إيران وإسرائيل نزاع «بلا حدود»... وبنك أهداف نووية وعسكرية

خامنئي يرفض الاستسلام... وترمب يترك الباب مفتوحاً لضرب طهران

يتصاعد الدخان قرب برج ميلاد بعد غارة جوية إسرائيلية على طهران اليوم (إ.ب.أ)
يتصاعد الدخان قرب برج ميلاد بعد غارة جوية إسرائيلية على طهران اليوم (إ.ب.أ)
TT

إيران وإسرائيل نزاع «بلا حدود»... وبنك أهداف نووية وعسكرية

يتصاعد الدخان قرب برج ميلاد بعد غارة جوية إسرائيلية على طهران اليوم (إ.ب.أ)
يتصاعد الدخان قرب برج ميلاد بعد غارة جوية إسرائيلية على طهران اليوم (إ.ب.أ)

رفض المرشد الإيراني علي خامنئي، الأربعاء، الدعوات الأميركية إلى الاستسلام في مواجهة الضربات الإسرائيلية العنيفة، محذراً من أن أي تدخل عسكري أميركي سيلحق بواشنطن «ضرراً لا يمكن إصلاحه». وفي الأثناء، واصلت إسرائيل عملياتها ضد مواقع صاروخية ونووية داخل إيران، معلنة تدمير «مقر جهاز الأمن الداخلي». وفي واشنطن، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن «صبره مع طهران قد نفد».

وجدد خامنئي، في ظهوره العلني الثاني منذ بدء الغارات الإسرائيلية يوم الجمعة، تحذيره لواشنطن، ساخراً من مطالبة الرئيس الأميركي طهران بـ«الاستسلام غير المشروط»، ومن تلميح ترمب إلى أن واشنطن تعرف مكانه لكنها «لا تنوي قتله حالياً».

وشدد خامنئي، في خطاب بثه التلفزيون الرسمي، على أن «الأمة الإيرانية ستصمد في وجه حرب مفروضة كما ستقاوم أي سلام مفروض»، مضيفاً أنها «لن تخضع لأي إملاءات». ووصف دعوة ترمب بأنها «مرفوضة تماماً»، مضيفاً: «على الأميركيين أن يدركوا أن أي تدخل عسكري سيُلحق بهم ضرراً لا يمكن إصلاحه»، بحسب «وكالة الصحافة الفرنسية».

صورة مركبة للرئيس الأميركي وللمرشد الإيراني (أ.ف.ب)

وصف خامنئي، البالغ 86 عاماً، تصريحات ترمب بأنها «تهديدية وسخيفة»، وكان مذيع التلفزيون الرسمي قد تلا بياناً منسوباً إلى خامنئي قبل بث الفيديو، وهو الأسلوب نفسه الذي استخدم في بيان سابق للمرشد، ربما لدواعٍ أمنية، إذ لا يعرف مكان وجوده، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

ظهر خامنئي في التسجيل جالساً داخل غرفة بستائر مغلقة، وخلفه العلم الإيراني وصورة للمرشد الإيراني الأول (الخميني) الذي خلفه في المنصب قبل 36 عاماً.

وفي وقتٍ سابق من الأربعاء، حذر المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي من أن أي تدخل أميركي سيشعل «حرباً شاملة»، مذكراً بأن آلاف الجنود الأميركيين يتمركزون في دولٍ تقع ضمن مدى الصواريخ الإيرانية. وقد توعدت واشنطن بالرد بقوة على أي هجوم.

ونشر حساب خامنئي على منصة «إكس» ليل الثلاثاء - الأربعاء، تعهداً بـ«رد قوي على الكيان الصهيوني الإرهابي»، مضيفاً أن هذا الرد سيكون «بلا رحمة»، وتزامن ذلك مع إطلاق القوات الإيرانية صواريخ باليستية فرط صوتية نحو إسرائيل.

وأحجم ترمب، الأربعاء، عن تقديم موقف حاسم حيال احتمال انخراط بلاده في الضربات الإسرائيلية ضد إيران، مكتفياً بالقول: «قد أفعل ذلك وقد لا أفعل؛ لا أحد يعلم ما سأقوم به»، لافتاً إلى أن طهران تواصلت مع واشنطن للتفاوض، لكنه شدد على أن «صبره نفد».

ولدى سؤاله الأربعاء عما قصده في منشوره الثلاثاء بشأن «استسلام غير مشروط»، قال ترمب: «بكل بساطة استسلام غير مشروط». وتابع: «يعني ذلك أن الكيل قد طفح»، وتابع: «سنفجّر كل الأشياء النووية المنتشرة هناك في كل مكان».

وسخرت بعثة إيران لدى الأمم المتحدة من ترمب في منشورات على موقع «إكس» قائلة: «إيران لا تتفاوض تحت الضغط، ولن تقبل السلام تحت الضغط، وبالتأكيد ليس مع داع للحرب ومحب للظهور».

وأضافت: «لم يتذلل أي مسؤول إيراني قط أمام أبواب البيت الأبيض. الشيء الوحيد الأكثر دناءة من أكاذيبه هو تهديده الجبان (بالقضاء) على المرشد».

وأبدى ترمب دعماً لمواصلة إسرائيل هجومها على إيران.

وكان ترمب قد صرح، الثلاثاء، بأن بلاده «قادرة بسهولة» على قتل المرشد الإيراني، في وقت تتصاعد فيه التكهنات بشأن احتمال تدخل واشنطن عسكرياً إلى جانب إسرائيل لمنع طهران من امتلاك سلاح نووي.

ونأى ترمب بنفسه في البداية عن الهجوم المفاجئ الذي اندلع الجمعة وأشعل الصراع، لكنه لمح خلال الأيام الماضية إلى دور أميركي أكبر، مؤكداً أنه يريد «شيئاً أكبر بكثير من وقفٍ لإطلاق النار». وبالتوازي، دفعت الولايات المتحدة بمزيد من الطائرات والسفن الحربية إلى المنطقة.

وزاد تباين رسائل ترمب بين تهديدات عسكرية ومبادرات دبلوماسية، من ضبابية المشهد. وذكَرت مصادر مطلعة أن الرئيس وفريقه يدرسون خيارات عدة، من بينها مشاركة إسرائيل في قصف منشآت نووية إيرانية. وتحدث ترمب هاتفياً مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الثلاثاء، ثم عقد اجتماعاً استغرق 90 دقيقة مع مجلس الأمن القومي لمناقشة التطورات.

ضربات في طهران ومحيطها

وهزت انفجارات عنيفة فجر ومساء الأربعاء مواقع عسكرية تابعة لـ«الحرس الثوري» في شرق وغرب طهران، ووقعت انفجارات ضخمة في قاعدتي خجير وبارشين، شديدتي الحساسة والمرتبطتين بصناعة الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة في «الحرس الثوري» ووزارة الدفاع الإيرانية.

وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الأربعاء، أن سلاح الجو دمر «المقر العام للأمن الداخلي» الإيراني، بعدما أفاد الجيش بأنه قصف أهدافاً عسكرية في طهران.

وقال كاتس في بيان إن «سلاح الجو دمر للتو المقر العام للأمن الداخلي للنظام الإيراني، الذراع الرئيسية للقمع لدى الديكتاتور الإيراني»، متوعداً بـ«ضرب رموز الحكم وضرب نظام آية الله في كل مكان».

يتصاعد الدخان من موقع عسكري بعد غارة جوية إسرائيلية على شرق طهران اليوم (إ.ب.أ)

وجاء ذلك بعد تأكيد الجيش الإسرائيلي تنفيذ غارات جوّية على أهداف عسكريّة في العاصمة الإيرانية. وشمل بنك الأهداف مطاراً عسكرياً في كرج، ومناطق في زنجان وشيراز وأصفهان. وقالت السلطات إنها أحبطت هجمات جوية في الأحواز الغنية بالنفط في جنوب غربي البلاد.

وهزت انفجارات عنيفة مواقع تابعة لـ«الحرس الثوري» في شرق وغرب طهران ليل الثلاثاء - الأربعاء، إذ دوت تفجيرات ضخمة داخل قاعدتي خُجير وبارشين الحساستين، والمرتبطتين بتصنيع الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة التابعة لـ«الحرس الثوري» ووزارة الدفاع الإيرانية.

وفي بيانٍ صباح الأربعاء، أعلن كاتس أن سلاح الجو «دمر المقر العام للأمن الداخلي للنظام الإيراني، الذراع الرئيسية لقمع الديكتاتور»، مشدداً على أنّ إسرائيل «ستواصل استهداف رموز الحكم ونظام ولاية الفقيه أينما كان».

وقال الجيش الإسرائيلي في وقتٍ سابق إن أحدث غاراته استهدفت منشأة لتصنيع أجهزة الطرد المركزي الخاصة بتخصيب اليورانيوم، وأخرى لإنتاج مكونات صاروخية، مؤكداً اعتراض عشرة صواريخ خلال الليل مع انحسار وتيرة الرد الإيراني. وأكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أنّ القصف أصاب منشأتين لإنتاج أجهزة الطرد المركزي داخل طهران وفي ضواحيها.

وأوضح مسؤول عسكري إسرائيلي أن 50 مقاتلة شنت ليل الثلاثاء غاراتٍ على نحو عشرين هدفاً في العاصمة، شملت مصانع مواد خام ومكنات وأنظمة تصنيع صواريخ. وأضاف الجيش أنّه ضرب أيضاً مخازن صواريخ وقاذفة جاهزة للإطلاق في غرب إيران، فيما ذكرت مواقع إيرانية أن جامعة «إمام حسين» العسكرية التابعة لـ«الحرس الثوري» بحي حكيمية شرقي طهران، تعرضت للقصف.

يتصاعد الدخان من مجمّع خُجير للصواريخ الباليستية فجر أمس (تلغرام)

وفي سياق متصل، أعلن الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، أنّ إحدى طائراته المسيّرة أُسقطت بصاروخ أرض - جو داخل الأراضي الإيرانية، في أول حادث من نوعه منذ بدء التصعيد الجمعة. وبث التلفزيون الرسمي الإيراني مشاهد لحطام في أصفهان، قال إنه يعود لمسيرة من طراز «هرمز» تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي.

ومن جانبها، ذكرت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» أن إيران نصبت منظومة رادار جديدة في مرتفعات همدان، بدلاً من موقع «سوباشي» الذي دمرته الغارات الإسرائيلية في 13 يونيو (حزيران). وأوضحت الوكالة أن الفرق الفنية أنهت تركيب النظام وأدخلته الخدمة «لرفع قدرات الكشف والتعقب»، موضحة أن التغطية الرادارية ستستأنف بدقة أكبر وترفع جاهزية الدفاع الجوي.

منذ فجر الجمعة، شن سلاح الجو الإسرائيلي موجات متلاحقة من الغارات على منشآت نووية وعسكرية داخل إيران أسفرت عن مقتل قادة بارزين وعلماء نوويين. ويقول الجيش الإسرائيلي إن ضرباته عطلت معظم منظومات الدفاع الجوي، وإنه يسيطر «بالكامل» على الأجواء الممتدة من غرب إيران حتى طهران.

وطلبت إسرائيل من سكان منطقة تقع في جنوب - غرب طهران إخلاء منازلهم، لإتاحة المجال لسلاحها الجوي لقصف منشآتٍ عسكرية هناك. وفي تطور لافت، وجهت إيران بدورها تحذيرات إلى سكان مناطق قصفتها بالصواريخ.

وأفادت وسائل إعلام إيرانية بحدوث ازدحامٍ مروري كثيف على الطرق المؤدية من العاصمة إلى المحافظات الشمالية. وأُغلقت المتاجر في طهران، بما في ذلك سوقها الكبيرة الشهيرة، بينما يصطف السكان في طوابير الوقود. وفي الأثناء، فرضت السلطات قيوداً على كمية الوقود التي يُسمح للسكان بشرائها. وأوضح وزير النفط، محسن باك نجاد، للتلفزيون الرسمي أن الإجراءات الاحترازية ترمي إلى تجنب أي نقصٍ محتمل، مؤكداً في الوقت نفسه أن تزويد المواطنين بالوقود سيستمر بلا مشكلات.

وفي سياق متصل، ذكرت وكالة «مهر» الحكومية أن اشتباكات اندلعت فجر اليوم الأربعاء بين قوات الأمن ومسلحين مجهولين في مدينة ري، جنوبي طهران. وأضافت الوكالة أن المسلحين «يعتقد أنهم مرتبطون بالموساد أو يعملون باعتبارهم جواسيس إسرائيليين»، مشيرة إلى أنهم خططوا «لتنفيذ عمليات إرهابية في مناطق مكتظّة بالسكان في العاصمة».

ارتفاع أعداد الضحايا

في إسرائيل، سُمع دوي انفجارات فوق تل أبيب، وأعلن الجيش أنّ وابلَين من الصواريخ الإيرانية أُطلقا خلال الساعتين الأُولييـن من فجر الأربعاء. وقال «الحرس الثوري» الإيراني إنه استخدم صواريخَ باليستية فرط صوتية في الهجوم.

ومع تواصل الاشتباكات تراجع معدّل إطلاق الصواريخ الإيرانية من دون توضيحٍ رسمي للأسباب، بينما استهدفت إسرائيل منصّات الإطلاق والبنية التحتية المتصلة بالمنظومة الصاروخية الإيرانية.

وأطلقت إيران، في المجمل، نحو 400 صاروخ ومئاتِ المسيرات في ضرباتٍ انتقامية أودت بحياة 24 شخصاً على الأقل وأصابت المئات داخل إسرائيل. كما صابت بعض الصواريخ مباني سكنية وسط البلاد وألحقت أضراراً جسيمة، فيما دوت صفارات الإنذار مراراً، دافعة السكان إلى الاحتماء في الملاجئ.

وبحسب «منظمة نشطاء حقوق الإنسان» (مقرها واشنطن)، قتل ما لا يقل عن 585 شخصاً، بينهم 239 مدنياً، وأُصيب أكثر من 1300. أما آخر حصيلة رسمية أعلنتها طهران فبلغت 224 قتيلاً - غالبيتهم مدنيون - و1277 مصاباً.

تخصيب اليورانيوم

وأثار احتمالُ تدخل الولايات المتحدة في الحرب هزّة عنيفة في الأسواق العالمية. وتؤكد إسرائيل أن هدفها الرئيس هو تدمير البرنامج النووي الإيراني، غير أنّ منشأة تخصيب اليورانيوم في فوردو، المشيَّدة تحت أرض جبلية، لا يمكن الوصول إليها إلا بواسطة قنابل أميركية خارقة للتحصينات.

وتقول تل أبيب إن ضرباتها تهدف إلى منع طهران من امتلاك سلاح نووي، عقب تقدم محدود أحرزته المحادثات الإيرانية - الأميركية خلال شهرين. وأوضح ترمب أن الحملة الإسرائيلية بدأت فور انقضاء مهلة 60 يوماً التي حددها لتلك المحادثات.

وكشف مصدر مطلع أن ترمب وفريقه يدرسون خيارات، من بينها مشاركة إسرائيل في توجيه ضربات إلى المواقع النووية الإيرانية. وأشار مسؤول في البيت الأبيض إلى أنّ الرئيس أجرى أمس الثلاثاء اتصالاً هاتفياً برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، كما عقد اجتماعاً امتدّ نحو تسعين دقيقة مع مجلس الأمن القومي لبحث تطورات الصراع.

ونقل ثلاثة مسؤولين أميركيين لوكالة «رويترز» أن واشنطن تعزز وجودها الجوي في الشرق الأوسط بنشر مزيد من المقاتلات وتوسيع نطاق انتشار طائرات حربية أخرى. ومع ذلك، لم تتدخل الولايات المتحدة مباشرة في القتال، بما في ذلك اعتراض الصواريخ المنطلقة نحو إسرائيل.

وحذرت إيران مراراً من أنها ستستهدف القواعد الأميركية إذا شاركت واشنطن في الحرب. وأفاد مصدر مطلع على تقارير استخباراتية بأن طهران حركت بعض منصات إطلاق الصواريخ الباليستية، إلا أنه يصعب الجزم إن كانت تستهدف القوات الأميركية أم إسرائيل.

ونقلت «رويترز» عن مصادر قريبة من دوائر المرشد الإيراني أن مقتل مستشارين عسكريين وأمنيين مقربين منه في غارات إسرائيلية أحدث ارتباكاً كبيراً في دائرته الضيقة، ورفع خطر الوقوع في أخطاء استراتيجية.

وتقول إيران منذ سنوات «سلمية» برنامجها النووي، لكنها الدولة غير النووية الوحيدة التي تخصب اليورانيوم حتى مستوى 60 في المائة، وهي خطوة تقنية تفصلها مسافة قصيرة عن مستوى 90 في المائة اللازم لصنع السلاح.

وفي هذا السياق، شدد السفير الإيراني لدى جنيف علي بحريني على أن بلاده «ستواصل إنتاج اليورانيوم المخصب بالقدر الذي تحتاج إليه لأغراض سلمية»، نافياً أي انتكاسة لبرنامج طهران النووي جراء الضربات الإسرائيلية.


مقالات ذات صلة

هدوء حذر في طهران... وبهلوي يدعو الإيرانيين للنزول إلى الشوارع مجدداً

شؤون إقليمية رضا بهلوي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بواشنطن يوم أمس (د.ب.أ)

هدوء حذر في طهران... وبهلوي يدعو الإيرانيين للنزول إلى الشوارع مجدداً

شجع رضا بهلوي، الإيرانيين على النزول إلى الشوارع مرة أخرى نهاية هذا الأسبوع، وذلك بعدما تم خنق الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد بعد مقتل أكثر من 2600 متظاهر.

شؤون إقليمية عراقجي على متن طائرة تقلّه إلى بيروت في 8 يناير الحالي (الخارجية الإيرانية)

مؤتمر ميونيخ للأمن يسحب دعوته لوزير الخارجية الإيراني

سحب مؤتمر ميونيخ للأمن الدعوة الموجهة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، على خلفية الحملة الأمنية التي شنّتها حكومة طهران على ‌الاحتجاجات.

«الشرق الأوسط» (برلين)
شؤون إقليمية محتجون يحرقون لافتة معلقة فوق جسر للمشاة في حي بونك شمال غربي طهران الجمعة (تلغرام)

تباين بشأن حصيلة قتلى الاحتجاجات الإيرانية

أسفرت موجة الاحتجاجات التي هزّت إيران في الأسابيع الأخيرة عن مقتل الآلاف، وفقاً لمنظمات حقوقية، وتشير بعض التقديرات إلى أنه قد يصل إلى 20 ألفاً.

«الشرق الأوسط» (باريس)
تحليل إخباري مظاهرة في روما الجمعة تأييداً لرضا بهلوي ابن شاه إيران الساعي للعب دور في الحراك الحالي والرغبة في العودة إلى طهران (رويترز)

تحليل إخباري كيف تقرأ باريس الأزمة الإيرانية والسيناريوهات المحتملة؟

رغم تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن خططه لتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران، ترى باريس أن جميع السيناريوهات لا تزال مفتوحة.

ميشال أبونجم (باريس)
شؤون إقليمية إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)

هدوء حذر في إيران وسط أجواء أمنية «فائقة»

تواجه إيران تشديداً أمنياً واسعاً بعد حملة اعتقالات وانتشار مكثف للقوات بطهران ومدن أخرى، في حين تراجعت الاحتجاجات إلى حد كبير بفعل القبضة الأمنية.

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران)

هدوء حذر في طهران... وبهلوي يدعو الإيرانيين للنزول إلى الشوارع مجدداً

رضا بهلوي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بواشنطن يوم أمس (د.ب.أ)
رضا بهلوي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بواشنطن يوم أمس (د.ب.أ)
TT

هدوء حذر في طهران... وبهلوي يدعو الإيرانيين للنزول إلى الشوارع مجدداً

رضا بهلوي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بواشنطن يوم أمس (د.ب.أ)
رضا بهلوي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بواشنطن يوم أمس (د.ب.أ)

شجع رضا بهلوي، نجل شاه إيران المخلوع، الإيرانيين على النزول إلى الشوارع مرة أخرى في نهاية هذا الأسبوع، وذلك بعدما تم خنق الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد بعد مقتل أكثر من 2600 متظاهر على يد قوات الأمن الإيرانية.

وفي منشور على منصة «إكس»، حث نجل شاه إيران المخلوع «مواطنيه الشجعان» على «رفع أصوات غضبهم واحتجاجهم» من السبت إلى الاثنين.

وقال في المنشور، إن «العالم يرى شجاعتكم وسيقدم دعماً أوضح وأكثر عملية لثورتكم الوطنية».

وجاءت تصريحات بهلوي بعدما عادت إيران إلى الهدوء المشوب بالحذر بعد موجة من الاحتجاجات التي أدت إلى حملة قمع دموية وتحذيرات من عمليات إعدام جماعية لآلاف المعتقلين في جميع أنحاء البلاد.

سيارات تسير في وسط العاصمة الإيرانية طهران يوم أمس الجمعة (ا.ب)

وبدأت التظاهرات في إيران في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي بإضراب لتجار بازار طهران على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية، لكنها تحوّلت إلى حركة احتجاج واسعة النطاق رُفعت فيها شعارات سياسيّة من بينها إسقاط الحُكم الممسك بمقاليد البلاد منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979.وبحسب الأرقام الصادرة عن منظمة «حقوق الإنسان في إيران» التي تتّخذ من النروج مقراً، قُتل ما لا يقلّ عن 3428 متظاهراً في الاحتجاجات. لكن المنظمة نبّهت لإمكان أن يكون عدد القتلى أكبر من ذلك بكثير.

إيرانيون يسيرون في طهران بجوار لوحة إعلانية كُتب عليها بالفارسية «اعرفني.. أنا إيران» (ا.ب)

وأفادت منظمات حقوقية بأن السلطات نفذت حملات اعتقال واسعة على خلفية التظاهرات، مع تقديرات بأن عدد الموقوفين قد يصل الى 20 ألفاً.وأفادت قناة المعارضة «إيران إنترناشونال» التي تبث من الخارج، بمقتل 12 ألف شخص على الأقل، نقلاً عن مصادر حكومية وأمنية رفيعة المستوى.

وكان ترمب توعّد إيران مراراً بتدخّل عسكري أميركي في حال قتلت محتجين، وشجّع المتظاهرين الإيرانيين على السيطرة على المؤسسات الحكومية، قائلاً إن «المساعدة في طريقها» إليهم.لكن بعد مرور أسبوعين على عرضه المساعدة لأول مرة، وبعدما قتلت القوات الإيرانية، وفق تقديرات، آلاف المتظاهرين، لم يسجّل أي تحرّك أميركي، لا بل شكر ترمب الجمعة إيران على إلغائها «كل عمليات الإعدام المقرّرة» بحق متظاهرين.


تحرك روسي لكبح التوتر الإيراني ــ الإسرائيلي

إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
TT

تحرك روسي لكبح التوتر الإيراني ــ الإسرائيلي

إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)

كثفت موسكو تحركاتها الدبلوماسية لخفض التوتر الإيراني – الإسرائيلي، بالتوازي مع تراجع المخاوف من تصعيد أميركي وشيك، وفي وقت صعَّدت السلطات الإيرانية الإجراءات الأمنية المشددة لمنع تجدد الاحتجاجات.

وأعلن الكرملين، أمس، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أجرى اتصالين هاتفيين منفصلين مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عارضاً مواصلة دور الوساطة وتكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية لمنع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة مباشرة.

جاء ذلك في وقت وصل مدير جهاز الموساد الإسرائيلي ديفيد برنياع إلى واشنطن لإجراء محادثات مع المبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف.

وشكر ترمب، الجمعة، الحكومة الإيرانية لإلغائها «كل عمليات الإعدام الـ800 المقررة الأربعاء» بحق متظاهرين.

وقال البيت الأبيض إن التحذيرات لطهران لا تزال قائمة، في حين يواصل الجيش الأميركي تعزيز جاهزيته في المنطقة تحسباً لأي تطور. وأفاد موقع «أكسيوس» عن مسؤولين إسرائيليين بأنهم يتوقعون ضربة عسكرية أميركية لإيران خلال أيام رغم إعلان تأجيلها.

ويأتي هذا في حين خفّت حدّة القلق من ضربة أميركية بعد تصريحات للرئيس ترمب أفادت بتراجع عمليات القتل المرتبطة بقمع الاحتجاجات، مع تأكيد البيت الأبيض في الوقت نفسه إبقاء «كل الخيارات على الطاولة»؛ ما أبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات متباينة بين خفض التصعيد واستمرار الضغوط.


ما هو الوضع الراهن للمنشآت النووية الرئيسية بإيران؟

مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)
مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)
TT

ما هو الوضع الراهن للمنشآت النووية الرئيسية بإيران؟

مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)
مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)

انحسرت المخاوف الإقليمية من هجوم أميركي على إيران، بعد أن قال الرئيس دونالد ترمب إن طهران أكدت له أن المحتجين لن يتم إعدامهم، وبالرغم من ذلك قال البيت الأبيض إنه يبقي «جميع خياراته على الطاولة».

ونفّذت إسرائيل والولايات المتحدة آخر الهجمات الكبيرة على إيران في يونيو (حزيران) الماضي، واستهدفت بشكل أساسي المنشآت النووية الرئيسية.

ما هي المواقع النووية التي ​قصفت؟

تعرضت 3 محطات إيرانية لتخصيب اليورانيوم للقصف، محطتان في نطنز، وثالثة داخل جبل في فوردو، إضافة إلى مجمع واسع في أصفهان يضم منشآت مرتبطة بدورة الوقود النووي، ومنطقة تحت الأرض يقول دبلوماسيون إن جزءاً كبيراً من مخزون إيران من اليورانيوم المخصب كان مخزناً فيها.

صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهر حُفَراً في منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم عقب الضربات الأميركية (أرشيفية - رويترز)

ما حجم الضرر الذي وقع؟

لم يسمح للوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي كانت تجري عمليات تفتيش منتظمة على المنشآت النووية قبل الهجوم، بما في ذلك نطنز وفوردو، بالوصول إلى تلك المواقع منذ قصفها.

مدخل منشأة فوردو في ضواحي مدينة قم (أرشيفية - أرنا)

وأجرت الوكالة عمليات تفتيش في منشآت أخرى لم تتضرر، لكن الحالة الدقيقة للمواقع التي تعرضت للقصف تبقى غير معروفة.

وفي تقريرها الفصلي عن إيران، الصادر في نوفمبر (تشرين الثاني)، قالت الوكالة إن 7 منشآت نووية معروفة «تأثرت بالهجمات العسكرية»، بينما لم تتأثر 13 منشأة أخرى. ولم توضح هذه التقارير حجم الأضرار التي لحقت بالمواقع المتضررة.

وبعد ‌القصف، قالت الوكالة ‌الدولية للطاقة الذرية إن أصغر محطات التخصيب الثلاث، وهي محطة التخصيب التجريبية للوقود في ‌نطنز الواقعة فوق ​الأرض، دمرت.

ورجحت ‌الوكالة أن تكون المنشآت الأكبر تحت الأرض في نطنز وفوردو قد تعرضت لأضرار بالغة على الأقل.

أما حجم الانتكاسة التي تعرض لها البرنامج النووي الإيراني فهو محل جدل. وبينما أكد ترمب مراراً أن المنشآت النووية الإيرانية دمرت، قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، في يونيو، إن إيران قد تستأنف تخصيب اليورانيوم على نطاق محدود خلال أشهر.

أجهزة طرد مركزي في صالة لتخصيب اليورانيوم بمنشأة «نطنز» قبل تعرضها لهجوم أميركي يونيو 2025 (المنظمة الذرية الإيرانية)

ماذا حدث لليورانيوم الإيراني المخصب؟

مصير اليورانيوم المخصب ليس واضحاً تماماً. فبعضه دمر في الغارات الجوية، لكن إيران لم تقدم بعد تقريراً إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول ما حدث لمنشآتها التي تعرضت للقصف، ومخزون اليورانيوم المخصب، وذلك بالرغم من تأكيد الوكالة على أن ذلك أمر عاجل وتأخر. ولا يمكن للوكالة الدولية للطاقة الذرية التحقق من ذلك إلا عندما تقدم إيران التقرير.

وقال غروسي، لوكالة «رويترز»، في سبتمبر (أيلول): «أعتقد أن هناك فهماً عاماً بأن المواد لا تزال موجودة بشكل عام. ولكن، بالطبع، يجب التحقق منها. وقد يكون ‌البعض منها قد فقد». ويقول دبلوماسيون إن الوضع لم يتغير كثيراً على ما يبدو منذ ذلك الحين.

وأضاف غروسي: «ليست لدينا مؤشرات تقودنا إلى الاعتقاد بحدوث نقل كبير للمواد».

صورة أرشيفية لمركز «نطنز» للأبحاث النووية الإيرانية على بُعد 270 كيلومتراً جنوب طهران (أ.ف.ب)

وكانت إيران تخصب اليورانيوم بدرجة نقاء تصل إلى 60 في المائة قبل وقوع الضربات. ويمكن بسهولة رفع نقاء هذا اليورانيوم إلى نحو 90 في المائة تقريباً، وهي الدرجة المطلوبة لصنع الأسلحة النووية.

وتقدر الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران كان لديها 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب إلى هذا المستوى عندما بدأ القصف. ويكفي هذا نظرياً، وفقاً لمقياس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لصنع 10 أسلحة نووية، في حالة رفع درجة النقاء بشكل أكبر. ولدى إيران أيضاً يورانيوم مخصب بمستويات أقل.

ولا تعلن الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن مكان تخزين إيران لتلك المواد. ​ويقول دبلوماسيون إن إحدى منشآت التخزين الرئيسية تحت الأرض في أصفهان يبدو أنها لم تتضرر، باستثناء قصف مدخل النفق المؤدي إليها.

مفتش من «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» يجري فحصاً داخل محطة «نطنز» النووية يوم 20 يناير 2014 (أرشيفية - أ.ف.ب)

ما هي المخاوف المتبقية؟

كان أحد الأسباب التي قدّمتها الولايات المتحدة وإسرائيل لتبرير القصف هو أن إيران كانت تقترب كثيراً من القدرة على إنتاج سلاح نووي. وإذا جرى تخصيب اليورانيوم إلى درجة تسمح بصنع أسلحة، يمكن استخدام اليورانيوم لصنع نواة قنبلة نووية. كما يمكن استخدامه لتغذية محطات الطاقة النووية بمستويات تخصيب مختلفة.

وتقول القوى الغربية إنه لا يوجد مبرر مدني معقول لتخصيب إيران لليورانيوم إلى هذا المستوى الانشطاري العالي. وقالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن ذلك يثير قلقاً بالغاً. ولم تقدم أي دولة أخرى على ذلك دون أن تتجه لإنتاج أسلحة نووية في نهاية المطاف.

وفي الوقت نفسه، وقبل الهجمات، قالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إنها ليس لديها أي مؤشر موثوق على وجود برنامج منسق لامتلاك أسلحة نووية في إيران، وكان هناك كثير من الجدل حول المدة التي ستستغرقها إيران لتطوير قنبلة نووية إذا قررت الاتجاه لذلك.

وتنفي طهران سعيها لامتلاك أسلحة نووية. وبصفتها طرفاً في معاهدة حظر الانتشار النووي، يحقّ لها تخصيب اليورانيوم لأغراض إنتاج الطاقة والأبحاث، ما دامت لا توجه هذه العملية نحو تطوير سلاح نووي.

منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم كما تبدو من الداخل في وسط محافظة أصفهان (رويترز)

وتمتلك إيران عدداً غير معروف من أجهزة الطرد المركزي، وهي الآلات التي يمكنها تخصيب اليورانيوم، مخزنة في مواقع غير معروفة. ولأن حجم مخزونها من اليورانيوم المخصب غير معروف الآن، فهناك خطر من أن ‌تتمكن إيران من دمج الاثنين معاً سرّاً وإنتاج يورانيوم من الدرجة التي يمكن استخدامها في صنع الأسلحة، في انتهاك لالتزاماتها بموجب معاهدة منع الانتشار النووي.

وفي الوقت الحالي، يبدو من المرجح أن عملية البحث عن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب ستستمر لبعض الوقت.