الجولة الرابعة للمفاوضات الإيرانية - الأميركية تنتهي بـ«تفاهمات جزئية»

مسؤول أميركي: اتفقنا على المضي قُدماً في معالجة الجوانب الفنية

صورة مركبة تجمع ويتكوف (يمين) وعراقجي (أ.ب)
صورة مركبة تجمع ويتكوف (يمين) وعراقجي (أ.ب)
TT

الجولة الرابعة للمفاوضات الإيرانية - الأميركية تنتهي بـ«تفاهمات جزئية»

صورة مركبة تجمع ويتكوف (يمين) وعراقجي (أ.ب)
صورة مركبة تجمع ويتكوف (يمين) وعراقجي (أ.ب)

اتسمت الجولة الرابعة من المفاوضات النووية بين إيران والولايات المتحدة بطابع من «الجدية والوضوح»، حيث أجرى وزير الخارجية عباس عراقجي والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف مباحثات جادة حول القضايا الخلافية، وأفضت إلى اتفاق مبدئي على الاستمرار في الحوار، رغم تمسك طهران بموقفها الرافض لوقف أنشطة التخصيب التي تطالب بها إدارة دونالد ترمب.

واستمرت الجولة أكثر من ثلاث ساعات، نقل خلالها وسيط المحادثات وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي الرسائل بين الوفدين الإيراني والأميركي.

وقال وزير الخارجية العماني، بدر البوسعيدي: «أكملنا جولة جديدة من المحادثات بين إيران والولايات المتحدة في مسقط اليوم. وقد شملت المناقشات أفكاراً مفيدة وأصيلة تعكس رغبة مشتركة في التوصل إلى اتفاق مشرّف». وأضاف: «ستُعقد الجولة الخامسة من المحادثات بعد أن يجري الطرفان مشاورات مع قياداتهما».

من جهته، قال وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إنه «رغم صعوبة المفاوضات، أجريت مناقشات مثمرة»، مشيراً إلى أن «الجولة الرابعة كانت أكثر جدية ووضوحاً مقارنة بالجولات السابقة».

وأضاف في تصريحاته للتلفزيون الرسمي: «يمكن القول إن النقاشات ركزت بشكل أكبر على النقاط الخلافية، وقد تم تقريب وجهات النظر بين الجانبين، ما يجعل من هذه الجولة خطوة إلى الأمام». وتابع: «بات كل طرف يفهم الآخر بصورة أوضح، ونأمل أن يتحقق مزيد من التقدم في الجولات المقبلة».

ورجّح عراقجي أن تعقد الجولة التالية من المفاوضات خلال أسبوع تقريباً، مع احتمال تقديمها أو تأخيرها بيوم واحد، موضحاً أن «موعد الجولة المقبلة ستحدده سلطنة عمان، ويُرجّح أن تُعقد خلال الأسبوع المقبل».

وحذر عراقجي من إصرار الولايات المتحدة على مسألة وقف تخصيب اليورانيوم، منبهاً أن «التخصيب قضية لا بد من استمرارها، وهو مبدأ غير قابل للنقاش مطلقاً». وأضاف: «التفسيرات الإعلامية المتناقضة مرفوضة من جانبنا؛ لأنها تُلحق الضرر بالمفاوضات... وإذا استمرت هذه الممارسات، فسنرد بإجراءات مماثلة».

وتابع: «للأسف، رصدنا تصريحات متضاربة من بعض المسؤولين الأميركيين، وقد أكدنا اليوم أن هذا النهج لا ينبغي أن يتكرر». وشدد على أنه «مثلما وضعت إيران إطاراً واضحاً لنفسها في هذه المفاوضات، يتوجب على الولايات المتحدة أيضاً أن تلتزم بإطار محدد».

وأضاف: «رفع العقوبات يُعد أحد المبادئ الأساسية التي تقوم عليها مفاوضاتنا».

من الجانب الأميركي، قال مسؤول كبير في إدارة الرئيس دونالد ترمب للصحافيين إن المناقشات «المباشرة وغير المباشرة» استمرت ثلاث ساعات.

وأضاف المسؤول: «نحن متفائلون بالنتيجة التي توصلنا إليها اليوم، ونتطلع إلى اجتماعنا المقبل الذي سينعقد قريباً».

ومن جانبه، أفاد المتحدث باسم «الخارجية» الإيرانية إسماعيل بقائي بأن المحادثات التي جرت «صعبة، لكنها مفيدة لفهمٍ أفضل لمواقف الطرفين، وإيجاد سُبل معقولة وواقعية لمعالجة الخلافات». وأضاف: «سيجري التنسيق للجولة المقبلة، والإعلان عنها من قِبل عُمان».

ومع بدء المفاوضات، كتب بقائي إن «جولة جديدة من المحادثات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة تجري في مسقط».

وأضاف: «إيران عازمة تماماً على متابعة حقوقها القانونية غير القابلة للتصرف في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وفقاً لمعاهدة حظر الانتشار، وهي في الوقت نفسه مستعدة تماماً لمواصلة تفاعلها الدبلوماسي؛ لضمان (الطبيعة السلمية) لبرنامجها النووي الذي جرى إثباته سابقاً».

وتابع: «نحن مصممون بالقدر نفسه على العمل لإنهاء العقوبات غير القانونية وغير الإنسانية التي فُرضت على شعبنا منذ فترة طويلة».

إيرانية تمر أمام جدارية معادية للولايات المتحدة على حائط سفارتها السابقة وسط طهران اليوم (أ.ف.ب)

وفي طهران، قال رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، إبراهيم عزيزي، للتلفزيون الرسمي: «في الجولات السابقة، شارك فريقنا التفاوضي بخطة ورؤية شاملة، وعبّر بوضوح وشفافية عن استراتيجيات الجمهورية الإسلامية».

وقال عزيزي الذي كان يعلق مباشرة على الجولة قبل انتهائها إنه «لم يكن لدى الطرف الآخر أي انسجام أو رؤية متكاملة، وشهدنا الكثير من التناقض في تصريحات المسؤولين الأميركيين». ورأى أن الجانب الأميركي «يعاني دائماً من ازدواجية، ويرجع جزء منها إلى لعبة (الشرطي الجيد والشرطي السيئ)». وقال إن «الجمهورية الإسلامية لن تسمح للطرف الآخر بنقض العهود أو بالتصريحات المتناقضة».

وأشار إلى أن «التناقض في التصريحات الأميركية خلال هذه الفترة كان محل اهتمام الجهاز الدبلوماسي الإيراني»، ومع ذلك، عزا «تناقض» تصريحات المسؤولين الأميركيين إلى «الاستهلاك الداخلي». وأضاف: «الطرف الآخر أكد أن ما يُقال في الإعلام يختلف عما يُقال على طاولة المفاوضات».

في تصريح آخر، قال عزيزي إن «فرض الأمور من خلال الضغط والعقوبات سيعقّد المعادلات أكثر».

زيارة ترمب للشرق الأوسط

وأتت الجولة الرابعة من المحادثات، في وقت اتخذت واشنطن موقفاً صارماً في العلن، قال مسؤولون إيرانيون إنه لن يساعد المفاوضات.

وقال ويتكوف لموقع «برايتبارت نيوز»، الخميس الماضي، إن الخط الأحمر بالنسبة لواشنطن هو «لا تخصيب، وهذا يعني التفكيك وعدم التسليح»، الأمر الذي يتطلب تفكيك المنشآت النووية الإيرانية في نطنز وفوردو وأصفهان بالكامل. وأضاف ويتكوف في المقابلة «إذا لم تكن (المحادثات) مثمرة اليوم الأحد، فلن تستمر وسنضطر إلى سلك مسار مختلف» حسبما نقلت «رويترز».

كما انعقدت الجولة الرابعة من المحادثات قبيل زيارة ترمب للشرق الأوسط. واستأنف الرئيس الأميركي استراتيجية «الضغوط القصوى» على طهران منذ عودته إلى البيت الأبيض في يناير (كانون الثاني)، وهدّد باتخاذ إجراء عسكري ضد إيران إذا فشلت الدبلوماسية.

ورداً على تعليقات ويتكوف، قال عراقجي اليوم إن إيران لن تقبل التنازل عن حقوقها النووية، التي تشمل تخصيب اليورانيوم.

ويقول مسؤولون إيرانيون إن طهران مستعدة للتفاوض على بعض القيود على أنشطتها النووية مقابل رفع العقوبات، لكن إنهاء برنامجها لتخصيب اليورانيوم أو تسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب من بين «الخطوط الحمراء الإيرانية التي لا يمكن المساس بها» في المحادثات.

وعلاوة على ذلك، تستبعد إيران تماماً التفاوض على برنامجها للصواريخ الباليستية، وتطالب بضمانات قاطعة بعدم انسحاب ترمب مرة أخرى من الاتفاق النووي.

ستيف ويتكوف وماركو روبيو في باريس يوم 17 أبريل 2025 (أ.ب)

وكان ترمب انسحب خلال ولايته الأولى في عام 2018 من الاتفاق النووي الذي أبرمته طهران مع ست قوى عالمية في 2015 وأعاد فرض عقوبات صارمة على إيران.

ومنذ 2019 تنتهك إيران القيود النووية التي فرضها الاتفاق النووي المبرم عام 2015، بما في ذلك تسريعها تخصيب اليورانيوم «بشكل كبير» إلى درجة نقاء تصل إلى 60 في المائة، وهو ما يقترب من مستوى 90 في المائة تقريباً الذي تقول الوكالة الدولية للطاقة الذرية إنه لازم لصنع الأسلحة. وتقول طهران منذ فترة طويلة أن برنامجها النووي «سلمي».

وتطالب إسرائيل، التي تعارض المفاوضات التي تجريها حليفتها الوثيقة الولايات المتحدة مع عدوها الإقليمي إيران، بضرورة منع طهران من امتلاك أسلحة نووية.

ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر قوله «إيران هي أخطر دولة في العالم... ويجب منع أخطر نظام من امتلاك أخطر سلاح في العالم».

في غضون ذلك، حذّر عراقجي القوى الأوروبية (فرنسا، ألمانيا، بريطانيا) من «استراتيجية المواجهة»، مجدداً استعداد طهران لفتح صفحة جديدة من علاقاتها مع أوروبا.

وأعرب عراقجي في مقال نشرته صحيفة «لو بوان» الفرنسية الأسبوعية، الأحد، عن أسفه لتهديد القوى الأوروبية استعدادها لاستخدام آلية «سناب باك»، كـ«أداة دبلوماسية»، محذراً من أن «إساءة استخدامها قد تنهي دور أوروبا في الاتفاق النووي وتؤدي إلى تصعيد لا رجعة فيه».

ودعا عراقجي القوى الأوروبية إلى مراجعة «نهجها التصادمي»، وانتقد تصريحاتها بشأن حقوق الإنسان وعلاقات إيران مع روسيا.

وكان وزير الخارجية الفرنسي، جان-نويل بارو، قد صرّح في أواخر أبريل (نيسان) بأن فرنسا وألمانيا وبريطانيا «لن تتردد لحظة» في إعادة فرض العقوبات التي رُفعت قبل عقد، إذا ما تعرض أمن أوروبا للخطر بسبب أنشطة إيران النووية.


مقالات ذات صلة

أميركا تستعد لحرب طويلة... وإيران تعيد تسليح نفسها

شؤون إقليمية سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)

أميركا تستعد لحرب طويلة... وإيران تعيد تسليح نفسها

بينما يرى الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن الحرب يمكن أن تنتهي سريعاً، تحذر مؤشرات صادرة عن مسؤولين أميركيين من احتمال الانزلاق إلى صراع طويل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - طهران - لندن)
شؤون إقليمية ناقلة نفطية تمر بمضيق هرمز في وقت سابق من شهر مايو 2026 (رويترز)

تحقيق أميركي في تداولات نفط مشبوهة مرتبطة بحرب إيران

قال مدير قسم إنفاذ اللوائح في لجنة تداول السلع الآجلة الأميركية ديفيد ميلر، الخميس، إن اللجنة تحقق في أنشطة تداول نفط مشبوهة مرتبطة بالحرب الأميركية على إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية طلاب باكستانيون يعبرون الحدود الباكستانية الإيرانية سيراً على الأقدام بعد عودتهم من إيران في تفتان بإقليم بلوشستان الباكستاني 19 يونيو 2025 (أ.ف.ب)

نائب إيراني يلوّح بإغلاق الحدود مع باكستان

لوّح نائب إيراني بإغلاق الحدود البرية مع باكستان إذا واصلت إسلام آباد منع عبور الشاحنات الآتية من إيران في وقت تكدست مئات الشاحنات بالمعابر الحدودية

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية سفينة شحن تُبحر باتجاه مضيق هرمز (أ.ب)

«الحرس الثوري» يعلن إصابة 7 ناقلات… ويهدد القوات الأميركية

أعلن «الحرس الثوري»، الخميس، إصابة 7 ناقلات نفط بضربات وألغام بحرية في مضيق هرمز، وهدد باستهداف القوات الأميركية إذا واصلت واشنطن مرافقة السفن عبر المضيق.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية مارة يلتقطون صوراً لممثل إيراني يرتدي قناعاً يجسد وجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب داخل زنزانة رمزية مثبتة على لوحة دعائية في ساحة تجريش بطهران - الأربعاء (أ.ف.ب)

طهران ترفع السقف قبل القرار الأميركي

رفعت إيران سقف مواقفها السياسية والعسكرية، في انتظار قرار نهائي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن الحرب، وسط مؤشرات على احتمال جولة ثالثة من المواجهة.

«الشرق الأوسط» (طهران - لندن)

برلين: فرنسا وبريطانيا وألمانيا مستعدة للتفاوض مع إيران

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول (د.ب.أ)
TT

برلين: فرنسا وبريطانيا وألمانيا مستعدة للتفاوض مع إيران

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، اليوم الجمعة، إن ألمانيا وفرنسا وبريطانيا مستعدة للتفاوض مع إيران لمنعها من امتلاك سلاح نووي.

ودعا إلى دعم السعودية واليمن في الدفاع عن نفسيهما وتمهيد الطريق لاستئناف مفاوضات جادة مع الحوثيين، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

واجتمع وزراء خارجية ثماني دول أوروبية وشرق أوسطية في إسطنبول، الجمعة، في صيغة غير مسبوقة، لإجراء محادثات حول مضيق هرمز والأزمات في المنطقة.

والتقى وزراء خارجية كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وهي الدول المعروفة باسم «مجموعة الثلاث» (إي 3)، بالإضافة إلى إيطاليا، ونظرائهم من مجموعة «آر 4» التي تشكلت حديثاً وتضم تركيا والسعودية وباكستان ومصر، لمناقشة القضية الفلسطينية، والتطورات في اليمن ومنطقة مضيق هرمز، وسبل إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية.

وانطلقت المحادثات في فندق في إسطنبول يطلّ على مضيق البوسفور، بعد اجتماعات منفصلة بين الوزراء والوفود، وفق ما أفاد مصدر في وزارة الخارجية التركية.

وقال وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو إن «الجميع سيكون خاسراً» في حال تجدّد التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، محذّراً من «تداعيات خطيرة جداً على أسعار الطاقة».

وأضاف للصحافيين على هامش المحادثات في إسطنبول: «لذلك، فإن أول ما ستقوم به هذه المجموعة المؤلفة من ثماني دول هو دعوة الطرفين إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس، لأننا لا نستطيع تحمّل تصعيد جديد في المنطقة».

من جانبه، قال وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني إن الهدف يتمثّل في العمل على «خفض التصعيد لضمان حرية الملاحة»، مضيفاً: «لا أعتقد أن هذه الأزمة قابلة للحلّ بالوسائل العسكرية فقط».

وتابع: «إذا أردنا إعادة فتح مضيق هرمز، وهو حيوي لاقتصاداتنا، فعلينا تشجيع الحوار وإفهام إيران أن نهجها هذا لا يمكن أن يستمر».

وذكر مكتب وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند قبل انطلاق المحادثات، أنها ستتمحور خصوصاً حول «مضيق هرمز والوضع في السعودية». وأضاف أن ميليباند «سيدعو إلى حل دبلوماسي لأزمة (هرمز) يعيد الحقوق والحريات الملاحية الكاملة».

وسيشدد أيضاً على «تكرار التكتيكات الإيرانية في أنحاء المنطقة، حيث تؤدي الهجمات على السعودية إلى زيادة زعزعة استقرار المنطقة، وتصعيد الضغوط على الممرات المائية الحيوية والمضايق الاستراتيجية العالمية، مثل باب المندب وقناة السويس».


أميركا تستعد لحرب طويلة... وإيران تعيد تسليح نفسها

سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)
TT

أميركا تستعد لحرب طويلة... وإيران تعيد تسليح نفسها

سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)

تتزايد المخاوف من عودة المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، مع تصاعد التهديدات المتبادلة، واستمرار الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، وتكثيف الحديث عن ضربات جديدة قد تستهدف منشآت نووية وعسكرية وبنى تحتية استراتيجية. وبينما يرى الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن الحرب يمكن أن تنتهي سريعاً، تحذّر مؤشرات صادرة عن مسؤولين أميركيين من احتمال الانزلاق إلى صراع طويل، وسط تحركات دبلوماسية أوروبية وإقليمية لتفادي اتساع المواجهة.

قال ترمب، الجمعة، إن الولايات المتحدة تستطيع إنهاء الحرب مع إيران بسرعة، لكنه تساءل عما إذا كان من الأفضل السعي إلى إنهائها سريعاً أو ترك الصراع يتلاشى تدريجياً، عادَّاً أن إيران «تتجه نحو الانهيار».

وأضاف، في تصريحات للصحافيين قبل مغادرته واشنطن متجهاً إلى ولاية فلوريدا: «أنجزنا عملاً جيداً جداً في إيران». وتابع أن الولايات المتحدة ستُبقي إيران في حالة «شلل تام»، مؤكداً أن واشنطن قادرة على السيطرة على البلاد والاستيلاء على نفطها.

وكان الرئيس الأميركي قد أكد، خلال تجمع انتخابي في ولاية أيوا مساء الخميس، أن الحرب ستنتهي قريباً «بطريقة أو بأخرى»، في تصريحات تعكس ثقته بقدرة واشنطن على فرض مسار النهاية، من دون أن توضح ما إذا كان ذلك سيتحقق عبر تسوية سياسية أم تصعيد عسكري إضافي.

في المقابل، حذر المبعوث الأميركي توم براك من احتمال شن ضربة أميركية ضد إيران خلال عطلة نهاية الأسبوع. ورداً على سؤال، خلال بودكاست الجمعة، بشأن إمكانية وقوع هجوم خلال الأسبوع، أجاب بالإيجاب، مشيراً إلى أن ترمب أتاح لطهران فرصاً متكررة للتوصل إلى اتفاق، لكنها اختارت استخدام مضيق هرمز ورقة للضغط والمساومة.

وقال براك إن الإدارة الأميركية لم تعد تضع تغيير النظام الإيراني في صدارة أهدافها، وإنها أبدت استعداداً للحوار في محطات عدة. ويشير هذا الموقف إلى أن واشنطن قد تركز على انتزاع تنازلات محددة، خصوصاً في الملف النووي وأمن الملاحة، بدلاً من تبني هدف معلن لتغيير النظام.

وتأتي هذه التصريحات وسط تكهنات بشأن احتمال تنفيذ عملية عسكرية أميركية جديدة بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، المقررة في 3 نوفمبر (تشرين الثاني)، في وقت تحدثت فيه تقارير صحافية عن استعدادات لعملية قد تستمر أياماً عدة وتستهدف منشآت نووية ومخازن للصواريخ والطائرات المسيّرة وبنى تحتية للطاقة. ولم تتوافر، وفق المعلومات الواردة، تأكيدات بصدور قرار نهائي بتنفيذ تلك العملية، في حين تؤكد جميع التقارير أن مضيق هرمز والملف النووي يشكلان عقدتين أمام استئناف المفاوضات بين الطرفين.

رهان على الضغط الاقتصادي

القوات الأميركية قالت إنها ساعدت أكثر من ألفَي سفينة تجارية على عبور مضيق هرمز (سنتكوم)

في موازاة التلويح بالخيار العسكري، أكد السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، أن بلاده تستعد لاحتمال استمرار الصراع مع إيران فترة طويلة، رغم آمال الإدارة في أن تدفع الضربات والعقوبات الاقتصادية طهران إلى تقديم تنازلات كبيرة.

وقال والتز، في مقابلة مع صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية، نُشرت الجمعة، إن واشنطن تأمل في عودة إيران إلى المفاوضات بجدية، محذراً في الوقت نفسه من احتمال أن تجد الولايات المتحدة نفسها، بعد عام، في حالة جمود مع طهران، من دون اتفاق بشأن برنامجها النووي أو عودة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى مستوياتها السابقة للحرب.

وأضاف أن الرئيس الأميركي والبحرية الأميركية قادران على مواصلة الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية في المستقبل المنظور، مشيراً إلى أن الإدارة تعمل على تشديد الضغوط الاقتصادية. وشدد على أن منع إيران من الاحتفاظ بمواد نووية عالية التخصيب يمثل هدفاً استراتيجياً لواشنطن.

وتكشف هذه التصريحات عن مفارقة في الحسابات الأميركية: فبينما تتحدث الإدارة عن إمكانية إنهاء الحرب سريعاً، فإنها تستعد أيضاً لاحتمال استمرار المواجهة من دون اتفاق، مع الاعتماد على الحصار والضغط الاقتصادي لإضعاف موقف طهران التفاوضي.

غير أن نجاح هذه الاستراتيجية يظل مرتبطاً بقدرة واشنطن على منع التصعيد من دون الانجرار إلى حرب أوسع، وبمدى استعداد إيران لتقديم تنازلات في ظل استمرار الضغوط العسكرية والاقتصادية.

إيران تعيد تشغيل مصانع الصواريخ

صواريخ إيرانية معروضة في أحد شوارع طهران (رويترز)

في المقابل، تسعى طهران إلى إظهار أنها لا تزال تحتفظ بقدرات عسكرية تسمح لها بالرد على أي هجوم جديد. ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية عن مسؤولين أن إيران استأنفت إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة داخل منشآت تحت الأرض، وأعادت تشغيل مرافق مخصصة لهذا الغرض رغم الضربات التي تعرضت لها.

وحسب التقرير، لا تزال إيران تمتلك مخزونات مهمة من الصواريخ والمسيّرات، وإن لم تتوافر أرقام محددة بشأن حجم الإنتاج المستأنف أو الكميات المتبقية في الترسانة الإيرانية.

ونقلت الصحيفة أيضاً عن مسؤولين أميركيين أن إيران ربما حصلت على مساعدة من جهات صينية تمثلت في صور التقطتها أقمار اصطناعية، يُحتمل أنها استُخدمت لتعقب مواقع سفن حربية أميركية. لكن هذه المعلومات لم تُؤكد بصورة قاطعة، كما لم تتضح هوية الجهات التي يُشتبه في تقديمها الصور أو صلتها بالحكومة الصينية.

في سياق متصل، حذرت طهران، وفق ما أوردته الصحيفة، عبر تصريحات علنية وقنوات دبلوماسية خاصة، من أن أي استئناف للحملات الجوية الأميركية والإسرائيلية قد يقابل بردود تتجاوز القواعد الأميركية والسفن الحربية.

وتشمل الأهداف التي لوحت إيران بإمكانية استهدافها مطارات وخطوط أنابيب ومنشآت اقتصادية وأهدافاً مدنية في الدول المجاورة، فضلاً عن تهديدات بتوسيع نطاق الردود لتشمل كابلات الإنترنت البحرية.

وتهدف هذه الرسائل، وفق التقرير، إلى ردع واشنطن وتل أبيب عن شن هجمات جديدة، لكنها تثير في الوقت نفسه مخاوف من انتقال المواجهة إلى دول أخرى، بما قد يهدد البنية التحتية الحيوية وحركة النقل والطاقة والاتصالات في المنطقة.

وأشارت الصحيفة إلى أن الولايات المتحدة تعمل على إبعاد مزيد من العسكريين والموظفين الدبلوماسيين عن مناطق الخطر المحتملة، في مؤشر إلى استمرار الاستعدادات لاحتمال اتساع نطاق المواجهة.

طهران تتمسك بدور رئيسي في «هرمز»

زوارق تحوم حول ناقلة نفط خلال مناورة عسكرية لـ«الحرس الثوري» بمضيق هرمز 17 فبراير الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)

بات مضيق هرمز أحد أبرز محاور الصراع بين واشنطن وطهران، بعدما قيَّدت إيران حركة الملاحة فيه منذ اندلاع الحرب، في حين فرضت الولايات المتحدة حصاراً على الموانئ الإيرانية.

وتتمسك طهران بدور رئيسي في الإشراف على حركة العبور عبر المضيق وفق مسار تحدده، في حين ترفض واشنطن وأطراف أخرى هذا الطرح، في خلاف يتجاوز البعد العسكري إلى أمن إمدادات الطاقة العالمية وحرية الملاحة الدولية.

ويمنح الموقع الاستراتيجي للمضيق أي تصعيد جديد أبعاداً تتجاوز حدود المواجهة الثنائية؛ إذ إن اضطراب حركة السفن أو استهداف البنية التحتية المرتبطة بالطاقة قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، ويزيد الضغوط على أسواق النفط والاقتصاد العالمي.

في هذا السياق، تبدو السيطرة على حركة الملاحة ورقة ضغط متبادلة: تستخدمها طهران لتعزيز موقفها في مواجهة الحصار، في حين تسعى واشنطن إلى إعادة فتح الممر البحري والحد من قدرة إيران على توظيفه سياسياً وعسكرياً.

بين الحسم العسكري والتسوية

وتواجه الإدارة الأميركية معادلة معقدة؛ فهي تسعى إلى انتزاع تنازلات بشأن البرنامج النووي وإعادة الملاحة في مضيق هرمز، لكنها تدرك أن استمرار الحصار والضغط العسكري لا يضمن بالضرورة التوصل إلى اتفاق، وقد يدفع طهران إلى توسيع ردودها.

وفي المقابل، تراهن إيران على الاحتفاظ بقدراتها الصاروخية والمسيّرة، واستخدام موقعها الجغرافي وأوراق الضغط الإقليمية لرفع تكلفة أي هجوم جديد. لكن توسيع الاستهداف ليشمل منشآت مدنية أو بنى تحتية في دول الخليج قد يحول المواجهة إلى أزمة إقليمية أوسع، ويزيد عزلة طهران ومخاطر تعرضها لردود إضافية.

وبين حديث ترمب عن نهاية قريبة للحرب وتحذيرات مسؤولين أميركيين من احتمال استمرار الجمود عاماً آخر، يبقى المسار المقبل مرهوناً بمدى استعداد الطرفين للعودة إلى مفاوضات جدية، وبقدرتهما على تجنب خطوات عسكرية قد تجعل احتواء الصراع أكثر صعوبة.

وفي ظل غياب مؤشرات مؤكدة على تسوية وشيكة أو قرار نهائي بشن هجوم جديد، تظل المنطقة أمام احتمالين متوازيين: تصعيد عسكري قد تتسع تداعياته إلى ما وراء إيران، أو ضغوط متبادلة تفتح الباب أمام تفاوض صعب بشأن النووي والملاحة وأمن المنطقة.


ترمب: يمكننا إنهاء الحرب مع إيران بسرعة كبيرة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في حديقة البيت الأبيض قبل التوجه إلى فلوريدا (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في حديقة البيت الأبيض قبل التوجه إلى فلوريدا (رويترز)
TT

ترمب: يمكننا إنهاء الحرب مع إيران بسرعة كبيرة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في حديقة البيت الأبيض قبل التوجه إلى فلوريدا (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في حديقة البيت الأبيض قبل التوجه إلى فلوريدا (رويترز)

​قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم الجمعة، ‌إن ‌الولايات ​المتحدة ‌تستطيع إنهاء ​الحرب مع إيران بسرعة، لكنه تساءل عما إذا ‌كان ينبغي ‌لواشنطن ​السعي ‌إلى إنهائها ‌سريعاً أو ترك الصراع ‌يتلاشى تدريجياً.

وأضاف ترمب، وفقاً لوكالة «رويترز»: «يمكننا إنهاءها بسرعة كبيرة. والسؤال هو: هل نريد حسمها أم نتركها ​تتلاشى؟».

وأكد الرئيس الأميركي: «يمكننا الاستيلاء على كل النفط في إيران».

وهدد «الحرس الثوري» الإيراني باستهداف القوات الأميركية الموجودة في المنطقة إذا واصلت مرافقة السفن عبر مضيق هرمز، محذراً من توسيع المواجهة.