الجيش الإيراني و«الحرس» يتوعدان برد حاسم على أي عدوان

تعقيباً على تقارير عن احتمال ضربة إسرائيلية للمنشآت النووية

إيرانية تتابع الصحف في طهران خلال اليوم التالي لانتهاء الجولة الخامسة من المفاوضات النووية (إ.ب.أ)
إيرانية تتابع الصحف في طهران خلال اليوم التالي لانتهاء الجولة الخامسة من المفاوضات النووية (إ.ب.أ)
TT

الجيش الإيراني و«الحرس» يتوعدان برد حاسم على أي عدوان

إيرانية تتابع الصحف في طهران خلال اليوم التالي لانتهاء الجولة الخامسة من المفاوضات النووية (إ.ب.أ)
إيرانية تتابع الصحف في طهران خلال اليوم التالي لانتهاء الجولة الخامسة من المفاوضات النووية (إ.ب.أ)

حذّر كل من الجيش الإيراني والقوة الموازية (الحرس الثوري)، في بيانين منفصلين، من أي تحرك عسكري ضد إيران، وذلك تزامناً مع الذكرى السنوية لاستعادة إيران مدينة المحمرة في جنوب غربي البلاد خلال حرب الثمانينات.

وجاءت هذه التحذيرات وسط تقارير متزايدة في الأيام الأخيرة عن احتمال شن إسرائيل هجوماً على المنشآت النووية الإيرانية، وهو ما أثار ردود فعل غاضبة من كبار المسؤولين في طهران.

وقال «الحرس الثوري»، في بيانه إن «(الحرس) يضع يده على الزناد»، مهدداً برد «حاسم، مفجع، وخارج نطاق توقعات العدو» في حال وقوع أي «عمل عدائي». وأشار البيان إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل «أبرز خصوم إيران»، مضيفاً أن أي عدوان سيُقابل برد يُغيّر «المعادلات الاستراتيجية للقوة» في منطقة غرب آسيا.

كما جاء في بيان الجيش الإيراني، الصادر السبت، أن قواته «مستعدة حتى آخر قطرة دم، وبالتعاون مع باقي القوات المسلحة، للدفاع عن وحدة أراضي إيران واستقلالها وأمنها». وأضاف البيان: «نحيي هذه الذكرى في وقتٍ يسعى فيه أعداء النظام، عبر مؤامرات ومكائد متنوّعة، إلى إضعاف أسس الجمهورية الإسلامية والنيل منها».

تفاوض من موقع القوة

عراقجي والبوسعيدي في السفارة العمانية بروما 23 مايو 2025 (الخارجية الإيرانية)

من جانبه، قال فريدون عباسي، الرئيس السابق لمنظمة الطاقة الذرية الإيرانية، يوم السبت، لوكالة أنباء «إيسنا» الإيرانية: «إذا أردنا أن تنتهي المفاوضات لصالحنا، فيجب أن نواجه الأميركيين من موقع القوة، وأن تكون يد القوات المسلحة خلال عملية المفاوضات، على الزناد، حتى إذا ارتكب العدو أي خطأ يتلقّى رداً قاتلاً».

وأشار عباسي إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل لديهما مشكلة ليس مع البرنامج النووي فحسب بل مع النظام الإيراني نفسه، قائلاً: «ما دام هناك طمع من الغربيين فلن تنجح المفاوضات» النووية. وتابع: «اليوم، الأسلحة النووية ليس لها دور في العالم، ولا تُفيد في الأمن. امتلاكها -مثل الهند وباكستان- يمكن أن يحقق توازناً، كما هي الحال مع روسيا والصين في مواجهة أميركا وبريطانيا وفرنسا. يجب أن يكون للعالم الإسلامي قوته الخاصة لمواجهة الغرب المتغطرس».

وكان عباسي قد قال أيضاً إن: «المشكلة الأساسية للغربيين معنا هي حول أسس الثورة الإسلامية، وليس نسبة التخصيب، وبما أن هذا الخلاف لم يُحل، فمن غير المرجح أن تنجح المفاوضات».

وأطلقت إيران تحذيرات لواشنطن وتل أبيب من أي عمل عسكري يستهدف منشآتها النووية، في وقت يترنّح فيه المسار الدبلوماسي، في ظل تشبث الطرفين، الإيراني والأميركي، بـ«الخطوط الحمراء». وقال «الحرس الثوري» إن إسرائيل ستتعرض «لرد مدمر وحاسم» إذا هاجمت إيران؛ وذلك تعقيباً على معلومات استخباراتية أميركية.

كما قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إن الولايات المتحدة ستتحمل المسؤولية القانونية في حالة شن إسرائيل هجوماً على منشآت نووية إيرانية. جاء ذلك عشية انعقاد الجولة الخامسة من المفاوضات الإيرانية - الأميركية، في العاصمة الإيطالية روما بوساطة عُمانية يوم الجمعة.

وكشفت معلومات استخباراتية أميركية أن إسرائيل تُسرّع من استعداداتها لهجوم محتمَل على المنشآت النووية الإيرانية، في وقتٍ تسعى فيه إدارة دونالد ترمب للتوصل إلى اتفاق دبلوماسي. ونقلت شبكة «سي إن إن» عن مسؤولين أميركيين أن القرار الإسرائيلي لم يُحسم بعدُ، مع وجود انقسام في واشنطن حول نيات تل أبيب. وأكد مصدر مطّلع أن احتمالية الضربة «ارتفعت بشكل كبير» مؤخراً، خاصة إذا فشل الاتفاق المحتمل في نزع برنامج إيران لتخصيب اليورانيوم بالكامل.

الاستعدادات الإسرائيلية

مقاتلة إسرائيلية تُغادر للمشاركة في الهجوم على إيران 26 أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

وأكّدت مصادر إسرائيلية مطّلعة على المحادثات، لموقع «أكسيوس»، المعلومات، قائلة إن إسرائيل تُجري استعدادات لتوجيه ضربة سريعة إلى المنشآت النووية الإيرانية، في حال فشلت المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.

وقال مسؤول إسرائيلي إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عقد مؤخراً اجتماعاً بالغ الحساسية مع عدد من كبار الوزراء ومسؤولي الأمن والاستخبارات؛ لمناقشة مستجدات المحادثات النووية. ويصرّ نتنياهو على تفكيك البرنامج النووي الإيراني بالكامل، مؤكداً التزامه بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي.

وأفاد موقع «أكسيوس» الإخباري المقرَّب من إسرائيل، نقلاً عن مصدرين، بأن الجيش الإسرائيلي أجرى تدريبات واستعدادات أخرى لضربة محتملة في إيران. وأضاف أحدهما: «كان هناك كثير من التدريبات، والجيش الأميركي يرى كل شيء، ويدرك أن إسرائيل تستعد».

وقالت المصادر إن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي «غيَّر تقييمه، في الأيام القليلة الماضية، من اعتقاد أن التوصل إلى اتفاق نووي بات قريباً، إلى اعتقاد أن المحادثات قد تنهار قريباً».

نقاط خلاف أساسية

إسلامي يشرح لبزشكيان أمام نماذج من أجهزة الطرد المركزي في معرض للبرنامج النووي (الرئاسة الإيرانية)

وغادر وفدا البلدين روما من دون إحراز تقدم ملحوظ، لكنهما أبديا استعدادهما لإجراء مباحثات جديدة. وظلّت نقاط الخلاف مستمرة حول الملف النووي الإيراني، أهمها مسألة تخصيب اليورانيوم، وفق ما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتشتبه الدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل، في نية طهران امتلاك سلاح نووي، لكن طهران تنفي أي طموحات نووية عسكرية.

وتقول الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن إيران تُخصب اليورانيوم حالياً بنسبة 60 في المائة، متجاوزة إلى حد بعيد سقف الـ3.67 في المائة الذي نص عليه اتفاق 2015 النووي مع القوى الغربية الكبرى، والذي انسحبت منه واشنطن في 2018. ورداً على الخطوة الأميركية أعلنت إيران أنها غير ملزمة بعد اليوم بمضمون الاتفاق. وتؤكد إيران أن قضية التخصيب «خط أحمر» بالنسبة إليها. ومن نقاط الخلاف الأخرى، المواقف المتناقضة، إذ تصر طهران على أن تنحصر المحادثات في المسألة النووية ورفع العقوبات عنها، جاعلة من ذلك مبدأ غير قابل للتفاوض. وفي 2018، عدّ الانسحاب الأميركي من الاتفاق الدولي حول النووي مدفوعاً في شكل جزئي بعدم وجود إجراءات ضد برنامج إيران الباليستي، الذي ينظر إليه بوصفه تهديداً لإسرائيل حليفة واشنطن.

وفي أبريل (نيسان)، دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الولايات المتحدة إلى بلوغ اتفاق يحرم في الوقت نفسه إيران من أي قدرة على تخصيب اليورانيوم وتطوير صواريخ. واستبق محللون الأمر بالقول إن هذا الموضوع مطروح على جدول أعمال المباحثات، وكذلك دعم إيران لما يُسمى «محور المقاومة»، الذي يضم تنظيمات مسلحة معادية لإسرائيل، أبرزها «حزب الله» في لبنان، وحركة «حماس» في غزة، والمتمردون الحوثيون في اليمن.

ولا تخفي إيران استياءها من مطالب «غير عقلانية» من جانب الولايات المتحدة، فضلاً عن شكواها من مواقف متناقضة لدى المسؤولين الأميركيين.

ومن نقاط الخلاف أيضاً، مسألة العقوبات، إذ تُندد إيران بموقف واشنطن «العدائي»، بعدما فرضت عقوبات جديدة عليها قبل العديد من جولات التفاوض. وفي هذا السياق، استهدفت الخارجية الأميركية يوم الأربعاء قطاع البناء، بحجة أن بعض المواد تستخدمها إيران في برامجها النووية والعسكرية والباليستية.


مقالات ذات صلة

«الذرية الدولية» ترصد نشاطاً في «جبل الفأس»

شؤون إقليمية مداخل أنفاق في «جبل الفأس» قرب منشأة نطنز النووية بإيران 30 يونيو الماصي (رويترز - فانتور) p-circle

«الذرية الدولية» ترصد نشاطاً في «جبل الفأس»

قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي إن صوراً التُقطت عن بعد أظهرت مؤشرات إلى تحركات جديدة في «جبل الفأس».

«الشرق الأوسط» (لندن - فيينا)
شؤون إقليمية نتنياهو يتحدث مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير في 3 مارس 2026 (د.ب.أ) p-circle

نتنياهو: إسقاط النظام الإيراني «في المتناول»

جدد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الخميس، تحذيره لإيران لليوم الثاني على التوالي، وقال إن الضغوط الاقتصادية الأميركية قد تدفع طهران إلى «خطوات تصعيدية».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس يونيو 2024 (أرشيفية - د.ب.أ)

كاتس يهدد بالرد بـ«قوة كبيرة» على أي هجوم إيراني  

توعّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إيران الأربعاء بأن الدولة العبرية مستعدة للرد «بقوة كبيرة» على أي هجوم قد تشنّه عليها

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يحضر جلسة لـ«الكنيست» في القدس الشهر الماضي (أ.ف.ب)

شكوك إسرائيلية في محاولة إيران اغتيال نجل نتنياهو

على الرغم من أن نجل نتنياهو أُجلي سريعاً من أميركا إلى إسرائيل بسبب «تهديد كبير» باغتياله، شككت جهات أمنية إسرائيلية في هذه الرواية وأثارت تساؤلات بشأنها.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية أشخاص يسيرون بجانب مجسم رمزي لصاروخ إيراني بأحد شوارع طهران في مشهد يعكس تصاعد الخطاب العسكري والتعبئة الداخلية بالتزامن مع المفاوضات الجارية حول اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن لإنهاء الحرب (رويترز)

بعد 6 أشهر… الصراع مع إيران يؤول إلى جمود مكلف

آلت الحرب مع إيران، بعد ستة أشهر، إلى حالة جمود مكلفة. فبعد ستة أشهر على الهجوم الذي شنته القوات الأميركية والإسرائيلية على إيران وأسفر عن مقتل المرشد الإيراني.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«الخارجية الأميركية» تؤكد طرد عضوين من الوفد الإيراني إلى الأمم المتحدة

عباس عراقجي يغادر المنصة بعد حديثه إلى وسائل الإعلام خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)
عباس عراقجي يغادر المنصة بعد حديثه إلى وسائل الإعلام خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)
TT

«الخارجية الأميركية» تؤكد طرد عضوين من الوفد الإيراني إلى الأمم المتحدة

عباس عراقجي يغادر المنصة بعد حديثه إلى وسائل الإعلام خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)
عباس عراقجي يغادر المنصة بعد حديثه إلى وسائل الإعلام خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)

أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، السبت، أن الولايات المتحدة «طردت" عضوين من الوفد الإيراني الذي شارك في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤخرا بعد تجاهلهما أمرا بمغادرة البلاد.

وقال مسؤول أميركي، إن «عضوين إضافيين من الوفد الإيراني تبين أنهما لا يزالان موجودين في نيويورك بعد فترة طويلة من انتهاء أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة. الآن تم طردهما من الولايات المتحدة»، مشيراً إلى أن وزير الخارجية ماركو روبيو «جاد في ما يقول».

وبحسب وكالة الصحافة الفرنسية، ذكرت وسائل إعلام أميركية أن الخارجية كانت قد طلبت من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ووفده مغادرة البلاد الاثنين، ولجأت إلى طرد العضوين المذكورين بعد أن علمت من البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة بأنهما لا يزالان في البلاد الجمعة.

ووفقا لموقع «أكسيوس»، غادر أحد عضوي الوفد ليل الجمعة، بينما غادر الثاني صباح السبت.

وكان مسؤولون أميركيون وإيرانيون قد التقوا في نيويورك الأسبوع الماضي على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد رفض مقترحا من طهران لإعادة فتح مضيق هرمز في سبعة أيام، لكنه صرح لوسائل إعلام أميركية بأنه يتوقع استئناف المحادثات خلال الأيام المقبلة.

في المقابل، أفادت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا) بأنه لا توجد محادثات مباشرة أخرى مقررة بين طهران وواشنطن.


ترمب يدرس العودة إلى «العمليات الكبرى»

ناقلة نفط هندية بعد عبور مضيق هرمز في محطة تفريغ بالهند (رويترز)
ناقلة نفط هندية بعد عبور مضيق هرمز في محطة تفريغ بالهند (رويترز)
TT

ترمب يدرس العودة إلى «العمليات الكبرى»

ناقلة نفط هندية بعد عبور مضيق هرمز في محطة تفريغ بالهند (رويترز)
ناقلة نفط هندية بعد عبور مضيق هرمز في محطة تفريغ بالهند (رويترز)

في وقت تتصاعد فيه التهديدات الأميركية لإيران وتتعثر الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب، تكثّف إدارة الرئيس دونالد ترمب مشاوراتها بشأن المرحلة المقبلة، وسط مؤشرات على تصاعد فرص الخيار العسكري.

وفي ظل هذه الأجواء، طلب الرئيس ترمب من كبار مسؤولي إدارته دراسة فرص العودة إلى «العمليات الكبرى»، ملوّحاً باستمرار الأعمال القتالية إذا لم تتوصل طهران إلى اتفاق مع واشنطن.

ونقل موقع «أكسيوس» عن ثلاثة مسؤولين أميركيين أن كبار المسؤولين عقدوا اجتماعاً سرياً في كامب ديفيد استمر ساعات، لبحث الخطوات المقبلة في الحرب مع إيران، تحسباً لمرحلة جديدة من المواجهة. وأوضح الموقع الإخباري أن نائب الرئيس جي دي فانس ترأس الاجتماع الذي شارك فيه وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، ومبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين.

وقال أحد المسؤولين للموقع إن «بعض الأمور قد حُسم في هذا الاجتماع، والبعض الآخر نوقش بعمق».


إيران تحت ضغط الحرب والعقوبات... اعتقالات وانهيار للريال

مسيّرة إيرانية معروضة بجوار لوحة تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)
مسيّرة إيرانية معروضة بجوار لوحة تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)
TT

إيران تحت ضغط الحرب والعقوبات... اعتقالات وانهيار للريال

مسيّرة إيرانية معروضة بجوار لوحة تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)
مسيّرة إيرانية معروضة بجوار لوحة تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)

تتزايد الضغوط على إيران مع استمرار الحرب، والعقوبات الأميركية، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، في وقت تكثف فيه السلطات حملاتها الأمنية ضد من تتهمهم بالارتباط بالولايات المتحدة، وإسرائيل، أو المشاركة في أعمال احتجاجية. وأعلنت طهران يوم السبت تفكيك أربع شبكات، واعتقال 31 شخصاً في محافظة كرمان، بالتزامن مع إعلان القضاء تنفيذ حكم إعدام بحق رجل اعتُقل على خلفية احتجاجات يناير (كانون الثاني). وفي موازاة ذلك، واصل الريال الإيراني تراجعه ليسجل مستوى قياسياً جديداً، مع تجاوز سعر اليورو ثلاثة ملايين ريال في السوق المفتوحة.

تفكيك 4 شبكات واعتقال 31 شخصاً

أعلنت وزارة الأمن الإيرانية تفكيك أربع شبكات منظمة، واعتقال 31 شخصاً في مدينة سيرجان بمحافظة كرمان جنوب شرقي البلاد، متهمة أفرادها بالارتباط بجهات «أميركية - صهيونية» والتخطيط لأعمال تستهدف الأمن، والممتلكات العامة، والخاصة.

وقالت الوزارة إن العملية استندت إلى بلاغات من المواطنين، ومعلومات استخباراتية، وإن التحقيقات كشفت، وفق روايتها، عن خطط لإثارة اضطرابات، وتنفيذ أعمال تخريبية في الشوارع. وأضافت أن المجموعات كانت تستعد لتصنيع كميات كبيرة من زجاجات «المولوتوف»، وأدوات تستهدف كاميرات المراقبة في المدينة، وفق ما ذكرت وكالة «تسنيم».

واتهمت الوزارة المعتقلين بالمشاركة في أعمال عنف وتخريب خلال الاضطرابات التي شهدتها البلاد في يناير، بينها إحراق مبنى المحافظة، وإلحاق أضرار بالبنوك، والمؤسسات الحكومية، والممتلكات العامة، والخاصة، فضلاً عن مهاجمة مركز للشرطة في محاولة، بحسب الرواية الرسمية، للاستيلاء على أسلحة.

ولم تقدم السلطات الإيرانية تفاصيل مستقلة عن هوية المعتقلين، أو الإجراءات القضائية بحقهم، فيما تأتي الاعتقالات في سياق أمني مشدد منذ الاحتجاجات التي اندلعت أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2025 على خلفية الأوضاع الاقتصادية، قبل أن تتسع لتشمل مطالب سياسية.

إعدام مشارك في احتجاجات يناير

شهدت ⁠إيران عدداً كبيراً من عمليات إعدام المدانين بالمشاركة في الاحتجاجات الشعبية (أرشيفية)

وفي تطور منفصل، أعلنت السلطة القضائية الإيرانية تنفيذ حكم الإعدام بحق سياوش جمشيدي خير آبادي، الذي اعتُقل خلال احتجاجات يناير، بعد إدانته بإطلاق النار على الشرطة، وارتكاب جرائم مرتبطة بالأمن القومي.

وقالت السلطة القضائية إن جمشيدي أطلق ثلاث رصاصات على الأقل باتجاه أفراد الشرطة في الثامن من يناير، وإنه اعتُقل بعد يومين في مدينة شهركرد، وكان بحوزته مسدس. كما اتهمته بالتواصل عبر الإنترنت مع أشخاص لتنظيم أنشطة وصفتها بأنها «مناهضة للأمن»، والسعي للحصول على أموال مقابل تنفيذ «مهمة».

وتقول السلطات الإيرانية إن الاحتجاجات التي بدأت في 28 ديسمبر بسبب الصعوبات الاقتصادية تحولت إلى مظاهرات واسعة طالبت بإنهاء حكم المؤسسة الدينية. كما اتهمت جماعات مسلحة وعناصر مدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل بالمشاركة في الاحتجاجات، وبعض أعمال العنف.

ويأتي إعلان الإعدام وسط انتقادات دولية متزايدة لأحكام الإعدام المرتبطة بالاحتجاجات. وأفادت تقارير بأن عشرات الدول أعربت في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة هذا الأسبوع عن قلقها من تنفيذ أحكام إعدام بحق محتجين، ودعت إلى وقفها.

الريال يتجاوز حاجز 3 ملايين لليورو

صراف يحمل أوراقاً نقدية من الريال الإيراني في طهران يوم 17 أغسطس 2026 (رويترز)

وفي الجانب الاقتصادي واصل الريال الإيراني هبوطه الحاد في السوق المفتوحة، متجاوزاً للمرة الأولى حاجز ثلاثة ملايين ريال مقابل اليورو.

وبلغ سعر اليورو نحو 3.015 مليون ريال في تعاملات يوم السبت، وفق بيانات سوق الصرف المفتوحة، في وقت اقترب فيه الدولار من 2.7 مليون ريال. وكانت قيمة الدولار قد ارتفعت بأكثر من 8 في المائة خلال أقل من أسبوع، وفق بيانات منشورة عن السوق.

ويأتي هذا الانخفاض في وقت تتزايد فيه الضغوط على الاقتصاد الإيراني نتيجة العقوبات، والقيود المفروضة على صادرات النفط، وتكاليف الحرب. وتشير بيانات اقتصادية حديثة إلى أن أسعار المستهلكين ارتفعت في سبتمبر (أيلول) بنسبة 89.8 في المائة مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، بينما بلغ متوسط التضخم خلال الأشهر الـ12 السابقة 73.6 في المائة.

ويؤدي تراجع العملة إلى زيادة كلفة السلع المستوردة، والمواد الخام، والأدوية، والآلات، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع المحلية، ويزيد تآكل القوة الشرائية للأسر، والشركات.

الحرب تضاعف الضغوط الاقتصادية

إيرانيون يتسوقون في بازار تجريش شمال طهران (إ.ب.أ)

وتبدو تداعيات انهيار الريال أكثر وضوحاً في أسعار المواد الغذائية، التي يقول سكان في طهران إنها شهدت ارتفاعات كبيرة خلال الأشهر الأخيرة.

ووفق الأرقام الواردة في التقرير، تضاعف سعر رغيف الخبز من نحو 250 ألف ريال إلى 500 ألف ريال، فيما صعد سعر كيلوغرام الأرز من 3.5 مليون ريال إلى نحو 5.5 مليون ريال. وأصبح شراء اللحوم أكثر صعوبة بالنسبة إلى عدد متزايد من الأسر.

ويضاف إلى ذلك تراجع قيمة الدخول الحقيقية، مع ارتفاع تكاليف المعيشة بوتيرة تفوق قدرة كثير من الأسر على مواكبتها، ما يجعل الأزمة الاقتصادية أحد العوامل الرئيسة التي تزيد الضغط الاجتماعي في البلاد.

وتتزامن الأزمة النقدية مع استمرار الضغوط الخارجية على إيران. فبعد إغلاق طهران مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، فرضت الولايات المتحدة حصاراً على الموانئ الإيرانية بهدف زيادة الضغط الاقتصادي، بينما تراجعت تجارة النفط الإيرانية بصورة حادة.

كما فرضت واشنطن عقوبات إضافية على جهات تقول إنها تدعم إيران، من بينها بنوك، وشركات طيران، في إطار سياسة تهدف إلى تقليص قدرة طهران على الوصول إلى العملات الأجنبية، ومصادر الدخل.

وبذلك تواجه إيران ضغوطاً متزامنة على ثلاثة مستويات: أمني وسياسي بفعل استمرار الملاحقات المرتبطة بالاحتجاجات، واقتصادي نتيجة انهيار العملة وارتفاع الأسعار، وخارجي نتيجة الحرب، والعقوبات، والقيود على صادرات النفط. وتزيد هذه العوامل مجتمعة من صعوبة احتواء التداعيات الاجتماعية للأزمة في الداخل.