء وسط موسكو... 9 مايو 2025 (رويترز)

ويثير غيابهم النسبي تساؤلات حول تماسك ما أسماه البعض في واشنطن «محور الاضطرابات»: الرباعي المكون من الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية، الذي تَوحَّد دبلوماسياً وعسكرياً حول معارضة مشتركة للنظام العالمي، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة.

ومن بين الدول الأربع، الصين وحدها هي المنخرطة بعمق في الاقتصاد العالمي، مما يعني أنها ستخسر كثيراً من جراء الاضطرابات في الشرق الأوسط، فهي تشتري تقريباً كل النفط الإيراني المُصدَّر، بأسعار مخفضة، مستخدمةً أساطيل ناقلات سرية للتهرب من العقوبات الأميركية، وتعتمد سفنها على المرور الآمن عبر مضيق هرمز لنقل مزيد من النفط من دول الخليج.

وسيُشكّل ارتفاع أسعار الطاقة مشكلةً كبيرةً أخرى لبكين، التي تحاول تحسين اقتصادها الراكد.

وإلى جانب الطاقة، تُوفر إيران للصين موطئ قدم أساسياً في الشرق الأوسط لتعزيز مصالحها ومواجهة الولايات المتحدة، التي تنشر عشرات الآلاف من قواتها في جميع أنحاء المنطقة، وعززت بكين علاقاتها مع دول الخليج للأسباب نفسها.

وكثيراً ما يذكر المحللون الصينيون أن بكين وسيط جذاب في الشرق الأوسط لأنها لن تُلقي محاضرات على الدول الأخرى حول قضايا مثل حقوق الإنسان.

الرئيس الصيني شي جينبينغ في 8 مايو 2025 بروسيا (د.ب.أ)

ويقول وين جينغ، الخبير في شؤون الشرق الأوسط بجامعة تسينغهوا في بكين: «إنها القوة الكبرى الوحيدة التي تثق بها الأطراف المتنافسة في المنطقة، والقادرة على تحقيق اختراقات تعجز عنها الولايات المتحدة».

وشعرت واشنطن بالإحباط من إحجام بكين عن الضغط على إيران لمنع الحوثيين من مهاجمة السفن قبالة سواحل اليمن، باستثناء الحالات التي تتعلق بالسفن الصينية.

وقالت باربرا ليف، مساعدة وزير الخارجية السابقة لشؤون الشرق الأدنى، إن هذا الإحجام عن الضغط على شركائها يُضعف مكانة الصين في الشرق الأوسط.


مقالات ذات صلة

واشنطن وطهران تتبادلان الهجمات في «هرمز»... وتبتعدان عن الاتفاق

شؤون إقليمية صورة جوية التقطتها طائرة من دون طيار لسفن راسية في مضيق هرمز (رويترز)

واشنطن وطهران تتبادلان الهجمات في «هرمز»... وتبتعدان عن الاتفاق

اتهمت إيران الولايات المتحدة، السبت، بانتهاك اتفاق وقف إطلاق النار القائم بين الجانبين بعد ضربات أمريكية استهدفت منشآت رادار ومراقبة ساحلية إيرانية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص صورة نشرها موقع «نور نيوز» الإيراني للقاء سابق بين خامنئي والسنوار

خاص كيف دخلت طهران إلى الملف الفلسطيني؟

من رفض عرفات عباءة الخميني إلى اجتذاب «حماس»... كيف دخلت طهران الملف الفلسطيني وصولاً إلى «طوفان السنوار»؟

غسان شربل (الرياض)
تحليل إخباري رجل أمن أمام لوحة لمحادثات إسلام آباد خارج مركز إعلامي أُقيم لتغطية المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران (أ.ب)

تحليل إخباري التصعيد يطغى على التفاوض بين واشنطن وطهران

في لحظة ركود تفاوضي، تختبر واشنطن وطهران حدود الضغط المتبادل من دون الانزلاق، حتى الآن، إلى حرب شاملة.

إيلي يوسف (واشنطن)
خاص حافظ الأسد سهل لخامنئي إحكام السيطرة على لبنان عبر «حزب الله» (أ.ف.ب) p-circle

خاص حين فتح حافظ الأسد بوابة لبنان أمام طهران

منحت دمشق طهران بوابة لبنان عبر «حزب الله»... فتفرّد بالمقاومة قبل أن يتحول إلى قوة إقليمية عابرة للحدود.

غسان شربل (الرياض)
شؤون إقليمية كرسي فارغ تعلوه صورة المرشد السابق علي خامنئي في موقع مراسم ذكرى وفاة الخميني جنوب طهران، وأدناها لوحة تضم صور قادة ومسؤولين إيرانيين قُتلوا خلال الحرب، بينما رُفعت أعلام الجمهورية الإسلامية ورايات حمراء بين الحشود المشاركة في المراسم (جماران) p-circle

خامنئي يحذّر من «حرب مركبة» تستهدف الداخل

قال المرشد الإيراني مجتبى خامنئي إن الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان إلى «زرع الشك واليأس والخوف والانقسام» داخل إيران، بعد ما وصفه بتعرضهما لـ«هزيمة» في الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)

تركيا: القبض على 361 من عناصر وكوادر «داعش» المالية

عناصر من قوات مكافحة الإرهاب التركية في أثناء مداهمة أحد مواقع عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي (الداخلية التركية)
عناصر من قوات مكافحة الإرهاب التركية في أثناء مداهمة أحد مواقع عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي (الداخلية التركية)
TT

تركيا: القبض على 361 من عناصر وكوادر «داعش» المالية

عناصر من قوات مكافحة الإرهاب التركية في أثناء مداهمة أحد مواقع عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي (الداخلية التركية)
عناصر من قوات مكافحة الإرهاب التركية في أثناء مداهمة أحد مواقع عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي (الداخلية التركية)

ألقت قوات الأمن التركية القبض على 361 من عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي في حملة موسعة شهدت مداهمات متزامنة في 39 ولاية في أنحاء البلاد. وقالت وزارة الداخلية التركية، في بيان، السبت، إن قوات مكافحة الإرهاب التابعة لمديريات الشرطة في هذه الولايات نفذت العملية، بعد التنسيق بين المديرية العامة للاستخبارات الأمنية، وإدارة مكافحة الإرهاب، وجهاز المخابرات، ومكاتب النيابة العامة.

وأضاف البيان أن الموقوفين نشطوا سابقاً في صفوف تنظيم «داعش» الإرهابي، كما قدموا له الدعم المالي، لافتاً إلى أنه تم خلال العمليات مصادرة أسلحة وذخائر غير مرخصة ووثائق تنظيمية ومواد رقمية وأصول مالية عائدة للتنظيم.

عمليات أمنية مكثفة

وشهدت الفترة الأخيرة، عمليات مكثفة ضد خلايا وعناصر تنظيم «داعش» الإرهابي استهدفت تفكيك الهيكل المالي والدعائي الذي لا يزال ينشط على الرغم من العمليات المستمرة ضده منذ مطلع عام 2017.

وفي 19 مايو (أيار) الماضي، ألقت قوات الأمن التركية القبض على 43 من عناصر «داعش» في عمليات متزامنة في 16 ولاية في أنحاء البلاد تبين قيامهم بجمع 170 ألف دولار لصالح التنظيم، غبر تطبيق «تلغرام»، وتحويلها إلى «محافظ باردة» باستخدام العملات الرقمية المشفرة.

عناصر من قوات مكافحة الإرهاب في مديرية أمن إسطنبول خلال عملية ضد عناصر داعش (الداخلية التركية)

وسبق ذلك بأسبوع واحد، القبض على 110 من عناصر التنظيم خلال حملة في إسطنبول وولايتين أخريين، لقيامهم بإعطاء دروس دينية في جمعيات غير قانونية وتربية الأطفال وفقاً لآيديولوجية «داعش»، فضلاً عن جمع الأموال لصالح المنتمين له المحتجزين في السجون والقيام بأنشطة لصالحه.

وكشفت المخابرات التركية في 23 مايو (أيار) عن القبض على 10 مطلوبين أتراك من أعضاء التنظيم بالتنسيق مع المخابرات السورية وأعادتهم إلى البلاد للبدء في محاكمتهم، لتورطهم في هجمات سابقة في تركيا، من بينهم أحد مدبري تفجير إرهابي في محطة قطار استهدف أنصار حزب «الشعوب الديمقراطية»، المؤيد للأكراد، وأعضاء في منظمات مدنية، في أنقرة في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2015 قبل شهر من انتخابات برلمانية مبكرة، ما خلف أكثر من 100 قتيل و200 مصاب، وآخر كان يرأس الوحدة المعنية بتركيا في جهاز مخابرات «داعش».

«داعش» يعاود نشاطه

وأعلن تنظيم «داعش» الإرهابي، الذي أدرجته تركيا على لائحتها للإرهاب عام 2023، أو نسب إليه، سلسلة من الهجمات على أهداف مدنية في تركيا، في الفترة بين عامي 2015 و2017، تسببت في مقتل نحو 300 شخص، وإصابة العشرات، حيث استخدم مقاتلو التنظيم الأجانب تركيا كنقطة عبور رئيسية من وإلى سوريا خلال الحرب الداخلية فيها.

وتشهد تركيا حملات أمنية منتظمة على عناصر التنظيم وخلاياه منذ هجوم إرهابي نفذه الداعشي الأوزبكي، عبد القادر مشاريبوف، المكنى «أبو محمد الخراساني» على نادي «رينا» الليلي في إسطنبول في رأس السنة عام 2017؛ ما أدى إلى مقتل 39 شخصاً، وإصابة 79 آخرين غالبيتهم أجانب.

ومنذ ذلك الحين، أطلقت أجهزة الأمن التركية عمليات مستمرة، ألقت خلالها القبض على آلاف، كما رحّلت مئات من المقاتلين الأجانب، ومنعت دخول آلاف من المشتبه بهم إلى البلاد؛ ما أدى إلى تراجع هجمات «داعش» بشكل ملحوظ.

جانب من اشتباك بين الشرطة التركية وعناصر من داعش في يالوفا غرب البلاد في ديسمبر الماضي (رويترز)

لكن التنظيم الإرهابي عاود نشاطه بعد 7 سنوات، بهجوم نفذه تنظيم «ولاية خراسان» على كنيسة «سانتا ماريا» في إسطنبول، مطلع فبراير (شباط) 2024؛ ما أسفر عن مقتل المواطن التركي تونجر جيهان (52 عاماً)، وألقت السلطات القبض على 17 من عناصر التنظيم على صلة بالهجوم.

وفي 29 ديسمبر (كانون الأول) 2025، قُتل 3 شرطيين و6 من عناصر «داعش» في اشتباكات وقعت في مدينة يالوفا، شمال غربي تركيا، أسفرت أيضاً عن إصابة 8 من رجال الشرطة وحارس أمن، وألقت السلطات القبض على أكثر من 500 من عناصر التنظيم في حملات أعقبت الحادث.

وكانت هذه الاشتباكات هي الأولى من نوعها بهذا الحجم بالنظر إلى عدد العمليات التي تنفذها قوات الأمن التركية ضد التنظيم الإرهابي منذ هجوم نادي رينا في إسطنبول.

انتشار لعناصر من القوات الخاصة بالشرطة التركية في محيط مجمع يقع به مقر القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول عقب هجوم بالقرب منه في 7 أيريل الماضي (أ.ف.ب)

وكشفت تحقيقات في هجوم وقع بالقرب من مقر القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول في 7 أبريل (نيسان) الماضي، عن ارتباط منفذيه بتنظيم «داعش»، وقتل أحد المنفذين، وأصيب آخران، بينما أصيب شرطيان بجروح طفيفة في الهجوم، الذي أعلنت وزارة الداخلية التركية، في أعقابه، توقيف 24 شخصاً لارتباطهم بـ«داعش»، من بين 198 مشتبهاً تم القبض عليهم غداة الهجوم. ودفعت هذه العمليات الإرهابية أجهزة الأمن التركية إلى تصعيد عملياتها ضد «داعش»، بشكل ملحوظ، خلال الأشهر الأخيرة.


الحرب الإقليمية إلى «صراع إرادات مفتوح»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ف.ب)
TT

الحرب الإقليمية إلى «صراع إرادات مفتوح»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ف.ب)

رغم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن إحراز «تقدم كبير»، وتأكيده الحازم بأن طهران لن تمتلك أسلحة نووية مطلقاً، فإن الوقائع على الأرض تعكس معادلة شديدة التعقيد؛ حيث تتداخل أصوات الانفجارات في مضيق هرمز مع مشاورات الخبراء النوويين في الغرف المغلقة، وسط تمسك كل طرف بشروطه القصوى التي تحول دون صياغة اتفاق نهائي حتى الآن.

وفي ظل هذا الانسداد الدبلوماسي والتمسك المتبادل بالشروط، تبدو آفاق الحل السلمي السريع بعيدة المنال؛ حيث يتحول المسار من عملية تفاوضية فنية إلى «صراع إرادات» مفتوح.

وحول مآلات هذا المأزق الشائك، يرى مايكل روبين، الباحث البارز في معهد «أميركان إنتربرايز»، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن المشهد لا يتجه نحو انفراجة قريبة، بل إلى حالة من الجمود الصارم الممزوج بالبارود.

ويقول روبين، إن «طرفي النزاع يتجهان نحو حالة من التجميد المطول للملف، تتخللها عمليات عسكرية خاطفة ومتقطعة. قد تعتقد إيران واهمة أنها تمسك بزمام المبادرة، وأن بإمكانها المناورة لكسب الوقت ونفاد المسعى الحاضر لترمب، لكن ترمب لا يُشبه أيّاً من أسلافه، كما أنه لا يأبه كثيراً لما يعتقده الكونغرس».

ويوضح روبين قائلاً: «لن أجرؤ على الركوب في سيارة واحدة مع قادة عسكريين إيرانيين، مثل علي فدوي أو محمد باقر قاليباف؛ لأن أي شخص يفعل ذلك اليوم قد يتحول بسهولة شديدة إلى أضرار جانبية لضربة أميركية دقيقة بطائرة مسيّرة».

وتؤكد هذه القراءة أن الهامش المتاح للمناورة الإيرانية بات أضيق من أي وقت مضى، وأن الإدارة الأميركية الحالية تتبنى استراتيجية «العصا الغليظة» المستعدة دائماً لتفعيل لغة الاغتيالات والضربات الجراحية لتقليم أظافر طهران الإقليمية، ما يجعل تكلفة العناد السياسي باهظة للغاية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب عقب خروجه من الطائرة الرئاسية في مطار موريستاون (أ.ف.ب)

مخاوف تكرار تجربة أوباما

وتتمحور العقبة الأساسية التي تمنع كسر هذا التجميد حول تسييل الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج، والتي تقدر بنحو 100 مليار دولار.

وتُطالب طهران بـ«ثمن اقتصادي فوري» للمضي قدماً، محددة مطالبها بالحصول على 12 مليار دولار مقدماً و24 مليار دولار خلال فترة المفاوضات الاستراتيجية (التي تمتد إلى 60 يوماً وفق مقترح التهدئة الأحدث)، وذلك لإنعاش اقتصادها المنهك، وإثبات جدوى الدبلوماسية داخلياً.

في المقابل، يجد ترمب نفسه في «حقل ألغام سياسي»؛ فالإذعان للمطالب الإيرانية بتقديم سيولة نقدية مسبقة سيضعه في مرمى انتقادات لاذعة، ويُعيد إلى الأذهان هجومه الضاري طوال سنوات على إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما التي سمحت بنقل أموال سائلة لطهران عام 2016.

ورغم رغبة ترمب في إنهاء الحرب غير الشعبية، فإن أركان إدارته، وعلى رأسهم وزير الخارجية ماركو روبيو، يصرون على عدم منح طهران أي تخفيف للعقوبات أو الإفراج عن الأصول قبل اتخاذ خطوات ملموسة وحاسمة لتفكيك مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب.

استعراض قوة

وبالتوازي مع لغة الدبلوماسية المتعثرة، لم تتوقف الآلة العسكرية عن العمل في الميدان. فقد أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) عن تنفيذ ضربات دفاعية استهدفت مواقع رادار للمراقبة الساحلية في «غوروك» وجزيرة «قشم» بإيران.

وقالت إن الضربات جاءت بعد إسقاط 4 طائرات مسيّرة إيرانية كانت موجهة نحو مضيق هرمز، وشكّلت تهديداً للملاحة المدنية. جاء هذا التصعيد بعد يومين فقط من ضربة صاروخية إيرانية دموية استهدفت مطار الكويت الدولي، وأسفرت عن مقتل مدني، في مؤشر خطير على قدرة طهران على ممارسة الضغط عبر استهداف حلفاء واشنطن.

غير أن ترمب أكد أن الضربات الأميركية السابقة نجحت في تدمير معظم مصانع المسيّرات ومواقع إطلاق الصواريخ الإيرانية، مستشهداً بأن طهران لم يعد لديها سوى 21 في المائة إلى 22 في المائة فقط من ترسانتها الصاروخية السابقة.

وتأتي هذه الأرقام لتُعزز الرؤية الأميركية القائلة بأن واشنطن قادرة على حسم المعركة «عسكرياً أو عبر اتفاق» يفرض شروطها بالكامل، وأبرزها تأمين الملاحة المطلقة في مضيق هرمز.

ستيف ‌ويتكوف ⁠و⁠جاريد ‌كوشنر (رويترز)

ويتكوف وكوشنر

على المقلب الآخر من المشهد، تظهر الجدية الأميركية في التعاطي مع الشق التقني للملف النووي تحسباً لأي اختراق تحققه الوساطات الجارية عبر باكستان وقطر.

فقد كشف موقع «أكسيوس» عن زيارة سرية قام بها مبعوثا ترمب، جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، إلى المختبر الوطني في «أوك ريدج» بولاية تينيسي، المعقل التاريخي لخبراء معالجة اليورانيوم وتكنولوجيا أجهزة الطرد المركزي في الولايات المتحدة.

الاجتماع الذي ضم نحو 100 خبير نووي يستهدف وضع خطط تنفيذية جاهزة للتعامل مع المواد النووية الإيرانية في حال التوصل إلى مذكرة تفاهم.

وتتركز النقاشات الفنية الحالية حول صياغة جداول زمنية دقيقة؛ حيث يُطالب ترمب بإنهاء عملية خفض تخصيب اليورانيوم الإيراني خلال 60 يوماً، في حين تضغط طهران لتمديد المهلة إلى 90 يوماً.

وتعكس هذه التحركات رغبة واشنطن في تجنب ثغرات الاتفاقات السابقة، وضمان التحقق الصارم من عدم قدرة طهران على العودة السريعة للتخصيب العالي إذا ما تقرر المُضي في خيار التسوية الدبلوماسية.


واشنطن وطهران تتبادلان الهجمات في «هرمز»... وتبتعدان عن الاتفاق

صورة جوية التقطتها طائرة من دون طيار لسفن راسية في مضيق هرمز (رويترز)
صورة جوية التقطتها طائرة من دون طيار لسفن راسية في مضيق هرمز (رويترز)
TT

واشنطن وطهران تتبادلان الهجمات في «هرمز»... وتبتعدان عن الاتفاق

صورة جوية التقطتها طائرة من دون طيار لسفن راسية في مضيق هرمز (رويترز)
صورة جوية التقطتها طائرة من دون طيار لسفن راسية في مضيق هرمز (رويترز)

اتهمت إيران الولايات المتحدة، السبت، بانتهاك اتفاق وقف إطلاق النار القائم بين الجانبين بعد ضربات أميركية استهدفت منشآت رادار ومراقبة ساحلية إيرانية، في تصعيد جديد تقول إيران إنه يهدد بتقويض جهود الوساطة الرامية إلى إنهاء الحرب المستمرة منذ أكثر من 3 أشهر.

وقالت وزارة الخارجية الإيرانية إن «الانتهاكات المتكررة لوقف إطلاق النار تظهر أن الولايات المتحدة لا تنوي التهدئة»، مضيفة أن الهجمات الأميركية على منشآت الرادار والمراقبة الساحلية في منطقة سيريك وجزيرة قشم تمثل «انتهاكاً فاضحاً» للهدنة.

وجاءت التصريحات الإيرانية بعد ساعات من تبادل الطرفين ضربات عسكرية قالت مصادر إيرانية وأميركية إنها وقعت، فجر السبت، في منطقة الخليج ومضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم.

هجمات متبادلة

وجاء في رواية «الحرس الثوري» الإيراني، أن 4 ناقلات نفط حاولت عبور مضيق هرمز «بشكل غير قانوني»، وبتوجيه من الجيش الأميركي ومن دون تنسيق مع السلطات الإيرانية. وأضاف أن قواته أوقفت إحدى الناقلات بعد توجيه تحذيرات، بينما عادت الناقلات الثلاث الأخرى أدراجها.

وذكر «الحرس الثوري» أن طائرات أميركية مسيرة قصفت لاحقاً برجَي اتصالات ومراقبة في جزيرة قشم ومنطقة سيريك، قبل أن ترد إيران بإطلاق صواريخ استهدفت مواقع في الكويت والبحرين.

من جانبها، قالت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» إنها اعترضت 6 صواريخ باليستية و4 طائرات مسيرة أطلقتها إيران باتجاه الكويت والبحرين ومضيق هرمز، مضيفة أن الصاروخ السابع لم يبلغ هدفه.

وأضافت «سنتكوم» أن الضربات الأميركية استهدفت مواقع رادار ومراقبة ساحلية إيرانية في جزيرة قشم ومنطقة غوروك، ووصفت العملية بأنها إجراء دفاعي يهدف إلى منع هجمات إضافية قد تهدد الملاحة البحرية.

وقالت «سنتكوم» إنه لم تقع إصابات في صفوف القوات الأميركية، كما لم تتعرض منشآت الأسطول الخامس لأضرار جراء الهجمات الإيرانية.

وفي وقت لاحق، قال الجيش الكويتي، السبت، إنه تصدى لسبعة صواريخ باليستية دخلت المجال الجوي للبلاد في الصباح ‌الباكر ومرّت فوق عدة ‌مناطق سكنية، مما أدى إلى سقوط بعض الحطام.

وتحدثت وسائل إعلام إيرانية، بينها وكالة «مهر»، عن واحدة من أعقد المواجهات العسكرية المباشرة بين البلدين خلال السنوات الأخيرة، مشيرة إلى أن القوات الإيرانية استخدمت مزيجاً من الزوارق السريعة والطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية في إطار ما وصفته بعقيدة «الحرب غير المتكافئة».

وذكرت الوكالة أن صواريخ من طرازات «قيام» أو «سجيل» أو «خيبر» ربما استخدمت في الهجمات، كما تحدثت عن إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه قطع بحرية أميركية في بحر عُمان، الأمر الذي قالت إنه دفع بعض السفن الأميركية إلى الانسحاب. ولم يتسن التحقق من هذه الروايات بشكل مستقل.

ناقلة نفط راسية بميناء الفجيرة في ظلّ تضييق الخناق على حركة الملاحة البحرية بمضيق هرمز (رويترز)

جهود الوساطة

يأتي التصعيد بينما تتواصل جهود وساطة تقودها باكستان منذ أسابيع لإحياء المفاوضات بين واشنطن وطهران والحفاظ على الهدنة التي تم التوصل إليها في الثامن من أبريل (نيسان).

وقالت مصادر أمنية ودبلوماسية باكستانية إن وزير الداخلية محسن نقوي توجه إلى طهران، السبت، لإجراء محادثات مع مسؤولين إيرانيين في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار بين الطرفين بعد تجدد الاشتباكات.

وكانت وزارة الداخلية الباكستانية قد أعلنت عقب لقاء بين نقوي ونظيره الإيراني إسكندر مؤمني على هامش اجتماع وزراء داخلية منظمة شنغهاي للتعاون أن الجانبين أكدا ضرورة مواصلة الجهود الدبلوماسية لتحقيق «سلام مستدام» في المنطقة.

وفي موازاة التصعيد العسكري، واصل مسؤولون إيرانيون إطلاق مواقف متشددة بشأن أمن الخليج ومضيق هرمز.

وقال عضو هيئة رئاسة البرلمان الإيراني علي رضا سليمي إن مضيق هرمز «جزء من الأراضي الإيرانية وليس من المياه الدولية»، مضيفاً أن البرلمان يعتزم تحويل آليات فرض السيادة الإيرانية على المضيق إلى قانون.

كما حذر محسن رضائي، مستشار المرشد الإيراني، الولايات المتحدة من العودة إلى الحرب، قائلاً إن أي استئناف للعمليات العسكرية قد يؤدي إلى توسيع رقعة الصراع من الخليج ومضيق هرمز إلى المحيط الهندي ومضيق باب المندب والبحر الأحمر والبحر المتوسط.

وأضاف في مقابلة مع شبكة «سي إن إن» أن «تكلفة المفاوضات أقل كثيراً من تكلفة الحرب»، معتبراً أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يمثل العقبة الرئيسية أمام التقدم في المسار الدبلوماسي.

من جهته، قال رئيس مجلس «تشخيص مصلحة النظام» صادق آملي لاريجاني إن أي اتفاق مستقبلي مع الولايات المتحدة يجب أن يعكس «تحولاً استراتيجياً عميقاً» على المستويين الإقليمي والدولي، بينما رأى علي أكبر ولايتي أن السلام الدائم لا يتحقق إلا عبر «توازن القوى» وليس من خلال ما وصفه بالتفاؤل الدبلوماسي غير المضمون.

«أدوات الضغط السياسي»

وفي ملف منفصل، انتقد نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية كاظم غريب آبادي الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومديرها العام رافائيل غروسي، متهماً الوكالة بتحويل التقارير الفنية المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني إلى أدوات ضغط سياسي.

وقال غريب آبادي إن الوكالة تتجاهل، بحسب تعبيره، تأثير الضربات الأميركية والإسرائيلية على المنشآت النووية الإيرانية الخاضعة للضمانات، مضيفاً أن طهران لن تقبل استخدام تداعيات تلك الهجمات كأدلة على وجود «غموض» في برنامجها النووي.

اندلعت الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في 28 فبراير (شباط)، وفق الرواية الإيرانية، وأسفرت عن آلاف القتلى وأضرار واسعة في المنطقة. وتوصل الطرفان إلى هدنة مؤقتة بوساطة باكستانية في 8 أبريل، إلا أن المفاوضات تعثرت بعد أيام.

وزادت التوترات بعد فرض واشنطن حصاراً على الموانئ الإيرانية، بما فيها الموانئ المطلة على مضيق هرمز، بينما أعلنت طهران أنها لن تسمح بمرور السفن عبر المضيق إلا بالتنسيق معها.

ويُعد مضيق هرمز ممراً حيوياً يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً؛ ما يجعل أي تصعيد عسكري فيه مصدر قلق للأسواق العالمية وإمدادات الطاقة، وسط مخاوف متزايدة من انهيار الهدنة وعودة المواجهة المفتوحة بين واشنطن وطهران.