لماذا نأت أميركا بنفسها عن الهجمات الإسرائيلية ضد إيران؟

ترمب يدعو طهران إلى صفقة «قبل أن ينهار كل شيء»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض 25 مارس (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض 25 مارس (أ.ب)
TT

لماذا نأت أميركا بنفسها عن الهجمات الإسرائيلية ضد إيران؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض 25 مارس (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض 25 مارس (أ.ب)

في وقت تعمل فيه أجهزة الاستخبارات الأميركية على مسح الأضرار التي ألحقتها إسرائيل بالبرنامجين النووي والصاروخي لدى إيران، واصلت إدارة الرئيس دونالد ترمب تأكيداتها أن الولايات المتحدة لم تنخرط، ولم تقدم الدعم للعملية الإسرائيلية التي استهدفت قادة عسكريين كباراً وعلماء نوويين ومواقع عسكرية في أنحاء مختلفة من الأراضي الإيرانية.

واكتفى ترمب بتوجيه تحذير شديد اللهجة للمسؤولين الإيرانيين من مغبة مواصلة سياساتهم السابقة، متوقعاً أن تكون الهجمات الإسرائيلية اللاحقة «أكثر عنفاً». غير أن ترمب، الذي ذكّر بمهلة الأيام الـ60 التي منحها للنظام الإيراني في 12 أبريل (نيسان) الماضي، والتي انتهت فجر الجمعة في 12 يونيو (حزيران) من أجل التوصل إلى «صفقة»، حاول مع غيره من المسؤولين الأميركيين النأي بالولايات المتحدة عن العمليات العسكرية التي تنفذها إسرائيل ضد إيران.

وتُعزى هذه الاستراتيجية إلى عاملين مهمين؛ أبرزهما أن جزءاً رئيسياً من القاعدة الشعبوية لترمب تصوره «صانع سلام» يسعى إلى إنهاء «الحروب والنزاعات الأبدية» في العالم، ولا يمكن أن يفعل ذلك بالانخراط في حرب مع إيران أو أي دولة أخرى، إلا إذا دُفع إلى ذلك مُرغماً، بما في ذلك مساعدة الحليفة الرئيسية إسرائيل إذا تعرضت لخطر وجودي. والثاني أنه يريد التوصل إلى «صفقة دبلوماسية» مع إيران للتخلص من برنامجيها النووي والصاروخي، ودورها المزعزع للاستقرار في الشرق الأوسط وعبر العالم.

معرفة ترمب مسبقاً

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لدى إلقائه كلمة حول الضربات العسكرية ضد إيران 13 يونيو (أ.ف.ب)

ويعود تجنب إدارة ترمب الدخول على خط المواجهة إلى مخاوف حقيقية موجودة لدى العديد من المسؤولين لديها من احتمال إغراق الشرق الأوسط في جولة جديدة من العنف، وتبديد آمال ترمب في التوصل إلى اتفاق تفاوضي لوقف تطوير البرنامج النووي الإيراني، حتى بعد تدمير أجزاء رئيسية من مكوناته، وقتل العديد من العلماء النوويين الإيرانيين الذين يمكن أن يعملوا على صنع قنبلة نووية.

وكشف ترمب، خلال مقابلات عديدة عبر وسائل الإعلام الأميركية المختلفة، عن أنه كان على علم مسبق بخطط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لإعلان الحرب على إيران، والقيام بعمليات عسكرية واسعة النطاق لتدمير برامجها النووية والصاروخية. وعندما سألته صحيفة «وول ستريت جورنال» عما إذا كان المسؤولون الإسرائيليون أخطروا نظراءهم الأميركيين بخطط الهجوم، أجاب عبر الهاتف: «إخطار؟ لم يكن إخطاراً، وإنما كنا نعلم ما يحدث»، واصفاً الهجوم الإسرائيلي بأنه «ناجح للغاية، وهذا وصف متواضع». وقال لشبكة «إيه بي سي» إن الهجمات «كانت ممتازة. وهناك المزيد في المستقبل. المزيد والمزيد». ولعله كان يلمح بذلك إلى ما سمعه من نتنياهو في محادثتهما الهاتفية، مساء الخميس.

ورأى محللون أميركيون أن نتنياهو قرر تنفيذ الهجمات ضد إيران منذ انتخاب الرئيس ترمب، بعدما وجد في ذلك «نافذة لفرص». فرغم سعي ترمب إلى اتفاق دبلوماسي مع إيران في شأن طموحاتها النووية، بل وطلبه من نتنياهو تأجيل الضربة، بدا ترمب في بعض الأحيان أكثر استعداداً من الرئيس بايدن لقبول فكرة الهجوم. وقال المحلل في «منتدى السياسة الإسرائيلية» البحثي في نيويورك، مايكل كوبلو: «دبلوماسياً، منح انتخاب ترمب نتنياهو رئيساً مستعداً لدعم تهديد عسكري ذي صدقية». وأضاف أنه «لطالما كان تفضيل نتنياهو للتعامل مع البرنامج النووي الإيراني من خلال العمل العسكري واضحاً وضوح الشمس لسنوات، واغتنم أخيراً وجود فرصة مثالية».

القنوات الدبلوماسية

وعلى الرغم من الشكوك المحيطة بالجولة السادسة من المفاوضات النووية غير المباشرة التي كانت مقررة الأحد، في عُمان بين الوفد التفاوضي الإيراني بقيادة مبعوث البيت الأبيض إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، والفريق الإيراني بقيادة وزير الخارجية عباس عراقجي، حضّ ترمب على إبقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحة مع إيران من أجل التوصل إلى اتفاق يكون بديلاً من خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015، الذي انسحبت منه الولايات المتحدة خلال الولاية الرئاسية الأولى لترمب عام 2018. وقال إن على إيران التوصل إلى صفقة «قبل أن ينهار كل شيء»، من دون أن يوضح ما إذا كان يعني احتمال مشاركة الولايات المتحدة في العمليات العسكرية ضد إيران.

رجال الإطفاء يظهرون بموقع انفجار في مجمع سكني بعد أن هاجمت إسرائيل العاصمة الإيرانية طهران (أ.ب)

ووفقاً لمسؤولين أميركيين سابقين ومحللين، يرجح أن يُلحق الهجوم الإسرائيلي أضراراً «محدودة» بالمواقع النووية الإيرانية، التي يقع بعضها في أعماق الأرض، دون دعم أميركي لاستخدام قنابل ذات قدرة اختراق عميقة وتزويد الطائرات الإسرائيلية بالوقود.

وبذلك، كرر الرئيس ترمب الرسالة الأولية التي نقلها وزير الخارجية ماركو روبيو الذي أعلن منذ البداية أن الضربات الإسرائيلية «عمل أحادي الجانب»، مشدداً على أن الولايات المتحدة «غير منخرطة» في العمليات التي وصفتها إسرائيل بأنها «إجراء ضروري للدفاع عن نفسها». وبالتالي «يجب ألا تستهدف إيران المصالح أو الأفراد الأميركيين».

وفي حال ردت إيران، لم يتضح أيضاً ما إذا كانت الولايات المتحدة ستساعد إسرائيل في الدفاع عن نفسها، بما في ذلك عبر العمل على إسقاط أي مسيرات أو صواريخ إيرانية كما فعلت مرتين خلال عهد الرئيس السابق جو بايدن، العام الماضي. ونقلت صحيفة «الواشنطن بوست» عن مسؤول أميركي لم تسمه أن «الأمر متروك للرئيس» ترمب، في ظل تهديدات طهران المتكررة بالرد على أي هجوم بضربات مضادة تستهدف كلاً من إسرائيل والقوات والمنشآت التابعة للولايات المتحدة في كل أنحاء الشرق الأوسط.

وهذا هو الخطر الذي دفع الولايات المتحدة إلى التحرك بسرعة خلال هذا الأسبوع لتقليص وجودها في المنطقة؛ إذ أذنت وزارة الخارجية بإجلاء بعض الأفراد من العراق وأعطت وزارة الدفاع «البنتاغون» الضوء الأخضر لمغادرة أفراد عائلات العسكريين في كل أنحاء المنطقة. وأنشأت وزارة الخارجية فرقة عمل جديدة معنية بالشرق الأوسط، مصمّمة لتكون فعّالة في حال حدوث إجلاء جماعي للأفراد الأميركيين من الشرق الأوسط. ويُشير ذلك إلى أن إدارة ترمب توقعت تصعيداً كبيراً في المنطقة قد يُهدد الأميركيين.

برنامج سري؟

ومع ذلك، أفاد مسؤولون أميركيون بأن وكالات التجسس الأميركية لم تغير في الأسابيع الأخيرة تقييمها القديم بأن إيران، رغم عملها المتقدم في تخصيب اليورانيوم، لم تتحرك لتحويل هذا الجهد إلى جهاز نووي فعلي، في إشارة ثابتة إلى اختلافهم مع تقييمات كبار المسؤولين الإسرائيليين، الذين غالباً ما يتبنون وجهة نظر أكثر إثارة للقلق في شأن برنامج إيران النووي، بل استشهدوا أخيراً بمعلومات استخبارية عن برنامج إيراني سري «يمكن أن ينتج سلاحاً نووياً في غضون أشهر أو عام على الأكثر».

دونالد ترمب يتحدث إلى بنيامين نتنياهو خلال اجتماع أعلن فيه ترمب عن محادثات نووية مع إيران يوم 7 أبريل (رويترز)

ولكن المسؤولين الإسرائيليين ونظراءهم في إدارة ترمب أكدوا توافقهم على أن السبيل الوحيد لضمان عدم امتلاك إيران لسلاح نووي هو تفكيك أو تدمير قدراتها على التخصيب.

وكان ترمب يعقد آماله على تجنب الحرب من خلال التوصل إلى صفقة دبلوماسية مع إيران للحد من نشاطاتها النووية مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية القارصة التي تضغط على اقتصادها.

وأثار احتمال وقوع مواجهة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط قلق مؤيدي «فلنجعل أميركا عظيمة مجدداً» («ماغا» اختصاراً) داخل الدائرة المقربة لترمب وخارجها، والذين اصطف الكثير منهم خلف الرئيس ترمب نظراً لرسالته المناهضة للحرب. وحذر مُقدم بودكاست «ماغا» عبر منصة «إكس» جاك بوسوبيك، من أن «توجيه ضربة مباشرة لإيران الآن سيؤدي إلى انقسام كارثي في ​​تحالف ترمب»، مذكراً بأن «ترمب عارض بذكاء بدء حروب جديدة، وهذا ما صوتت عليه الولايات المتأرجحة - الانتخابات النصفية ليست بعيدة - وأكثرية الكونغرس ضئيلة للغاية. أميركا أولاً!».


مقالات ذات صلة

ضغوط في طهران للانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي

شؤون إقليمية صورة أقمار اصطناعية تُظهر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

ضغوط في طهران للانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي

صعّد مشرعون إيرانيون الدعوات إلى مراجعة عضوية طهران في معاهدة حظر الانتشار النووي، بينما أكدت وزارة الخارجية استمرار إيران في عضويتها.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية موقع سقوط صاروخ إيراني قرب بيت شيميش وسط إسرائيل - 28 مارس 2026 (أ.ف.ب)

إسرائيل ستسهم «استخبارياً» في حل أزمة مضيق هرمز

قالت مصادر إن إسرائيل لن تشارك بأي جنود على الأرض إذا نفذت الولايات المتحدة عملية برية في إيران، لكنها ستساند هذه العملية بطرق أخرى مختلفة.

كفاح زبون (رام الله)
خاص صورة نشرها التلفزيون الإيراني تُظهر اللحظات الأولى لإصابة صاروخ في مدينة ملارد جنوب محافظة فارس في أول يوم للحرب

خاص تحذيرات أميركية من افتقار ترمب إلى خطة النصر رغم «هزيمة» إيران

حذر خبراء أميركيون في مجالات الدفاع والاستخبارات من افتقار إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى خطة واضحة المعالم لتحقيق النصر، رغم «الهزيمة النكراء» للقوات الإيرانية.

علي بردى (واشنطن)
شؤون إقليمية قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني يتحدث خلال حفل أقيم في طهران، 14 أبريل 2022 (رويترز)

قاآني: الجماعات المدعومة من طهران أسهمت في «نظام جديد» بالمنطقة

أشاد قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني، إسماعيل قاآني، بجهود التنظيمات المسلحة المدعومة من طهران التي أنتجت ما وصفه بـ«النظام الجديد في المنطقة».

«الشرق الأوسط» (لندن)
تحليل إخباري ترمب برفقة روبيو وهيغسيث يجيب على وسائل الإعلام خلال اجتماع لمجلس الوزراء 26 مارس الحالي (إ.ب.أ)

تحليل إخباري من إسقاط النظام إلى النفط واليورانيوم… كيف تغيّرت أهداف ترمب في الحرب؟

بعد أكثر من شهر على اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، بدأت ملامح تحول واضح في أهداف الحرب التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

هبة القدسي (واشنطن)

نتنياهو: تجاوزنا منتصف الطريق في تحقيق أهداف الحرب


موقع سقوط صاروخ إيراني قرب بيت شيميش وسط إسرائيل يوم 28 مارس 2026 (أ.ف.ب)  وفي الإطار بنيامين نتنياهو (رويترز)
موقع سقوط صاروخ إيراني قرب بيت شيميش وسط إسرائيل يوم 28 مارس 2026 (أ.ف.ب) وفي الإطار بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

نتنياهو: تجاوزنا منتصف الطريق في تحقيق أهداف الحرب


موقع سقوط صاروخ إيراني قرب بيت شيميش وسط إسرائيل يوم 28 مارس 2026 (أ.ف.ب)  وفي الإطار بنيامين نتنياهو (رويترز)
موقع سقوط صاروخ إيراني قرب بيت شيميش وسط إسرائيل يوم 28 مارس 2026 (أ.ف.ب) وفي الإطار بنيامين نتنياهو (رويترز)

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اليوم الاثنين في مقابلة مع قناة (نيوزماكس) الأميركية إنه لا يريد «وضع جدول زمني» لإنهاء الحرب مع إيران، مضيفا «تجاوزنا منتصف الطريق في تحقيق أهداف الحرب».

دونالد ترمب يستقبل بنيامين نتنياهو في ولاية فلوريدا - 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

وأبدى رئيس الوزراء الإسرائيلي ثقته في «انهيار» الجمهورية الإسلامية الإيرانية في نهاية المطاف، مكرّرا في الوقت نفسه أن ذلك ليس هدف الحرب الأميركية الإسرائيلية على البلاد. وقال «أعتقد أن هذا النظام سينهار داخليا. لكن في الوقت الحالي، ما نفعله هو إضعاف قدراتهم العسكرية، وإضعاف قدراتهم الصاروخية، وإضعاف قدراتهم النووية، وإضعافهم من الداخل أيضا».

وجاءت التصريحات بعد مرور شهر على اندلاع الحرب التي تشنها الولايات المتحدة واسرائيل على إيران.


لجنة في البرلمان الإيراني توافق على خطط لفرض رسوم على عبور هرمز

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)
TT

لجنة في البرلمان الإيراني توافق على خطط لفرض رسوم على عبور هرمز

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)

وافقت لجنة برلمانية على خطط لفرض رسوم على السفن التي تعبر مضيق هرمز الاستراتيجي، وفق ما ذكر التلفزيون الرسمي الإيراني الاثنين.

ونقل التلفزيون الرسمي عن عضو في اللجنة الأمنية في البرلمان قوله إن الخطة تتضمن من بين أمور أخرى، «الترتيبات المالية وأنظمة تحصيل الرسوم بالريال» و«تنفيذ الدور السيادي لإيران»، بالإضافة إلى التعاون مع عُمان على الجانب الآخر من المضيق.

خريطة توضح مضيق هرمز وإيران تظهر خلف خط أنابيب نفط مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد (رويترز)

كما تضمنت «منع الأميركيين والكيان الصهيوني من المرور عبره»، وكذلك حظر دول أخرى تفرض عقوبات على إيران من الملاحة فيه.

وأدى شبه الشلل في مضيق هرمز، وهو ممر بحري رئيسي يمر عبره عادة نحو خمس الإنتاج العالمي من النفط، إلى ارتفاع حاد في أسعار المحروقات واضطراب سلاسل الإمداد.


ضغوط في طهران للانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي

صورة أقمار اصطناعية تُظهر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

ضغوط في طهران للانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي

صورة أقمار اصطناعية تُظهر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

صعّد مشرعون إيرانيون الدعوات إلى مراجعة عضوية طهران في معاهدة حظر الانتشار النووي، بينما أكدت وزارة الخارجية استمرار إيران في عضويتها رغم إقرارها بأن الملف مطروح للنقاش في البرلمان والرأي العام.

وقال علاء الدين بروجردي، عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان، إن «وقت خروج إيران من معاهدة حظر الانتشار النووي قد حان». وأضاف: «نحن لا نسعى إلى قنبلة نووية، لكن ليس من المفترض أن نلتزم بقواعد اللعبة فيما نتعرض للقصف».

واعتبر بروجردي أن عضوية إيران في المعاهدة «لم تعد ذات موضوعية» في ظل التطورات الأخيرة، وقال إن الرأي الغالب بين النواب يتجه إلى عدم وجود مبرر للاستمرار في قبول هذا المستوى من القيود المفروضة على البرنامج النووي الإيراني.

وهاجم بروجردي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، قائلاً إن تصريحاته الأخيرة أظهرت تأثره بإسرائيل والولايات المتحدة. كما انتقد آلية التفتيش التابعة للوكالة، معتبراً أن بعض عمليات التفتيش قد تفتح باب نقل معلومات حساسة عن المنشآت الإيرانية.

أعضاء البرلمان الإيراني يرددون هتافات دعماً لـ«الحرس الثوري» رداً على تصنيفه على قائمة الإرهاب في الاتحاد الأوروبي يوم 1 فبراير 2026 (رويترز)

وفي الاتجاه نفسه، قال النائب أحمد عجم، عضو لجنة الأمن القومي، إن البرلمان منح المجلس الأعلى للأمن القومي صلاحية اتخاذ القرار في شأن معاهدة حظر الانتشار النووي، نظراً إلى حساسية الملف واتصاله المباشر بالمصلحة الوطنية وبالقرارات السيادية العليا.

وأضاف عجم أن المجلس الأعلى للأمن القومي يستطيع، استناداً إلى هذا التفويض، اتخاذ القرار المناسب في ملف المعاهدة، على أن يحظى ذلك لاحقاً بمصادقة المرشد. وقال إن الخروج من المعاهدة يمكن أن يكون أحد خيارات الرد المتبادل على الضغوط والضربات.

في المقابل، حرص المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي على إبقاء الموقف الرسمي ضمن صياغة أكثر تحفظاً. وقال إن موضوع الخروج من معاهدة حظر الانتشار النووي «مطروح في البرلمان وفي الرأي العام»، واصفاً إياه بأنه «سؤال مهم وكبير».

وأضاف بقائي أن سؤال الرأي العام يتمثل في جدوى البقاء في معاهدة «تمنع فيها الدول الكبرى إيران من الاستفادة من الحقوق المنصوص عليها فيها». وقال إن المشكلة تكمن في أن طهران لا تحصل على حقوقها، بل تتعرض «للعدوان والإجحاف».

ومع ذلك، شدد بقائي على أن إيران «ما زالت عضواً» في المعاهدة و«ملتزمة بالتكاليف الواردة فيها». وقال إن طهران «لم تكن في أي وقت من الأوقات تسعى إلى السلاح النووي ولا تسعى إليه الآن»، مؤكداً تمسكها بحظر أسلحة الدمار الشامل.

الرئيس مسعود بزشكيان يترأس اجتماعاً للحكومة الاثنين في مكان غير معروف بطهران (الرئاسة الإيرانية)

وربط بقائي تصاعد الجدل حول المعاهدة بما وصفه بـ«النهج غير المنصف» للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وبـ«السلوك التخريبي» للولايات المتحدة وبعض الدول الأعضاء. وأضاف أن منشآت إيران النووية تعرضت لهجمات من دون صدور مواقف رسمية رافضة أو مدينة لذلك.

ويأتي هذا الجدل في وقت يتزايد فيه القلق المرتبط بالمنشآت النووية الإيرانية. فقد قال رئيس شركة «روس آتوم» الروسية أليكسي ليخاتشيف إن الوضع في محطة بوشهر النووية «يتدهور»، وإن الهجمات القريبة منها تشكل تهديداً مباشراً للسلامة النووية.

وأعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران أبلغتها بوقوع هجوم جديد قرب بوشهر، هو الثالث خلال عشرة أيام، من دون تسجيل أضرار في المفاعل أو أي تسرب إشعاعي. كما دعت الخارجية الروسية إلى «إدانة قاطعة وحازمة» للهجوم، مطالبة بوقف الضربات فوراً.

وذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يدرس شن عملية عسكرية لاستخراج ما يقرب من ألف رطل من اليورانيوم من إيران، في مهمة معقدة ومحفوفة بالمخاطر قد تتطلب بقاء قوات أميركية داخل الأراضي الإيرانية لعدة أيام أو أكثر، وفق مسؤولين أميركيين.

وقالت الصحيفة إن ترمب لم يتخذ قراراً بعد، لكنه لا يزال منفتحاً على الفكرة، إذ يعدّها وسيلة محتملة لتحقيق هدفه الأساسي بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي. وأضافت أن الرئيس شجع مستشاريه على الضغط على طهران لتسليم هذه المواد كشرط لإنهاء الحرب، وبحث أيضاً خيار الاستيلاء عليها بالقوة إذا لم توافق إيران على التخلي عنها عبر التفاوض.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أن ترمب يوازن بين هذا الخيار وبين المخاطر التي قد تتعرض لها القوات الأميركية، في وقت أكد فيه للصحافيين أن إيران إما أن تفعل ما تطلبه الولايات المتحدة أو «لن يكون لها وطن»، مضيفاً في إشارة إلى اليورانيوم الإيراني: «سوف يعطوننا غباراً نووياً».

وبحسب التقرير، كان يُعتقد قبل الضربات الأميركية - الإسرائيلية العام الماضي أن إيران تمتلك أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 60 في المائة، إضافة إلى نحو 200 كيلوغرام من المواد الانشطارية بنسبة 20 في المائة، وهي كميات يمكن تحويلها بسهولة نسبية إلى يورانيوم صالح للاستخدام في السلاح. ونقلت الصحيفة عن المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي قوله إن هذه المواد موجودة أساساً في موقعين من أصل ثلاثة تعرضت لهجمات في يونيو (حزيران)، هما نفق تحت الأرض في مجمع أصفهان النووي ومخبأ في نطنز.

صورة أقمار اصطناعية تُظهر مفاعل بو شهر النووي (أ.ب)

وأشارت الصحيفة إلى أن مسؤولين وخبراء عسكريين سابقين حذروا من أن أي عملية لانتزاع اليورانيوم بالقوة ستكون من أكثر العمليات صعوبة، وقد تطيل الحرب إلى ما بعد الإطار الزمني الذي طرحه فريق ترمب علناً، والبالغ بين أربعة وستة أسابيع. وقالت إن القوات الأميركية ستحتاج إلى التحرك جواً تحت خطر الصواريخ أرض - جو والطائرات المسيّرة الإيرانية، ثم تأمين المواقع لإفساح المجال أمام مهندسين ومعدات حفر للتعامل مع الأنقاض والألغام والعبوات المفخخة.

وأضافت أن استخراج اليورانيوم سيتطلب على الأرجح فريقاً نخبوياً من العمليات الخاصة مدرباً على التعامل مع المواد المشعة في مناطق النزاع، وأن هذه المواد قد تكون محفوظة في 40 إلى 50 أسطوانة خاصة تحتاج إلى حاويات نقل آمنة، بما قد يملأ عدة شاحنات. كما نقلت عن مسؤولين أميركيين أن البنتاغون يمتلك بالفعل كثيراً من القدرات اللازمة في المنطقة، ويدرس نشر عشرة آلاف جندي إضافي لمنح الرئيس خيارات أوسع، إلى جانب إمكان استخدام وحدات من مشاة البحرية والمظليين للاستيلاء على مواقع استراتيجية إذا صدر الأمر.