إسرائيل تقطع أوصال الضفة... والفلسطينيون عالقون بين حاجزين وبوابة

إذلال يومي وانتظار طويل قد ينتهي بالقتل

TT

إسرائيل تقطع أوصال الضفة... والفلسطينيون عالقون بين حاجزين وبوابة

الجيش الإسرائيلي يقيم بوابة حديدية على الطريق 465 قرب رام الله (أ.ف.ب)
الجيش الإسرائيلي يقيم بوابة حديدية على الطريق 465 قرب رام الله (أ.ف.ب)

«المدخل الشمالي لمدينة البيرة مغلق بالاتجاهين. بوابة عطارة بيرزيت مغلقة بالاتجاهين. بوابات عطارة البلد أزمة وتفتيش للخارج. مدخل روابي سالك. عين سينيا سالكة. يبرود سلواد أزمة وتفتيش. الجلزون سالك. كفر عقب كثافة سير. قلنديا أزمة للخارج. العيزرية كثافة سير وشرطة باتجاه الجنوب، حاجز الكونتينر أزمة وتفتيش باتجاه الجنوب. رأس الجورة مغلقة. بوابة الفحص مغلقة. النشاش سالك. بوابة سعير مغلقة. بوابات العروب مغلقة. بوابة دورا مغلقة. المدخل الشمالي لسلفيت مغلق. بوابة بروقين مغلقة. الفندق سالك. حاجز عنبتا مغلق للخارج الداخل سالك. حاجز الحمرا مغلق بالاتجاهين. حاجز تياسير مغلق بالاتجاهين».

هذا جزء من خبر أطول كان يقرأه أحد مذيعي الإذاعات المحلية في رام الله، في محاولة لتقديم آخر تحديث لحالة الطرق في الضفة الغربية، وهو تحديث مستمر 24 ساعة في اليوم طيلة الأسبوع، ومتغير بشكل سريع.

وكما يتابع الناس في بلدان العالم أحوال الطقس، أو أسعار العملات، يترقب الفلسطينيون في الضفة الغربية حالة الطرق منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 بشكل مستمر. فبعدما شنت إسرائيل حرباً دموية على قطاع غزة، وأخرى موازية وإن كانت مختلفة في الضفة، يكاد فلسطيني الضفة يكون الوحيد في العالم الذي يحتاج إلى فحص مجموعة كبيرة من الحواجز من أجل الانتقال خارج مدينته أو قريته، وقد يكلفه ذلك حياته، أو زجّه في السجن، وفي أحسن الأحوال قضاء ساعات عدة على أحد الحواجز العسكرية، ومثلها في التنقل عبر حواجز أخرى، في رحلة مذلّة كان يفترض أن تكون آمنة، وسريعة للغاية، لولا الاحتلال، وقمعه.

ولم ينس الفلسطينيون بعدُ كيف فقد محمد الجندي، الشاب الذي لم يتجاوز 30 عاماً، حياته عند حاجز استحدث قرب منطقة الإسكانات في بيت جالا بمنطقة بيت لحم، فقط لأنه حاول فتح بوابة حديدية لسيدة انتظرت طويلاً لتعبر إلى منزلها. وصادف أن السيدة لم تنتبه للجنود وخافت أن تتقدم، قبل أن يأخذ محمد الذي يسكن في منطقة قريبة المبادرة ويفتح لها البوابة. فكان هذا آخر عمل له في حياته. لقد أعدموه وسط الشارع.

صور نشرها فلسطينيون لأزمة حاجز الكونتينر قرب بيت لحم (وسائل تواصل ومجموعات)

انتظار بلا حدود

تفاجأ محمود العزة، الذي غادر مبكراً من بيت لحم إلى أبو ديس القريبة من أجل الالتحاق بجامعته، بطابور كبير من السيارات على حاجز «الكونتينر» سيئ الصيت، الذي يفصل جنوب الضفة الغربية عن شمالها. وأدرك العزة سريعاً أنه لن يدرك محاضرته الأولى، لكنه كان يأمل أن يتابع بقية الحصص. ولكن بعد 3 ساعات، وجد نفسه عالقاً بين مئات السيارات، لا هو يستطيع التقدم ولا العودة، وقد ضاع يومه، ومثل غيره يحدوه الأمل، بأن يقرر أحد الجنود فتح الحاجز، حتى يتخلص من سجنه داخل السيارة، ويعود إلى منزله.

لم يعد العزة إلا بعد 5 ساعات، وراح يفكر في تأجيل فصله الدراسي قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «المشكلة أنه وضع مستمر. كل يوم يغلقون الحاجز في أوقات مختلفة». ويتابع: «جندي جاي على بالو (قرر مزاجياً) بسكر الحاجز ساعة وساعتين و3 واحنا واقفين بنستنى (ننتظر) أنه يحنّ علينا ويفتح الحاجز... إنه شيء مذل ومرهق ومتعب».

وأضاف: «قبل 7 أكتوبر كانت هذه الحالات تحدث كل بضعة أشهر مرة. اليوم كل يوم وكل ساعة تحدث. فإما يغلقون الحواجز أو يفتشون السيارات واحدة تلو الأخرى ويدققون بالهويات». ويختم الشاب قائلاً: «باختصار، يتعمدون إهانة الناس وإذلالها ونحن لم نعد نحتمل».

ويعدّ حاجز الكونتينر واحداً من مئات الحواجز والبوابات التي تضعها إسرائيل في الضفة الغربية منذ احتلالها عام 1967، وقد تضاعفت مرات عدة منذ السابع من أكتوبر 2023.

 

 

بيئة قهرية عازلة

بحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، وصل عدد الحواجز والبوابات الحديدية التي نصبها جيش الاحتلال في الضفة الغربية إلى 898 حاجزاً عسكرياً وبوابة، منها 18 بوابة حديدية منذ بداية العام الحالي 2025، و146 بوابة حديدية نصبها الاحتلال بعد 7 أكتوبر 2023.

وقال المدير العام للنشر والتوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، أمير داود، إنها «حواجز قديمة وجديدة ثابتة ومنتظمة ومتغيرة الأنماط، وتعكس سياسة إسرائيل. إنهم منذ 1967 يراكمون هذه الحواجز ويراكمون على فكرة الإغلاق».

صور نشرها فلسطينيون لأزمة حاجز الكونتينر قرب بيت لحم (وسائل تواصل ومجموعات)

وأضاف داود لـ«الشرق الأوسط»: «ما نشهده اليوم غير مسبوق»، متّهماً إسرائيل بمحاولة خلق حيز جغرافي بديل للفلسطينيين يتجاوز ما يعرفونه من شوارع وطرقات ومساحات، ويكون مصمماً على فكرة الإغلاق والرقابة والإقصاء.

وقال داود إن البوابات كانت السمة الأبرز منذ السابع من أكتوبر. وأضاف: «قبل السابع من أكتوبر منظومة الإغلاق كانت تستهدف القطاع الأكبر من الجغرافيا. مثل عزل شمال الضفة أو جنوبها. اليوم المنظومة تعمل بطريقة أخرى. الإغلاق يستهدف التجمع الواحد. مثل القرية. هذا نمط جديد».

وأردف: «يضاف إليه طبيعة الجنود. الجنود على الحواجز كانوا نظاميين مدربين إلى حد ما، ولديهم تعليمات واضحة بالالتزام بالقانون الدولي ولو بالحد الأدنى. اليوم ميليشيا موجودة من (صهيونية دينية) وآخرين. وجاءوا من أجل أن ينتقموا من الفلسطينيين. إنهم يفرضون بيئة قهرية».

 

 

سجن كبير يضيق

تطوّق الحواجز العسكرية الإسرائيلية كل مدن الضفة الغربية وقراها اليوم، ويوجد حول الخليل مثلاً 229 حاجزاً، ورام الله 156 حاجزاً، وبيت لحم 65 حاجزاً، ويشمل ذلك البوابات التي حولت القرى والبلدات سجناً كبيراً.

ويضطر الفلسطينيون في البلدات والمخيمات المغلقة ببوابات حديدية إلى ترتيب حياتهم وفق مواعيد هذه البوابات.

وقال إبراهيم ثابت، من مخيم العروب القريب من الخليل، إن عليه أن يغادر في أوقات محددة، ويعود في أوقات محددة؛ لأنه بخلاف ذلك سيضطر إلى النوم في الخارج.

جندي إسرائيلي يلوّح بيده بينما يستعد فلسطينيون لإخلاء منازلهم يوم الأربعاء في مخيم نور شمس بالضفة الغربية بعد قرار إسرائيل هدمها (رويترز)

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «يفتحون البوابة في وقت محدد في الصباح، ويعيدون فتحها لوقت محدد قبل المساء. عليك أن تغادر وفق مواعيدهم وتعود وفق مواعيدهم. ولا شيء آخر يهم».

وتابع بغضب: «عندك حالة مرضية حالة طارئة مواعيد... مش مهم. فأنت كإنسان غير مهم أصلاً. عليك أن تتأقلم مع مواعيد فتح وإغلاق السجن أو حظيرة الغنم».

ولا يجد ثابت التعبير المناسب لوصف ما يعيشونه في مخيم العروب سوى أنهم يقاسون روتيناً من القهر والذل في سجن كبير. وقال: «سجن أكبر قليلاً. حرية أكبر قليلاً. نزلاء أكثر قليلاً».

وتغلق إسرائيل إلى جانب مخيم العروب معظم البلدات والمخيمات في المنطقة «ج» التي تقع تحت سيطرة إسرائيلية مطلقة وقريبة من شوارع يمر عليها المستوطنون.

 

 

تفتيت الضفّة

وقال المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان إن المعطيات (الحواجز والبوابات) تظهر بوضوح سعي الاحتلال الإسرائيلي إلى تفتيت الضفة الغربية، وتحويلها كانتونات منعزلة عن بعضها بما يمنع الامتداد الجغرافي الفلسطيني الطبيعي، ويحول دون سهولة الحركة والتنقل بين المدن والقرى الفلسطينية. كما تؤشر على أن الاحتلال يستخدم هذه الحواجز والبوابات شكلاً من أشكال العقاب الجماعي ضد الفلسطينيين، وفي إطار تكريس سياسات الضمّ الإسرائيلية.

ويعيش اليوم في الضفة الغربية أكثر من نصف مليون مستوطن من دون القدس، موزعين على مستوطنات تجثم على 3 في المائة من مساحة الضفة، ويخصص لها ما نسبته 40 في المائة من مجمل أراضي الضفة الغربية، بصفتها مناطق محمية، ومن أجل مشاريع البنية التحتية المرتبطة بها، مثل الجدار العنصري العازل، والحواجز، والقواعد العسكرية، والطرق الالتفافية الاستيطانية.

ويحظى المستوطنون بشوارع خاصة يمنع على الفلسطينيين السير فيها وأخرى مشتركة.

وتقول منظمة «بيتسيلم» إن الشوارع التي يحظر فيها تنقل الفلسطينيين هي «مكون إضافي في منظومة القيود».

وحماية هؤلاء المستوطنين هو سبب آخر للحواجز والبوابات.

وبحسب مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، فإن إحدى مهمات تلك الحواجز ليست إحكام القبضة الأمنية على مدن الضفة، أو تفتيش الفلسطينيين المغادرين من المدن المختلفة والعائدين إليها فحسب، بل وتأمين عبور آمن للمستوطنين الذين يحظون بشوارع خاصة فوق ذلك.

 

 

قهر على قهر

لعل أكثر ما يزيد القهر مراقبة سيارات المستوطنين وهي تشق طريقها بكل سهولة أمام الطوابير الطويلة المتوقفة عند الحواجز من سيارات الفلسطينيين. وقال سعيد هنية بعد أن قضى 5 ساعات على حاجز جبع: «هذا وضع لا يطاق».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «لن تصدق... أنهيت مشاهدة فيلم وبدأت بالثاني. إنه جنون جنون». وبالنسبة لهنية كانت تلك آخر مرة ينتقل فيها من مدينة إلى أخرى، وقرر عدم تكرار ذلك.

فتيات فلسطينيات يبكين بينما تهدم حفَّارات الجيش الإسرائيلي مبنيين فلسطينيين بقرية قبية شمال غربي رام الله في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

أما أبو محمد الحداد، وهو سائق تاكسي قديم، فنصح كل زملائه بعدم التنقل بين المدن والحواجز.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أعلم أن لقمة العيش صعبة. لكن ما يحدث عمره ما صار. شفنا كثير وقليل وعشنا انتفاضات وحروباً ومداً وجزراً، لكن مثل هذه الأيام لم نرَ. عمره ما كان الوضع هيك».

وتابع بأسى: «اليوم أنت لست معرَّضاً للإذلال فحسب، بل أسهل شيء أن يطخوك (يطلقوا عليك الرصاص) وتموت».

ومن أجل تجنب رحلة مذلة، أو أقله التخفيف من شدّتها، أُنشئت عشرات المجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي و«تلغرام» من أجل متابعة الطرق.

ويسأل حازم الزيز على مجموعة «أحوال الطرق» التي تضم آلافاً من الفلسطينيين عن حالة حاجز الكونتينر، ليرد أحدهم: «أزمة وتفتيش»، فيسأل ليث عيسى عن طريق فرش الهوى، ويبشره عزيز بأنه سالك لكن رأس الجورة مغلق.

وهكذا، يقضي الفلسطينيون في الضفة أيامهم بين حاجز سالك، وآخر مغلق، وثالث يشهد «أزمة، وتفتيشاً».

 

 


مقالات ذات صلة

نيران إسرائيلية تقتل 5 فلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية

المشرق العربي أفراد من الدفاع المدني يزيلون آثار غارة إسرائيلية في وسط قطاع غزة (رويترز)

نيران إسرائيلية تقتل 5 فلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية

أفاد مسؤولون فلسطينيون بأن غارات جوية إسرائيلية أسفرت عن مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في قطاع غزة، فيما قتل جنود بالرصاص فتى في الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (غزة - نابلس)
المشرق العربي أقارب المراهق الفلسطيني أوس حمدي النعسان يشاركون في جنازته شرق مدينة رام الله في الضفة الغربية (إ.ب.أ) p-circle

مقتل شاب فلسطيني برصاص مستوطنين في الضفة الغربية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية مقتل شاب برصاص مستوطنين إسرائيليين في الضفة الغربية، اليوم (الأربعاء)، وهو الضحية الثالثة في غضون يومين.

«الشرق الأوسط» (الضفة الغربية)
المشرق العربي والدة الفلسطيني جهاد أبو نعيم تبكي بعد مقتله بنيران مستوطنين إسرائيليين في قرية المغير شرق رام الله في الضفة الغربية يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

المستوطنون يقتلون فلسطينيين في استهداف لمدرسة قرب رام الله

هاجم مستوطنون إسرائيليون قرية المغير شرق رام الله بالضفة الغربية، الثلاثاء، وقتلوا فلسطينيين اثنين، أحدهما طالب في مدرسة.

كفاح زبون (رام الله)
أوروبا وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)

ألمانيا وإيطاليا ترفضان تعليق اتفاق التعاون بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل

رفضت ألمانيا وإيطاليا الثلاثاء الدعوات لتعليق اتفاق للتعاون مع إسرائيل رغم تصاعد الغضب حيال الحرب في لبنان والوضع بالضفة الغربية المحتلة

«الشرق الأوسط» (لوكسمبورغ)
المشرق العربي امرأة فلسطينية تمر بجوار جنود إسرائيليين يقومون بدورية في سوق البلدة القديمة بمدينة نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

تقرير: جنود إسرائيليون يستخدمون الاعتداء الجنسي لدفع الفلسطينيين إلى النزوح

قال خبراء في حقوق الإنسان والقانون إن الجنود والمستوطنين الإسرائيليين يستخدمون الاعتداء والتحرش الجنسي لإجبار الفلسطينيين على ترك منازلهم.

«الشرق الأوسط» (لندن)

إيران تنقل سفينتين احتجزتهما إلى أحد موانئها

السيطرة على السفينة «إم إس سي ​فرنشيسكا» في مضيق هرمز (لقطة من فيديو)
السيطرة على السفينة «إم إس سي ​فرنشيسكا» في مضيق هرمز (لقطة من فيديو)
TT

إيران تنقل سفينتين احتجزتهما إلى أحد موانئها

السيطرة على السفينة «إم إس سي ​فرنشيسكا» في مضيق هرمز (لقطة من فيديو)
السيطرة على السفينة «إم إس سي ​فرنشيسكا» في مضيق هرمز (لقطة من فيديو)

ذكرت مصادر، اليوم الخميس، أن سفينتيْ حاويات احتجزتهما إيران قرب مضيق هرمز، وعلى متنهما نحو 40 من طاقميهما، جرى توجيههما نحو ميناء بندر عباس، وذلك بعد أن توعدت ​طهران بالرد على احتجاز القوات الأميركية سفينة إيرانية قبل ثلاثة أيام.

واحتجز «الحرس الثوري» الإيراني السفينتين، أمس الأربعاء، وإحداهما تديرها شركة «إم إس سي»، أكبر مجموعة شحن حاويات في العالم. وقالت ثلاثة مصادر إن الأخرى مستأجَرة من الشركة نفسها.

وقال قريب لأحد البحّارة المحتجَزين، لوكالة «رويترز»: «اقتحم السفينة نحو 20 إيرانياً مدججين بالسلاح. والبحّارة تحت سيطرة الإيرانيين، وحركتهم على متن السفينة محدودة، لكن الإيرانيين يعاملونهم معاملة حسنة».

وقال فيليب رادولوفيتش، وزير الشؤون البحرية في الجبل الأسود، لهيئة الإذاعة والتلفزيون «آر تي سي جي» الحكومية: «السفينة راسية على بُعد تسعة أميال بحرية ‌من الساحل الإيراني. ‌المفاوضات بين (إم إس سي) وإيران جارية، وبحّارتنا بخير».

وأضاف أن أربعة ​بحّارة ‌على متن السفينة «إم إس سي ​فرنشيسكا»، بمن فيهم القبطان، من مواطني الجبل الأسود. وأكدت وزارة الخارجية الكرواتية وجود اثنين من رعاياها على متن السفينة.

ولم تتوفر تفاصيل كاملة عن طاقم السفينة التي ترفع عَلَم بنما، لكن سفن الحاويات الكبيرة تحتاج عادةً إلى 20 فرداً على الأقل. وأحجمت «إم إس سي» عن التعليق.

ويقول خفر السواحل اليوناني إن السفينة «إيبامينونداس» التي ترفع عَلَم ليبيريا تضم طاقماً مكوناً من 21 فرداً من الأوكرانيين والفلبينيين. وكانت السفينة متجهة إلى الهند.

وأفادت التقارير بأن طاقمَي السفينتين بخير، لكن السلطات في بلديهما قالت إنها تسعى ‌للحصول على معلومات حول سلامة البحّارة وتعمل على ‌إطلاق سراحهم. ولم يجرِ الكشف عن أي معلومات حول ​الشحنة التي كانت تحملها السفينتان، إنْ وُجدت.

وجرى ‌إيقاف أنظمة التتبع في السفينتين، لكن مصادر أمنية بحرية قالت إن بيانات ‌الشحن تشير إلى أنهما قريبتان من بندر عباس.

احتجاز سفينة إيرانية

في 19 أبريل (نيسان) الحالي، أطلقت القوات الأميركية النار على سفينة الشحن «توسكا» التي ترفع العَلم الإيراني، واحتجزتها.

وقال متحدث عسكري، رداً على ذلك: «ستردّ القوات المسلّحة الإيرانية قريباً، وتنتقم من هذه القرصنة المسلّحة ‌التي ارتكبها الجيش الأميركي».

وطالبت وزارة الخارجية الإيرانية بالإفراج الفوري عن السفينة وطاقمها وعائلاتهم. ولم يجرِ الكشف عن أي تفاصيل بشأن طاقم السفينة.

أسعار النفط وتدفقه

قفزت أسعار النفط بسبب تضاؤل احتمالات إعادة فتح المضيق سريعاً، ويمر من المضيق عادةً 20 في المائة من الإمدادات اليومية العالمية من النفط والغاز الطبيعي المُسال.

وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت القياسي 2 في المائة لتصل إلى 102 دولار للبرميل اليوم، مقارنة مع 72 دولاراً قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وردّت الولايات المتحدة بفرض حصار يستهدف عمليات الشحن المرتبطة بإيران في 13 أبريل. وقالت القيادة المركزية الأميركية، أمس الأربعاء، إن قواتها أمرت نحو 31 سفينة بتغيير مسارها أو العودة إلى الميناء.

وقالت وزارة الدفاع الأميركية، اليوم، إنها اعتلت الناقلة «إم تي ماجستيك» المحملة بالنفط الإيراني في المحيط الهندي، وذلك بالإضافة إلى ثلاث ناقلات جرى اعتراضها في اليوم السابق.

وقالت شركة ​تحليل البيانات «فورتيكسا» إنها أحصت ست ناقلات تحمل ​أكثر من 10 ملايين برميل من النفط الخام الإيراني تَعبر المضيق وتخرج من المنطقة المحاصَرة بين 13 و21 أبريل.


نجل شاه إيران السابق يناشد الدول الغربية تقديم الدعم

رضا بهلوي وزوجته ياسمين في برلين (أ.ف.ب)
رضا بهلوي وزوجته ياسمين في برلين (أ.ف.ب)
TT

نجل شاه إيران السابق يناشد الدول الغربية تقديم الدعم

رضا بهلوي وزوجته ياسمين في برلين (أ.ف.ب)
رضا بهلوي وزوجته ياسمين في برلين (أ.ف.ب)

ناشد نجل ‌الشاه السابق الدول الغربية الانضمام إلى الحرب ضد إيران، وانتقد قرار الحكومة الألمانية عدم مقابلته، خلال زيارته برلين، ​اليوم الخميس.

واتهم رضا بهلوي، الذي أُطيح بوالده في الثورة عام 1979، أوروبا بالوقوف مكتوفة الأيدي والسماح لحكومة طهران بمواصلة ما وصفه بالقمع الدموي للاحتجاجات التي أودت بحياة الآلاف، أواخر العام الماضي.

وقال، في مؤتمر صحافي عقده ببرلين: «السؤال ليس: ‌هل سيحدث التغيير أم لا. ​التغيير ‌آتٍ... ⁠السؤال الحقيقي ​هو: ⁠كم عدد الإيرانيين الذين سيفقدون أرواحهم بينما تكتفي الديمقراطيات الغربية بالمشاهدة».

وشهد وسط برلين خروج كل من المؤيدين والمعارضين في مظاهرات، وجرى احتجاز شخص بعد أن رشّ بهلوي، الذي ظهر بين المتظاهرين، بنوع من السوائل أحمر اللون.

زعيم محتمل؟

برز بهلوي، الذي أمضى ⁠معظم حياته في المنفى، بوصفه زعيماً محتملاً ‌للمعارضة بعد اندلاع الاحتجاجات ‌المناهضة للحكومة في طهران ومدن إيرانية ​أخرى، العام الماضي.

لكن ‌حركات المعارضة الإيرانية منقسمة بشدة، ويتوخى عدد ‌من الحكومات الغربية الحذر في إعلان تأييدها إياه؛ لأن حجم الدعم الشعبي الذي يحظى به لا يزال غامضاً بعد مرور ما يقرب من نصف قرن على الإطاحة بحكم ‌والده.

واستبعدت دول أوروبية، بما في ذلك ألمانيا، الانضمام إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين ⁠شنتا ⁠الحرب، في 28 فبراير (شباط) الماضي، بموجة من الغارات الجوية التي أسفرت عن مقتل المرشد علي خامنئي.

جاءت زيارة بهلوي لألمانيا فيما يبدو أن الجهود الرامية إلى إنهاء الصراع توقفت مع استمرار إيران والولايات المتحدة في فرض السيطرة على مضيق هرمز الحيوي الذي يمر عبره نحو خمس إنتاج النفط العالمي.

وأبدى بهلوي أسفه لأن حكومة المستشار فريدريش ​ميرتس لم تعرض عليه ​عقد اجتماع، خلال زيارته ألمانيا. وقال: «مارسوا حقكم. بصفتكم ديمقراطيات، يحق لكم التحدث مع من تشاؤون».


كواليس القرار العسكري الأميركي الإسرائيلي في الحرب على إيران

قائد «سنتكوم» الأميرال براد كوبر خلال زيارة إلى إسرائيل بدعوة من رئيس الأركان إيال زامير لتعزيز التنسيق العسكري والشراكة الدفاعية بين الجانبين الأحد (الجيش الإسرائيلي-إكس)
قائد «سنتكوم» الأميرال براد كوبر خلال زيارة إلى إسرائيل بدعوة من رئيس الأركان إيال زامير لتعزيز التنسيق العسكري والشراكة الدفاعية بين الجانبين الأحد (الجيش الإسرائيلي-إكس)
TT

كواليس القرار العسكري الأميركي الإسرائيلي في الحرب على إيران

قائد «سنتكوم» الأميرال براد كوبر خلال زيارة إلى إسرائيل بدعوة من رئيس الأركان إيال زامير لتعزيز التنسيق العسكري والشراكة الدفاعية بين الجانبين الأحد (الجيش الإسرائيلي-إكس)
قائد «سنتكوم» الأميرال براد كوبر خلال زيارة إلى إسرائيل بدعوة من رئيس الأركان إيال زامير لتعزيز التنسيق العسكري والشراكة الدفاعية بين الجانبين الأحد (الجيش الإسرائيلي-إكس)

كشفت مصادر إسرائيلية كواليس القرار الذي قاد إلى الحرب على إيران، مشيرة إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اتخذا القرارات النهائية بشأن الحرب والهدنة، في حين برزت ثلاث شخصيات عسكرية بوصفها الأكثر تأثيراً بعدهما: رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية دان كين، وقائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر.

ووفق تحقيق حصري، لصحيفة «جيروزاليم بوست»، كان زامير عاملاً أساسياً في إقناع كين وكوبر بأن الحرب ممكنة وقابلة للتنفيذ، بما دفعهما إلى دعمها أو عدم معارضتها. ثم لعب كين دوراً حاسماً في إقناع ترمب بإمكانية خوض الحرب، رغم شكوكه بشأن جوانب مهمة منها. كما ارتبط موقفه بقرارات ترمب المتكررة بإعلان وقف إطلاق نار أحادي، خشية كلفة التصعيد على الأرواح الأميركية والموقع السياسي.

وكان نتنياهو، خلال زيارة طارئة إلى واشنطن في 12 فبراير (شباط) الماضي، قد عرَضَ على ترمب خطة من أربع خطوات هي: اغتيال المرشد علي خامنئي وكبار المسؤولين العسكريين والاستخباراتيين، وتدمير قدرات إيران الصاروخية والطائرات المُسيرة، وإثارة انتفاضة داخلية ثم تحويلها إلى تغيير النظام، وهجوم بري محتمل من قِبل الأكراد الذين يعيشون على الحدود بين إيران والعراق.

غير أن أياً من القادة الثلاثة لم يؤمن فعلياً بالخطوتين الثالثة والرابعة، مع استعداد زامير للمخاطرة بهما، مقابل تركيز كين وكوبر على الخطوتين الأوليين. ودفع هذا التباين نحو تغيير النظام ومحاولة تجنب الانخراط المباشر فيه، دون إعلان معارضة، كان له أثر مباشر على مسار الحرب.

وفي توزيع الأدوار، كلّفت إسرائيل باستهداف القادة ومراكز «الحرس الثوري» و«الباسيج» والقدرات العسكرية، في حين ركزت الولايات المتحدة على القدرات الإيرانية. وأبقى ترمب، بتأثير من كين وبدعم من كوبر، بلاده خارج الانخراط المباشر في تغيير النظام، رغم دعواته اللاحقة العلنية لذلك.

كما أشار التحقيق إلى أن الجهود الإسرائيلية للتأثير على قرار الحرب ركزت، بشكل خاص، على كين، من خلال زيارات زامير ومدير «الموساد» ديفيد برنياع، ورئيس الاستخبارات العسكرية شلومي بيندر، إلى واشنطن.

وفي المقابل، كان كوبر أقل تدخلاً في قرار الذهاب إلى الحرب، وركز على بناء خياراتها، مع دور رئيسي في تقسيم الأهداف جغرافياً بين إسرائيل والولايات المتحدة.

رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير مع قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر والمبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر (الجيش الإسرائيلي)

منطق التوقيت

وتطرقت المصادر إلى الحجة الأساسية لزامير في تسريع توقيت الحرب، فقد أقر بإمكانية تأجيل المواجهة نظرياً، إذ لم تتجاوز إيران بعدُ العتبة الحرجة من الصواريخ الباليستية، خصوصاً أن الخطة الإسرائيلية الأصلية كانت تستهدف البرنامج الصاروخي، في وقت لاحق من عام 2026.

لكن زامير حذّر من أن إيران تتقدم بسرعة كبيرة، وأن التأجيل سيضر الجهود العسكرية لاحقاً. ووفق الأرقام الواردة، كانت إيران تنتج بين 200 و300 صاروخ باليستي شهرياً، وقد عوَّضت نحو نصف خسائرها في حرب يونيو (حزيران) الماضي من الصواريخ ومنصات الإطلاق خلال ثمانية أشهر، لتصل إلى نحو 2500 صاروخ.

ووفق هذا التقدير، كان الانتظار ستة أشهر قد يرفع العدد إلى ما بين 3700 و4300 صاروخ، في حين قد يصل بعد عام إلى ما بين 4900 و6100 صاروخ.

ويرى التحقيق أن هذه الزيادة الكبيرة كانت ستؤدي إلى ارتفاع كبير في الخسائر والأضرار، وربما إلى تقليص العمليات العسكرية في وقت مبكر.

كما ربط زامير توقيت الحرب باستغلال احتجاجات داخلية في إيران خلال يناير (كانون الثاني) الماضي، وعَدَّ فبراير لحظة مناسبة للتحرك، إضافة إلى التحذير من نقل الأصول النووية إلى مواقع تحت الأرض، ما يصعّب استهدافها لاحقاً.

إخفاق الصواريخ وهرمز

في المقابل، حمّل التحقيق زامير وكين وكوبر مسؤولية إخفاقين رئيسيين؛ الأول يتعلق بعدم وقف الهجمات الصاروخية الإيرانية. فرغم إعلان انخفاضها بنسبة 70 إلى 90 في المائة خلال الأيام الأولى، لم تتراجع إلى مستويات ضئيلة، كما كان متوقعاً.

ويعزو التحقيق ذلك إلى قدرة إيران على إعادة تشغيل منصات إطلاق الصواريخ بسرعة، عبر فِرق جرافات وتقنيات كشفت مواقع الإطلاق التي تعرضت لانهيارات خلال أقل من يوم، إضافة إلى توزيع الأطقم الصاروخية في أنحاء البلاد، وتعديل أكثر من 70 في المائة من الصواريخ لتشمل ذخائر عنقودية، ما زاد صعوبة التصدي لها.

أما الإخفاق الثاني فيتعلق بمضيق هرمز. ورغم تحميل ترمب المسؤولية الأساسية بسبب ضعف آليات القرار، أشار التحقيق إلى أن كين وكوبر لم يرفعا مستوى التحذير بما يكفي بشأن المخاطر المحتملة، واكتفيا بتقديم مشورة محايدة.

ويضيف أن تأخر نشر القوات القادرة على التعامل مع سيناريو هرمز لأسابيع عدة شكّل خطأ استراتيجياً، إذ كان يمكن نشرها منذ بداية الحرب، بدلاً من التركيز أولاً على استهداف «البحرية» الإيرانية.

وخلص التحقيق إلى أن الحملة العسكرية نجحت أكثر مما كان متوقعاً، لكنها لم تحقق أهدافها كاملة، خصوصاً في ملفي الصواريخ وهرمز، بينما بقيت مسألة ترجمة المكاسب العسكرية إلى نتائج استراتيجية في يد القادة السياسيين والدبلوماسيين، لا العسكريين.

كما أشار إلى أن خيار التدخل البري ظل مطروحاً نظرياً، سواء في مضيق هرمز أم جزيرة خرج، لكن دان كين وبراد كوبر شددا على كلفته العالية، في حين بدا إيال زامير أكثر ميلاً إلى المخاطرة في بعض المسارات.